أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو موسى الأشعريّ -﵁- تقدّم القول فيه في الحديث الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) هو ابن عبد الله، وأبو نَمِر جدّه. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) بكسر الياء المشدّدة على الصحيح، وقيل: بفتحها، قال السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث":
كُلُّ مُسَيَّب فَبِالْفَتْحِ سِوَى … أَبِي سَعِيدٍ فَلَوَجْهَيْنِ حَوَى
وقلت مذيِّلًا عليه:
قُلْتُ وَكَسْرُهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى … أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَثَبَتَا
وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ … بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ
فَابْعُدْ عَنِ الْفَتْحِ تَكُنْ مُجَانِبَا … دُعَاءَهُ وَنِعْمَ ذَاكَ مَطْلَبَا
(أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس -﵁-، (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِه، ثُمَّ خَرَجَ) من بيته مريدًا النبيّ -ﷺ- (فَقَالَ: لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) وقوله: (وَلأكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا) بيان للزومه. (قَالَ) أبو موسى (فَجَاءَ الْمَسْجِدَ) فيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: فجئت المسجد، ويَحْتَمل أن يكون الفاعل ضمير سعيد؛ أي: قال سعيد راويًا عن أبي موسى، والأول أظهر؛ لأن ظاهر السياق يؤيّده، والله تعالى أعلم.
(فَسَأَل عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: خَرَجَ، وَجَّهَ هَا هُنَا) قال القرطبيّ ﵀: الرواية المشهورة: "وجَّه" بفتح الجيم، مشدَّدةً، على أنه فعل ماضٍ، وضَبَطه أبو بحر: "وَجْه" -بسكون الجيم- على أن يكون ظرفًا، والعامل فيه "خَرَجَ"؛ أي: خرج في هذه الجهة. انتهى (^١).
وقال النوويّ ﵀: المشهور في الرواية: "وَجّه" بتشديد الجيم، وضَبَطه
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٦٤.
[ ٣٨ / ٥٣٩ ]
بعضهم بإسكانها، وحكى القاضي الوجهين، ونقل الأول عن الجمهور، ورجَّح الثاني؛ لوجود "خَرَج"؛ أي: قَصَدَ هذه الجهة. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": كذا للأكثر: بفتح الواو، وتشديد الجيم؛ أي: توجه، أو وَجّه نفسه، وفي رواية الكشميهنيّ بسكون الجيم، بلفظ الاسم مضافًا إلى الظرف؛ أي: جهةَ كذا. انتهى (^٢).
(قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ) بفتحتين، أو بكسر، فسكون؛ أي: بَعده، (أَسْأَلُ عَنْهُ)؛ أي: عن المكان الذي يوجد فيه، (حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ) -بفتح الألف، وكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة، ثم سين مهملة-: بستان بالمدينة معروف، يجوز فيه الصرف، وعدمه، وهو بالقرب من قُباء، وفي بئرها سقط خاتم النبيّ -ﷺ- من أصبع عثمان -﵁-.
(قَالَ) أبو موسى (فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَاب، وَبَابُهَا)؛ أي: باب البئر (مِنْ جَرِيدٍ)؛ أي: من جريد النخل، قال الفيّوميّ ﵀: الجريد: سَعَفُ النخل، الواحدة جريدة، فَعِيلةٌ بمعنى: مفعولة، وإنما تُسمّى جريدةً إذا جُرّد عنها خُوصُها. انتهى (^٣).
(حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَاجَتَهُ)؛ أي: من البول ونحوه، (وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ) -ﷺ-، وقوله: (فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ) "إذا" هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني جلوسه (عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا) -بضم القاف، وتشديد الفاء- هي الدكة التي تُجعل حول البئرَ، وأصله ما غَلُظ من الأرض، وارتفع، والجمع قِفَافٌ، ووقع في رواية عثمان بن غياث عن أبي عثمان السابقة: "بينما رسول الله -ﷺ- في حائط من حائط المدينة، وهو متكئ، ينكُت بعود معه بين الماء والطين" (^٤).
وقال القرطبيّ ﵀: "القفّ" -بضم القاف- أصله: الغليظ من الأرض، قاله ابن دريد وغيره، وعلى هذا فالقف الذي يتمكن الجماعة أن يجلسوا عليه، ويُدْلُوا أرجلهم في البئر، هو جانبها المرتفع عن الأرض، وكل ما قيل فيه
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧١.
(٢) "الفتح" ٨/ ٣٦٥.
(٣) "المصباح المثير" ١/ ٩٦.
(٤) "الفتح" ٨/ ٣٦٥.
[ ٣٨ / ٥٤٠ ]
خلاف هذا فيه بُعد، ولا يناسب مساق الحديث. انتهى (^١).
وقال في "العمدة" بعدما ذكر نحو ما تقدّم: ويقال: القُفّ: اليابس، ويَحْتَمِل أن يكون سُمّي به؛ لأن ما ارتفع حول البئر يكون يابسًا دون غيره غالبًا. انتهى (^٢).
(وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْه، وَدَلَّاهُمَا)؛ أي: أرسلهما (فِي الْبِئْر، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَاب، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْيَوْمَ)، وفي رواية: "أمرني ان أحفظ الباب" قال النوويّ ﵀: يَحْتَمِل أنه -ﷺ- أمَره أن يكون بوابًا في جميع ذلك المجلس؛ ليبشّر هؤلاء المذكورين بالجنة -﵃-، ويَحْتَمِل أنه أمَره بحفظ الباب أولًا إلى أن يقضي حاجته، ويتوضأ؛ لأنها حالة يُستتر فيها، ثم حفظ الباب أبو موسى من تلقاء نفسه. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: "فقلت: لأكوننّ بوابَ رسول الله -ﷺ- اليوم" ظاهره أنه اختار ذلك، وفَعَله من تلقاء نفسه، وقد صرّح بذلك في رواية محمد بن جعفر، عن شريك، في "الأدب"، فزاد فيه: "ولم يأمرني"، قال ابن التين: فيه أن المرء يكون بوابًا للإمام، وإن لم يأمره، كذا قال.
وقد وقع في رواية أبي عثمان، عن أبي موسى: "أن النبيّ -ﷺ- دخل حائطًا، وأمَره بحفظ باب الحائط"، ووقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيِّب في هذا الحديث: "فقال: يا أبا موسى امْلِك عليّ الباب، فانطلَق، فمَضى حاجته، وتوضأ، ثم جاء، فقعد على قُفّ البئر"، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والروياني في "مسنده".
وفي رواية الترمذيّ من طريق أبي عثمان، عن أبي موسى: "فقال لي: يا أبا موسى امْلِك عليّ الباب، فلا يدخلن عليّ أحدٌ".
قال الحافظ: فيُجمع بينهما بأنه لمّا حدّث نفسه بذلك صادف أمْر النبيّ -ﷺ- بأن يحفظ عليه الباب، وأما قوله: "ولم يأمرني" فيريد أنه لم يأمره
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٦٤.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ١٩٠.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧٠.
[ ٣٨ / ٥٤١ ]
أن يستمرّ بوابًا، وإنما أمرَه بذلك قَدْر ما يقضي حاجته، ويتوضأ، ثم استمر هو من قِبَل نفسه.
قال: فبَطَل أن يُستدَلّ به لِمَا قاله ابن التين، والعجب أنه نَقَل ذلك بعدُ عن الداوديّ، وهذا من مختلف الحديث، وكأنه خَفِي عليه وجه الجمع الذي قررته، ثم إن قول أبي موسى -﵁- هذا لا يعارض قول أنس -﵁-: إنه -ﷺ- لم يكن له بواب، كما سبق في "كتاب الجنائز"؛ لأن مراد أنس أنه لم يكن له بوّاب مرتَّب لذلك على الدوام. انتهى (^١).
وقال الحافظ في موضع آخر: قوله: "لأكوننّ اليوم بواب النبيّ -ﷺ-، ولم يأمرني"، قال الداوديّ في الرواية الأخرى: "أمرني بحفظ الباب"، وهو اختلاف ليس المحفوظ إلا أحدهما.
وتُعُقب بإمكان الجمع بأنه فَعَل ذلك ابتداءً من قِبَل نفسه، فلما استأذن أوّلًا لأبي بكر، وأمَره النبيّ -ﷺ- أن يأذن له، ويبشّره بالجنة، وافق ذلك اختيار النبيّ -ﷺ- لِحِفظ الباب عليه؛ لكونه كان في حال خلوة، وقد كشف عن ساقه، ودلى رجليه، فأمَره بحفظ الباب، فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به قِبَل الأمر، ويَحْتَمِل أن يكون أطلق الأمر على التقرير. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^٢)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَدَفَعَ الْبَابَ)، وفي رواية: "فجاء رجل يستأذن"، (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ)؛ أي: أنا أبو بكر، (فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء، وفتحها لغتان، والكسرَ أشهر، ومعناه: تَمَهَّلْ، وتَأَنَّ، قاله النوويّ (^٣).
وقال القرطبيّ: هو بكسر الراء، وهو المعروف، ويقال: بفتحها؛ أي: اسكُنْ، وارْفُقْ، كما يقال: على هينتك. انتهى (^٤).
(قَالَ) أبو موسى (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا أَبُو بَكْرٍ) -﵁-
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣٦٥ - ٣٦٦، كتاب "الفضائل" رقم (٣٦٧٤).
(٢) "الفتح" ١٦/ ٥٠٩، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٩٧).
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧١.
(٤) "المفهم" ٦/ ٢٦٤.
[ ٣٨ / ٥٤٢ ]
(يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ) -ﷺ- (ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، قَالَ) أبو موسى (فَأَقْبَلْتُ، حَتَّى قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ، ادْخُلْ، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ) زاد في رواية: "فحمد الله"، وكذا قال في عمر. (قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَعَهُ فِي الْقُفّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ)؛ أي: مدّهما (فِي الْبِئْر، كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَكشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ)؛ أي: كما كشف -ﷺ- عنهما. (ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ، وَيَلْحَقُنِي) كان لأبي موسى الأشعريّ أخوان: أبو رُهْم، وأبو بُرْدة، وقيل: إن له أخًا آخر، اسمه محمد، وأشهرهم أبو بُردة، واسمه عامر، وقد أخرج عنه أحمد في "مسنده" حديثًا (^١). (فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلَانٍ -يُرِيدُ أَخَاهُ- خَيْرًا يَأْتِ بِهِ)؛ أي: حتى يبشَّر بالجنّة مع هؤلاء، (فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ) فيه حُسْن الأدب في الاستئذان، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية [النور: ٢٧].
وتعقّبه الحافظ: فقال: وما أبعدَ ما قال، فقد وقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة: "فجاء رجل، فاستأذن"، وفي رواية أبي عثمان النّهْدي: "فجاء رجل، فاستفتح"، فعُرف أن قوله: "يحرك الباب" إنما حرّكه مستاذنًا، لا دافعًا له؛ ليدخل بغير إذن. انتهى (^٢).
(فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب) -﵁- (فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ، يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أذن لك -ﷺ- في الدخول عليه، (وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْجَنَّةِ) تقدّم أنه حمد الله تعالى. (قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِه، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْر، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا -يَعْنِي: أَخَاهُ- يَأْتِ بِه، فَجَاءَ إِنْسَانٌ، فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) -﵁-، (فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: وَجِئْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ" في رواية أبي عثمان: "ثم جاء آخر، يستأذن، فسكت هُنَيّةً، ثم قال: ائذن له"،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣٦٦.
(٢) "الفتح" ٨/ ٣٦٦.
[ ٣٨ / ٥٤٣ ]
(وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ"، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْجَنَّة، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ) في رواية أبي عثمان: "فحمِد الله، ثم قال: الله المستعان"، وفي رواية عند أحمد: "فجعل يقول: اللهم صبرًا حتى جلس"، وفي رواية عبد الرحمن بن حرملة: "فدخل، وهو يحمد الله، ويقول: اللهم صبرًا". ووقع في حديث زيد بن أرقم عند البيهقيّ في "الدلائل": "قال: بعثني النبيّ -ﷺ-، فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر، فقل له: إن النبيّ -ﷺ- يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أبشر بالجنة، ثم انطلِقْ إلى عمر كذلك، ثم انطلق إلى عثمان كذلك -وزاد- بعد بلاء شديد، قال: فانطلق، فذكر أنه وجدهم على الصفة التي قال له، وقال: أين نبيّ الله؟ قلت: في مكان كذا وكذا، فانطلَق إليه، وقال في عثمان: فأخذ بيدي، حتى أتينا رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله إن زيدًا، قال لي: كذا، والذي بعثك بالحقّ ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأيّ بلاء يصيبني؟ قال: هو ذاك"، قال البيهقيّ: إسناده ضعيف، فإن كان محفوظًا احْتَمَل أن يكون النبيّ -ﷺ- أرسل زيد بن أرقم قبل أن يجيء أبو موسى، فلما جاؤوا كان أبو موسى قد قعد على الباب، فراسَلَهم على لسانه بنحو ما أرسل به إليهم زيد بن أرقم، والله أعلم.
ووقع نحو قصة أبي موسى لبلال، وذلك فيما أخرجه أبو داود، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن نافع بن عبد الحارث الخزاعيّ، قال: دخل رسول الله -ﷺ- حائطًا من حوائط المدينة، فقال لبلال: أَمْسِكْ عليّ الباب، فجاء أبو بكر يستأذن، فذكر نحوه.
وأخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من حديث أبي سعيد نحوه.
قال الحافظ ﵀: وهذا إن صحّ حُمِل على التعدد، ثم ظهر لي أن فيه وَهَمًا من بعض روأته، فقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، وفي حديثه أن نافع بن عبد الحارث، هو الذي كان يستأذن، وهو وَهَمٌ أيضًا، فقد رواه أحمد من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة، عن نافع، فذكره، وفيه: "فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال لأبي موسى، فيما أعلم: ائذن له".
وأخرجه النسائيّ من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن نافع بن
[ ٣٨ / ٥٤٤ ]
عبد الحارث، عن أبي موسى، وهو الصواب، فرجع الحديث إلى أبي موسى، واتَّحَدت القصةُ، والله أعلم.
[تنبيه]: أشار النبيّ -ﷺ- بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وقد وَرَدَ عنه -ﷺ- أصرح من هذا، فروى أحمد من طريق كُليب بن وائل، عن ابن عمر: "قال: ذكر رسول الله -ﷺ- فتنةً، فمرّ رجل، فقال: يُقتل فيها هذا يومئذ ظلمًا، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان"، وإسناده صحيح (^١).
(قَالَ) أبو موسى (فَدَخَلَ) عثمان (فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ) بالنبيّ -ﷺ-، وصاحبيه -﵄-، (فَجَلَسَ وُجَاهَهُمْ) بضمّ الواو، وكَسْرها؛ أي: مقابلهم (مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشين المعجمة؛ أي: الجانب الآخر.
(قَالَ شَرِيكٌ)؛ أي: ابن أبي نمر، فهو موصول بالإسناد الماضي. (فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ)؛ أي: أوَّلت هؤلاء الثلاثة الجالسين على الهيئة المذكورة بقبورهم، والتأويل بالقبور من جهة كون الشيخين مصاحبين له عند الحفرة المباركة، لا من جهة أن أحدهما في اليمين، والآخر في اليسار، وأما عثمان فهو في البقيع، مقابلًا لهم، وهذا من الفراسة الصادقة، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال القاضي عياض ﵀: يريد أنه تفرّس في تلك الحالة من جلوسهم، واجتماع الثلاثة في جهة، وانفراد عثمان عنهم دَفْن أولئك الثلاثة بمكان واحد، وليس تلك رؤيا تُحمل على التأويل، وإنما هو من باب التفرّس، ومما يقع في القلب. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": فيه وقوع التأويل في اليقظة، وهو الذي يُسَمَّى الفِراسة، والمراد: اجتماع الصاحبين مع النبيّ -ﷺ- في الدفن، وانفراد عثمان عنهم في البقيع، وليس المراد خصوص صورة الجلوس الواقعة.
وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيِّب: "قال
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣٦٦.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ١٩٠.
(٣) "إكمال المعلم" ٧/ ٤١٠.
[ ٣٨ / ٥٤٥ ]
سعيد: فأوَّلت ذلك انتباذ قبره من قبورهم"، وفي لفظ: "اجتمعت ها هنا، وانفرد عثمان".
ولو ثبت الخبر الذي أخرجه أبو نعيم عن عائشة -﵂- في صفة القبور الثلاثة: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، لكان فيه تمام التشبيه، ولكن سنده ضعيف، وعارَضه ما هو أصح منه.
أخرج أبو داود، والحاكم، من طريق القاسم بن محمد، قال: "قلت لعائشة: يا أماه اكشفي لي عن قبر رسول الله -ﷺ- وصاحبيه، فكشفت لي. . ." الحديث، وفيه: "فرأيت رسول الله، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبيّ -ﷺ-" (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ هَا هُنَا، وَأَشَارَ لِي سُلَيْمَانُ إِلَى مَجْلِسِ سَعِيدٍ، نَاحِيَةَ الْمَقْصُورَة، قَالَ أَبُو مُوسَى: خَرَجْتُ أُرِيدُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَلَكَ فِي الأَمْوَال، فَتَبِعْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ دَخَلَ مَالًا، فَجَلَسَ فِي الْقُفّ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْه، وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ سَعِيدٍ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصَغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ١٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيد بن كثير بن عُفير الأنصاريّ مولاهم المصريّ، نُسب إلى جدّه، صدوقٌ عالم بالأنساب وغيرها، قال الحاكم:
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣٦٨.
[ ٣٨ / ٥٤٦ ]
يقال: إن مصر لم تُخْرج أجمعَ للعلوم منه، وقد ردّ ابن عبديّ على السعديّ في تضعيفه [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م قد س) تقدم في "الأشربة" ١/ ٥١٢١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَأَشَارَ لِي سُلَيْمَانُ … إلخ) هذا من قول سعيد بن عفير؛ يعني: أن شيخه سليمان بن بلال أشار له حين حدّثه بهذا الحديث إلى مكان جلوس سعيد بن المسيّب من المسجد النبويّ، وهو إلى ناحية المقصورة، قال الفيّوميّ ﵀: مقصورة الدار: الْحُجْرة منها، ومقصورة المسجد أيضًا، وبعضهم يقول: هي محوّلة عن اسم الفاعل، والأصل: قاصرة؛ لأنها حابسة، كما قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾؛ أي: ساترًا. انتهى (^١).
ويقال: إن أول من اتخذ المقصورة هو معاوية بن أبي سفيان -﵄- بعد أن ضربه الخارجي، والقصّة مشهورة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَدْ سَلَكَ فِي الأَمْوَالِ) قال ابنُ الأَثيرِ: المالُ في الأَصْلِ: ما يُمْلَكُ من الذَّهَب والفِضَّة، ثم أُطْلِقَ على كُلِّ ما يُقْتَنى ويُمْلَكُ من الأَعيان، وأَكثَرُ ما يُطلَقُ المالُ عندَ العربِ على الإبِلِ؛ لأَنَّها كانت أَكثَرَ أَموالِهِمْ. انتهى (^٢).
والمراد هنا: البساتين، كما في الرواية الأخرى: "دخل حائطًا من حوائط المدينة".
وقوله: (قَدْ دَخَلَ مَالًا)؛ أي: بستانًا.
وقوله: (فَجَلَسَ فِي الْقُفِّ) القُفّ: ما ارتفع من متن البئر، وقال الداوديّ: ما حول البئر، والمراد هنا: مكان يبنى حول البئر للجلوس، والقُفّ أيضًا: الشيء اليابس، وفي أودية المدينة وادٍ يقال له: القُفّ، وليس مرادًا هنا (^٣).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "ساق" ضمير سعيد بن عُفير.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: رواية سعيد بن عفير عن سليمان بن بلال هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فلْيُنْظَر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٥.
(٢) "تاج العروس" ١/ ٧٥٢٤.
(٣) "الفتح" ١٦/ ٥١٠.
[ ٣٨ / ٥٤٧ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ بِالْمَدِينَةِ لِحَاجَتِه، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ، اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الْحَكَم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "اقتصّ" ضمير محمد بن جعفر. وقوله: (قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ، اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ) قال الداوديّ: كان سعيد بن المسيِّب لجودته في عبارة الرؤيا، يستعمل التعبير فيما يشبهها، وقال الحافظ: ويؤخذ منه أن التمثيل لا يستلزم التسوية، فإن المراد بقوله: "اجتمعت" مطلق الاجتماع، لا خصوص كون أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، كما كانوا على البئر، وكذا عثمان انفرد قبره عنهم، ولم يستلزم أن يكون مقابلهم. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٦٦٨٤) - حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٥١٠.
[ ٣٨ / ٥٤٨ ]
شريك بن عبد الله، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: خرج النبيّ -ﷺ- إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكوننّ اليوم بواب النبيّ -ﷺ-، ولم يأمرني، فذهب النبيّ -ﷺ-، وقضى حاجته، وجلس على قُفّ البئر، فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت، حتى أستأذن لك، فوقف، فجئت إلى النبيّ -ﷺ-، فقلت: يا نبيّ الله أبو بكر يستأذن عليك، قال: "ائذن له، وبشّره بالجنة"، فدخل، فجاء عن يمين النبيّ -ﷺ-، فكشف عن ساقيه، ودلّاهما في البئر، فجاء عمر، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبيّ -ﷺ-: "ائذن له، وبشّره بالجنة"، فجاء عن يسار النبيّ -ﷺ-، فكشف عن ساقيه، فد، هما في البئر، فامتلأ القُفّ، فلم يكن فيه مجلس، ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبيّ -ﷺ-: "ائذن له، وبشّره بالجنة، معها بلاء يصيبه"، فدخل، فلم يجد معهم مجلسًا، فتحوّل حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه، ثم دلّاهما في البئر، فجعلت أتمنى أخًا لي، وأدعو الله أن يأتي. قال ابن المسيِّب: فتاوّلت ذلك قبورهم، اجتمعت ها هنا، وانفرد عثمان. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.