أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٨١) من رباعيّات الكتاب، وله فيه أربعة من الشيوخ قَرَن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وفيه ابن عمر -﵄- سبق الكلام فيه قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، (أَنَّهُ سَمِعَ) عبد الله (بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄ - (يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعْثًا) هو البعث الذي أَمَر -ﷺ- بتجهيزه في مرض وفاته، وقال: "أنْفِذوا بعث أسامة"، فأنفذه أبو بكر -﵁- بعده -ﷺ-.
[ ٣٨ / ٧١٥ ]
[تنبيه]: كان تجهيز أسامة -﵁- يوم السبت قبل موت النبيّ -ﷺ- بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبيّ -ﷺ-، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة، فقال: "سِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وَلّيتك هذا الجيش، وأَغِر صباحًا على أُبْنَى، وحَرِّق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخبر، فإن ظَفّرك الله بهم، فأقلّ اللُّبْث فيهم"، فبدأ برسول الله -ﷺ- وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواءً بيده، فأخذه أسامة، فدفعه إلى بريدة، وعَسْكَر بالْجُرُف، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين، والأنصار، منهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم، فتكلم في ذلك قوم، منهم عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ، فرَدّ عليه عمر، وأخبر النبيّ -ﷺ-، فخطب بما ذُكِر في هذا الحديث، ثم اشتدّ برسول الله -ﷺ- وجعه، فقال: أنفِذُوا بَعْث أسامة، فجهّزه أبو بكر بعد أن استُخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أُمر بها، وقَتَل قاتل أبيه، ورجع بالجيش سالِمًا، وقد غَنِموا.
وكانت آخر سريّة جهّزها النبيّ -ﷺ-، وأول شيء جهّزه أبو بكر -﵁ -.
قال الحافظ: وقد أنكر ابن تيمية في كتاب الردّ على ابن المطهر أن يكون أبو بكر، وعمر، كانا في بعث أسامة، ومستند ما ذكره ما أخرجه الواقديّ بأسانيده في "المغازي"، وذكره ابن سعد أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة، ولفظه: بدأ برسول الله -ﷺ- وجعه يوم الأربعاء، فأصبح يوم الخميس، فعقد لأسامة، فقال: اغْزُ في سبيل الله، وسِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فقد ولّيتك هذا الجيش، فذكر القصة، وفيها لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة، منهم أبو بكر وعمر، ولمّا جهّزه أبو بكر بعد أن استُخلف سأله أبو بكر أن يأذن لعمر بالإقامة، فأَذِن، ذكر ذلك كله ابن الجوزيّ في "المنتظم" جازمًا به، وذكر الواقديّ، وأخرجه ابن عساكر من طريقه مع أبي بكر وعمر: أبا عبيدة، وسعدًا، وسعيدًا، وسلمة بن أسلم، وقتادة بن النعمان، والذي باشر القول ممن نُسب إليهم الطعن في إمارته: عياش بن أبي ربيعة، وعند الواقديّ أيضًا أن عِدّة
[ ٣٨ / ٧١٦ ]
ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة من قريش، وفيه عن أبي هريرة: كانت عدة الجيش سبعمائة، ذكره في "الفتح" (^١).
(وَأَمَّرَ) بتشديد الميم؛ أي: جَعَل (عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) -﵄ - (فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ) بكسر الهمزة، وسكون الميم: الولاية؛ كالإمارة، يقال: أَمَرَ يأمُرُ، من باب قَتَلَ، فهو أمير، والجمع الأُمراء، ويُعدَّى بالتضعيف، فيقال: أمّرته تأميرًا (^٢)، زاد في رواية البخاريّ: "فطعن بعض الناس في إمارته"، قال في "الفتح": سُمّي ممن طَعَن في ذلك: عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ.
وقال القرطبيّ ﵀: بعثُ أسامة هذا -والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه رسول الله -ﷺ- مع أسامة، وأمّره عليهم، وأمَره أن يغزو أُبْنَى، وهي القرية التي هي عند مؤتة -الموضع الذي قتل فيه زيد أبو أسامة-، فأمَره أن يأخذ بثأر أبيه، فطَعن من في قلبه ريبٌ في إمارته؛ من حيث إنه من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السِّن؛ لأنَّه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، فمات النبيّ -ﷺ-، وقد برز هذا البعث عن المدينة، ولم ينفصل بعدُ عنها، فنفَّذَه أبو بكر بعد موت رسول الله -ﷺ- (^٣).
(فَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: على المنبر (فَقَالَ)، وفي الرواية التالية: "قال: وهو على المنبر". ("إِنْ تَطْعَنُوا) -بفتح العين - يقال: طَعَن يَطْعَن بالفتح، في الْعِرْض، والنَّسب، وبالضم بالرمح واليد، ويقال: هما لغتان فيهما. (فِي إِمْرَتِهِ)؛ أي: إمرة أسامة -﵁ -، (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ) قال الكرمانيّ: قالت النحاة: الشرط سبب للجزاء متقدِّم عليه، وها هنا ليس كذلك، ثم أجاب بأنه يؤَوَّل مثله بالإخبار عنهم؛ أي: إن طعنتم فيه فأُخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه، قال: ويلازمه عند البيانيين؛ أي: إن طعنتم فيه تأثمتم بذلك؛ لأنه لم يكن حقًّا، والغرض أنه كان خليقًا بالإمارة، أشار إليه بقوله: "وايم الله" إلى آخره (^٤).
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٦٢٢ - ٦٢٣، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٦٩).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٢.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٠٨.
(٤) "عمدة القاري" ٢٤/ ٢٦١.
[ ٣٨ / ٧١٧ ]
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "فقد كنتم تطعنون … إلخ" هذا الجزاء إنما يترتّب على الشرط بتأويل التنبيه، والترشيح؛ أي: طَعْنكم الآن سبب لِأَنْ أخبركم أن ذلك من عادة الجاهليّة، وهِجِّيراهم، ومن ذلك طَعْنكم في أبيه من قبلُ، ونحوه قول تعالى: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [يوسف: ٧٧]. انتهى (^١).
(مِنْ قَبْلُ)؛ أي: من قبل إمرة أسامة، وأشار به إلى إمارة زيد بن حارثة -﵁ - في غزوة مؤتة، وعند النسائيّ عن عائشة -﵂ - قالت: ما بَعَث رسول الله -ﷺ- زيد بن حارثة في جيش قطّ، إلا أمّره عليهم. وفيه جواز إمارة المولى، وتولية الصغار على الكبار، والمفضول على الفاضل؛ لأنه كان في الجيش الذي كان عليهم أُسامة: أبو بكر وعمر -﵃ - (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه"؛ أي: إن طعنتم فيه، فأُخبركم بأنكم طعنتم من قبلُ في أبيه، والتقدير: إن تطعنوا في إمرته فقد أثمتم بذلك؛ لأن طعنكم بذلك ليس حقًّا، كما كنتم تطعنون في إمرة أبيه، وظهرت كفايته، وصلاحيته للإمارة، وإنه كان مستحقًّا لها، فلم يكن لطعنكم مستنَد، فلذلك لا اعتبار بطعنكم في إمرة ولده، ولا التفات إليه، وقد قيل: إنما طعنوا فيه؛ لكونه مولى، وقيل: إنما كان الطاعن فيه من يُنسب إلى النفاق، وفيه نظر؛ لأن من جملة من سُمِّيَ ممن طَعَن فيه: عياش -بتحتانية، وشين معجمة- ابن أبي ربيعة المخزوميّ، وكان من مُسلِمة الفتح، لكنه كان من فضلاء الصحابة، فعلى هذا فالخطاب بقوله: "إن تطعنوا" لعموم الطاعنين، سواء اتحد الطاعن فيهما، أم اختَلَف.
وقوله: "إن كان لخليقًا"؛ أي: مستحقًّا، وقوله: "للإمرة" بكسر الهمزة، وفي رواية الكشميهنيّ: "للإمارة"، وهما بمعنى. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إن تطعنوا في إمرته … إلخ" هذا خطاب منه -ﷺ- لمن وقع له ذلك الطعن، لكنه على كريم خُلُقه لم يعيِّنهم سَتْرًا لهم؛ إذ
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السُّنن" ١٢/ ٣٩٠٧.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٤٥.
(٣) "الفتح" ١٧/ ١٦ - ١٧، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٨٧).
[ ٣٨ / ٧١٨ ]
مَعْتبتُه كانت كذلك، كما تقدَّم، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولًى، فشهد النبيّ -ﷺ- لأسامة وأبيه -﵄ - بأنَّهما صالحان للإمارة، لِمَا يَعْلم من أهليتهما لها، وأن كونهما مَوْلَيين لا يغضُّ من مناصبهما، ولا يقدح في أهليتهما للإمارة.
ولا خلاف أعلم في جواز إمارة المولى والمفضول، وقد تقدَّم القول في استخلاف المفضول.
و"الإمرة" رويناها بالكسر بمعنى: الولاية، وقال أبو عبيد: يُقال: لك عليّ أمرةٌ مطاعة -بفتح الهمزة-، وكذلك حكاه القتبي، وهي واحدة الأمر.
قلت (^١): وهذا على قياس: جَلسة، وجِلسة -بالفتح للمصدر، والكسر للهيئة -.
والخليق، والحريُّ، والقَمِنُ، والحقيقُ: كلُّها بمعنى واحد. انتهى (^٢).
(وَايْمُ اللهِ)؛ يعني: يمين الله، بمعنى: يمين الحالف بالله؛ وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يحلفان بأيم الله، وأبى الحلف بها الحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ويردّ عليهما هذا الحديث، وغيره، قال العينيّ: وهو يمين عند أصحابنا، قاله الطحاويّ، وبه قال مالك، وقال الشافعيّ: إن لم يُرد بها يمينًا فليست بيمين، وروي عن ابن عباس أنه اسم من أسماء الله تعالى، فإن صح ذلك فهو الحلف بالله (^٣).
وقال العينيّ ﵀ أيضًا: ولفظ "ايم الله" من ألفاظ القَسَم؛ كقولك: والله، وفيها لغات كثيرة، وتُفتح همزتها، وتُكسر، وهمزتها همزة وَصْل، وقد تُقْطَع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جَمْع يمين، وغيرهم يقول: هو اسم موضوع للقَسَم. انتهى (^٤).
(إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا)؛ أي: جديرًا، وأهلًا (لِلإمْرَةِ) "إن" بكسر الهمزة مخفّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين "إن" المخفّفة، و"إن" النافية، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
_________________
(١) القائل القرطبيّ.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٠٨.
(٣) "عمدة القاري" ٢٣/ ١٦٧.
(٤) "عمدة القاري" ٢٤/ ٢٦١.
[ ٣٨ / ٧١٩ ]
والمعنى: أن زيدًا -﵁- كان خليقًا بالإمرة؛ يعني: أنهم طعنوا في إمارة زيد، وظهر لهم في الآخر أنه كان جديرًا لائقًا بها، فكذلك حال أسامة -﵁ -.
(وَإِنْ كَانَ)؛ أي: زيدٌ (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا)؛ أي: أسامةَ، (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ")؛ أي: بعد أبيه زيد -﵁ -.
وقال في "العمدة": قوله: "إن كان" لفظه: "إن" مخففة من المثقلة، أصله: إنه كان؛ أي: إن زيدًا كان لخليقًا؛ أي: لائقًا للإمرة، ومستحقًّا لها، وفي رواية الكشميهنيّ: "للإمارة".
وقوله: "وإن كان"؛ أي: وإنه كان لَمِن أحب الناس إليّ بتشديد الياء.
وقوله: "وإن هذا"؛ أي: وإن أسامة لمن أحب الناس إليّ بعده؛ أي: بعد أبيه.
[فإن قلت]: قد طُعِن على أسامة وأبيه ما ليس فيهما، ولم يعزل النبيّ -ﷺ- واحدًا منهما، بل بيّن فَضْلهما، ولم يَعْتَبر عمر بن الخطاب -﵁ - بهذا القول في سعد بن أبي وقّاص -﵁ -، وعَزَله حين قذفه أهل الكوفة بما هو بريء منه.
[قلت]: عمر -﵁ - لم يعلم من مُغَيّب أمْر سعد ما عَلِمه النبيّ -ﷺ- من أمر زيد وأسامة، وإنما قال عمر لسعد حين ذكر أن صلاته تُشبه صلاة رسول الله -ﷺ-: ذلك الظنّ بك، ولم يقطع على ذلك، كما قطع رسول الله -ﷺ- في أمر زيد إنه خليق للإمارة.
وقيل: الطاعنون فيهما من استصغار سنّهما على من قُدِّما عليه من مشيخة الصحابة، وقيل: هم المنافقون الذي كانوا يطعنون على رسول الله -ﷺ-، ويقبّحون آراءه. انتهى من "العمدة" ببعض تصرّف (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ": "إن" عند البصريين مخففة من الثقيلة، واللام الداخلة بعدها هي المفرّقة بين "إن" المخففة، وبين "إن" الشرطية، وعند الكوفيين: "إن" نافية، واللام بمعنى "إلا"، وهذا نحو قوله [من الكامل]:
شَلَّت يَمِينُك إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … حَلَّت عَلَيك عقوبةُ الْمُتَعَمِّدِ
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٤/ ٢٦١.
[ ٣٨ / ٧٢٠ ]
تقديرها عند البصريين: إنك قتلت مسلمًا، وعند الكوفيين: ما قتلت إلا مسلمًا.
وهذا من رسول الله -ﷺ- خبر عن محبته لزيد -﵁ -، ثم أخبر عن محبته لأسامة، فقال: "وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده"، فكان أسامة الحبَّ ابنَ الحبِّ، وبذلك كان يُدعى، ورضي الله عن عمر بن الخطاب لقد قام بالحقّ، وعرفَه لأهله، وذلك: أنه فرض لأسامةَ في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين، فقال له عبد الله: فَضَّلت عليّ أسامة، وقد شَهِدْتُ ما لم يَشْهد؟! فقال -﵁ -: إن أسامة كان أحبّ إلى رسول الله -ﷺ- منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله -ﷺ- من أبيك، ففضَّل محبوب رسول الله -ﷺ- على محبوبه، وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله -ﷺ-، ويبغض ما أبغض، وقد قابل مروان هذا الحبّ الواجب بنقيضه، وذلك أنه مرَّ بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله -ﷺ-، فقال له مروان: إنَّما أردتَّ أن يُرى مكانُك، فقد رأينا مكانك، فعل الله بك، وفعل -قولًا قبيحًا - فقال له أسامة: إنَّك آذيتني، وإنَّك فاحش متفحش، وقد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش" (^١)، فانظر ما بين الفعلين، وقِسْ ما بين الرَّجلين، فلقد آذى بنوأمية رسول الله -ﷺ- في أحبابه، وناقضوه في مَحابِّه.
[تنبيه]: رَوَى موسى بن عقبة عن سالم، عن ابن عمر -﵄ -: أن رسول الله -ﷺ- قال: "أحبُّ الناس إليَّ أسامة"، فما حاشا فاطمة ولا غيرها، وهذا يعارضه ما تقدَّم من قوله -ﷺ-: إن أحبَّ الناس إليه عائشة، ومن الرِّجال أبوها؛ ويرتفع التعارض من وجهين:
أحدهما: أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبِّه لأسامة بـ "من" التي للتبعيض، كما قد نصَّ عليه بقوله -ﷺ-: "إنه لمن أحب الناس إلي"، وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أسامة بن زيد أحب الناس إليَّ"، أو "من أحب الناس إليّ"، فعلى هذا يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- قال: "إن من أحب الناس إليّ أسامة"، فأسقطها بعض الرواة.
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" ٥/ ٢٠٢، وابن حبّان في "صحيحه" رقم (٥٦٩٤).
[ ٣٨ / ٧٢١ ]
والوجه الثاني: على تسليم أن صحيح الرواية بغير "من"، فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالَمِه.
وبيان ذلك: أنه -ﷺ- ما كان يحب هؤلاء من حيث الصور الظاهرة، فإنَّ أسامة كان أسود أفطس؛ وإنَّما كان يحبهم من حيث المعاني، والخصائص التي كانوا موصوفين بها.
فكان أبو بكر -﵁ - أحب إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره.
وكانت عائشة -﵂ - أحب النساء إليه من حيث إن لها من العلم والفضيلة ما استَحَقّت به أن تَفْضُل على سائر النساء، كما فَضَل الثريد على سائر الطعام.
وكان أسامة -﵁ - أيضًا أحب إليه من حيث إنه كان قد خُص بفضائل ومناقب استَحَقّ بها أن يكون أحب الموالي إليه، فإنَّه أفضلهم وأجلّهم، ولذلك قال -ﷺ-: "فأوصيكم به خيرًا، فإنَّه من صالحيكم"، فأكد الوصية به، ونبَّه على الموجب لذلك، وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه، فإنَّه لم يدخل في شيء من الفتن، فسلَّمه الله تعالى من تلك المحن، إلى أن توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين -﵁ -. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٦٢٤٤ و٦٢٤٥] (٢٤٢٦)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٧٣٠) و"المغازي" (٤٢٥٠ و٤٤٦٨ و٤٤٦٩) و"الأحكام" (٧١٨٧)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨١٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٥٢ و٥٣) وفي "فضائل الصحابة" (١/ ٢٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٠ و٨٩ و١٠٦ - ١٠٧) وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٨٣٤)، و(ابن سعد) في
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٠٩ - ٣١١.
[ ٣٨ / ٧٢٢ ]
"الطبقات" (٤/ ٦٥ - ٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٤٤ و٧٠٥٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٢٨ و٨/ ١٥٤ و١٠/ ٤٤)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٨/ ٦٠ و٦١ و١٦/ ٣٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة ظاهرة للصحابيين الجليلين: زيد بن حارثة، وابنه أسامة -﵄ -، حيث إنهما من أحب الناس إلى النبيّ -ﷺ-، وأنهما جديران بالإمارة، وقال في الرواية التالية: "فأوصيكم به، فإنه من صالحيكم"، وهذا شرف عظيم، وفخر مستديم، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
٢ - (ومنها): جواز إمارة العتيق، وجواز تقديمه على العرب.
٣ - (ومنها): جواز تولية الصغير على الكبار، فقد كان أسامة صغيرًا جدًّا، تُوُفّي النبيّ -ﷺ-، وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل: عشرين.
٤ - (ومنها): جواز تولية المفضول على الفاضل؛ للمصلحة.
٥ - (ومنها): بيان تحريم الطعن في النسب والحسب، وأن ذلك من أعمال الجاهليّة، ولا سيّما الطعن فيمن ولاه الله تعالى أمور المسلمين، قال التوربشتيّ ﵀: إنما طعن من طعن في إمارة زيد، وأسامة -﵄ -؛ لأنهما كانا من الموالي، وكانت العرب لا ترى تولية الموالي، وتستنكف من اتّباعهم كلَّ الاستنكاف، فلما جاء الله ﷾ بالإسلام، ورَفع قَدْر من لم يكن له عندهم قدرٌ بالسابقة، والهجرة، والعلم، والتُّقى عَرَف حقّهم المحفوظون من أهل الدين، وأما المرتهَنون بالعادة، والممتحَنون بحبّ الرئاسة من الأعراب، ورؤساء القبائل، فلم يزل يختلج في صدورهم شيء من ذلك، لا سيّما أهل النفاق، فإنهم كانوا يسارعون إلى الطعن، وشدّة التكبّر عليه، وكان رسول الله -ﷺ- قد بعث زيد بن حارثة -﵁ - أميرًا على عدّة سرايا، وأعظمها جيش مؤتة، وسار تحت رايته في تلك الغزوة نجباء الصحابة -﵃ -، منهم جعفر بن أبي طالب -﵁ -، وكان خليقًا بذلك؛ لسوابقه، وفَضْله، وقُربه من رسول الله -ﷺ-، ثم كان بَعْثُ أسامة -﵁ - وقد أمّره في مرضه على جيش، فيهم جماعة من مشيخة الصحابة، وفضلائهم -﵃ -، وكأنه رأى في ذلك سوى ما توسّم فيه من
[ ٣٨ / ٧٢٣ ]
النجابة أن يمهّد الأمر، ويعطيه لمن يلي الأمر بعده؛ لئلا ينزع أحد من طاعته، وليعلم كلٌّ منهم أن العادات الجاهليّة قد عَمِيت مسالكها، وخفيت معالمها. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في مسألة مهمة من مسائل علم النحو، تتعلّق بحديث الباب:
(اعلم): أنه وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "وإن كان من أحبّ الناس إليّ" بإسقاط اللام الفارقة، وكذا وقع في رواية ابن حبّان بلفظ: "إن كان خليقًا للإمارة" بإسقاطها، وقد تكلّم العلامة النحويّ ابن مالك ﵀ في "شواهد التوضيح" بتحقيق هذه المسألة، وذلك بعد أن ذكر هذا الحديث، وحديث: عبد الله بن بُسر: "إن كنّا فرغنا في هذه الساعة"، وحديث: معاوية -﵁ -: "إن كان مِن أصدق هؤلاء المحدّثين"؛ يعني: كعب الأحبار، وقول نافع: "فكان ابن عمر -﵄ - يُعطي - يعني: صدقة الفطر - عن الكبير والصغير حتى إن كان يعطي عن بَنِيَّ".
قال ابن مالك: تضمّنت هذه الأحاديث استعمال "إن" المخفّفة المتروكة العمل عاريًا ما بعدها من اللام الفارقة؛ لعدم الحاجة إليها، وذلك لأنه إذا خُفّفت "إنّ" صار لفظها كلفظ "إنْ" النافية، فيُخاف التباس الإثبات بالنفي عند تَرْك العمل، فألزموا تالي ما بعد المخفّفة اللام المؤكّدة مميّزة لها، ولا يُحتاج إلى ذلك إلا في موضع صالح للنفي والإثبات، نحو: إن علمتك فاضلًا، فاللام هنا لازمة؛ إذ لو حُذفت مع كون العمل متروكًا، وصلاحية الموضع للنفي لم يتيقّن الإثبات.
فلو لم يصلح الموضع للنفي جاز ثبوت اللام وحَذْفها.
فمن الحذف: "إن كنا فرغنا هذه الساعة"، و"إن كان من أحبّ الناس إليّ"، و"إن كان من أصدق هؤلاء"، و"إن كان يُعطي عن بَنِيَّ"، ومنه قول عائشة -﵂ -: "إن كان رسول الله -ﷺ- يحبّ التيمّن"، وقول عامر بن ربيعة: "إن كان رسول الله -ﷺ- يبعثنا، وما لنا طعام إلا السلف من التمر"، قال: حديث عائشة -﵂ - من "جامع المسانيد"، وحديث عامر -﵁ - من غريب الحديث.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السُّنن" ١٢/ ٣٩٠٧ - ٣٩٠٨.
[ ٣٨ / ٧٢٤ ]
ومنه قراءة أبي رجاء: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥]؛ أي: وإن كلُّ ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا، فحُذف من الصلة المبتدأ، وأبقي الخبر، ومنه قول الطِّرِمّاح بن حكيم [من الطويل]:
أَنَا ابْنُ أُبَاةِ الضَّيْمِ مِنْ آلِ مَالِكٍ … وَإِنْ مَالِكٌ كَانتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
ومثله قول الآخر [من البسيط]:
إِنْ كُنْتُ قَاضِيَ نَحْبِي يَوْمَ بَيْنِكُمُ … لَوْ لَمْ تَمُنُّوا بِوَعْلٍ غَيْرَ تَوْدِيعِ
ومثله [من الطويل]:
أَخِي إِنْ عَلِمْتُ الْجُودَ لِلْحَمْدِ مُنْمِيًا … وَلِلْوُدِّ مُثْبِتًا وَللْمَالِ مُفْنِيَا
ومثله [من الخفيف]:
إِنْ وَجَدْتَ الْكَرِيمَ يَمْنَعُ أَحْيَا … نًا وَمَا إِنْ بِذَا يُعَدُّ بَخِيلَا
وقد أغفل النحويّون التنبيه على جواز حذف اللام عند الاستغناء عنها بكون الموضع غير صالح للنفي، وجعلوها عند ترك العمل لازمةً على الإطلاق؛ ليَجرِيَ البابُ على سَنَنٍ واحد، وحامِلهم على ذلك عدم الاطّلاع على شواهد السماع، فبيّنتُ إغفالهم، وأثبتُّ الاحتجاج عليهم، لا لهم، وأَزِيدُ على ذلك: أن اللام الفارقة إذا كان بعدما وَليَ "إن" نفي، واللَّبس مأمون، فحذفها واجبٌ؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
إِنِ الْحَقُّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ … وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْدَمْ خِلَافَ مُعَانِدِ
ومثله [من الطويل]:
أَمَا إِنْ عَلِمْتُ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلٍ … لَهَانَ اصْطِبَارِي إِنْ بُلِيتُ بِظَالِمِ
وقد أشار ابن مالك إلى مجمل ما تقدّم في "الخلاصة" حيث قال:
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مَعْتَمِدَا
انتهى كلام ابن مالك ﵀ (^١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح" ص ٥٠ - ٥٣.
[ ٣٨ / ٧٢٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٤٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ -يَعْنِي: ابْنَ حَمْزَةَ - عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتهِ -يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِه، وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا، وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَايْمُ اللهِ إِن هَذَا لَهَا لَخَلِيقٌ -يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لأَحَبَّهُمْ إِلَيَّ مِنْ بَعْدِه، فَأُوصِيكُمْ بِه، فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العُمَريّ المدنيّ، ضعيف [٦] (خت م د ت ق) تقدم في "النكاح" ٢٢/ ٣٥٤٢.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لعمر بن حمزة، وهو ضعيف؟.
[قلت]: إنما أخرج له في المتابعة، لا في الأصول، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، وقد بيّن مسلم ﵀ هذا في مقدّمة كتابه هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان ذُكرا قبله، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى
في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.