أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس - ﵁ -، يقال: لزمه أربعين سنةً، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - آخَى) بالمدّ: أي: حالف، وعاقد (بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ) هو: عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضبّة بن الحارث بن فِهْر القرشيّ الْفِهْريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، وشَهِد بدرًا، ومات شهيدًا بطاعون عمواس سنة (١٨) وله (٥٨) سنة، تقدّمت ترجمته في "الصيد والذبائح" ٤/ ٤٩٩٠، له في هذا الكتاب ذِكر، ولا رواية له.
(وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النجاريّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِد بدرًا، وما بعدها، مات سنة أربع وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عاش بعد النبيّ - ﷺ - أربعين سنةً، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٧/ ٧٢٠.
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "آخى رسول الله - ﷺ - بين أبي عبيدة بن الجراح، وبين أبي طلحة - ﵄ -": المؤاخاة: مفاعلة من الأُخُوّة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان على التناصر، والمواساة، والتوارث حتى يصيرًا كالأخوين نسبًا، وقد يُسَمَّى ذلك: حِلفًا، كما قال أنس -﵁-: قد حالف رسول الله -ﷺ- بين قريش والأنصار في داره بالمدينة، وكان ذلك أمرًا معروفًا في الجاهلية، معمولًا به عندهم، ولم يكونوا يسمُّونه إلا حِلْفًا، ولمّا جاء الإسلام عَمِل
[ ٤٠ / ٦٢ ]
النبيّ -ﷺ- به، ووَرَّث به على ما حكاه أهل السِّيَر، وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله -ﷺ- آخى بين أصحابه مرتين: بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة، قال أبو عمر: والصحيح عند أهل السِّيَر والعلم بالآثار والخبر في المؤاخاة التي عقدها رسول الله -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد، على المواساة والحقّ، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فآخى رسول الله -ﷺ- بين عليّ بن أبي طالب ونفسه، فقال له: "أنت أخي وصاحبي"، وفي رواية: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، وكان عليّ -﵁- يقول: أنا عبد الله، وأخو رسوله -ﷺ-، لم يقلها أحدٌ قبلي، ولا يقولها أحدٌ بعدي إلا كذاب مفترٍ. وآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير وسلمة بن سلامة بن وِقْش، وبين طلحة وكعب بن مالك، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين سعد ومحمد بن مسلمة، وبين سعيد بن زيد وأُبَيّ بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب، وبين عمار وحذيفة بن اليمان، حليف بني عبد الأشهل، وقيل: بين عمار وثابت بن قيس، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعبّاد بن بِشر، وبين أبي ذرّ والمنذر بن عمرو، وبين ابن مسعود وسهل بن حُنيف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وبين بلال وأبي رُويحة الخثعميّ، وبين حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة، وبين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت، وبين عُبيدة بن الحارث وعمير بن الْحُمَام، وبين الطفيل بن الحارث -أخيه- وسفيان بن بشر، وبين الحصين بن الحارث -أخيهما- وعبد الله بن جبير، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة، وبين عتبة بن غزوان ومعاذ بن ماعِص، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى، وبين المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وبين ذي الشمالين ويزيد بن الحارث من بني خارجة، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة، وبين عمير بن أبي وقاص وخبيب بن عديّ، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر، وبين شماس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن
[ ٤٠ / ٦٣ ]
زيد الأنصاريّ، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عبديّ، وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وبين عاقل بن البكير ومبشر بن عبد المنذر، وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو البياضي، وبين خنيس بن حذيفة والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، وبين أبي سبرة بن أبي رُهم وعبادة بن الحسحاس، وبين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين، وبين أبي مرثد الغَنَويّ وعبادة بن الصامت، وبين عُكاشة بن محصن والمجذر بن زياد حليف الأنصار، وبين عامر بن فهيرة والحارث بن الضمة، وبين مِهْجَع مولى عمر وسراقة بن عمر النجاريّ.
قال: وقد كان رسول الله - ﷺ - آخى بين المهاجرين قبل الهجرة على الحقّ والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عُبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عُبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، رضي الله عن جملة المهاجرين والأنصار.
قلت (^١): وقد جاء في كتاب مسلم من حديث أنس - ﵁ -: أنه آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة، وقال أبو عمر: إنه آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ، والأَولى ما في كتاب مسلم. انتهى (^٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٦٤٤١] (٢٥٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٥٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ٦٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥/ ٩٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٦١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) القائل هو القرطبيّ -﵀-.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٧٩ - ٤٨٢.
[ ٤٠ / ٦٤ ]
وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٢] (٢٥٢٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الضَّبَّاح، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، قَالَ: قِيلَ لأَتسِ بْنِ مَالِكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - قَالَ: "لَا حِلْفَ في الإِسْلَامِ"؟، فَقَالَ أَنَسٌ: قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأنصَارِ فِي دَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) البزاز الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيةٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (عَاصِمٌ الأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ، لم يتكلم فيه إلا القطان، فكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] مات بعد سنة أربعين ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
و"أنس بن مالك - ﵁ - " ذُكر قبله.