أنه من رباعيّات المصنّف -﵀- كلاحقه، وهو (٤٩٥) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
عَن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ؛ أنه (قَالَ: قِيلَ لأَنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ -، والقائل هو عاصم نفسه، ففي رواية البخاريّ -﵀-: "قال: قلتُ لأنس … إلخ". (بَلَغَكَ) بتقدير همزة الاستفهام، ولفظ البخاريّ: "أبلغك؟ "؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الإسْلَامِ"؟) بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، بعدها فاء: العهدُ، قال القرطبيّ -﵀-: أي: لا يتحالف أهل الإسلام، كما كان أهل الجاهلية يتحالفون، وذلك أن المتحالفَينِ كانا يتناصران في كل شيء، فيمنع
[ ٤٠ / ٦٥ ]
الرجل حليفه؛ وإن كان ظالمًا، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن، فيمنع الحقوق، وينتصر به على الظلم، والبغي، والفساد، ولمّا جاء الشرع بالانتصاف من لظالم، وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحقّ، ولا يمنعه أحد من ذلك، وحدّ الحدود، وبيّن الأحكام، أبطل ما كانت الجاهلية عليه ممن ذلك، وبقي التعاقد والتحالف على نصرة الحقّ، والقيام به، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابًا عامًا على من قَدَر عليه من المكلَّفين.
ثم إنه - ﷺ - خصَّ أصحابه من ذلك بأن عقد بينهم حِلْفًا على ذلك مرتين -كما تقدَّم- تأكيدًا للقيام بالحقّ والمواساة، وسمَّى ذلك أُخُوّة مبالغة في التأكيد والتزام الحرمة؛ ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكّن الإسلام، واطمأنت القلوب، فنسخ الله تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": معنى قوله: "لا حِلْف في الإسلام": أي: لا يتعاهدون في الإسلام على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية، كما سأذكره وكأنّ عاصمًا يشير بذلك إلى ما رواه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جبير بن مطعم مرفوعًا: "لا حِلْف في الإسلام، وأيما حِلْف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدّةً"، أخرجه مسلم.
ولهذا الحديث طُرُق منها عن أم سلمة مثله، أخرجه عمر بن شَبّة في "كتاب مكة" عن أبيه، وعن عمرو بن شعيب عن جدّه: "قال: خطب رسول الله - ﷺ - على دَرَج الكعبة، فقال: أيها الناس … "، فذكر نحوه، أخرجه عمر بن شَبّة، وأصله في "السنن"، وعن قيس بن عاصم أنه: "سأل رسول الله - ﷺ - عن الحلف؟ فقال: لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية"، أخرجه أحمد، وعمر بن شبة، واللفظ له.
ومنها: عن ابن عباس رفعه: "ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّةً وحِدّةً"، أخرجه عمر بن شبة، واللفظ له، وأحمد، وصححه ابن حبان.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
[ ٤٠ / ٦٦ ]
ومن مرسل عديّ بن ثابت: "قال: أرادت الأوس أن تحالف سلمان، فقال رسول الله - ﷺ - … " مثل حديث قيس بن عاصم، أخرجه عمر بن شبة.
ومن مرسل الشعبيّ رفعه: "لا حلف في الإسلام، وحلف الجاهلية مشدود"، وذكر عمر بن شبة: أن أول حلف كان بمكة حلف الأحابيش؛ أن امرأة من بني مخزوم شَكَت لرجل من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة تسلُّط بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عليهم، فأتى قومه، فقال لهم: ذلّت قريش لبني بكر، فانصروا إخوانكم، فركبوا إلى بني المصطلق، من خزاعة، فسمعت بهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، فاجتمعوا بذنب حَبْش -بفتح المهملة، وسكون الموحدة، بعدها معجمة- وهو جبل بأسفل مكة، فتحالفوا: إن اليد على غيرنا ما رَسَى حَبْش مكانه، وكان هذا مبدأ الأحابيش.
وعند عمر بن شبة من مرسل عروة بن الزبير مثله، ثم دخلت فيهم القَارَةُ. قال عبد العزيز بن عمر: إنما سُمُّوا الأحابيش؛ لتحالفهم عند حَبْش، ثم أسند عن عائشة - ﵂ -؛ أنه على عشرة أميال من مكة، ومن طريق حماد الراوية: سُمّوا؛ لتحبّشهم؛ أي: تجمّعهم، قال عمر بن شبة: ثم كان حلف قريش، وثقيف، ودَوْس، وذلك أن قريشًا رَغِبَت في وَجّ، وهو من الطائف؛ لِمَا فيه من الشجر والزرع، فخافتهم ثقيف، فحالفتهم، وأدخلت معهم بني دوس، وكانوا إخوانهم، وجيرانهم، ثم كان حلف المطيّبين، وأَزْد.
وأسند من طريق أبي سلمة، رفعه: "ما شَهِدت من حلف إلا حلف المطيبين، وما أحب أن أنكثه، وأن لي حُمُر النَّعَم"، ومن مرسل طلحة بن عوف نحوه، وزاد: "ولو دُعيت به اليوم في الإسلام لأجبت".
ومن حديث عبد الرحمن بن عوف، رفعه: "شَهِدت وأنا غلام حلفًا مع عمومتي المطيبين، فما أحب أن لي حمر النعم، وإني نكثته"، قال: وحلف الفُضول، وهم فضل، وفَضالة، ومفضّل تحالفوا، فلما وقع حلف المطيبين بين هاشم، والمطلب، وأسد، وزهرة، قالوا: حلف كحلف الفضول، وكان حلفهم أن لا يعين ظالم مظلومًا بمكة، وذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة، مُحَصَّلها: أن القادم من أهل البلاد كان يَقْدَم مكة، فربما ظَلَمه بعض أهلها، فيشكوه إلى من بها من القبائل، فلا يفيد، فاجتمع بعض من كان يكره الظلم،
[ ٤٠ / ٦٧ ]
ويستقبحه إلى أن عقدوا الحلف، وظهر الإسلام، وهم على ذلك. انتهى (^١).
(فَقَالَ أنسٌ) - ﵁ -: (قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِهِ) لفظ البخاريّ: "في داري"، ولا يخفى ما في الأول من الالتفات، قال ابن عيينة: معنى حالف بينهم: أي: آخَى بينهم، يريد أن معنى الحلف في الجاهلية معنى الأُخُوّة في الإسلام، لكنه في الإسلام جارٍ على أحكام الدِّين، وحدوده، وحلِف الجاهلية جرى على ما كانوا يتواضعونه بينهم بآرائهم، فبطل منه ما خالف حكم الإسلام، وبقي ما عدا ذلك على حاله (^٢).
وقال الطبريّ: ما استَدَلّ به أنس - ﵁ - على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، وكانوا يتوارثون به، ثم نُسِخَ من ذلك الميراثُ، وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو التعاون على الحقّ، والنصر، والأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس - ﵄ -: "إلا النصر، والنصيحة، والرِّفادة، ويوصى له، وقد ذهب الميراث".
واختلف الصحابة - ﵃ - في الحدّ الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية والإسلام، فقال ابن عباس - ﵄ -: ما كان قبل نزول الآية المذكورة (^٣) جاهليّ، وما بعدها إسلاميّ.
وعن عليّ - ﵁ -: ما كان قبل نزول ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ جاهليّ.
وعن عثمان - ﵁ -: كل حلف كان قبل الهجرة جاهليّ، وما بعدها إسلاميّ.
وعن عمر - ﵁ -: كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود، وكل حلف بعدها منقوض، أخرج كل ذلك عمر بن شَبّة عن أبي غسان محمد بن يحيىى، بأسانيده إليهم، قال الحافظ: وأظن قول عمر أقواها، ويمكن الجمع بأن المذكورات في رواية غيره مما يدلّ على تأكد حلف الجاهلية، والذي في
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٧٧ - ٧٨، كتاب "الكفالة" رقم (٢٢٩٤).
(٢) راجع: "الأعلام" للخطّابيّ ٢/ ١١٣٦.
(٣) يعني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
[ ٤٠ / ٦٨ ]
حديث عمر ما يدلّ (^١) على نَسْخ ذلك (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٦٤٤٢ و٦٤٤٣] (٢٥٢٩)، و(البخاريّ) في "الكفالة" (٢٢٩٤) و"الأدب" (٦٠٨٣) و"الاعتصام" (٧٣٤٠)، و(أبو داود) في "الفرائض" (٢٩٢٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١١ و١٤٥ و٢٨١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٦٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٣] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصم، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ في دَارهِ الَّتى بِالْمَدينَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
والباقيان ذُكرا قبله.