أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، والثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمّ الميم، وكسر العين المهملة، صيغة اسم الفاعل؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا حِلْفَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، (فِي الإِسْلَامِ) قال ابن سِيدَهْ: معناه: لا تعاهُدَ على فعل شيء كانوا في الجاهلية يتعاهدون عليه، والمحالفة في حديث أنس - ﵁ - هي الإخاء، قاله ابن التين، قال: وذلك أن الحلف في الجاهلية هو بمعنى النُّصْرة في الإسلام.
وقال الطبريّ في "التهذيب": [فإن قيل]: قد قال - ﷺ -: "لا حلف في الإسلام"، وهو يعارض قول أنس: "حالف رسول الله - ﷺ - بين قريش والأنصار في داري بالمدينة".
[قيل له]: هذا كان في أول الإسلام، آخى بين المهاجرين والأنصار. انتهى (^١).
(وَأيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الاسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً")؛ أي: مما لم ينسخه الإسلام، ولم يُبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحقّ، والنصرة، والأخذ على يد الظالم (^٢).
وقال القرطبيّ: -﵀-: يعني: مِن نصرة الحق، والقيام به، والمواساة، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق، قال: اجتمعت قبائل من
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٢/ ١١٩.
(٢) "عمدة القاري" ١٢/ ١١٩.
[ ٤٠ / ٧١ ]
قريش في دار عبد الله بن جُدْعان؛ لِشَرفه ونَسَبه، فتعاقدوا، وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، أو غيرهم، إلا قاموا معه حتى تُرَدّ عليه مظلمته، فسَمَّت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول؛ أي: حلف الفضائل، والفضول هنا جمع فضل للكثرة؛ كفلس وفلوس. وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدْعان حلفًا ما أحبُّ أن لي به حُمُر النَّعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" (^١).
_________________
(١) قال البيهقيّ في "السنن الكبرى" ٦/ ٣٦٧:
(٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن زيد بن المهاجر بن فنفذ، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لقد شَهِدت في دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفًا، ما أُحِبّ أن لي به حمرَ النعم، ولو أُدعَى به في الإسلام لأجبت"، قال القتيبي فيما بلغني عنه: وكان سبب الحلف أن قريشًا كانت تتظالم بالحرم، فقام عبد الله بن جُدْعان والزبير بن عبد المطلب، فدعوهم إلى التحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابهما بنو هاشم، وبعض القبائل من قريش. قال الشيخ -البيهقيّ-: قد سمّاهم ابن إسحاق بن يسار قال: بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زُهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة، قال القتيبي: فتحالفوا في دار عبد الله بن جُدعان، فسَمَّوا ذلك الحلف حلف الفضول؛ تشبيهًا له بحلف كان بمكة أيام جُرْهُم على التناصف، والأخذ للضعيف من القويّ، وللغريب من القاطن، قام به رجال من جُرْهم، يقال لهم الفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن فَضَالة، فقيل: حلف الفضول جمعًا لأسماء هؤلاء، قال غير القتيبي في أسماء هؤلاء: فضل، وفضال، وفضيل، وفضالة، قال القتيبيّ: والفضول جمع فضل، كما يقال: سعد وسعود، وزيد وزيود، والذي في حديث عبد الرحمن بن عوف: حلف المطيبين، قال القتيبيّ: أحسبه أراد حلف الفضول؛ للحديث الآخر، ولأن المطيبين هم الذين عقدوا حلف الفضول، قال: وأي فضل يكون في مثل التحالف الأول، فيقول النبيّ - ﷺ -: "ما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم"، ولكنه أراد حلف الفضول الذي عقده المطيّبون، قال محمد بن نصر المروزيّ: قال بعض أهل المعرفة بالسِّيَر وأيام الناس: إن قوله في هذا الحديث: "حلف المطيبين" غلط، =
[ ٤٠ / ٧٢ ]
وقال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن عليّ في مال له لسلطان الوليد؛ فإنَّه كان أميرًا على المدينة. فقال له حسين: أحلف بالله لتنصفني، من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله - ﷺ -، ثم لأَدْعُوَنَّ بحلف الفضول، قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعانا لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه، أو نموت جميعًا، وبلغت المسور بن مخرمة، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الله بن عثمان بن عبيد الله التيميّ، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه. انتهى (^١).
وقال ابن الأثير -﵀-: أصل الحلف: المعاقدة، والمعاهدة على التعاضد، والتساعد، والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن، والقتال بين القبائل، والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله - ﷺ -: "لا حلف في الإسلام"، وما كان في الجاهلية على نصر المظلوم، وصلة الأرحام؛ كحلف المطيبين، وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه - ﷺ -: "وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدّةً"، يريد: من المعاقدة على الخير، ونصرة الحقّ، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام.
وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: "لا حلف في الإسلام" قاله زمن الفتح، فكان ناسخًا، وكان رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر - ﵁ - من المطيبين، وكان عمر - ﵁ - من الأحلاف، والأحلاف ست قبائل: عبد الدار، وجُمَح، ومخزوم، وعديّ، وكعب، وسَهْم، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم لمّا أرادت بنو عبد مناف أخْذَ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة، والرفادة، واللواء، والسقاية، وأبَتْ عبد الدار عَقَد كل قوم على أمرهم حِلْفًا مؤكَّدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جَفْنة مملوءة طيبًا، فوضعتها لأحلافهم،
_________________
(١) = إنما هو حلف الفضول، وذلك أن النبيّ - ﷺ - لم يُدرِك حلف المطيّبين؛ لأن ذلك كان قديمًا قبل أن يولد بزمان، وأما السابقة التي ذكرها، فيُشبه أن يريد بها سابقة خديجة - ﵂ - إلى الإسلام، فإنها أول امرأة أسلمت. انتهى.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
[ ٤٠ / ٧٣ ]
وهم: أسد، وزُهرة، وتيم، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار، وحلفاؤها حِلْفًا آخر، مؤكّدًا، فسموا الأحلاف؛ لذلك. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جبير بن مطعم - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٦٤٤٤] (٢٥٣٠)، و(أبو داود) في "الفرائض" (٢٩٢٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٥٨٠ و١٥٩٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٤٠٣)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٩٢٩٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٣٧١ و٤٣٧٢)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٣٨)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٢/ ٢٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه لا حِلْف في الإسلام، قال النوويّ -﵀-: ذكر مسلم -﵀- في الباب المؤاخاة، والْحِلْف، وحديث: "لا حِلْف في الإسلام"، وحديث أنس: "آخى رسول الله - ﷺ - بين قريش والأنصار في داري بالمدينة". قال القاضي عياض: قال الطبريّ: لا يجوز الحِلف اليوم، فإن المذكور في الحديث، والموارثة به، وبالمؤاخاة، كله منسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنقال: ٧٥]، وقال الحسن: كان التوارث بالحلف، فنُسخ بآية المواريث.
قال النوويّ: أما ما يتعلق بالإرث فيُستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام، والمحالفة على طاعة الله تعالى، والتناصر في الدين، والتعاون على البرّ والتقوى، وإقامة الحقّ فهذا باق، لم يُنسخ،
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
[ ٤٠ / ٧٤ ]
وهذا معنى قوله - ﷺ -: في هذه الاحاديث: "وأيما حِلْف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدّةً"، وأما قوله - ﷺ -: "لا حِلْف في الإسلام"، فالمراد به حِلْف التوارث، والحلف على ما مَنَعَ الشرعُ منه، والله أعلم. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان إقرار الشرع ما كان من الحلف في الجاهليّة على التناصر، والتناصح، وإقامة العدل، وغير ذلك مما ندب إليه الشرع.
٣ - (ومنها): بيان كون الشريعة شاملةً كافلةً، سمحةً، تراعي في كل توجيهاتها مصالح العباد، فلا تنهى إلا عمّا لا مصلحة فيه، أو هو ظلم محض، فما جاءت لمحو المصالح التي كانوا عليها في الجاهليّة، فقد كان النكاح، والبيع، والشراء، والطلاق، وغير ذلك من المصالح الكثيرة، فجاءت الشريعة، فأقرّت ذلك كلّه، ونفت منه ما يكون مضرّة للعباد، أو وسيلة إليها، فما أحكمَ هذا الدين، وما أشمله، وأسمحه، وجعله ظاهرًا على الأديان كلّها حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، فاللَّهُمَّ ثبّتنا عليه، وأمِتْنا عليه، وابعثنا عليه، واجعلنا من خيار أهله أحياءً وأمواتًا، آمين، والحمد لله رب العالمين.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.