أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: مجمّع، عن سعيد، عن أبي بردة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن أبيه، وفيه الصحابيّ المشهور أبو موسى - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) الصحيح أن اسمه كنيته، (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس؛ أنه (قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ)؛ أي: لكان خيرًا لنا، فـ "لو" شرطيّة، وجوابها مقدّر، كما ذكرنا، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب. (قَالَ) أبو موسى: (فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا)؛ أي: رسول الله - ﷺ -، (فَقَالَ) - ﷺ -: ("مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا؟ ") بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أما زلتم في هذا المكان؟ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ) - ﷺ - ("أَحْسَنْتُمْ، أَو) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (أَصَبْتُمْ")؛ أي: أصبتم الصواب في انتظاركم هذا؛ لأن المنتظر للصلاة لا يزال في الصلاة ما انتظرها. (قَالَ) أبو موسى: (فَرَفَعَ) - ﷺ - (رَأسَهُ إِلَى السَّمَاء، وَكَانَ) - ﷺ - (كَثِيرًا)
[ ٤٠ / ٧٧ ]
منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: رفعًا كثيرًا، وقوله: (مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ) "من" زائدة على مذهب من يرى زيادتها في الإثبات، و"ما" زائدة لتأكيد الكثرة، وقوله: "يرفع رأسه" خبر "كان". (إِلَى السَّمَاءِ) متعلّق بـ "يرفع".
وهذا لا يعارضه ما ثبت من أن نَظَره - ﷺ - إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، قال الحافظ العراقيّ -﵀- في "ألفيّة السيرة":
نَظَرُهُ لِلأَرْضِ مِنْهُ أَطْوَلُ … إِلَى السَّمَاءِ خَافِضٌ إِذْ يَنْظُرُ
لأن نظره إلى السماء كثير في نفسه، لكنّه أقلّ من نظره إلى الأرض، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ -: ("النُّجُومُ)؟ أي: الكواكب، سُمِّيت بها؛ لأنها تنجُم؛ أي: تطلع من مطالعها في أفلاكها (^١). (أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ) بفتحات، مصدرٌ، بمعنى: الأمن، قال المجد -﵀-: الأَمْنُ، والآمِنُ، كصاحِب: ضِدُّ الخَوْف، أمِنَ كفَرِحَ أمْنًا، وأمانًا، بفَتْحِهِما، وأمَنًا، وأمَنَةً محرَّكتين، وإِمْنًا بالكسر، فهو أمِنٌ، وأمِينٌ، كَفَرِحٍ، وأمير، ورَجُلٌ أُمَنَةٌ، كهُمَزَةٍ، ويحَرَّكُ: يَأْمَنُهُ كُلُّ أحَدٍ في كلِّ شيءٍ، وقد آمَنَهُ، وأمَّنَهُ. انتهى (^٢).
ووَصْفُ النجوم بالأمنة من قبيل قولهم: رجل عَدْلٌ؛ يعني: أنها سبب أمْن السماء، فما دامت النجوم باقية لا تنفطر، ولا تتشقق، ولا يموت أهلها (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: قال العلماء: "الأَمَنَةُ" بفتح الهمزة، والميم، والأَمْنُ، والأمان، بمعنى، ومعنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقيةٌ فإذا انكدرت النجوم، وتناثرت في القيامة، وَهَنَت السماء، فانفطرت، وانشقت، وذهبت، وقوله - ﷺ -: "وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون": أي: من الفتن، والحروب، وارتداد مَن ارتدّ من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك، مما أنذر به صريحًا، وقد وقع كل ذلك. انتهى (^٤).
_________________
(١) "فيض القدير" ٦/ ٢٩٦.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١٥١٨.
(٣) "فيض القدير" ٦/ ٢٩٦.
(٤) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٣.
[ ٤٠ / ٧٨ ]
(فَإذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ)؛ أي: تناثرت، (أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ) من الانفطار، والطيّ كالسِّجِلّ.
وقال القرطبيّ -﵀-: أي: ما دامت النجوم فيها لم تتغير بالانشقاق، ولا بالانفطار، فإذا انتثرث نجومها، وكُوّرت شمسها، جاءها ذلك، وهو الذي وُعدت به. انتهى (^١).
(وَأَنَا أَمنَة لأَصْحَابِي) قال القرطبيّ -﵀- الأَمَنَة: الأمن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية [الأنقال: ١١]؛ أي: أمنًا، ويعني بذلك: أن الله تعالى رفع عن أصحابه - ﷺ - الفتن، والمحن، والعذاب مُدّة كونه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنقال: ٣٣]، فلما تولي رسول الله - ﷺ - جاءت الفتن، وعَظُمت الْمِحَن، وظهر الكفر والنفاق، وكثر الخلاف والشقاق، فلولا تدارُك الله تعالى هذا الدين بثاني اثنين لصار أثرًا بعد عَيْن، وهذا الذي وُعدوا به. انتهى (^٢).
(فَإِذَا ذَهَبْتُ أتى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ)؛ أي: من الفتن والحروب واختلاف القلوب، وقد وقع. (وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ") قال القرطبيّ -﵀-: يعني: أن أصحابه - ﷺ - ما داموا موجودين كان الدِّين قائمًا، والحقّ ظاهرًا، والنصر على الأعداء حاصلًا، ولمّا ذهب أصحابه غلبت الأهواء، وأُدِيلت الأعداء، ولا يزال أمر الدِّين متناقصًا، وجَدّه ناكصًا إلى أن لا يبقى على ظهر الأرض أحد يقول: الله، الله، وهو الذي وُعدت به أمته، والله تعالى أعلم. انتهى (^٣).
وقال المناويّ -﵀-: قوله: "وأصحابي أمنة لأمتي -أي: أمة الإجابة- فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون": أي: من ظهور البدع، وغلبة الأهواء، واختلاف العقائد، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة، ومكة، وهذه كلها معجزاته - ﷺ - وقعت، كما أخبر - ﷺ - (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٨٥.
(٤) "فيض القدير" ٦/ ٢٩٦، و"شرح النوويّ" ١٦/ ٨٣.
[ ٤٠ / ٧٩ ]
وقال ابن الأثير -﵀-: أراد بوعد السماء انشقاقها، وذهابها يوم القيامة، وذهاب النجوم تكويرها، وانكدارها، وإعدامها، وأراد بوعد أصحابه ما وقع بينهم من الفتن، وكذلك أراد بوعد الأمة، والإشارة في الجملة إلى مجيء الشرّ عند ذهاب أهل الخير، فإنه - ﷺ - لمّا كان بين أظهرهم كان يبيّن لهم ما يختلفون فيه، فلما تُوُفّي جالت الآراء، واختلفت الأهواء، فكان الصحابة - ﵃ - يسندون الأمر إلى الرسول - ﷺ - في قول، أو فعل، أو دلالة حال، فلما فُقد قلَّت الأنوار، وقَوِيت الظُّلَم، وكذلك حالُ السماء عند ذهاب النجوم، قال: والأَمَنَة في هذا الحديث جمع أمين، وهو الحافظ. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٦٤٤٥] (٢٥٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٤٩)، و(البيهقيّ) في "الاعتقاد" (ص ٣١٨ - ٣١٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٢٦٠)، و(البزّار) في "مسنده" (٨/ ١٠٤)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون النبيّ - ﷺ - أمنة لأصحابه، بل لأمته، فإنه الرحمة المهداة، كما قال الله -﷾ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال - ﷺ -: "إنما أنا رحمة مهداة" (^٢).
٢ - (ومنها): بيان فضل أصحاب النبيّ - ﷺ -، حيث جعلهم الله تعالى رحمة للأمة، فوجودهم أمان من العذاب، والفتن - ﵃ -.
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ١/ ٧٠ - ٧١.
(٢) حديث صحيح، رواه الدارميّ وغيره.
[ ٤٠ / ٨٠ ]
٣ - (ومنها): بيان كون النجوم أمانًا للسماء، فحيث وُجدت كانت السماء آمنة من الانشقاق والانفطار.
٤ - (ومنها): أن فيه معجزة للنبيّ - ﷺ -، حيث وُجدت هذه الأمور حسبما أخبر، فما وقع التفرق والاختلاف إلا بعد موته - ﷺ -، وكذا ما فشا الاختلاف العقديّ، وانتشر في الأرض، وما كثر الابتداع والمحدثات إلا بعد موت الصحابة - ﵃ -، فوقع كلّ ذلك كما أخبر - ﷺ -.
قال الإمام ابن حبّان - ﵁ - في "صحيحه" بعد إخراج الحديث: قال أبو حاتم -﵀-: يشبه أن يكون معنى هذا الخبر: أن الله جل وعلا جعل النجوم علامة لبقاء السماء، وأمنة لها عن الفناء، فماذا غارت، واضمحلت أتى السماء الفناء الذي كُتب عليها، وجعل الله جل وعلا المصطفى أمنة أصحابه من وقوع الفتن، فلما قبضه الله جل وعلا إلى جنته أتى أصحابه الفتن التي أُوعدوا، وجعل الله أصحابه أمنة أمته من ظهور الجور فيها، فإذا مضى أصحابه أتاهم ما يوعدون، من ظهور غير الحقّ، من الجور، والأباطيل. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.