أنه من خُماسيّات المصنف -﵀-، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وهو من رواية الأقران، وكلاهما من المكثرين السبعة، روى الأول (١٥٤٠) حديثًا، والثاني (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ -، (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أنه (قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو)؛ أي: يريد، ويطلب العدوّ، يقال: غزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقَصَده، كاغتزاه، وغزا العدوّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم غَزْوًا،
[ ٤٠ / ٨٢ ]
وغَزَوَانًا، قاله المجد -﵀- (^١). (فِئَامٌ) بكسر الفاء، وفتح الهمزة، ويقال: فيام، بياء مخففة، وفيه لغة أخرى، وهي فتح الفاء، ذكره ابن عبديس، وفي "التهذيب": العامة تقول: فيام، وهي الجماعة من الناس، قال صاحب "العين": ولا واحد له من لفظه (^٢). وقوله: (مِنَ النَّاسِ) بيان لـ "فئام"، (فَيُقَالُ لَهُمْ)؛ أي: للفئام الغزاة؛ أي: يقول بعضهم لبعض: (فِيكُمْ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفيكم (مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟) وفي لفظ: "هل فيكم من صحب رسول الله - ﷺ -؟ " بَدَل "من رأى"، وقوله: "من رأى … إلخ" ردّ لقول جماعة من المتصوفة القائلين: إن رسول الله - ﷺ - لم يره أحد في صورته، ذَكَره السمعانيّ (^٣).
وقال ابن بطال -﵀-: هو كقوله - ﷺ - في الحديث الآخر: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"؛ لأنه يُفتح للصحابة - ﵃ -؛ لِفَضْلهم، ثم للتابعين لفضلهم، ثم لتابعيهم لفضلهم، قال: ولذلك كان الصلاح، والفضل، والنصر للطبقة الرابعة أقلّ، فكيف بمن بَعْدَهم؟ والله المستعان. أنتهى (^٤).
وفيه معجزة لرسول الله - ﷺ -، وفضيلة لأصحابه، وتابعيهم - ﵃ -.
(فَيَقُولُونَ)؛ أي: يجيب المسؤولون بقولهم: (نَعَمْ)؛ أي: معنا من رأى رسول الله - ﷺ -، (فَيُفْتَحُ لَهُمْ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يفتح الله تعالى لهم بلد العدوّ، ويهزمهم، فتُغنم أموالهم، وتسبى ذراريّهم بسبب ذلك الصحابيّ، وبركة رؤيته للنبيّ - ﷺ -. (ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ)؛ أي: جماعة أُخَر (مِنَ النَّاس، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ) بسبب بركة ذلك التابعيّ الرائي للصحابيّ، ودعائه بالنصر والفتح. (ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاس، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فيُفْتَحُ لَهُمْ") بسبب بركة ذلك تابعي التابعيّ، ودعائه بالنصر والفتح، ثم إنه ذكر في هذا الحديث ثلاث طبقات: طبقة الصحابة، ثم طبقة
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٩٤٧.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٣) "عمدة القاري" ١٤/ ١٨٠.
(٤) "شرح ابن بطّال على البخاريّ" ٥/ ٩١.
[ ٤٠ / ٨٣ ]
التابعين، ثم طبقة أتباع التابعين، وسيأتي في رواية أبي الزبير التالية زيادة طبقة رابعة، وهي زيادة شاذّة، سيأتي الكلام عليها هناك - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ٦٤٤٦ و٦٤٤٧، (٢٥٣٢)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٩٧) و"الأنبياء" (٣٥٩٤) و"فضائل الصحابة" (٣٦٤٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٣٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٦٨ و٦٦٦٦)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٨٦٤)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٢٠/ ٣٧٥ و٣٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بركة النبيّ - ﷺ -، وبركة أصحابه ببركة صحبته.
٢ - (ومنها): بيان بركة التابعين، وتابعيهم بسبب مصاحبتهم لأصحاب النبيّ - ﷺ -، وصحبة من صاحبهم.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: فيه دليل واضح على صحّة نبوّة نبيّنا محمد - ﷺ -؛ إذ مضمونه خبر عن غَيْب وقع على نحو ما أخبر به - ﷺ - (^١).
٤ - (ومنها): بيان الصالحين والضعفاء، ولذلك أورد البخاريّ هذا الحديث في "كتاب الجهاد" في "باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب"، ثم أورد حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -؛ أنه رأى أن له فضلًا على مَن دونه، فقال النبيّ - ﷺ -: "هل تُنصرون، وتُرزقون إلا بضعفائكم؟ "، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" بلفظ: "يُنصَر المسلمون بدعاء المستضعفين"، وأخرجه النسائيّ بلفظ: "إنما نَصَر الله هذه الأمة بضَعَفَتهم، بدعواتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم"، ورواه أحمد، والنسائيّ بلفظ: "إنما تُنصرون، وتُرزقون بضعفائكم".
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩.
[ ٤٠ / ٨٤ ]
قال ابن بطال -﵀-: تأويل الحديث أن الضعفاء أشدّ إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا (^١).
٥ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": إنه يستفاد من هذا الحديث بطلان قول من ادَّعَى في هذه الأعصار المتأخرة الصحبة؛ لأن الخبر يتضمن استمرار الجهاد، والبعوث إلى بلاد الكفار، وأنهم يسألون: هل فيكم أحدٌ من أصحابه؟ فيقولون: لا، وكذلك في التابعين، وفي أتباع التابعين، وقد وقع كلُّ ذلك فيما مضى، وانقطعت البعوث عن بلاد الكفار في هذه الأعصار، بل انعكس الحال في ذلك، على ما هو معلوم مشاهَد من مدة متطاولة، ولا سيما في بلاد الأندلس، وضَبَط أهل الحديث آخر من مات من الصحابة، وهو على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثيّ، كما جزم به مسلم في "صحيحه"، وكان موته سنة مائة، وقيل: سنة سبع ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة، وهو مطابق لقوله - ﷺ - قبل وفاته بشهر: "على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد". انتهى (^٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمُوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِه، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِه، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابعُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا، رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ").
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ١٧٣ - ١٧٤، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٩٦).
(٢) "الفتح" ٧/ ٥.
[ ٤٠ / ٨٥ ]
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ) هو: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ، ربما أخطأ [١٠] (ت ٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوقٌ يُغْرِب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ المكيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ) بفتح الموحّدة، وسكون العين المهملة، آخره ثاء مثلّثة: الجيش، تسمية بالمصدر، والجمع بُعُوثٌ، يقال: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا: أرسلته، وابْتَعَثْتُهُ كذلك، وفي المطاوع: فَانْبَعَثَ، مثل كسرته فانكسر، وكلُّ شيء يَنْبَعِثُ بنفسه، فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بَعَثْتُهُ، وكلّ شيء لا ينبعث بنفسه؛ كالكتاب، والهدية، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء، فيقال: بَعَثْتُ بِه، وأوجز الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي: أهبّه، وبَعَثَ بِهِ: وجّهه. انتهى (^١).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: وقع في رواية أبي الزبير عن جابر هذه زيادة طبقة رابعة، قال الحافظ -﵀-: وهذه الرواية شاذّة، وأكثر الروايات مقتصِر على الثلاثة، كما سأوضح ذلك في الحديث الذي بعده -يعني: حديث عمران بن حصين - ﵄ - الآتي - قال: ومثله حديث واثلة - ﵁ -، رفعه: "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني، وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٢.
[ ٤٠ / ٨٦ ]
وصاحَبَ من صاحبني" (^١)، أخرجه ابن أبي شيبة، وإسناده حسن. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٨] (٢٥٣٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، قَالَا: حَدَّثنَا أَبُو الأَحْوَص، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيّ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَيْرُ أمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَسْبقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، ويمِينُهُ شَهَادَتَهُ"، لَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ الْقَرْنَ فِي حَدِيثِه، وَقَالَ قتَيْبَةُ: "ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) -بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيُّ، ثقة [١٠] (٢٤٣) وله إحدى وتسعون سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٣ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عَتّاب - بمثناة ثقيلة، ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلّس [٦] (ت ذ ٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) وهو ابن خمسين، أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ) بسكون اللام، ويقال: بفتحها، هو: عَبيدة بن عمرو المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، تابعيّ كبيرٌ مخضرمٌ، فقيةٌ ثبتٌ، كان شريح إذا أشكل عليه شيء يسأله، مات سنة اثنتين وسبعين، أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة سبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٩/ ٤٦٨.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ٤٠٥.
(٢) "الفتح" ٨/ ٣١٥ - ٣١٦، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (٣٦٤٩).
[ ٤٠ / ٨٧ ]
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن، مات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.