أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى قتيبة فبغلانيّ بلدة من بَلْخَ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض على قول من يرى أن منصورًا من صغار التابعين، وفيه أن صحابيَّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، مناقبه جمة، فهو من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة - ﵃ -، وأَمّره عمر - ﵁ - على الكوفة، وفيه عبد الله مهملًا، فهو ابن مسعود؛ للقاعدة المشهورة أنه إذا أُطلق عبد الله في الصحابة يُنظر إلى السند، فإن كان كوفيًّا، فهو ابن مسعود، أو مكيًّا، فهو ابن الزبير، أو مدنيًّا، فهو ابن عمر، أو بصريًّا، فهو ابن عبّاس، أو مصريًّا، وشاميًّا، فهو ابن عمرو بن العاص - ﵃ -، وإليه أشار السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ "عَبْدُاللَّهِ" فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَو جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
شرح الحديث:
(عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة، مكبّرًا، (السَّلْمَانِيِّ) بفتح السين المهملة، وسكون اللام، وحكي فتحها: نسبة إلى بني سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد، وهو حيّ من مراد، قال ابن الأثير: وأصحاب الحديث يفتحون اللام -أي: والمشهور إسكانها- انتهى (^١).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: "قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ "، ("خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ)؟ أي: أهل القرن (الَّذِينَ يَلُونِي)؛ أي: قرن الصحابة - ﵃ -، فهو بمعنى الرواية
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ١٢٧.
[ ٤٠ / ٨٨ ]
الأخرى: "خير الناس قرنيّ"، قال القرطبيّ -﵀-: القرن - بسكون الراء - من الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر [من الطويل]:
إذَا ذَهَبَ القَرنُ الذي أنتَ فِيهِمُ … وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأَنتَ غَرِيبُ
وقيل: مقدار زمانه: ثمانون سنة، وقيل: ستون، ويعني: أن هذه القرون الثلاثة: أفضل مِمَّا بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، هذا ظاهر الحديث، فأما أفضلية الصحابة، وهم القرن الأول على من بَعْدَهم، فلا تخفى، وقد بيّنّا إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضلُ منهم، أو مساوٍ لهم في "كتاب الطهارة"، وأما أفضلية مَن بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قرْبهم من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونَشْر العلم، وفَتْح الأمصار، وإخماد كلمة الكفر، ولا خفاء: أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين كان أكثر وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث أبي سعيد: "يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله - ﷺ -؟ فيقال: نعم، فيُفتح لهم. . ." الحديث متّفقٌ عليه. انتهى (^١).
وسيأتي تمام البحث في أقوال أهل العلم في معنى القرن في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: القرن الذي بعدهم، وهم التابعون، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: وهم أتباع التابعين.
قال النوويّ -﵀-: اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه - ﷺ -، والمراد أصحابه، وقد قدمنا أن الصحيح الذي عليه الجمهور أن كل مسلم رأى النبيّ - ﷺ -، ولو ساعة فهو من أصحابه، ورواية: "خير الناس" على عمومها، والمراد منه: جملة القرن، ولا يلزم منه تفضيل الصحابيّ على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا أفراد النساء على مريم، وآسية، وغيرهما، بل المراد: جملة القرن بالنسبة إلى كل قرن بجُملته.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦.
[ ٤٠ / ٨٩ ]
قال القاضي عياض: واختلفوا في المراد بالقرن هنا، فقال المغيرة: قرنه أصحابه، والذين يلونهم أبناؤهم، والثالث أبناء أبنائهم، وقال شهر: قرنه ما بقيت عين رأته، والثاني ما بقيت عين رأت من رآه، ثم كذلك، وقال غير واحد: القرن كل طبقة مقترنين في وقت، وقيل: هو لأهل مدة بُعث فيها نبيّ طالت مدته أم قصرت، وذكر الحربيّ الاختلاف في قَدْره بالسنين، من عشر سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال: وليس منه شيء واضح، ورأى أن القرن كل أمة هلكت، فلم يبق منها أحد، وقال الحسن وغيره: القرن عشر سنين، وقتادة: سبعون، والنخعيّ: أربعون، وزرارة بن أبي أوفى: مائة وعشرون، وعبد الملك بن عمير: مائة، وقال ابن الأعرابيّ: هو الوقت، هذا آخر ما نَقَل القاضي.
قال النوويّ: والصحيح أن قرنه - ﷺ - الصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعوهم. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ (^١).
وقال في "الفتح": والمراد بقرن النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث: الصحابة، وقد سبق في صفة النبيّ - ﷺ - قوله: "وبُعثت في خير قرون بني آدم"، وفي رواية بُريدة عند أحمد: "خير هذه الأمة القرن الذين بُعثت فيهم"، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتُبِر ذلك من بعد وفاته - ﷺ -، فيكون مائة سنة، أو تسعين، أو سبعًا وتسعين.
وأما قرن التابعين فإن اعتُبر من سنة مائة، كان نحو سبعين، أو ثمانين، وأما الذين بعدهم، فإن اعتُبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله أعلم.
واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله، من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتُحِن أهل العلم ليقولوا بخلق القران، وتغيَّرت الأحوال تغيّرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٤ - ٨٥.
[ ٤٠ / ٩٠ ]
وظهر قوله - ﷺ -: "ثم يفشو الكذب" ظهورًا بيِّنًا، حتى يشمل الأقوال، والأفعال، والمعتقدات، والله المستعان. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)؛ أي: في حالين، وليس المراد أن ذلك يقع في حالة واحدة؛ لأنه دور، كالذي يَحْرِص على ترويج شهادة، فيحلف على صحتها؛ ليقوّيها، فتارة يحلف قبل أن يشهد، وتارة يشهد قبل أن يحلف، ويَحْتَمِل أن يقع ذلك في حال واحدة عند من يجيز الحلف في الشهادة، فيريد أن يشهد ويحلف.
وقال ابن الجوزيّ: المراد أنهم لا يتورعون، ويستهينون بأمر الشهادة واليمين.
وقال ابن بطال: يُستدلّ به على أن الحَلِف في الشهادة يُبطلها، قال: وحَكَى ابن شعبان في "الزاهي" من قال: أشهد بالله أن لفلان على فلان كذا لم تُقبل شهادته؛ لأنه حَلِف، وليس بشهادة، قال ابن بطال: والمعروف عن مالك خلافه. انتهى (^٢).
وقوله: (لَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ الْقَرْنَ فِي حَدِيثِهِ) أشار به إلى اختلاف شيخيه: قتيبة، وهنّاد بن السريّ، فقتيبة ذكر القرن، وهنّاد لم يذكره، والظاهر أنه قال: "خير الناس"، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ قُتَيْبَةُ: "ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ") أشار به أيضًا إلى اختلاف آخر، وهوأن قتيبة قال: "ثم يجيء أقوام" بالجمع، بدل قول هنّاد: "ثم يجيء قوم" بالإفراد، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣١٦ - ٣١٧، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (٣٦٥١).
(٢) "الفتح" ٦/ ٥١٤ - ٥١٥، كتاب "الشهادات" رقم (٢٦٥٢).
[ ٤٠ / ٩١ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ٦٤٤٨ و٦٤٤٩ و٦٤٥٠ و٦٤٥١] (٢٥٣٣)، و(البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٥٢) و"فضائل الصحابة" (٣٦٥١) و"الرقاق" (٦٤٢٩) و"الأيمان والنذور" (٦٦٥٨)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٥٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٩٤)، و(ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٣٦٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٩٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٨ و٤١٧ و٤٣٨ و٤٤٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٧٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٣٢٨)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ١٥٢)، و"مشكل الآثار" (٣/ ١٧٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٣٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٤٥ و١٢٢ و١٢٣ و١٥٩ و١٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل القرن الأول على جميع القرون مطلقًا، بسبب اشتماله على النبيّ - ﷺ - المفضَّل على جميع الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام -.
٢ - (ومنها): بيان فضل القرون الثلاثة، وأنهم أفضل ممن جاء بعدهم، وإن عمل ما عمل، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وسيأتي مزيد تحقيق فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): ذمّ من يشهد، ويحلف مع شهادته، واحتج به بعض المالكية في ردّ شهادة من حلف معها، وجمهور العلماء أنها لا تُردّ، قاله النوويّ -﵀- (^١).
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وُجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وُجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة، لكن بقلّة، بخلاف مَن بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كَثُر فيهم، واشتَهَرَ.
٥ - (ومنها): بيان من تُرَدّ شهادتهم، وهم من اتصف بالصفات
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٥ - ٨٦.
[ ٤٠ / ٩٢ ]
المذكورة، والى ذلك الإشارة بقوله: "ثم يفشو الكذب": أي: يكثر.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز المفاضلة بين الصحابة - ﵃ -، قاله المازريّ (^١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث الذي أشرنا إليه آنفًا:
قال في "الفتح": اقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع، أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البرّ: والذي يظهر أن من قاتَل مع النبيّ - ﷺ -، أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية [الحديد: ١٠]، واحتج ابن عبد البرّ بحديث: "ثَل أمتي مثل المطر، لا يُدرَى أوله خير أم آخره"، وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة.
وأغرب النوويّ، فعزاه في "فتاويه" إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذيّ بإسناد أقوى منه، من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار، وأجاب عنه النوويّ بما حاصله: أن المراد: من يشتبه عليه الحال في ذلك، من أهل الزمان الذين يُدركون عيسى ابن مريم -﵉ -، ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام، ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك: أيّ الزمانين خير؟ وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله - ﷺ -: "خير القرون قرني"، والله أعلم.
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد التابعين، بإسناد حسن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَيُدْرِكَنَّ المسيحُ أقوامًا إنهم لمثلكم، أو خيرٌ ثلاثًا، ولن يخزي الله أمة أنا أولها، والمسيح آخرها".
وروى أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي ثعلبة، رفعه: "تأتي أيامٌ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣١٩، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (٣٦٥١).
[ ٤٠ / ٩٣ ]
للعامل فيهنّ أجر خمسين"، قيل: منهم، أو منّا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم"، وهو شاهد لحديث: "مَثَلُ أمتي مثل المطر".
واحتجّ ابن عبد البر أيضًا بحديث عمر - ﵁ -، رفعه: "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي، ولم يروني. . ." الحديث، أخرجه الطيالسيّ، وغيره، لكن إسناده ضعيف، فلا حجة فيه.
وروى أحمد، والدارميّ، والطبرانيّ، من حديث أبي جمعة، قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أأحد خيرٌ منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال: "قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي، ولم يروني"، وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم.
واحتجّ أيضًا بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن، كانوا أيضًا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان، كما زكت أعمال أولئك، ويشهد له ما رواه مسلم، عن أبي هريرة، رفعه: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
وقد تُعُقّب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرّح القرطبيّ، لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرّح في كلامه باستثناء أهل بدر، والحديبية، نَعَم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله - ﷺ -، وأما من اتفق له الذب عنه، والسَّبْق إليه بالهجرة، أو النصرة، وضَبْط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده؟ لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مِثل أجر مَن عمل بها مِن بعده، فظهر فَضْلهم.
ومحصّل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، كما تقدم، فإنْ جَمَع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا.
على أن حديث: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" لا يدلّ على أفضلية
[ ٤٠ / ٩٤ ]
غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبيّ - ﷺ - من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة.
وأما حديث أبي جمعة، فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية، كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: "قلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منّا أجرًا … " الحديث، أخرجه الطبرانيّ، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب عنه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١)، وهو بحث نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من تفضيل أهل القرن الأول، ثم مَن بعدهم على ترتيب ظاهر الحديث هو الحقّ؛ لقؤة حُجَجه، كما مرّ عليك آنفًا، في تحقيق الحافظ -﵀-، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في تكميل البحث في معنى القرن المذكور في الحديث:
[اعلم]: أنه قد تكلّم العلماء في معنى القرن، وقد ذكرنا بعض الأقوال فيما مضى، ونزيد تكميله هنا.
قال الفيّوميّ -﵀-: القَرْنُ: الْجِيل من الناس، فيه ثمانون سنةً، وقيل: سبعون، وقال الزجاج: الذي عندي - والله أعلم - أن القَرْنَ أهل كل مدّة، كان فيها نبيّ، أو طبقة من أهل العلم، سواء قَلّت السنون، أو كثرت، قال: والدليل عليه قوله - ﷺ -: "خير القُرُونِ قرني -يعني: أصحابه - ثم الذين يلونهم -يعني: التابعين- ثم الذين يلونهم"؛ أي: الذين يأخذون عن التابعين. انتهى (^٢).
وقال في "القاموس"، و"شرحه": القرن زمن معيَّن، أو أهل زمن مخصوص، واختار بعضٌ أنه حقيقة فيهما، واختُلف هل هو من الاقتران؛ أي:
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٠.
[ ٤٠ / ٩٥ ]
الأمة المقترنة في مدة من الزمان، من قَرْن الجبل؛ لارتفاع سهم، أو غير ذلك؟ واختلفوا في مدة القرن، وتحديدها، فقيل: أربعون سنة، عن ابن الأعرابيّ، ودليله قول الجعديّ:
ثَلَاثَةَ أَهْلِينَ أَفْنَيْتُهُمْ … وَكَانَ الإِلهُ هُوَ الْمُسْتَآسَا
فإنه قال هذا، وهو ابن مائة وعشرين. أو عشرة، أو عشرون، أو ثلاثون، أو ستون، أو سبعون، أو ثمانون، نقلها الزجاج في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ الآية [يس: ٣١] والأخير نقله ابن الأعرابيّ أيضًا، وقالوا: هو مقدار المتوسط من أعمار أهل الزمان، أو مائة، أو مائة وعشرون، وفي "فتح الباري": اختلفوا في تحديد مدة القرن من عشرة إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرَّح بالتسعين، ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، والأول من القولين الأخيرين أصحّ، وقال ثعلب: هو الاختيار؛ لقوله - ﷺ - لغلام بعد أن مسح رأسه: "يعيش قَرْنًا" (^١)، فعاش مائة سنة، قال: وبالأخير فُسّر حديث: "إن الله يبعث على رأس كل قرن لهذه الأمة من يجدد أمر دينها"، كما حققه الحافظ السيوطيّ -﵀-، والقرن: كل أمة هلكت، فلم يبق منها أحدٌ، وبه فُسّرت الآية المذكورة، وقيل: الوقت من الزمان، عن ابن الأعرابيّ. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": القرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبيّ، أو
_________________
(١) هو: ما أخرجه الطبرانيّ عن عبد الله بن بسر - ﵁ - قال: وضع رسول الله - ﷺ - يده على رأسي، فقال: "يعيش هذا الغلام قرنًا"، فعاش مائة سنة، وكان في وجهه ثؤلول، فقال: "لا يموت حتى يذهب الثؤلول من وجهه"، فلم يمت حتى ذهب الثؤلول من وجهه. قال الحافظ الهيثميّ -﵀-: رواه الطبرانيّ والبزار باختصار الثؤلول، إلا أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليدركن قرنًا"، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، غير الحسن بن أيوب الحضرميّ وهو ثقة. انتهى. "مجمع الزوائد" ٩/ ٤٠٥، وصحَّح الحديث الشيخ الألبانيّ -﵀-. راجع: "الصحيحة" ٦/ ٣٤٣.
(٢) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٨١٣٦.
[ ٤٠ / ٩٦ ]
رئيس يجمعهم على ملة، أو مذهب، أو عمل، ويُطلق القرن على مدّة من الزمان، واختلفوا في تحديدها، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، قال الحافظ: لكن لم أر من صرّح بالتسعين (^١)، ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، وذكر الجوهريّ بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن بُسْر عند مسلم ما يدلّ على أن القرن مائة، وهو المشهور، وقال صاحب "المطالع": القرن أمة هلكت، فلم يبق منهم أحد، وثبتت المائة في حديث عبد الله بن بُسْر، وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر صاحب "المحكم" الخمسين، وذَكَر من عشر إلى سبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرّح ابن الأعرابيّ، وقال: إنه مأخوذ من الاقتران (^٢)، ويمكن أن يُحْمَل عليه المختلِف من الأقوال المتقدِّمة، ممن قال: إن القرن أربعون فصاعدًا، أما من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول، والله أعلم (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأقوال وأدلّتها، أن الأرجح قول من قال: إن القرن مائة سنة؛ لقوّة حججه؛ ومِن أبرزها حديث عبد الله بن بسر - ﵁ - قال: وضع رسول الله - ﷺ - يده على رأسي، فقال: "هذا الغلام يعيش قرنًا"، فعاش مائة سنة، وهو حديث صحيح (^٤)، أخرجه الحاكم، وغيره، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟
_________________
(١) وقع في نسخة "الفتح": "السبعين" بدل "التسعين"، والصواب: "التسعين"، كما في "تاج العروس" ٩/ ٣٠٥.
(٢) وقع في نسخة "الفتح": "من الأقران"، والصواب كما في "التاج": "من الاقتران".
(٣) "الفتح" ٧/ ٥.
(٤) تقدّم الكلام عليه في الهامش، فارجع إليه.
[ ٤٠ / ٩٧ ]
قَالَ: "قَرْنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَتَبْدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ"، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَنْهَوْنَنَا، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الْعَهْد، وَالشَّهَادَاتِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: ابن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ شهيرٌ [١٠] (٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ … إلخ) "تَبْدُر" بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر: أي: تَسبِق، قال الطحاويّ -﵀-: أي: يُكثرون الأيمان في كل شيء حتى يصير لهم عادةً، فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين، ومن قبل أن يُستَحلف، وقال غيره: المراد: يحلف على تصديق شهادته قبل أدائها، أو بعده، وهذا إذا صدر من الشاهد قبل الحكم سقطت شهادته، وقيل: المراد: التسرع إلى الشهادة واليمين، والحرص على ذلك، حتى لا يدري بأيهما يبدأ؛ لقلة مبالاته.
وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو موصول بالإسناد المذكور، ووهِم من زعم أنه معلّق، وإبراهيم هو النخعيّ.
وقوله: (كَانُوا يَنْهَوْنَنَا، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الْعَهْد، وَالشَّهَادَاتِ) ولفظ البخاريّ: "كانوا يضربوننا على الشهادة، والعهد"، وزاد في رواية: "ونحن صغار"، وفي لفظ: "وكان أصحابنا ينهوننا، ونحن غلمان عن الشهادة".
قال القرطبيّ -﵀-: وقول إبراهيم النَّخعي: "كانوا ينهوننا … إلخ"؛ يعني: من أدرك، وقد أدرك التابعين، فكانوا يزجرون الصبيان عن اعتياد إلزام أنفسهم العهود والمواثيق، لِمَا يلزم الملتزم من الوفاء، فيُحْرَج أو يأثم بالترك، وكذلك عن تحمّل الشهادات لِمَا يلزم عليه من مشقة الأداء، وصعوبة التخلص
[ ٤٠ / ٩٨ ]
من آفاتها في الدنيا والآخرة، وكل ذلك من السلف - ﵃ - تعليم للصغار، وتدريب لهم، على ما يجتنبونه في حال كِبَرهم. انتهى (^١).
وقال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: معناه عندهم: النهي عن مبادرة الرجل بقوله: أشهد بالله، وعليّ عَهْد الله، لقد كان كذا، ونحو ذلك، وإنما كانوا يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة، فيحلفوا في كل ما يصلح، وما لا يصلح.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون الأمر في الشهادة على ما قال، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: النهي عن تعاطي الشهادات، والتصدي لها؛ لِمَا في تحمّلها من الحرج، ولا سيما عند أدائها؛ لأن الإنسان مُعَرَّض للنسيان والسهو، ولا سيما وهم إذ ذاك غالبًا لا يكتبون، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالنهي عن العهد: الدخول في الوصية؛ لِمَا يترتَّب على ذلك من المفاسد، والوصية تسمى العهد، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِإسْنَادِ أَبِي الأَحْوَص، وَجَرِيرٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب، و"عبد الرحمن" هو: ابن مهديّ، و"سفيان" هو الثوريّ.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) ضمير التثنية لشعبة، وسفيان الثوريّ.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٨.
(٢) "الفتح" ٦/ ٥١٥، كتاب "الشهادات" رقم (٢٦٥٢).
[ ٤٠ / ٩٩ ]
[تنبيه]: رواية شعبة عن منصور بن المعتمر ساقها الشاشيّ في "مسنده" مقرونًا بالأعمش، فقال:
(٧٨٩) - حدّثنا عباس بن محمد، نا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله، عن النبيّ - ﷺ -؛ أنه قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَخْلُف قرن يسبق أيمانهم شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم". انتهى (^١).
ورواية سفيان الثوريّ عن منصور ساقها أبو نعيم في "الحلية"، فقال: حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم (ح) وحدثنا فاروق الخطابيّ، ثنا محمد بن محمد بن حيّان، ثنا محمد بن كثير، قالا: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته".
قال إبراهيم: كانوا يضربون على العهد، والشهادة، ونحن صغار. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥١] (…) - (وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَة، أَو فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: "ثُمَّ يَتَخَفَفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْف، تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَبَمِينُهُ شَهَادَتَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضم الحاء المهملة - هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ أبو علي الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
_________________
(١) "مسند الشاشيّ" ٢/ ٢٢٠.
(٢) "حلية الأولياء" ٧/ ١٢٦.
[ ٤٠ / ١٠٠ ]
٢ - (أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ) أبو بكر الباهليّ البصرفي، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٣) وهو ابن أربع وتسعين (خ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٤٤.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥] (^١) (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَة، أَو فِي الرَّابِعَةِ) الظاهر أن الشكّ من ابن مسعود - ﵁ - فيما ذكره النبيّ - ﷺ -، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، وسيأتي في حديث أبي هريرة - ﵁ - أن الشك منه صريحًا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: "ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في معظم النُّسخ: "يتخلف"، وفي بعضها: "يَخْلُف" بحذف التاء، وكلاهما صحيح؛ أي: يجيء بعدهم خَلْف بإسكان اللام، هكذا الرواية، والمراد: خَلْفُ سوء، قال أهل اللغة: الْخَلْف ما صار عِوَضًا عن غيره، ويُستعمل فيمن خَلَف بخير، أو بشرّ، لكن يقال في الخير: بفتح اللام، وإسكانها، لغتان، الفتح أشهر، وأجود، وفي الشرّ بإسكانها، عن الجمهور، وحُكي أيضًا فتحها. انتهى (^٢).
وقوله: (تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ") قال القرطبيّ -﵀-: يعني بذلك أنه يقلّ وَرَع الناس بعد القرن الرابع، فيُقدِمون على الأيمان والشهادات من غير توقف، ولا تحقيق، وقال في حديث عمران: "يشهدون، ولا يستشهدون"؛ أي: يسبقون بأداء الشهادة قبل أن يسألوها، وذلك لهوىً لهم فيها، ومن كان كذلك رُدّت شهادته، وقد بيَّنا فيما تقدَّم مواضع يتعيَّن فيها على الشاهد الأداء، وإن لم يسأل، وذلك بحسب ما تدعو إليه الضرورة الشرعية، وعليه يُحْمَل قوله - ﷺ -: "خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها"، ويَحْتَمِل أن يراد
_________________
(١) هذا أَولى من قول "التقريب": من السادسة؛ لأنه رأى أنسًا - ﵁ -، فهو من الخامسة، كأيوب، والأعمش، فتنبّه.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٥.
[ ٤٠ / ١٠١ ]
بقوله: "ولا يستشهدون" أنهم: يشهدون با لزور، فيكون معناه: يشهدون بما لم يستشهدوا به، ولا شاهدوه، والأول أَولى؛ لأنَّه أصل الكلمة. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٢] (٢٥٣٤) - (حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بشْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَذَكَرَ الثالِثَ أَمْ لَا؟ قَالَ: "ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ، يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرَقيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩، أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م) ١٠/ ٧٤٨، من أفراد المصنّف.
٣ - (هُشَيْمُ) -بالتصغير- ابن بَشِير -بالتكبير بوزن عَظِيم- ابن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو بِشْرِ) بن أبي وحشية - بفتح الواو، وسكون المهملة، وكسر المعجمة، وتثقيل التحتانية - جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم، وفي مجاهد [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
[تنبيه]: كون أبي بشر هنا هو جعفر بن إياس، هو الصواب، كما نصّ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٧.
[ ٤٠ / ١٠٢ ]
عليه الحافظ المزّيّ -﵀- في "تحفته" (^١)، وقد وقع لبعض الشرّاح (^٢) غلط، حيث ترجم لبيان بن بشر، بدل جعفر بن إياس، وقد وقع له مثل هذا في غير هذا الموضع، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْينُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ - بالضمّ - البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذكر قريبًا.