أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - سبق القول فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَيْرُ أمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ) بالبناء للمفعول، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ")؛ أي: القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، (-وَاللهُ أَعْلَمُ- أَذَكَرَ الثَّالِثَ)؛ أي: القرن الثالث (أَمْ لَا؟)؛ أي: أم لم يذكره؟، وهذا الشكّ من أبي هريرة - ﵁ -، كما يأتي في الرواية التالية. (قَالَ) - ﷺ -: ("ثُمَّ يَخْلُفُ) بضمّ اللام، يقال: خلفت فلانًا على أهله، وماله من باب قَعَد خِلافةً: صرتُ خليفته، وخلفته: جئت بعده، وهذا هو المعنى المراد هنا. (قَوْمٌ، يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ) وفي رواية: "ويظهر فيهم السِّمَن". السَّمانة بفتح السين: هي السمن، قال القرطبيّ -﵀-: أي: يغلب عليهم النَّهم، والشهوات، ويُكثرون الأكل، فيظهر عليهم السمن، وقد يأكلون ليسمنوا؛ فإنَّه محبوبٌ لهم، ومن كان هذا حاله خرج عن الأكل الشرعيّ، ودخل في الأكل الشَّرِّيّ الذي قال فيه النبيّ - ﷺ -: "ما ملأ آدميّ وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صلبه، فإنْ كان ولا بدّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (^٣) (^٤).
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ١٠/ ١٣٦.
(٢) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢٤/ ٢١٣.
(٣) حديث صحيح، رواه أحمد ٤/ ١٣٢، والترمذيّ (٢٣٨٠).
(٤) "المفهم" ٦/ ٤٨٧ - ٤٨٨.
[ ٤٠ / ١٠٣ ]
وقال النوويّ: قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسِّمَن هنا: كثرة اللحم، ومعناه: أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه: أن يتمحضوا سمانًا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائدًا على المعتاد، وقيل: المراد بالسِّمَن هنا أنهم يتكثّرون بما ليس فيهم، وَيدّعون ما ليس لهم، من الشرف وغيره، وقيل: المراد جَمْعهم الأموال. انتهى (^١).
(يَشْهَدُونَ) بالبناء للفاعل؛ أي: يؤدّون الشهادة للناس (قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا") بالبناء للمفعول؛ أي: قبل أن يُطلب منهم أداء شهادتهم.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث في ظاهره مخالفة للحديث الآخر: "خيرُ الشهود الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها"، قال العلماء: الجمع بينهما: أن الذمّ في ذلك لمن بادر بالشهادة في حقّ الآدمي هو عالم بها قبل أن يسألها صاحبها، وأما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة لآدميّ، ولا يعلم بها صاحبها، فيُخبره بها ليستشهد بها عند القاضي، إن أراد، ويلتحق به من كانت عنده شهادةٌ حسبةً، وهي الشهادة بحقوق الله تعالى، فيأتي القاضي، ويشهد بها، وهذا ممدوح، إلا إذا كانت الشهادة بحدّ، ورأى المصلحة في الستر، هذا الذي ذكرناه من الجمع بين الحديثين هو مذهب أصحابنا -يعني: الشافعيّة - ومالك، وجماهير العلماء، وهو الصواب، وقيل فيه أقوال ضعيفة، منها قول من قال بالذمّ مطلقًا، ونابذ حديث المدح، ومنها من حمله على شهادة الزور، ومنها قول من حمله على الشهادة بالحدود، وكلها فاسدة، واحتَجّ عبد الله بن شُبْرُمة بهذا الحديث لمذهبه في منعه الشهادة على الإقرار قبل أن يُستَشهَدَ، ومذهبنا ومذهب الجمهور قبولها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٢)، وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٦ - ٨٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٧.
[ ٤٠ / ١٠٤ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٣/ ٦٤٥٢ و٦٤٥٣] (٢٥٣٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٢٨ و٤١٠ و٤٧٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٣٢)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٦٥/ ٤٠٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٣] (…) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَا أَدْرِي مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاثَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع، العبديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجاّج البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٢٧) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٣.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة عن أبي بشر ساقها أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٩٣٠٧) - حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-؛ أنه قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم -قال أبو هريرة: لا أدري ذكر مرتين، أو ثلاثًا- ثم خلف من بعدهم قوم، يحبون السمانة، يَشهدون، ولا يُستشهَدون". انتهى (^١).
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٤١٠.
[ ٤٠ / ١٠٥ ]
وأما رواية أبي عوانة عن أبي بشر، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٤] (٢٥٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ، حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاثَةً؟ "ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَخُونُونَ، وَلَا يُتَّمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ، وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو جَمْرَةَ) -بالجيم- نصر بن عِمران بن عِصام الضُّبَعيّ -بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة - البصريّ، نزيل خُراسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبِ) الْجَرْميّ، أبومسلم البصريّ، ثقةٌ [٣] (خ م ت س) تقدم في "الإيمان" ٣/ ٤٢٥٧.
٣ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجَيد -بنون، وجيم، مصغرًا - الصحابيّ الشهير، أسلم عام خيبر، وأبوه أيضًا صحابيّ على الصحيح، وكان عمران فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات -﵁ - سنة اثنتين وخمسين بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.