أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وهو مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخه، فإنهم بغداديّون، غير يحيى، فنيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن المنكدر، عن ابن المسيّب، عن عامر بن سعد، وفيه ابن المسيّب من الفقهاء السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وآخر من مات منهم، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، ذو مناقب جمّة -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنْ يُوسُفَ الْمَاجِشُونِ) قال النوويّ ﵀: وفي بعض النسخ: "يوسف بن الماجشون"، وكلاهما صحيح، وهوأبو سلمة يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة دينار، والماجشون لقب يعقوب، وهو لقب جَرَى عليه، وعلى أولاده، وأولاد أخيه، وهو بكسر الجيم، وضم الشين المعجمة، وهو لفظ فارسيّ، ومعناه: الأحمر الأبيض الْمُوَرَّد، سُمِّي يعقوبُ بذلك؛ لحمرة وجهه، وبياضه. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧٣ - ١٧٤.
[ ٣٨ / ٥٥٤ ]
قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر، عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ) -﵁- ("أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) هذا قاله -ﷺ- في غزوة تبوك حين خلّفه على أهله واستخلفه على المدينة، فيما قيل. ولمّا صَعُب على عليّ -﵁- تخلَّفه عن رسول الله -ﷺ-، وشقّ عليه، سكَّنه النبيّ -ﷺ- وآنسه بقوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ "، وذلك: أن موسى -ﷺ- لمّا عزم على الذهاب لِمَا وعده الله به من المناجاة قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وأخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه" من طريق الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه: أن رسول الله -ﷺ- خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا، فقال: أتُخَلِّفُني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي". وأخرج الحاكم في "الإكليل" من مرسل عطاء بن أبي رباح: فقال: "يا عليّ اخلُفني في أهلي، واضرب، وخذ، وعِظْ"، ثم دعا نساءه، فقال: "اسمعن لعليّ، وأطعن" (^١).
وأخرج النسائيّ في "السنن الكبرى" بسند صحيح، من طريق سعيد بن المسيِّب، عن سعد بن أبي وقاص قال: لَمّا غزا رسول الله -ﷺ- غزوة تبوك خَلّف عليًّا بالمدينة، فقالوا فيه: مَلَّه، وكره صُحْبته، فتبع عليّ النبي -ﷺ- حتى لَحِقه بالطريق، فقال: يا رسول الله خَلّفتني بالمدينة مع الذراري والنساء، حتى قالوا: مَلّه، وكَرِه صحبته، فقال له النبي -ﷺ-: "يا علي إنما خَلّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي" (^٢).
وقال التوربشتيّ ﵀: كان هذا القول من النبيّ -ﷺ- مَخْرَجه إلى غزوة تبوك، وقد خلّف عليًّا -﵁- على أهله، وأمَره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلا استثقالًا له، وتخفّفًا منه، فلما سمع به عليّ أخذ سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله -ﷺ-، وهو نازلٌ بالجرف، فقال: يا
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٨/ ٧١٦.
(٢) "السُّنن الكبرى" ٧/ ٣٠٧ رقم الحديث (٨٠٨٢).
[ ٣٨ / ٥٥٥ ]
رسول الله زعم المنافقون كذا، فقال: "كذبوا، إنما خلّفتك لِمَا تركت ورائي، فارجع، فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ تأوّل قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ الآية [الأعراف: ١٤٢]. انتهى (^١).
وقال في "العمدة" عند قوله: "أنت منّي، وأنا منك" ما نصّه: قوله: "أنت" مبتدأ، و"مني" خبره، ومتعلق الخبر خاصّ، وكلمة "مني" هذه تسمى بـ "من" الاتصالية، ومعناه أنت متصل بي، وليس المراد به اتصاله من جهة النبوة، بل من جهة العلم، والقرب، والنسب، وكان أبو النبيّ -ﷺ- شقيق أبي عليّ -﵁-، وكذلك الكلام في قوله: "وأنا منك".
وفي حديث آخر: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ومعناه: أنت متصل بي، ونازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه، ووجه التشبيه مبهم، وبيَّنه بقوله: "إلا أنه لا نبيّ بعدي"؛ يعني: أن اتصاله ليس من جهة النبوّة، فبقي الاتصال من جهة الخلافة؛ لأنها تلي النبوة في المرتبة، ثم إنها إما أن تكون في حياته، أو بعد مماته، فخرج بعد مماته؛ لأن هارون مات قبل موسى ﵇ فتبيّن أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك؛ لأن هذا القول من النبيّ -ﷺ- كان مَخرجه إلى غزوة تبوك، وقد خلّف عليًّا على أهله، وأمره بالإقامة فيهم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ "؛ أي: نازلًا مني منزلة هارون من موسى، والباء زائدة، وفي رواية سعيد بن المسيِّب عن سعد: "فقال عليّ: رضيتُ رضيتُ"، أخرجه أحمد.
ولابن سعد من حديث البراء بن أرقم في نحو هذه القصة: "قال: بلى يا رسول الله، قال: فإنه كذلك"، وفي أول حديثهما أنه -ﷺ- قال لعليّ: "لا بُدّ أن أُقيم، أو تقيم، فأقام عليّ، فسمع ناسًا يقولون: إنما خلّفه لشيء كرهه منه، فاتّبعه، فذَكر له ذلك، فقال له. . ." الحديث، وإسناده قويّ (^٣).
_________________
(١) راجع: "الكاشف عن حقائق السُّنن" ١٢/ ٣٨٨١.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢١٤.
(٣) "الفتح" ٨/ ٤٢٤.
[ ٣٨ / ٥٥٦ ]
(إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي") قال القرطبيّ ﵀: إنما قاله النبيّ -ﷺ- تحذيرًا مما وقعت فيه طائفة من غلاة الرَّافضة؛ فإنَّهم قالوا: إن عليًّا نبي يوحى إليه، وقد تناهى بعضهم في الغلوّ إلى أن صار في عليّ إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح، فقالوا: إنه الإله. وقد حرَّق عليّ -﵁- من قال ذلك، فافتتن بذلك جماعة منهم، وزادهم ضلالًا، وقالوا: الآن تحققنا أنه الله؛ لأنَّه لا يعذِّب بالنار إلا الله، وهذه كلها أقوال عوام، جهَّال، سخفاء العقول، لا يُبالي أحدهم بما يقول، فلا ينفع سهم البرهان، لكن السَّيف والسِّنان. انتهى (^١).
وقال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: واحتجاج أهل الزيغ بهذا الحديث على أنه -ﷺ- أراد بذلك استخلافه، فقد أجابه عن ذلك أبو إسحاق المروزي بجواب على وجهين مجملين:
أحدهما: أن هارون كان خليفة موسى في حياته، ولم يكن عليّ خليفة رسول الله -ﷺ- في حياته، وإذا جاز أن يتأخر عليّ عن خلافة رسول الله -ﷺ- في حياته على حسبما كان هارون خليفة موسى في حياته، جاز أن يتأخر بعد موته زمانًا، ويكون غيره مقدَّمًا عليه، ويكون معنى الحديث: القصد إلى إثبات الخلافة له، كما ثبتت لهارون، لا أنه استحق تعجيلها في الوقت الذي تعجّلها هارون من موسى ﵇.
والوجه الآخر: أن هذا الكلام إنما خرج من النبيّ -ﷺ- تفضيل عليّ، ومعرفة حقه، لا في الإمامة؛ لأنه ليس كل من وجب حقه، وصار مفضّلًا استَحَقّ الإمامة؛ لأن هارون مات قبل موسى بزمان، فاستخلف موسى بعده يوشع بن نون، فهارون إنما كان خليفة لموسى في حياته، وقد عُلم أن عليًّا لم يكن خليفة النبيّ -ﷺ- في حياته، ولم يكن هارون خليفة لموسى بعد موته، فيكون ذلك دليلًا على أن عليًّا خليفة رسول الله -ﷺ- بعد موته.
قال أبو عمر: كان هذا القول من النبيّ -ﷺ- لعليّ حين استخلفه على المدينة في وقت خروجه غازيًا غزوة تبوك، وهذا استخلاف منه في حياته، وقد شَرِكه في مثل هذا الاستخلاف غيره ممّن لا يَدَّعي له أحد خلافةً جماعةٌ قد
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٧٤.
[ ٣٨ / ٥٥٧ ]
ذَكَرهم أهل السُّنَّة، وقد ذكرناهم في "كتاب الصحابة"، وليس في استخلافه حين قال له ذلك القول دليل على أنه خليفة بعد موته، والله أعلم. انتهى (^١).
(قَالَ سَعِيدٌ)؛ أي: ابن المسيِّب، (فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِهَا)؛ أي: بهذه القصّة، (سَعْدًا)؛ أي: ابن أبي وقّاص -﵁- بعد أن سمعها من ابنه عامر، زيادة في التأكّد، وهل هو سمعه منه -ﷺ- بنفسه، أو بواسطة شخص آخر؟ (فَلَقِيتُ سَعْدًا، فَحَدَّثْتُهُ بمَا حَدَّثَنِي عَامِرٌ)؛ يعني: الحديث المذكور، (فَقَالَ) سعد -﵁- (أنَا سَمِعْتُهُ)؛ أَي: سمعت النبيّ -ﷺ-، (فَقُلْتُ: آنْتَ) بالمدّ، أصله: أأنت بهمزتين، أُولاهما همزة الاستفهام، فأُبدلت الثانية ألفًا تخفيفًا. (سَمِعْتَهُ)؛ أي: هذا الحديث منه -ﷺ-، ولفظ ابن حبّان: "فأحببت أن أسأله سعدًا، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله -ﷺ-؟ قال: نعم". (فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع بوزن عُصفور، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة. (عَلَى أُذُنَيْه، فَقَالَ) سعد (نَعَمْ) سمعته، وقوله: (وَإِلَّا) هي "إن" الشرطيّة، أُدغمت في "لا" النافية، (فَاسْتَكَّتَا) بتشديد الكاف؛ أي: صُمّتا، يقال: استكّت مسامعه: بمعنى صُمّت (^٢).
وقال المجد: السَّكَكُ مُحَرَّكَةً: الصَّمَمُ، وقِيلَ: صِغَرُ الأذُن، ولُزُوقُها بالرَّأْس، وقِلَّةُ إِشْرافِها، أَو صِغَرُ قُوفِ الأُذُن، وضِيقُ الصِّمَاخ، ويكونُ ذلِكَ في النّاسِ وغَيرِهِمْ. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: حديث الباب دون زيادة: "إلا أنه لا نبيّ بعدي" رُوي عن النبيّ -ﷺ- عن غير سعد من حديث عمر، وعليّ نفسه، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، والبراء، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد، وأنس، وجابر بن سمرة، وحُبْشيّ بن جُنادة، ومعاوية، وأسماء بنت عُميس، وغيرهم،
_________________
(١) "التمهيد" لابن عبد البرّ ٢٢/ ١٣٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢٨٢.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٦٢٦.
[ ٣٨ / ٥٥٨ ]
وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة عليّ، وقريب من هذا الحديث في المعنى حديث جابر بن سمرة قال -ﷺ- لعليّ: "مَن أشقى الأَوَّلين؟ " قال: عاقر الناقة، قال: "فمن أشقى الآخِرين؟ "، قال: الله ورسوله أعلم، قال: "قاتِلُك"، أخرجه الطبرانيّ، وله شاهد من حديث عمار بن ياسر عند أحمد، ومن حديث صُهيب عند الطبرانيّ، وعن عليّ نفسه عند أبي يعلى، بإسناد ليّن، وعند البزار بإسناد جيّد، ذكره في "الفتح" (^١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦١٩٧ و٦١٩٨ و٦١٩٩ و٦٢٠٠ و٦٢٠١] (٢٤٠٤)، و(البخاريّ) في "الفضائل" (٣٧٠٦) و"المغازي" (٤٤١٦)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٢٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٤٤ و١٠٧ و١٠٨ و١١٣ و١١٩ و١٢٠ و١٢١ و١٢٢ و١٢٣ و١٢٤ و١٢٥)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١١٥ و١٢١)، و(عبد الرزّاق) في "مسنده" (٢٠٣٩٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧٣ و١٧٩ و١٨٥) وفي "فضائل الصحابة" (٩٥٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٢٦ و٦٩٢٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٦٩٨ و٧٠٩ و٧٣٨)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (١٣٤٢ و١٣٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤٠) و"دلائل النبوّة" (٥/ ٢٢٠)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عليّ بن أبي طالب -﵁-، وأنه ذو مكانة عند الله تعالى، حيث جعله من نبيّه -ﷺ- بمنزلة هارون من موسى ﵇، وهذا غاية الفضل والكمال.
وقد وردت أحاديث في مناقبه -﵁- في غير هذا الموضع، منها: حديث عمر: "عليّ أقضانا"، وله شاهد صحيح من حديث ابن مسعود عند الحاكم، ومنها حديث قتاله البغاة، وهو في حديث أبي سعيد: "تقتل عمارًا الفئة
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٢٤ - ٤٢٥، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٠٦).
[ ٣٨ / ٥٥٩ ]
الباغية"، وكان عمار مع عليّ، ومنها حديث قتاله الخوارج، وقد تقدم من حديث أبي سعيد وغير ذلك مما يُعرف بالتتبع، وأوعب مَن جمع مناقبه من الأحاديث الجياد: النسائيّ في "كتاب الخصائص"، وأما حديث: "من كنت مولاه فعليّ مولاه"، فقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وهو كثير الطرُق جدًّا، وقد استوعبها ابن عُقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح، وحسان، قال الحافظ: وقد رَوينا عن الإمام أحمد قال: ما بلَغنا عن أحد من الصحابة ما بلَغنا عن عليّ بن أبي طالب -﵁-، ذكره في "الفتح" (^١).
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ بإسناده إلى ضرار الصُّدائي، وقال له معاوية: صِفْ لي عليًّا، فقال: أعفني يا أمير المؤمنين! قال: صِفْه، قال: أما إذ لا بدّ من وَصْفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس من الليل ووحشته، وكان غزير الدَّمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خَشُن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويفتينا إذا استفتيناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقُربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يُعظِّم أهل الدِّين، ويُقرب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضًا على لحيته يتملل تملل السَّليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، أإليّ تعرضتِ؟ أم إليّ تشوَّفت؟، هيهات هيهات! قد بَتَتُّك ثلاثًا، لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق؛ فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن! كان والله كذلك، كيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حُزْن من ذُبح واحدها في حِجْرها، نقله القرطبيّ ﵀ في "المفهم" (^٢).
٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": استُدِلّ بحديث الباب على استحقاق عليّ للخلافة دون غيره من الصحابة -﵃-، فإن هارون كان خليفة موسى.
وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته، لا بعد موته؛
_________________
(١) "الفتح ٨/ ٤٥٢ - ٤٢٦.
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ٣٨ / ٥٦٠ ]
لأنه مات قبل موسى باتفاق، أشار إلى ذلك الخطابيّ، وقال الطيبيّ: معنى الحديث أنه متصلٌ بي، نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهمٌ بيَّنه بقوله: "إلا أنه لا نبي بعدي"، فعُرف أن الاتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها، وهو الخلافة، ولمّا كان هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى دلّ ذلك على تخصيص خلافة عليّ للنبيّ -ﷺ- بحياته، والله أعلم. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): ما قاله العلماء في قوله: "إلا أنه لا نبيّ بعدي" دليل على أن عيسى ﵇ إذا نزل يَنزل حَكَمًا من حُكّام هذه الأمة، يدعو بشريعة نبيّنا محمد -ﷺ-، ولا ينزل نبيًّا. قاله النوويّ ﵀ (^٢).
وقال القاري بعد ذكر كلام النوويّ هذا: أقول: لا منافاة بين أن يكون نبيًّا ويكون متابعًا لنبيّنا -ﷺ- في بيان أحكام شريعته، وإتقان طريقته، ولو بالوحي إليه، كما يُشير إليه قوله -ﷺ-: "لو كان موسى حيًّا لَمَا وسعه إلا اتّباعي" (^٣)؛ أي: مع وصف النبوة والرسالة، وإلا فمع سَلْبهما لا يفيد زيادة المزيّة، فالمعنى أنه لا يحدُثُ بعده نبيّ؛ لأنه خاتم النبيين السابقين، وفيه إيماء إلى أنه لو كان بعده نبيّ لكان عليًّا، وهو لا ينافي ما ورد في حقّ عمر -﵁- صريحًا (^٤)؛ لأن الحكم فَرْضيّ وتقديريّ، فكأنه قال: لو تُصُوّر بعدي نبيّ لكان
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٢٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧٤.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه من طريق مُجَالد، عن الشعبي، عن جابر ابن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أَتَى النبي -ﷺ- بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي -ﷺ-، فغضب، فقال: "أَمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق، فتُكَذِّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى -ﷺ- كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتّبعني". وفي سنده مجالد بن سعيد، والأكثرون على تضعيفه.
(٤) هو ما أخرجه أحمد، والترمذيّ بسند حسن من طريق مِشْرَح بن هَاعَان، عن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان.
[ ٣٨ / ٥٦١ ]
جماعة من أصحابي أنبياء، ولكن لا نبيّ بعدي، وهذا معنى حديث: "لو عاش إبراهيم لكان صدّيقًا نبيًّا" (^١).
وأما حديث: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، فقد صرّح الحفّاظ؛ كالزركشيّ، والعسقلانيّ، والدميريّ، والسيوطيّ أنه لا أصل له. قاله القاريّ ﵀ (^٢).
وقال الشيخ الألبانيّ ﵀: لا أصل له باتفاق العلماء، وهو مما يَستدلّ به القاديانية الضالّة على بقاء النبوّة بعده -ﷺ-، ولو صحّ لكان حجة عليهم، كما يظهر بقليل من التأمّل. انتهى (^٣). والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض، والإمامية، وسائر فرق الشيعة، في أن الخلافة كانت حقًّا لعلي، وأنه وصّى له بها، قال: ثم اختلف هؤلاء، فكفّرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره، وزاد بعضهم، فكفّر عليًّا؛ لأنه لم يَقُم في طلب حقّه بزعمهم، وهؤلاء أسخف مذهبًا، وأفسد عقلًا من أن يُرَدّ قولهم، أو يُناظَر.
وقال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا؛ لأن من كفّر الأمة كلها، والصدر الأول خصوصًا، فقد أبطل نَقْل الشريعة، وهَدَم الإسلام، وأما من عدا هؤلاء الغُلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك الشنيع القبيح، ومن ارتكبه منهم ألحقناه بمن تقدّم في التكفير، ومأواه جهنّم، وبئس المصير.
وأما الإمامية، وبعض المعتزلة، فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره لا كُفّار، وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة؛ لجواز تقديم المفضول عندهم.
وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعليّ، ولا
_________________
(١) هذا أثر أنس -﵁-، أخرجه أحمد بسند حسن، وأخرجه البخاريّ، وأحمد، وابن ماجه، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: رأيت إبراهيم ابن النبي -ﷺ-. قال: مات صغيرًا، ولو قُضي أن يكون بعد محمد -ﷺ- نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده.
(٢) "المرقاة" ١٠/ ٤٥٥ - ٤٥٦.
(٣) راجع: "السلسلة الضعيفة" ١/ ٤٨٠ رقم الحديث (٤٦٦).
[ ٣٨ / ٥٦٢ ]
تعرّض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده؛ لأن النبي -ﷺ- إنما قال هذا لعليّ حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون المشبَّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، بل تُوفي في حياة موسى، وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة، فلما رجع موسى ﵇ من مناجاته عاد هارون إلى أول حالاته، على أنه قد كان هارون شُرِّك مع موسى في أصل الرسالة، فلا تكون لهم فيما راموه دلالة.
وغاية هذا الحديث أن يدلّ على أن النبيّ -ﷺ- إنما استخلف عليًّا -﵁- على المدينة فقط، فلما رجع النبيّ -ﷺ- من تبوك قعد مقعده، وعاد عليّ -﵁- إلى ما كان عليه قبلُ، وهذا كما استَخلَف رسول الله غبهيمّ على المدينة ابنَ أُمّ مكتوم وغيرَه، ولا يلزم من ذلك استخلافه دائمًا بالاتفاق (^١).
وقال الطيبيّ بعدما ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه:
أقول: وتحريره من جهة علم المعاني أن قوله: "منّي" خبر للمبتدإ، و"من" اتّصاليّة، ومتعلّق الخبر خاصّ، والباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٣٧]؛ أي: فإن اَمنوا إيمانًا مثل إيمانكم؛ يعني: أنت متّصل بي، ونازل منّي منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه، ووجه الشبه منه لم يُفهم أنه -﵁- فيما شبّهه به -ﷺ-، فبيّن بقوله: "إلا أنه لا نبي بعدي"، أن اتّصاله به ليس من جهة النبوّة، فبقي الاتّصال من جهة الخلافة؛ لأنها تلي النبوّة في المرتبة، ثم إما أن يكون حال حياته، أو بعد مماته، فخرج من أن يكون بعد مماته؛ لأن هارون ﵇ مات قبل موسى، فتعيّن أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك. انتهى (^٢).
وخلاصته: أن الخلافة الجزئيّة في حياته لا تدلّ على الخلافة الكلية بعد مماته، لا سيّما وقد عُزل عن تلك الخلافة برجوعه -ﷺ- إلى المدينة. قاله القاري (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧٤، و"المفهم" للقرطبيّ ٦/ ٢٧٣.
(٢) "الكاشف عن حقائق السُّنن" ١٢/ ٣٨٨٢.
(٣) "المرقاة" ١٠/ ٤٥٥.
[ ٣٨ / ٥٦٣ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق بطلان استدلال الشيعة والرافضة بهذا الحديث على أن الخلافة بعد النبيّ -ﷺ- لعليّ -﵁-، نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، آمين. والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاء، وَالْصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟ ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إلا أنه رُبّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها، وله نيّف وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤١.
والباقون ذُكروا في الباب، والأبواب الثلاثة الماضية.
وقوله: (خَلَّفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- … إلخ) بتشديد اللام؛ أي: جعله خليفته في أهله، وعلى المدينة.
وقوله: (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) مكان معروف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، وبينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، والمشهور فيه عدم الصرف؛ للتأنيث والعَلَمية، ومَنْ صَرَفه أراد الموضع.
وغزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره، قالوا: بلغ
[ ٣٨ / ٥٦٤ ]
المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعًا، وأجلبت معهم لخم، وجُذام، وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء، فندب النبيّ -ﷺ- الناس إلى الخروج، وأعلمَهم بجهة غزوهم، وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في "كتاب التوبة" عند شرح الحديث الطويل في توبة كعب بن مالك، وصاحبيه ﵃إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاء، وَالْصِّبْيَانِ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أتخلّفني … إلخ.
وقوله: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي … إلخ) "أما أداة عرض وتحضيض، مثل "ألا" في قوله ﷿: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢] ".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ) بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "حلية الأولياء"، فقال:
حدّثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح) وحدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر (ح) وحدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدّد، ثنا يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا أبو زكريا الحنائيّ،
[ ٣٨ / ٥٦٥ ]
ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، قالوا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: خَلّف رسول الله -ﷺ- عليّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"، قال: صحيح مشهور من حديث شعبة، عن الحكم. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ -وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -وَهُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا، قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَلَنْ أَسُبَّهُ؛ لأَنْ تّكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَم، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لَهُ، خَلَّفَهُ (^٢) فِي بَعْضِ مَغَازِيه، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ الله، خَلَّفْتَيني مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنَي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي؟ "، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ"، قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: "ادْعُوا لِي عَلِيًّا"، فَاُتيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِه، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْه، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْه، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، أصله
_________________
(١) "حلية الأولياء" ٧/ ١٩٦.
(٢) وفي نسخة: "وقد خلّفه"، وفي أخرى: "وخلّفه".
[ ٣٨ / ٥٦٦ ]
من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ يَهِم [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (بُكَيْرُ بن مِسْمَارٍ) الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، أخو مهاجر، صدوقٌ [٤].
روى عن ابن عمر، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أسلم، وغيرهم.
وروى عنه حاتم بن إسماعيل، وأبو بكر الحنفيّ، وعمرو بن محمد العنقزي، والواقديّ، وغيرهم.
قال البخاريّ: فيه نَظَر، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عبديّ: مستقيم الحديث.
وأرّخ الذهبيّ وفاته تَبَعًا لابن حبان سنة (١٥٣)، وقال الحاكم: استَشهد به مسلم في موضعين (^١)، وقال ابن حبان في "الثقات": وليس هذا ببكير بن مسمار الذي يروي عن الزهريّ ذاك ضعيف، وقال في "الضعفاء" في ترجمة الذي يروي عن الزهريّ: وقد قيل: إنه بكير الدامغانيّ، قال: وليس هذا أخَا مهاجر، ذاك ثقةٌ، قال الحافظ: وأما البخاريّ فجَمَع بينهما في "التاريخ"، لكنه ما قال: فيه نَظَر إلا عندما ذَكَر روايته عن الزهريّ، ورواية أبي بكر الحنفيّ عنه. انتهى (^٢).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٠٤)، وحديث (٢٤١٢): "ارم فداك أبي وأمي. . ." الحديث، و(٢٩٦٥): "إن الله يحبّ العبد التقيّ الغنيّ الخفيّ".
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) -﵁-، أنه (قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) -﵄- (سَعْدًا)؛ أي: ابن أبي وقّاص -﵁-، (فَقَالَ: مَا
_________________
(١) قال الجامع عفا الله عنه: بل في ثلاثة مواضع، كما سأبيّنه آخر الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) "تهذيب التهذيب" ١/ ٤٣٤.
[ ٣٨ / ٥٦٧ ]
مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَاب)؛ يعني: عليًّا -﵁-، وأبو التراب كُنيته، وتقدّم أنه -ﷺ- هو الذي كناه به، وأنه أَحب كنيته إليه.
قال القرطبيّ ﵀: وقول معاوية لسعد بن أبي وقاص -﵄ -: "ما منعك أن تسبَّ أبا تراب" يدلّ على أن مقدَّم بني أميَّة كانوا يسبُّون عليًّا، وينتقصونه، وذلك كان منهم لِمَا وَقَرَ في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسْلَمَه لمن قَتَله؛ بناءً منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكنًا من نُصرته، وكل ذلك ظنّ كذب، وتأويلٌ باطلٌ غطَّى التعصُّب منه وجه الصَّواب، وقد قدمنا: أن عليًّا -﵁- أقسم بالله أنه ما قتله، ولا مالأ على قتله، ولا رضيه. ولم يقل أحد من النقلة قط، ولا سُمع من أحد أن عليًّا كان مع القتلة، ولا أنه دخل معهم الدَّار عليه، وأما تَرْك نُصرته؛ فعثمان -﵁- أسلمَ نفسه، ومَنَع من نُصرته، كما ذكرناه في بابه.
ومِمَّا تشبَّثوا به: أنهم نسبوا عليًّا إلى تَرْك أخْذ القِصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه مَنَعهم منهم، وأنَّه قام دونهم، وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة، ترتَّب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ أيضًا: وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي -﵄-، ومنزلته، وعظيم حقه، ومكانته، وعند ذلك يَبْعد على معاوية أن يصرِّح بلعنه وسبِّه؛ لِمَا كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدِّين، والحلم، وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا التراب؟ وهذا ليس بتصريح بالسبّ، وإنَّما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولمّا سمع ذلك معاوية سكت، وأذعن، وعرف الحق لمستحقه، ولو سلّمنا: أن ذلك من معاوية حَمْل على السَّب، فإنَّه يَحْتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل، وأما التصريح باللعن، وركيك القول، كما قد
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٧٢.
[ ٣٨ / ٥٦٨ ]
اقتحمه جهَّال بني أمية وسفلتهم، فحاشا معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة، والدِّين، والفضل، والحلم، والعلم، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دَخَلٌ على صحابيّ يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية -﵁- هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبّه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبّ، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا، أو خوفًا، أو غير ذلك، فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السبّ فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا -﵁- قد كان في طائفة يسبّون، فلم يسبّ معهم، وعجز عن الإنكار، أوأنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويَحْتَمِل تأويلًا آخر، أن معناه: ما منعك أن تخطّئه في رأيه، واجتهاده، وتُظهر للناس حُسْن رأينا، واجتهادنا، وأنه أخطأ. انتهى (^١).
(فَقَالَ) سعد (أَمَّا مَا) "أما" هي الشرطيّة التي ذَكَرها ابن مالك ﵀ في قوله:
"أمَّا" كَـ "مَهْمَا يَكُ مَنْ شَيْءٍ"وفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
و"ما" مصدريّة ظرفيّة، وَصِلَتُها قوله: (ذَكَرْتُ) بضمّ التاء للمتكلّم، (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث خصال (قَالَهُنَّ لَهُ)؛ أي: لعليّ -﵁- (رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)، وقوله: (فَلَنْ أَسُبَّهُ) جواب "أما"، والتقدير: أما مُدّة ذِكري ثلاث خصال قالها النبيّ -ﷺ- لعليّ -﵁-، فلن أسبّه؛ لكونه بريئًا من أسباب السبّ؛ فكيف أسبّه؟.
وعند أبي يعلى عن سعد -﵁- من وجه آخر، لا بأس به: "قال: لو وُضع المنشار على مفرقي، على أن أَسبّ عليًّا ما سببته أبدًا".
ثمّ فخّم سعد -﵁- شأن تلك الخصال بقوله: (لأَنْ تَكُونَ) اللام للابتداء، و"أن" مصدريّة. (لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ)؛ أي: من تلك الخصال الثلاث، (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم: جمع أحمر. (النَّعَمِ) بفتحتين المراد به هنا الإبل، وإن كان في الأصل يُطلق على غيرها، قال الفيّوميّ ﵀: النَّعَمُ: المال الراعي، وهو جَمْع لا واحد له من لَفْظه، وأكثر ما يقع على
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ٣٨ / ٥٦٩ ]
الإبل، قال أبو عبيد: النَّعَمُ: الْجِمال فقط، ويؤنث، ويذكَّر، وجَمْعه نُعْمَانٌ، مثل حَمَل وحُمْلان، وأَنْعَامٌ أيضًا، وقيل: النَّعَمُ: الإبل خاصّةً، والأَنْعَامُ: ذوات الْخُفّ، والظلف، وهي الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تُطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل فهي نَعَمٌ، وإن انفردت البقر، والغنم لم تسمَّ نَعَمًا. انتهى (^١).
وإنما خصّ حُمْر النعم؛ لأنها أعزّ أنفس الأموال عند العرب، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الخصلة الأولى، وهي كونه من النبيّ -ﷺ- بمنزلة هارون من موسى ﵇ فقال ﵀.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لَهُ)؛ أي: لعليّ -﵁-، (خَلَّفَهُ) بتشديد اللام، وفي بعض النُّسخ: "وقد خلّفه"، وفي أخرى: "وخلّفه"، والمعنى: تركه بعد ذهابه في أهله، وعلى المدينة، (فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ) تقدّم أنها غزوة تبوك في السنة التاسعة، (فَقَالَ لَهُ) -ﷺ- (عَلِيٌّ) -﵁- (يَا رَسُولَ الله، خَلَّفْتَنِي)؛ أي: تركتني بعدك، يَحتمل أن يكون إخبارًا بذلك على سبيل التحسّر، والتحزّن، ويَحتمل أن يكون بتقدير همزة الاستفهام، (مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟)؛ أي: مع الضعفاء الذين عَذَرَهم الله تعالى عن الجهاد، وأنا في الأقوياء الذين لا عُذر لهم، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) ﵇ (إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي؟ ") إذ أنا خاتم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ثم ذكر الخصلة الثانية، كونه يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، فقال:
(وَسَمِعْتُهُ) -ﷺ- (يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ)؛ أي: يوم غزوة خيبر بوزن جعفر، مدينة كبيرة على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، غزاها -ﷺ- في المحرّم سنة سبع، فحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فَتَحها في صفر، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى في "كتاب الجهاد".
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٣ - ٦١٧.
[ ٣٨ / ٥٧٠ ]
("لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ)؛ أي: العَلَم، قال الفيّوميّ ﵀: الراية: عَلَم الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تَرْكه تخفيفًا، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم يُسمَع الهمز، والجمع رايات. انتهى (^١).
وقوله: (رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ") قال في "الفتح":
أراد بذلك وجود حقيقة المحبة، وإلا فكل مسلم يشترك مع عليّ في مطلق هذه الصفة، وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فكانه أشار إلى أن عليًّا تام الاتباع لرسول الله -ﷺ- حتى اتصف بصفة محبة الله له، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما أخرجه مسلم من حديث عليّ -﵁- نفسِهِ: "قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنه لَعَهْد النبيّ -ﷺ- أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق"، وله شاهد من حديث أم سلمة -﵂- عند أحمد. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليلان على صحة نبوة نبينا محمد -ﷺ-، وهي إخباره عن فتح خيبر، ووقوعه على نحو ما أخبر، وبرء رَمَد عين عليّ -﵁- على فَوْر دعاء النبيّ -ﷺ-، وفي غير كتاب مسلم: أنه مسح على عينيّ عليّ، ورقاه. انتهى (^٣).
وفيه من الفقه: جواز المدح بالحق إذا لم تُخْشَ على الممدوح فتنة. وقد تقدَّم القول في محبة الله.
وفيه ما يدل: على أن الأَولى بدفع الراية إليه من اجتمع له الرئاسة، والشجاعة، وكمال العقل.
(قَالَ) سعد (فَتَطَاوَلْنَا لَهَا)؛ أي: حرصنا عليها، وأصل التطاول: الامتداد والارتفاع، والمراد: رَفَعنا وجوهنا، وأظهرنا أنفسنا على رسول الله -ﷺ-؛ ليتذكّرنا، عسى أن يختارنا لهذه السعادة (^٤).
(فَقَالَ) -ﷺ- ("ادْعُوا لِي عَلِيًّا"، فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِهِ أَرْمَدَ)؛ أي:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٦.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٢٠ - ٤٢١.
(٣) "المفهم" ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٤) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ١٠٤.
[ ٣٨ / ٥٧١ ]
وَجِعُ العين، وفي "التاج": الرَّمَدُ بالتحريك: هَيَجَان العَيْن، وانتفاخها؛ كالارْمِداد. انتهى (^١).
(فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ)؛ أي: رَقَى -ﷺ- عين عليّ ببصاقه المبارك، وفي رواية أخرى أنه برئ من ساعته. (وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْه، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ)، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: "فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر، وفَدَك، وجاء بعَجْوتهما".
ثم ذكر الخصلة الثالثة، وهي قوله -ﷺ- له ولزوجته، وولديهما: "اللهم هؤلاء أهل بيتي"، فقال: (وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي") قال الراغب الأصبهانيّ: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نَسَب، أو دينٌ، أو ما يجري مجراهما، من صناعة، وبيت، وبلد، فأهل بيت الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن، ثم تُجُوّز فيه، وقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسبٌ، وتُعُوْرِف في أُسرة النبيّ -ﷺ-، وعشيرته مطلقًا إذا قيل: "أهل البيت"؛ لقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وعبّر بأهل الرجل عن امرأته، وأهل الإسلام الذين يجمعهم دين محمد -ﷺ-. انتهى (^٢).
[تنبيه]: هذه الآية هي آية المباهلة، وسبب نزولها وفد نجران.
أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو نعيم في "الدلائل" عن حذيفة -﵁- أن العاقب والسيد أتيا رسول الله -ﷺ- فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعَنَنا لا نُفلح نحن ولا عَقِبنا من بعده، فقالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلًا أمينًا، فقال: "قم يا أبا عبيدة -فلما وقف قال-: هذا أمين هذه الأمة" (^٣).
وأخرج الحاكم، وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل" عن
_________________
(١) "تاج العروس" ١/ ١٩٩٥.
(٢) "مفردات الألفاظ" للراغب الأصفهانيّ ص ٩٤.
(٣) "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٠.
[ ٣٨ / ٥٧٢ ]
جابر -﵁- قال: "قَدِم على النبيّ -ﷺ- العاقب والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلمنا يا محمد، قال: كذبتما، إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام، قالا: فهات، قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير. قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه إلى الغد، فغدا رسول الله -ﷺ-، وأخذ بيد عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل اليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال: والذي بعثني بالحقّ لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارًا، قال جابر: فيهم نزلت: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله -ﷺ-، وعليّ، وأبناءنا: الحسن، والحسين، ونساءنا فاطمة".
وأخرج الحاكم، وصححه عن جابر -﵁-: "أن وفد نجران أتوا النبيّ -ﷺ-، فقالوا: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو رُوح الله، وكلمته، وعبد الله ورسوله"، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه لشى كذلك؟ قال: وذاك أحب إليكم؟، قالوا: نعم، قال: فإذا شئتم، فجاء، وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل، فوالله لئن لاعنتموه، ليُخسفنّ بأحد الفريقين، فجاؤوا، فقالوا: يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، دانا نحب أن تُعفينا، قال: قد أعفيتكم، ثم قال: إن العذاب قد أظلّ نجران" (^١).
وأخرج أبو نعيم في "الدلائل" من طريق عطاء والضحاك، عن ابن عباس -﵄- أن ثمانية من أساقف العرب، من أهل نجران قَدِموا على رسول الله -ﷺ-، منهم العاقب والسيد، فأنزل الله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يريد: نَدْعُ الله باللعنة على الكاذب، فقالوا: أخّرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يصالحوه، ولا يلاعنوه، وهو النبيّ الذي نجده في التوراة، فصالَحوا النبيّ -ﷺ- على ألف حُلّة في صَفَر، وألف في رجب، ودراهم (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
_________________
(١) "الدر المتثور" ٢/ ٢٣١.
(٢) "الدر المنثور" ٢/ ٢٣٢.
[ ٣٨ / ٥٧٣ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص، تقدم في "السلام" ١٦/ ٥٧٦٥.
والباقون ذُكروا قبل حديثين، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٢] (٢٤٠٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ"، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: "امْش، وَلَا تَلْتَفِتْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ"، قَالَ: فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا، ثُمَّ وَقَفَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: يَا رَسُولَ الله، عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: "قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ -بتشديد التحتانية- المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
[ ٣٨ / ٥٧٤ ]
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"سُهيل" هو: ابن أبي صالح، و"أبوه": ذكوان السمّان.