أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أبي بكر، فكوفيّ، ومسلسلٌ أيضًا بالتحديث، والسماع، وأن شيخيه ابن المثنّى، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأن فيه
[ ٤٠ / ١٠٦ ]
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ كلاهما من الطبقة الثالثة، وفيه أبو جمرة، مشهور بكنيته، وليس له مشارك في هذه الكنية في الكتب الستّة، وغيره أبو حمزة بالحاء المهملة، والزاي، وهم جماعة، وأن شعبة: يروي عن سبعة كلهم يكنى بأبي حمزة بالحاء، والزاي، إلا واحدًا، فإنه بالجيم، والراء، وهو الذي في هذا السند، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث":
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ
إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
شرح الحديث:
عن أبي جمرة ﵀؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي زَهْدَمُ) بوزن جعفر، (ابْنُ مُضَرِّبٍ) بضمّ الميم، وتشديد الراء المكسورة، بصيغة اسم الفاعل المضعّف، قالً: (سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) -﵄ - (يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي)؛ أي: أهل قرني، وتقدّم الخلاف في معنى القرن في شرح حديث ابن مسعود -﵁ -، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: القرن الذي بعدهم، وهم التابعون، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: أتباع التابعين، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ") وهم تَبَع أتباع التابعين. (قَالَ عِمْرَانُ) -﵁-: (فَلَا أَدْرِي أقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاَثَةً؟) ولفظ البخاريّ: "فلا أدري، أذَكَر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة"، وقد تقدّم مثل هذا الشكّ في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة -﵄ -، وفي حديث بُريدة -﵁ - عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شكّ، منها: عن النعمان بن بشير -﵄ - عند أحمد، وعن عائشة في حديثها الَاتي آخر الباب، ولفظه: "سأل رجل النبيّ -ﷺ-: أيّ الناس خيرٌ؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث"، ووقع في رواية الطبرانيّ، وسمويه ما يُفسّر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله أيّ الناس خير؟، فقال: أنا وقرني"، فذكر مثله، وللطيالسيّ من حديث عمر -﵁ -، رفعه: "خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني، ثم الثالث". ووقع في حديث جعدة بن هُبيرة عند ابن أبي شيبة، والطبرانيّ: إثبات القرن الرابع، ولفظه: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردأ"،
[ ٤٠ / ١٠٧ ]
ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، أفاده في "الفتح" (^١).
("ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) ببناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. قال في "الفتح": يَحْتَمل أن يكون المراد: التحمّل بدون التحميل، أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب. ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد -﵁-، مرفوعًا: "ألا أُخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها". واختَلَف العلماءُ في ترجيحهما، فجنح ابن عبد البرّ إلى ترجيح حديث زيد بن خالد -﵁ -؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدّمه على رواية أهل العراق، وبالغ، فزعم أن حديث عمران -﵁ - هذا لا أصل له. وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران -﵁ -؛ لاتفاق صاحبَي الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد -﵁ -. وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، فأجابوا بأجوبة:
[أحدها]: أن المراد بحديث زيد مَن عنده شهادة لإنسان بحقّ، لا يَعلَم صاحبها، فيأتي إليه، فيُخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويَخلُف ورثةً، فيأتي الشاهد إليهم، أو إلى من يتحدّث عنهم، فيُعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، شيخ مالك، ومالكٌ، وغيرهما.
[ثانيها]: أن المراد شهادة الْحِسْبَة، وهي ما لا يتعلّق بحقوق الآدميين المختصّة بهم محضًا، ويدخل في الحِسْبة مما يتعلّق بحقّ الله، أو فيه شائبة منه، الْعَتَاق، والوقف، والوصيّة العامّة، والعدّة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك.
وحاصله: أن المراد بحديث عمران -﵁ -: الشهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد -﵁ -: الشهادة في حقوق الله تعالى.
[ثالثها]: أنه محمولٌ على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدّة استعداده لها كالذي أدّاها قبل أن يُسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه لَيُعطي قبل الطلب؛ أي: يُعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقّف.
وهذه الأجوبة مبنيّةٌ على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أن لا
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٣١٩، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (٣٦٥٠).
[ ٤٠ / ١٠٨ ]
يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحقّ، فيُخصّ ذمّ من يشهد قبل أن يُستشهد بمن ذُكر ممن يُخبر بشهادة عنده لا يَعلم صاحبها بها، أو شهادة الحسبة.
وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد بن خالد -﵁ -، وتأوّلوا حديث عمران -﵁ - بتأويلات:
[أحدها]: أنه محمولٌ على شهادة الزُّور؛ أي: يؤدّون شهادةً لم يَسبق لهم تحمّلها. وهذا حكاه الترمذيّ عن بعض أهل العلم.
[ثانيها]: أن المراد بها الشهادة في الحلف، يدلّ عليه قول إبراهيم النخعيّ في آخر حديث ابن مسعود -﵁ -: "كانوا يضربوننا على الشهادة"؛ أي: قول الرجل: أشهد بالله ما كان إلا كذا على معنى الحلف، فكره ذلك، كما كُره الإكثار من الحلف، واليمين قد تُسمّى شهادةً، كما قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦]. وهذا جواب الطحاويّ.
[ثالثها]: أن المراد بها الشهادة على المغيّب من أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم في النار، وعلى قوم أنهم في الجنّة بغير ذلك، كما صنع ذلك أهل الأهواء. حكاه الخطّابيّ.
[رابعها]: أن المراد: به من ينتصب شاهدًا، وليس من أهل الشهادة.
[خامسها]: أن المراد: به التسارع إلى الشهادة، وصاحبها بها عالمٌ من قبل أن يسأله. والله تعالى أعلم.
(وَيَخُونُونَ) قال في "الفتح": كذا في جميع الروايات التي اتّصلت لنا بالخاء المعجمة، والواو، مشتقّ من الخيانة، وزعم ابن حزم أنه وقع في نسخة: "يَحْرِبُون" -بسكون المهملة، وكسر الراء، بعدها موحّدة - قال: فإن كان محفوظًا، فهو من قولهم: حَرَبه يَحرِبه: إذا أخذ ماله، وتركه بلا شيء، ورجلٌ محروبٌ؛ أي: مسلوب المال. انتهى (^١).
(وَلَا يُتَّمَنُونَ) قال النوويّ: هكذا في أكثر النسخ: "يُتَّمنون" بتشديد التاء، وفي بعضها: "يؤتمنون"، ومعناه: يخونون خيانة ظاهرةً بحيث لا يبقى معها أمانة، بخلاف من خان حقيرًا مرّةً واحدةً، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥١٢، كتاب "الشهادات" رقم (٢٦٥١).
[ ٤٠ / ١٠٩ ]
يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" بعد نقل كلام النوويّ المذكور: وقال غيره: هو نظير قوله: "ثم يَتَّزِر" موضع قوله: "يأتزِر"، وادّعى أنه شاذّ، ولكن قرأ ابن مُحيصن: "فليؤدّ الذي اتُّمِنَ أمانته"، ووَجّهَهُ ابن مالك (^٢) بأنه شُبّه بما فاؤه واو، أو تحتانيّةٌ، قال: وهو مقصورٌ على السماع. انتهى (^٣).
(وَيَنْذِرُونَ) بكسر الذّال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، مبنيًّا للفاعل، (وَلَا يُوفُونَ) بضم أوله، مضارع أوفي رباعيًّا، ويَحْتَمِل أن يكون من وفّى مضعّف العين، من التوفية، وفي رواية البخاريّ: "ولا يَفُون" بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الوفاء ثلاثيًّا، قال ابن الأثير ﵀: يقال: وفَى بالشيء، وأوفَى، ووَفَّى بمعنًى. انتهى (^٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: وفَيتُ بالعهد، والوعد، أَفِي به وَفَاءً، والفاعل وَفِيٌّ، والجمعُ أوفياءُ، مثلُ صَديق وأصدقاء، وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر، فقال [من البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ … كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادَيهَا
وقال أبو زيد: أوفَى نذْره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه. وقال الفارابيّ أيضًا: أوفيته حقَّهُ، ووفّيته إياه، بالتثقيل، وأوفَى بما قال، ووفّى بمعنًى. انتهى (^٥).
(وَيَظْهَرُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح، (فِيهِمُ السِّمَنُ) -بكسر السين المهملة، وفتح الميم، آخره نون، وزان عِنَبٍ - يقال: سَمِن يَسمَن، من باب تعِبَ، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه وشحمه، فهو سَمِينٌ، وجَمْعه سِمان. أفاده في "المصباح" (^٦).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨٨.
(٢) "شواهد التوضيح" ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٣) "الفتح" ٦/ ٥١٢، كتاب "الشهادات" رقم (٢٦٥١).
(٤) "النهاية" ص ٩٨٣.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٧.
(٦) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٠.
[ ٤٠ / ١١٠ ]
والمعنى: أنهم يُحبّون التوسّع في الماَكل والمشارب، وهي أسباب السِّمَن. قال ابن التين: المراد: ذمّ محبته، وتعاطيه، لا من تخلّق بذلك. وقيل: المراد: يظهر فيهم كثرة المال. وقيل: المراد: أنهم يتسمّنون؛ أي: يتكثّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف. ويَحْتَمِل أن يكون جميع ذلك مرادًا. وقد رواه الترمذيّ من طريق هلال بن يساف، عن عمران بن حُصين -﵄ - بلفظ: "ثم يجيء قومِ يتسمّنون، ويُحبّون السِّمَن"، وهو ظاهر في تعاطي السِّمَن على حقيقته، فهوأَولى ما حُمِل عليه خبر الباب، وإنما كان مذمومًا؛ لأن السمين غالبًا بليد الفهم، ثقيلٌ عن العبادة، كما هو مشهور. قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين -﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٣/ ٦٤٥٤ و٦٤٥٥ و٦٤٥٦] (٢٥٣٥)، و(البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٥١) و"الفضائل" (٣٦٥٠) و"الرقاق" (٦٤٢٨) و"الأيمان والنذور" (٦٦٩٥)، و(أبو داود) في "السُّنَّة" (٣٦٥٧)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٢٢) و"الشهادات" (٢٣٠٣)، و(النسائيّ) في "الأيمان والنذور" (٣٨٠٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٨٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٦ و٤٢٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٢٩ و٧٢٢٩)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ١٥١) و"مشكل الآثار" (٣/ ١٧٦)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٩٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٥٢٦ و٥٢٧ و٥٢٨ و٥٢٩ و٥٨٠ و٥٨١ و٥٨٢)، و(البزّار) في "مسنده" (٩/ ١٨ و٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٢٣ و١٦٠) و"دلائل النبوّة" (٦/ ٥٥٢)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٨٥٧)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥١٤.
[ ٤٠ / ١١١ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٥] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإسْنَاد، وَفِي حَدِيثِهِمْ: قَالَ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْن، أَو ثَلَاثَةً؟، وَفِي حَدِيثِ شَبَابَةَ: قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ، وَجَاءَنِي فِي حَاجَةٍ عَلَى فَرَسٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى، وَشَبَابَةَ: "يَنْذُرُونَ، وَلَا يَفُونَ"، وَفِي حَدِيثِ بَهْزٍ: "يُوفُونَ"، كَمَا قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرُّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة - التميميّ، أبو سعيد القطان البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بن الْحَكَم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٩.
٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائني، تقدّم قريبًا.
و"شعبة" ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ)؛ يعني: الثلاثة: يحيى بن سعيد القطان، وبهز بن أسد، وشبابة بن سوّار رووه عن شعبة بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ يعني: إسناد شعبة السابق؛ أي: عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرّب، عن عمران بن حُصين -﵄ -.
وقوله: (في حَدِيثِهِمْ: قَالَ: لَا أَدْرِي … إلخ) فاعل "قال" ضمير عمران بن حصين -﵄ -.
[ ٤٠ / ١١٢ ]
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٦٣١٧) - حدّثنا مسدّد، عن يحيى، عن شعبة، قال: حدّثني أبو جمرة، حدّثنا زهدم بن مضرِّب، قال: سمعت عمران بن حصين، يحدِّث عن النبيّ -ﷺ- قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين، أو ثلاثًا بعد قرنه - ثم يجيء قوم ينذرون، ولا يفون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا يُستشهدون، ويَظهر فيهم السِّمَن". انتهى (^١).
ورواية بهز بن أسد عن شعبة ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى"، فقال:
(١٩٨٧٥) - حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ ﵀، أنبأ أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، ثنا بهز بن أسد، ثنا شعبة، أخبرني أبو جمرة، قال: دخل عليّ زهدم، فأخبرني أنه سمع عمران بن حصين -﵂ - قال: قال النبيّ -ﷺ-: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم بعدهم، يخونون، ولا يؤتمنون، وَيشهدون، ولا يُستشهَدون، وينذُرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن". انتهى (^٢).
وأما رواية شبابة بن سوّار عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ: "خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: قَالَ: وَاللهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ، أَمْ لَا؟ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَهْدَمٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: "وَيَحْلِفُونَ، وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ").
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٦/ ٢٤٦٣.
(٢) "سنن البيهقيّ الكبرى" ١٠/ ٧٤.
[ ٤٠ / ١١٣ ]
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب الأمويّ البصريّ، واسم أبي الشّوَارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ، ربما وَهِمَ [٩] (٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر -بمهملة، ثم نون، ثم موحّدة، وزانُ جعفر- أبو بكر البصريّ الدستوائى -بفتح الدال، وتُضمّ، وسكون السين المهملتين، وفتح المثناة، ثم مدّ- ثقةٌ ثبتٌ وقد رُمِي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدوسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) هو: زُرارة -بضم أوله- ابن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ -بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة- أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] مات فجأة في الصلاة، سنة ثلاث وتسعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ) ضمير التثنية لأبي عوانة، وهشام الدستوائيّ.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة عن قتادة ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(٤٦٥٧) - حدّثنا عمرو بن عون، قال: أنبأنا (ح) وثنا مسدّد، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حُصين، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "خير أمتي القرن الذين بُعِثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -والله أعلم، أذكر الثالث، أم لا؟ - ثم يظهر قوم، يَشهدون، ولا يُستشهَدون، وينذْرون، ولا يوفون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويفشو فيهم السِّمَن". انتهى (^١).
ورواية هشام الدستوائيّ عن قتادة ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى"، فقال:
_________________
(١) "سنن أبي داود" ٤/ ٢١٤.
[ ٤٠ / ١١٤ ]
(٢٠٣٨٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله بن يعقوب، وأبو الفضل بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حُصين، عن النبيّ -ﷺ- قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يَنشأ قوم ينذرون، ولا يوفون، وَيحلِفون، ولا يُستحلَفون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وَيشهدون، ولا يُستشهَدون، ويفشو فيهم السِّمَنُ".
قال أبو الفضل في حديثه: سمعت أحمد بن سلمة يقول: "يحلفون" ليس إلا في حديث هشام من أصحاب قتادة، رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن بشار بزيادته، وهذه زيادة ينفرد بها معاذ بن هشام، عن أبيه.
(٢٠٣٨٧) - وقد حدّثناه أبو بكر بن فُورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حُصين، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "خير أمتي القرن الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون، ولا يوفون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويَشهدون، ولا يُستشهدون، ويفشو فيهم السِّمَنُ".
هكذا رواه سائر أصحاب هشام، ليس فيه ذِكر الحَلِف، وذكر الحلف فيه إن كان حَفظه معاذ يوافق حديث ابن مسعود.
وقد يَحْتَمِل أن يكون المراد بذلك في الشهادة، أن يَشهد بما لم يُشهَد عليه، ولم يعلمه، فيكون شاهد زُور، وبالله التوفيق والعصمة. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٧] (٢٥٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ -وَهُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ - عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ السُّدِّيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الْبَهِيّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيه، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ").
_________________
(١) "سنن البيهقيّ الكبرى" ١٠/ ١٦٠.
[ ٤٠ / ١١٥ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ) الفلّاس، أبو الفضل البغويّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، وَهِمَ في حديث واحد رفعه، وهو موقوف، فذكره بسببه الْعُقيلي في "الضعفاء" [١٠] (ت ٢٣٥) (م د ق) تقدم في "الصيام" ١٢/ ٢٥٧٦.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سُنَّة [٧] (ت ١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٣ - (السُّدِّيُّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد الدال- إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالتشيع [٤] (م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين المسافرين وقصرها" ٨/ ١٦٤٠.
٤ - (عَبْدُ اللهِ الْبَهِيُّ) -بفتح الموحّدة، وكسر الهاء، وتشديد التحتانية - مولى مصعب بن الزبير الكوفيّ، يقال: اسم أبيه يسار، صدوقٌ يخطئ [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٢٩/ ٨٣٢.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصديق -﵄ -، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ -ﷺ-، إلا خديجة، ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة سبع وخمسين، على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب، وشرح الحديث واضح.
وقوله: (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ-) يَحْتَمل أن يكون السائل سعدَ بن تميم، فقد أخرج الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" بسند صحيح عن بلال بن سعد، عن أبيه، قال: قلنا: يا رسول الله أيُّ أمتك خير؟ قال: "أنا، وقرني"، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "ثم القرن الثاني"، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "القرن الثالث"، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "ثم يأتي قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويحلفون، ولا يستحلفون، ويؤتمنون، ولا يؤدون". انتهى (^١)، وعزاه في "الفتح" إلى الطبرانيّ، وسمّويه.
_________________
(١) "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٥١.
[ ٤٠ / ١١٦ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: قد انتقد الدارقطنيّ ﵀ إسناد هذا الحديث، فقال: روى البهيّ عن عروة، عن عائشة -﵂ -، قال القاضي عياض ﵀: قد صحّحوا روايته عن عائشة -﵂ -، وقد ذكر البخاريّ روايته عن عائشة، وفاطمة بنت قيس -﵄ -. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق الدارقطنيَّ في هذا الانتقاد عبد الرحمن بن مهديّ، كما في "تهذيب التهذيب"، وعبارته: وقال أحمد: في حديث زائدة عن السدّيّ، عن البهيّ، حدّثتني عائشة، كان عبد الرحمن بن مهديّ قد سمعه من زائدة، وكان يَدَع منه: "حدّثتني عائشة"، وينكره -يعني: ينكر لفظة "حدّثتني"، لكن مع عائشة، ما أرى هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة. انتهى (^٢).
وممن أثبت سماع البهيّ عن عائشة -﵂ - البخاريّ في "التاريخ الكبير" حيث قال (٥/ ٥٦) في ترجمة البهيّ: سمع ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة -﵃-، فقد اتّفق أحمد، والبخاريّ، ومسلم -حيث أخرج روايته هنا - على أنه سمع من عائشة -﵂ -.
والحاصل: أن اعتراض الدارقطنيّ على مسلم في هذا الإسناد بسبب الانقطاع غير مقبول، فالحقّ في هذا رأي مسلم ﵀ فقد وافقه أحمد، والبخاريّ، فتأمل بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ٦٤٥٧] (٢٥٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤٠٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥٦)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (٢/ ٦٢٩)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٧٥.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٦٢.
[ ٤٠ / ١١٧ ]