أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيين، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر -﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي حثمة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة - واسم أبي حثمة: عبد الله بن حُذيفة العدويّ، وأما أبو بكر الراوي، فتابعيّ مشهور، لم يُسَمّ، وقد قيل: إن اسمه كنيته، قاله في "الفتح" (^١). (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَر) -﵄ - (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وفي رواية: "صلى لنا"، ومعنى اللام: صلى إمامًا لنا، وإلا فالصلاة لله، لا لهم (^٢). (ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلةً من الليالي، (صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) وفي حديث جابر الآتي أن ذلك كان قبل موته -ﷺ- بشهر، (فَلَمَّا سَلَّمَ) -ﷺ- من صلاته، وقوله: (قَامَ) جواب "لَمّا"، (فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ) قال في "العمدة": بهمزة الاستفهام، وفتح الراء، وبالخطاب للجمع، والكاف ضمير ثان، ولا محل لها من الإعراب، والرؤية بمعنى الإبصار، و"ليلتكم" بالنصب مفعوله، وليست الرؤية ها هنا بمعنى
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٦٩، كتاب "العلم" رقم (١١٦).
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ١٧٦.
[ ٤٠ / ١١٩ ]
العلم؛ لأنها إذا كانت بمعنى العلم تقتضي مفعولين، وليس ها هنا إلا مفعول واحد، وهو الليلة، كما ذكرنا، و"كم" لا تصلح أن تكون مفعولًا آخر، حتى تكون بمعنى العلم؛ لأنه حرف، لا محل له من الإعراب، كما ذكرنا، ولو كان اسمًا لوجب أن يقال: أرأيتموكم؛ لأن الخطاب لجماعة، فإذا كان لجماعة يجب أن يكون بالتاء والميم، كما في: علمتموكم؛ رعايةً للمطابقة.
[فإن قلت]: فهذا يلزمك أيضًا في التاء، فإن التاء اسم، فينبغي أن يكون: أرأيتموكم.
[قلت]: لمّا كان الكاف والميم لمجرد الخطاب، اختُصِرت عن التاء والميم بالتاء وحدها؛ للعلم بأنه جَمْع، تقول: "كم"، والفرق بين حرف الخطاب، واسم الخطاب، أن الاسم يقع مسندًا ومسندًا إليه، والحرف علامة تُستعمل مع استقلال الكلام، واستغنائه عنها باعتبار المسند والمسند إليه، فوزانُها وزان التنوين، وياءِ النسبة، وأيضًا اسم الخطاب يدل على عين، ومعنى الخطاب، وحرفه لا يدلّ إلا على الثاني.
ويقال: "أرأيتكم" كلمة تقولها العرب إذا أرادت الاستخبار، وهو بفتح التاء للمذكر، والمؤنث، والجمع، والمفرد، تقول: أرأيتكَ، أرأيتك، وأرأيتكما، وأرأيتكم، والمعنى: أخبر، وأخبريني، وأخبراني، وأخبروني، فإن أردت معنى الرؤية أنّثت، وجَمَعت. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "أرأيتكم" هو بفتح المثناة؛ لأنها ضمير المخاطب، والكاف ضمير ثان، لا محل لها من الإعراب، والهمزة الأُولى للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم (^٢)، أو البصر، والمعنى: أَعَلمتم، أوأبصرتم ليلتكم، وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف (^٣)، تقديره: قالوا: نعم، قال: فاضبطوها، وتَرِدُ "أرأيتكم" للاستخبار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٧٦.
(٢) للعينيّ اعتراض على كونها للعلم، راجع: "العمدة" ٢/ ١٧٦.
(٣) للعينيّ أيضًا اعتراض على هذا، راجع: شرحه ٢/ ١٧٦، لكنه متناقض فقد ذَكَر في محل آخر تقدير الجواب، راجع: "شرحه" ٥/ ٩٧.
[ ٤٠ / ١٢٠ ]
أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٠] قال الزمخشريّ: المعنى: أخبروني، ومتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: من تدعون؟ ثم بكّتهم، فقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾. انتهى.
قال: وإنما أوردت هذا؛ لأن بعض الناس نقل كلام الزمخشريّ في الآية إلى هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنه جعل التقدير: أخبروني ليلتكم هذه، فاحفظوها، وليس ذلك مطابقًا لسياق الآية. انتهى كلام الحافظ في "الفتح" (^١).
(فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ) اسم "إنّ" ضمير الشأن مقدّرًا، وخبرها جملة قوله: "لا يبقى … إلخ"، وقوله: (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الليلة، وقد استَدَلّ بعض اللغويين بقوله: "منها" أن "مِنْ" تكون لابتداء الغاية في الزمان، كمنذ، وهو قول الكوفيين، وقال البصريون: لا تدخل "من" إلا على المكان، و"منذ" في الزمان نظيرة "من" في المكان، وتأولوا ما جاء بخلافه، واحتج من نصر قول الكوفيين بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وبقول عائشة -﵂ -: "ولم يجلس عندي من يومِ قيل فِيّ ما قيل"، وقول أنس -﵁ -: "وما زلت أحب الدباء من يومئذ"، وقول بعض الصحابة -﵃ -: "مُطرنا من الجمعة إلى الجمعة".
وأجاب أبو علي الفارسيّ عن قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ بأن التقدير: من تأسيس أول يوم، وضعّفه بعضهم بأن التأسيس ليس بمكان، وقال الزمخشريّ: التقدير: من أول يوم من أيام وجوده، وهذا جنوح إلى مذهب الكوفيين، ذَكَره في "العمدة" (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى رجحان مذهب الكوفيين في هذه المسألة؛ لوضوح أدلّته، فتأمله بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق.
ومعنى قوله: "فإن على رأس": أي: عند انتهاء مائة سنة، والله تعالى أعلم.
(لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ)؛ أي: الآن موجودًا، (أَحَدٌ") إذ ذاك، قال ابن بطال: إنما أراد رسول الله -ﷺ- أن هذه المدة تخترم الجيل الذي
_________________
(١) "الفتح"١/ ٣٦٩، كتاب "العلم" رقم (٣٦٩ - ٣٧٠).
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ١٧٦ - ١٧٧.
[ ٤٠ / ١٢١ ]
هم فيه، فَوعَظهم بقِصَر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة. انتهى (^١).
وقال النوويّ: المراد: أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعد هذه الليلة أكثر من مائة سنة، سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مائة سنة. انتهى (^٢).
(قَالَ ابْنُ عُمَرَ) -﵄ -: (فَوَهَلَ النَّاسُ) قال الجوهريّ: وَهَل من الشيء، وعن الشيء: إذا غَلِط فيه، ووهَل إليه بالفتح: إذا ذهب وَهْمه إليه، وهو يريد غيره، مثل وَهِم، وقال الخطابيّ: أي: توهَّموا، وغَلِطوا في التأويل (^٣).
وقال النوويّ: معناه: غَلِطُوا، يقال: وَهَل -بفتح الهاء - يَهِل - بكسرها - وَهْلًا -بسكونها -، مثل ضرب يضرب ضربًا؛ أي: غَلِط، وذهب وَهْمه إلى خلاف الصواب، وأما وَهِلت -بكسرها - أَوْهَل -بالفتح - وهَلًا -بالتحريك أيضًا، كحَذِرت أحذَر حَذَرًا، فمعناه: فَزِعتُ، والوهل - بالفتح: الفزع، وضَبَطه النوويّ بالتحريك، وقال: الوهل بالتحريك معناه الوهم، والاعتقاد، وأما صاحب "النهاية"، فجزم أنه بالسكون (^٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: وَهِلَ وَهَلًا، فهو وَهِلٌ، من باب تَعِب: فَزِع، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: وَهَّلْتُهُ، والوَهْلَةُ: الفزعة، ووَهِلَ عن الشيء، وفيه وَهَلًا، من باب تَعِب أيضًا: غَلِط فيه، ووَهَلْتَ إليه وَهْلًا، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثل وَهَمْتُ، ولقيته أوّلَ وَهْلَةِ: أي: أول كل شيء. انتهى (^٥).
وقال القرطبيّ ﵀: الرواية الصحيحة: وَهَل -بفتح الهاء - قال أبو عبيد: يريد: غَلِط، يقال: وَهَل إلى الشيء يَهِل، ووَهَمَ إلى الشيء يَهِم، وَهْلًا، ووَهْمًا. قال أبو زيد: وَهِلَ في الشيء، وعن الشيء يَوْهَل وَهَلًا: إذا غَلِط فيه، وسها، ووَهَلت إليه -بالفتح - وَهْلًا: إذا ذهب وَهْمك إليه، وأنت تريد غيره،
_________________
(١) "شرح ابن بطال على البخاريّ" ١/ ١٩٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٩٠.
(٣) "عمدة القاري" ٥/ ٩٧.
(٤) "الفتح" ١٢/ ٤٢٢.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧٤.
[ ٤٠ / ١٢٢ ]
قال: وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في "وَهِل" الذي في هذا الحديث كسر الهاء؛ لأنَّه هو الذي يتعدى بـ "في"، ويشهد له المعنى، وأما وَهَل -بالفتح - فيتعدى بـ "إلى"، والمعنيان متقاربان، ويمكن أن يقال: إن "وَهَل في الشيء" فيه لغتان: الفتح، والكسر، والله أعلم. انتهى (^١).
(فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: في حديثه، وقوله: (تِلْكَ) نعتٌ لـ "مقالة"، أو بدل، أو عطف. (فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ) ولفظ البخاريّ: "إلى ما يتحدّثون"، (مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ)؛ أي: حيث تؤولونها بهذه التأويلات التي كانت مشهورة بينهم، مشارًا إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة، مثل إن المراد بها: انقراض العالم بالكلية ونحوه؛ لأن بعضهم كان يقول: إن الساعة تقوم عند انقضاء مائة سنة، كما روى ذلك الطبرانيّ وغيره، من حديث أبي مسعود البدريّ -﵁-، ورَدّ عليه علي بن أبي طالب -﵁ -.
(وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ"، يُرِيدُ)؛ أي: يريد النبيّ -ﷺ- (بِذَلِكَ)؛ أي: بقوله هذا، (أَنْ يَنْخَرِمَ)؛ أي: ينقطع، وينقضي (ذَلِكَ الْقَرْنُ)؛ أي: القرن الذي هو فيه، والقرن بفتح القاف، وسكون الراء: كل طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كل مدّة، أو طبقة بُعث فيها نبيّ: قرن، قَلّت السنون، أو كثرت، وقد تقدّم البحث فيه مستوفي في شرح قوله -ﷺ-: "خير الناس قرني"، ولله الحمد والمنّة.
وفي رواية البخاريّ: "أنها تخرم ذلك القرن": أي: أن مضيّ مائة سنة يَخْرِم أهل ذلك القرن؛ أي: يقطعه، من الخرم بالخاء المعجمة، من باب ضرب، يقال: خرمت الشيء: إذا قطعته.
وغَرَضُ ابن عمر -﵄ -؛ أن الناس ما فَهِموا ما أراد رسول الله -ﷺ- هذه المقالة، وحملوها على محامل كلها باطلة، وبيَّن أن رسول الله ع -ﷺ- أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك، وهو القرن الذي كان هو فيه بأن تنقضي أهاليه، ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكلية، وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضُبط عمره ممن كان
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٩١ - ٤٩٢.
[ ٤٠ / ١٢٣ ]
موجودًا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة -﵁-، وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة -﵃ - موتًا، وغاية ما قيل فيه: إنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبيّ -ﷺ-، وهذا إعلام من رسول الله -ﷺ- بأن أعمار أمته ليست تطول كأعمار من تقدم من الأمم السالفة؛ ليجتهدوا في العمل (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ٦٤٥٨ و٦٤٥٩] (٢٥٣٧)، و(البخاريّ) في "العلم" (١١٦) و"مواقيت الصلاة" (٥٦٤ و٦٠١)، و(أبو داود) في "الملاحم" (٤٣٤٨)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٥٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٤١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٢٧٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٨ و١٢١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٢٧٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٩٨٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبي -ﷺ- بانخرام قرنه خلال مائة سنة، فوقع كما أخبر -ﷺ-.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ وغيره: احتجّ البخاريّ، ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر ﵇، والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكني البحر، فلم يدخل في الحديث، قالوا: ومعنى الحديث: لا يبقى ممن ترونه، أو تعرفونه، فهو عام أريد به الخصوص، وقيل: احترز بالأرض عن الملائكة، وقالوا: خرج عيسى ﵇ من ذلك، وهو حيّ؛ لأنه في السماء، لا في الأرض، وخرج إبليس؛ لأنه على الماء، أو في الهواء، وأبْعَدَ من قال: إن اللام في الأرض عهدية، والمراد: أرض المدينة،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٩٧.
[ ٤٠ / ١٢٤ ]
والحقّ أنها للعموم، وتتناول جميع بني آدم، وأما من قال: المراد أمة محمد -ﷺ-، سواء أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وخرج عيسى والخضر؛ لأنهما ليسا من أمته، فهو قول ضعيف؛ لأن عيسى يحكم بشريعته -ﷺ-، فيكون من أمته، والقول في الخضر إن كان حيًّا كالقول في عيسى، والله أعلم، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق القول في حياة الخضر ﵇، وموته في فضائله، وأن الراجح القول بموته، وهو مذهب البخاريّ والمحقّقين، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان قِصر أعمار أمته -ﷺ-، حيث إن معظمهم لا يتجاوز مائة سنة، بل جاء قلّة من يتجاوز السبعين، فقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم عن أبي هريرة -﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين، وأقلّهم من يَجُوز ذلك".
٤ - (ومنها): أنَّ فيه جواز الحديث بعد العشاء، وأما الحديث المتّفق عليه أنه -ﷺ- كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، فمحمول على ما لا ينبغي من الكلام، وكان ابن سيرين، والقاسم، وأصحابه يتحدثون بعد العشاء؛ أي: في الخير، وقال مجاهد: يُكره السَّمَر بعد العشاء إلا لمصلّ، أو لمسافر، أو دارس علم، أفاده في "العمدة" (^٢)، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما كتبه القرطبيّ ﵀ من البحث في هذا الحديث، قال ﵀: هذا الحديث رواه مسلم من طريقين، ذَكَر الأول منهما متصلًا، ثم أردف عليه سندًا آخر فيه انقطاع، ولا يُعْتب عليه في ذلك؛ إذ قد وفي بشرط كتابه في الطريق الأول، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع.
وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر -﵄ -؛ إذ لم يفهم معناه، فردَّه بأن قال: حديث منقطع، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه، ثم لو سُلِّم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٨٩، كتاب "مواقيت الصلاة" رقم (٦٠١).
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٩٧.
[ ٤٠ / ١٢٥ ]
صحيحان، فما قوله فيه؟ وقد رفع الصحابي -أعني: ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله: أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، بل: قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه، فقال: "ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مئة سنة، وهي حيةٌ يومئذ"، وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر، وكذلك قول عبد الرحمن -صاحب السقاية - حيث فسَّره: بنقص العمر، وحاصل ما تضمّنه هذا الحديث: أنه -ﷺ- أخبر قبل موته بشهر: أن كل من كان من بني آدم موجودًا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مئة سنة؛ وإنَّما قلنا: إنه أراد بني آدم؛ لأنَّه قال: "من نفس منفوسة"، ولا يتناول هذا الملائكة، ولا الجنّ؛ إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل؛ إذ قال فيه: "ممن هو على ظهر الأرض أحد"، وهذا إنما يقال بأصل وَضْعه على من يعقل، فتعيّن: أن المراد بنو آدم.
وقد استَدَلّ بعضُ الحفاظ المتأخرين على بطَلان قول من يقول: إن الخضر حيّ بعموم: "ما من نفس منفوسة" فإنَّه من أنصّ صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجَّة فيه يقينية؛ لأنَّ العموم -وإن كان مؤكدًا للاستغراق - فليس نصًّا فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لا سيما والخضر وإن كان حيًّا -كما يقال - فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ﵇؛ فإنه لم يمت، ولم يُقتل، فهو حيّ بنص القرآن، ومعناه. وكما لم يتناول الدجال مع أنه حيّ بدليل حديث الجساسة على ما يأتي؛ فإنْ قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى؛ لأنَّ الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأنَّ المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض، كما نص عليه في حديث ابن عمر. فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه؛ فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي ها هنا للعهد؛ لأنَّ الأرض التي يخاطبون بها، ويخبرون عن الكون فيها: هي أرض العرب، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبًا، دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند، مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال.
وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس
[ ٤٠ / ١٢٦ ]
لكلامه حاصل، ولا مفهوم. وسيأتي القول على قوله -ﷺ-: "إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" في آخر "كتاب الفتن". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٩] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ مَعْمَرٍ، كمِثْلِ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنة (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الْحَكَم بن نافع الْبَهْرانيّ، الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٤ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريبًا.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ) الْفَهْميّ، أمير مصر، صدوقٌ [٧] (ت ١٢٧) (خ م مد ت س) تقدم في "الحدود" ٥/ ٤٤١٣.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
وقوله: (وَرَوَاهُ اللَّيْثُ … إلخ) هذا يسمّى تعليقًا، حيث لم يذكر مسلم الواسطة بينه وبين الليث، وسيأتي في التنبيه أن البخاريّ وصله، وقد أشار السيوطيّ في "ألفيّة الأثر" إلى التعليق، بقوله:
مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ … وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقُ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٨٩ - ٤٩٠.
[ ٤٠ / ١٢٧ ]
وَفِي "الصَّحِيحِ" ذَا كَثِيرٌ فَالَّذِي … أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذِ
صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ … وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلَا تُوهِنْهُ
ثم إن الرواية المعلّقة هذه لا تضرّ بصحّة الحديث؛ لأن مسلمًا أوردها متابعة لطريق أبي اليمان عن شعيب، قال الحافظ رشيد الدين العطّار ﵀ في "غرره": فإذا انقطعت طريق الليث عن عبد الرحمن عند مسلم في هذا الحديث، فقد بقيت طريق أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة سالمة متصلةً؛ لأن كل واحد منهما يرويه عن الزهري، وعبد الرحمن بن خالد ليس من شرط الإمام مسلم (^١)، فلا لزوم عليه في الإخراج له، على أن طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد التي أوردها مسلم بقوله: ورواه الليث … إلخ، وَرَدَتْ في "صحيح البخاريّ" من طريق متصلة، وهي قوله: حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر … الحديث، ثم إن الحديث أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وأحمد، والترمذيّ، وقال: هذا حديث صحيح. انتهى كلام رشيد الدين العطّار ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ (^٢)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِ) ضمير التثنية لشعيب، وعبد الرحمن بن خالد.
[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٥٧٦) - حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبيّ -ﷺ- صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سَلَّم قام النبيّ -ﷺ-، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر
_________________
(١) بل أخرج له تعليقًا، ومتابعةً في موضعين، هذا الحديث، وحديث في، كتاب "الحدود"، فتنبّه.
(٢) "غرر الفوائد" ١/ ١٦٥، وتقدّم كلام العطار هذا في "شرح المقدّمة" ١/ ٩٨.
[ ٤٠ / ١٢٨ ]
الأرض أحدٌ"، فوَهَل الناس في مقالة رسول الله -ﷺ- إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبيّ -ﷺ-: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تَخْرِم ذلك القرنَ. انتهى (^١).
ورواية عبد الرحمن بن خالد عن الزهريّ المعلّقة ساقها البخاريّ ﵀ أيضًا فقال:
(١١٦) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا النبيّ -ﷺ- العشاء في آخر حياته، فلما سَلّم قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٦٠] (٢٥٣٨) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: "تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَة، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله، وَأُقْسِمُ بِاللهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمِصِّيصيّ، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم المصِّيصَة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] مات ببغداد سنة ست ومائتين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"ابن جريج" هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، و"أبو الزبير" هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ١/ ٢١٦.
(٢) "صحيح البخاريّ" ١/ ٥٥.
[ ٤٠ / ١٢٩ ]