أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى أبي صالح، وأبي هريرة -﵁ - فمدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبا سعيد -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ سعد بن مالك -﵁ -؛ أنه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَليدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، سيف الله، يُكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة -﵃ -، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرًا على قتال أهل الردّة، وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة إحدى، أو اثنتين وعشرين، تقدّمت ترجمته في "الجهاد والسِّيَر" ١٣/ ٤٥٦٠.
(وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ) بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهْرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في الصلاة" ٢٣/ ٩٥٧. (شَيْءٌ)؛ أي: من المخاصمة والمنازعة، (فَسَبَّهُ)؛ أي: عبد الرحمن بن عوف، (خَالِدٌ)؛ أي: ابن الوليد، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا)
[ ٤٠ / ١٤٨ ]
ناهية، ولذا جزم الفعل بعدها، (تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي) الخطاب للصحابة، كما بيّنه سبب الحديث المذكور آنفًا، وقال السيوطيّ: قال العلماء: هذا مشكل الظاهر، من حيث الخطاب، وأجاب جماعة بأنه -ﷺ- نزّل السابّ منهم؛ لتعاطيه ما لا يليق به منزلة غير الصحابة، قال السبكيّ: الظاهر أن الخطاب فيه لمن صحبه آخرًا بعد الفتح، وقوله: "أصحابي" المراد بهم: من أسلم قبل الفتح، قال: ويُرشد إليه قوله -ﷺ-: "لو أنفق" إلى آخره، مع قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠] قال: ولا بدّ لنا من تأويله بهذا، أو بغيره؛ ليكون المخاطبون غير الأصحاب الموصَى بهم. انتهى (^١).
وقال الكرمانيّ: الخطاب لغير الصحابة من المسلمين المفروضين في العقل، جَعَل من سيوجد كالموجود، ووجودَهم المترقب كالحاضر. انتهى (^٢)، وسيأتي تعقّب الحافظ له.
(فَإِنّ أَحَدَكُمْ) قال في "الفتح": فيه إشعار بأن المراد بقوله أوّلًا: "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أن أحدكم أنفق"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠]، ومع ذلك فنَهْيُ بعضِ من أدرك النبيّ -ﷺ-، وخاطبه بذلك عن سبّ من سَبَقه، يقتضي زجر من لم يُدرك النبيّ -ﷺ-، ولم يخاطبه عن سبّ من سبقه من بابِ أَولى، وغَفَل من قال: إن الخطاب بذلك لغير الصحابة، وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل؛ تنزيلًا لمن سيوجد منزلة الموجود؛ للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطَب بذلك خالد بن الوليد، وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وغَفَل … إلخ" هذا من الحافظ تعقّب لِمَا سبق عن الكرمانيّ، وهو تعقّب حسنٌ، ولكن العينيّ تعقّبه فيه على عادته في غالب تعقّباته التعصّبية، غفر الله لي، ولهم جميعًا.
_________________
(١) "الديباج على مسلم" ٥/ ٤٨٦.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ١٨٨.
(٣) "الفتح" ٨/ ٣٦١، كتاب "الفضائل" رقم (٣٦٧٣).
[ ٤٠ / ١٤٩ ]
(لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) زاد الْبَرْقاني في "المصافحة" من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش: "كل يوم"، قال: وهي زيادة حسنة. (مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ)؛ أي: المدّ من كل شيء، والمدّ بضم الميم مكيال معروف، ضُبِط قَدْره في "كتاب الطهارة" (^١).
وحَكَى الخطابيّ أنه رُوي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطول، وقد تقدّم في أول باب فضائل الصحابة تقرير أفضلية الصحابة عمن بعدهم، وهذا الحديث دال لِمَا وقع الاختيار له مما تقدّم من الاختلاف، والله أعلم.
وقال الفيّوميّ ﵀: "المدّ" بالضمّ كيلٌ، وهو رطلٌ وثُلُث عند أهل الحجاز، فهو ربع صاع؛ لأن الصاع خمسة أرطال وثلُثٌ، والمدّ رطلان عند أهل العراق، والجمع أمداد، ومِداد بالكسر. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير ﵀ ما نصّه: وفي حديث فضل الصحابة: "ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه": المدّ في الأصل ربع الصاع، وإنما قدّره به؛ لأنه أقلّ ما كانوا يتصدّقون به في العادة. ويُروى بفتح الميم، وهو الغاية. وقد تكرّر ذكرُ المدّ في الحديث، وهو رطلٌ وثُلُثٌ عند الشافعيّ، وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة، وأهل العراق. وقيل: إن أصل المدّ مُقَدَّرٌ بأن يَمُدّ الرجل يديه، فيملأَ كفّيه طعامًا. انتهى (^٣).
(وَلَا نَصِيفَهُ")؛ أي: ولا نصيف المدّ من كل شيء، و"النَّصِيف" بوزن رغيف، هو النصف، كما يقال: عُشْر وعَشِير، وثُمُن وثَمِين، وقيل: "النَّصِيف": مكيال دون المد. قاله في "الفتح" (^٤).
وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: "النَّصِيف": النصف، وفيه أربع لغات: نِصْف -بكسر النون- ونُصْفٌ -بضمها- ونَصْفٌ -بفتحها- ونَصِيف بزيادة الياء، حكاهنّ القاضي عياض في "المشارق" عن الخطابيّ (^٥).
_________________
(١) قَدْر المدّ بالمكاييل المعاصرة (٦٨٨) لترًا، راجع: "الإيضاحات العصريّة" ص ١١٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٦.
(٣) "النهاية" ٤/ ٣٠٨، و"لسان العرب" ٣/ ٤٠٠.
(٤) "الفتح" ٧/ ٤٤.
(٥) "شرح النوويّ" ١٦/ ٩٣.
[ ٤٠ / ١٥٠ ]
وقال في "القاموس": "النّصفُ": مُثَلَّثَةً: أحد شقّي الشيء، كالنَّصِيف، جَمْعه أَنصافٌ. انتهى.
وقال "الشارح": قوله: "مُثَلّثة": قال شيخنا: أفصحها الكسر، وأقْيسها الضمّ؛ لأنه الجاري على بقيّة الأجزاء؛ كالربع، والخمس، والسدس، ثم الفتح، وقرأ زيد بن ثابت -﵁ -: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] بالضمّ. انتهى باختصار (^١).
وقال البيضاويّ: معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أُحد ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مُدّ طعام، أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص، وصدق النية. قال الحافظ: وأعظمُ من ذلك في سبب الأفضلية عِظَم موقع ذلك؛ لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، فإن فيها إشارةً إلى موقع السبب الذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا؛ لشدة الحاجة إليه، وقلة المعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كَثُروا بعد الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم، والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (^٢)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا.
وقال النووي في "شرح مسلم" ١٦/ ٩٣: معنى الحديث: لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أَحَد أصحابي مُدًّا، ولا نصف مُدّ، قال القاضي عياض: ويؤيد هذا ما قدمناه في أول "باب فضائل الصحابة" عن الجمهور من تفضيل الصحابة كلهم على جميع مَن بَعْدهم، وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة، وضِيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته -ﷺ-، وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم، وسائر طاعاتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ الآية [الحديد: ١٠] هذا كله مع ما كان في أنفسهم من
_________________
(١) "تاج العروس" ١/ ٦١٣٩.
(٢) "الفتح" ٨/ ٣٦١، كتاب "الفضائل" رقم (٣٦٧٣ - ٣٦٢).
[ ٤٠ / ١٥١ ]
الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حَقَّ جهاده، وفضيلةُ الصحبة ولو لحظةً لا يوازيها عملٌ، ولا تُنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ بعد ذِكره سبب الحديث -وهو قصة ما جرى بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف -﵄ - ما نصّه: فأظهر ذلك السببُ أن مقصود هذا الخبر زجر خالد، ومن كان على مثل حاله ممن سُبِقَ بالإسلام، وإظهار خصوصيّة السابق بالنبيّ -ﷺ-، وأن السابقين لا يَلْحَقهم أحدٌ في درجتهم، وإن كان أكثر نفقةً وعملًا منهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، ويدلّ على صحّة هذا المقصود أن خالدًا وإن كان من الصحابة -﵃ - لكنه متأخّر الإسلام، قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان، لكنه -ﷺ- لَمّا عدل عن خالد (^٢) وعبد الرحمن إلى التعميم دلّ ذلك على أنه قَصَد مع ذلك تقعيد قاعدةِ تغليظ تحريم سبّ الصحابة مطلقًا، فيحرُمُ ذلك من صحابيّ وغيره؛ لأنه إذا حُرِّم على صحابيّ، فتحريمه على غيره أولى، وأيضًا فإن خطابه -ﷺ- للواحد خطاب للجميع، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (^٣).
وقال القاضي: ومن أصحاب الحديث من يقول: هذه الفضيلة مختصة بمن طالت صحبته، وقاتل معه، وأنفق، وهاجر، ونَصَر، لا لمن رآه مَرّةً، كَوُفُود الأعراب، أو صَحِبَه آخرًا بعد الفتح، وبعد إعزاز الدين، ممن لم يوجد له هجرة، ولا أَثَرٌ في الدين، ومنفعة المسلمين، قال: والصحيح هو الأول، وعليه الأكثرون، والله أعلم. انتهى (^٤).
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٦/ ٩٣٦ - ٩٤.
(٢) وقع في نسخة "المفهم" بلفظ: "عن غير خالد"، بزيادة "غير"، وهو غلط، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٤) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٨٠ - ٥٨١.
[ ٤٠ / ١٥٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله عياض: من تصحيح رأي الجمهور في أن فضل الصحبة تعمّ جميع الصحابة -﵃- هو الحقّ؛ لكثرة الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ٦٤٦٧ و٦٤٦٨] (٢٥٤١)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٦٧٣)، و(أبو داود) في "السُّنَّة" (٤٦٥٨)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٦١)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٤)، و(ابن ماجه) في "السُّنَّة" (١٦١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١ و٥٤ - ٥٥) و"فضائل الصحابة" (٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٧٤ - ١٧٥)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (٩٩٠ - ٩٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٤ و٧٢٥٣ و٧٢٥٥)، و(عبد بن حميد) (٩١٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١٩٨)، و(البزّار) في "مسنده" (٢٧٦٨)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٣٣٨) و"الصغير" (٢/ ١٧٦)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٢٠)، و(أبو نعيم) في "تاريخه" (٢/ ١٢٢)، و(الخطيب) في "تاريخ بغداد" (٧/ ١٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٠٩)، و"شُعَب الإيمان" (٢/ ١٩٠)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضائل الصحابة -﵃-.
٢ - (ومنها): بيان تفاوت مراتب الصحابة في الفضل والأجر عند الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان أن الفضل والمنزلة عند الله ليس من الأمور القياسيّة، بل محض فَضْل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فقد يُعطي على عمل قليل ما لا يُنال بالعمل الكثير.
٤ - (ومنها): بيان أن الإنفاق في وقت الحاجة أفضل من الإنفاق في غيرها.
[ ٤٠ / ١٥٣ ]
٥ - (ومنها): بيان وجوب احترام الصحابة -﵃-، والنهي عن سبّهم.
٦ - (ومنها): أن فيه دلالة واضحةً على أن الصحابة -﵃- لا يلحقهم أحدٌ ممن بعدهم في فضلهم، وإن عمل ما عمل من أفعال الخير.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم فيمن سبّ الصحابة - ﵁ -: قال النووي - ﵀ -: اعلم أنّ سَبّ الصحابة - ﵃ - حرام، من فَوَاحش المحرمات، سواء من لَابَس الفتن منهم وغيرهم؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب، متأوّلون، قال القاضي عياض -﵀-: سبّ أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يُعَزَّر، ولا يُقتَل، وقال بعض المالكية: يُقْتَل. نتهى (^١).
وقال في "الفتح": اختُلِفَ في سابّ الصحابة -﵃-، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يُعَزَّر، وعن بعض المالكية: يُقْتَل، وخَصَّ بعض الشافعية ذلك بالشيخين، والْحَسَنين، فحَكَى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقَوّاه السبكي في حق من كَفَّر الشيخين، وكذا من كَفَّرَ مَن صَرَّحَ النبيُّ - ﷺ - بإيمانه، أو تبشيره بالجنة؛ إذا تواتر الخبر بذلك عنه؛ لِمَا تَضَمَّن من تكذيب رسول الله - ﷺ -. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي فصّله السبكيّ - ﵀ - هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: من المعلوم الذي لا يُشكّ فيه أن الله تعالى اختار أصحاب نبيّه لنبيّه - ﷺ -، ولإقامة دينه، فجميعُ ما نحن فيه من العلوم والأعمال والفضائل والأحوال والممتلكات والأموال والعزّ والسلطان والدِّين والإيمان وغير ذلك من النّعم التي لا يُحصيها لسان، ولا يتّسع لتقديرها زمان إنما كان بسببهم، ولَمّا كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم، والشكر لهم على عظيم أياديهم، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لِمَا حرَّمه من كُفران حقّه، هذا مع ما تحقّقنا من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٩٣.
(٢) "الفتح" ٧/ ٤٦.
[ ٤٠ / ١٥٤ ]
تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٩]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] إلى غير ذلك، وكقوله - ﷺ -: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمّنة للئناء عليهم ﵃ أجمعين، وعلى هذا فمن تعرَّضَ لسبّهم، وجَحَدَ عظيم حقِّهِم، فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذيّ من حديث عبد الله بن مُغَفَّل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتّخِذُوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه"، قال الترمذيّ: حديث غريب، وهذا الحديث وإن كان غريب السند، فهو صحيح المتن؛ لأنه معضود بما قدّمناه من الكتاب والسُّنَّة، والمعلوم من دين الأمّة؛ إذ لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبّهم، ولا يُختَلف في أنّ من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يُقتَل؛ لأنه أنكر معلومًا ضروريًّا من الشرع، فقد كذّب الله تعالى ورسوله - ﷺ - فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفّر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضلَّلَهم، وهل حُكمه حُكم المرتدّ، فيُستتاب، أو حكم الزنديق فلا يُستتاب، ويُقتل على كل حال؟ هذا مما يُختلَف فيه، فأما من سبّهم بغير ذلك، فإن كان سبًّا يُوجب حدًّا كالقذف حُدّ حَدَّه، ثم يُنَكَّل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة -﵂-، فإن قاذفها يُقتَل؛ لأنه مكذّب لِمَا جاء في الكتاب والسُّنَّة من براءتها، قاله مالك وغيره، واختَلف في غيرها من أزواج النبيّ - ﷺ -، فقيل: يُقتَل قاذفها؛ لأن ذلك أذًى للنبيّ - ﷺ -، وقيل: يُحدّ ويُنَكَّل، كما ذكرناه على قولين، وأما من سبّهم بغير القذف فإنه يُجْلَد الجلدَ الموجع، ويُنكَّل التنكيل الشديدَ، قال ابن حبيب: ويُخلَّد سَجْنه إلى أن يموت، وقد رُوي عن مالك: من سبّ عائشة - ﵂ - قُتِل مطلقًا، ويُمكن حَمْله على السبّ بالقذف. والله تعالى أعلم. انتهى القرطبيّ - ﵀ - (^١).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٤.
[ ٤٠ / ١٥٥ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ - ﵀ - تحقيق نفيس جدًّا، وخلاصته تشديد العقوبة على من انتهك حرمات الصحابة - ﵁ -، وأنه يُقتل على التفصيل الذي ذكره. والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في ذِكر قصيدة لبديع الزمان الْهَمَذَانيّ (^١) - ﵀ - يمدح بها الصحابة - ﵁ -، ويهجو أبا بكر الخوارزميّ، ويُجيبه عن قصيدة رُويت له في الطعن عليهم. قال [من الرجز]:
وَكَّلَنِي بِالْهَمِّ وَالْكَآبَهْ … طَعَّانَةٌ لَعَّانَةٌ سَبَّابَهْ
لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ وَالصَّحَابَهْ … أَسَاءَ سَمْعأ فَأَسَاءَ جَابَهْ
تَأَمَّلُوا يَا كُبَرَاءَ الشِّيعَهْ … لِعِشْرَةِ الإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَهْ
أَتُسْتَحَلُّ هَذِهِ الْوَقِيعَهْ … فِي بِيَعِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْبِيعَهْ
فَكَيْفَ مَنْ صَدَّقَ بِالرِّسَالَهْ … وَقَامَ لِلدِّينِ بِكُلِّ آلَهْ
وَأَحْرَزَ اللَّهُ يَدَ الْعُقْبَى لَهْ … ذَالِكُمُ الصِّدِّيقُ لَا مَحَالَهْ
إِمَامُ مَنْ أُجْمِعَ فِي السَّقِيفَهْ … قَطْعًا عَلَيْهِ أَنَّهُ الْخَلِيفَهْ
نَاهِيكَ مِنْ آثَارِهِ الشَّرِيفَهْ … فِي رَدِّهِ كَيْدَ بَنِي حَنِيفَهْ
سَلِ الْجِبَالَ الشُّمَّ وَالْبِحَارَا … وَسَائِلِ الْمِنْبَرَ وَالْمَنَارَا
وَاسْتَعْلِمِ الآفَاقَ وَالأَقْطَارَا … مَنْ أَظْهَرَ الدِّينَ بِهَا شِعَارَا
ثُمَّ سَلِ الْفُرْسَ وَبَيْتَ النَّارِ … مَن الَّذِي فَلَّ شَبَا الْكُفَّارِ
هَلْ هَذِهِ الْبيْضُ مِنَ الآثَارِ … إِلَّا لِثَانِي الْمُصْطَفَى فِي الْغَارِ
وَسَائِلِ الإِسْلَامَ مَنْ قَوَّاهُ … وَقَالَ إِذْ لَمْ تَقُلِ الأَفْوَاهُ
وَاسْتَنْجَزَ الْوَعْدَ فَأَوْمَى اللَّهُ … مَنْ قَامَ لَمَّا قَعَدُوا إِلَّا هُو
ثَانِي النَّبِيِّ فِي سِنِي الْوِلَادَهْ … ثَانِيهِ فِي الْغَارَةِ بَعْدَ الْعَادَهْ
ثَانِيهِ فِي الدَّعْوَةِ وَالشَّهَادَهْ … ثَانِيهِ فِي الْقَبْرِ بِلَا وِسَادَهْ
ثَانِيهِ فِي مَنْزِلَةِ الزَّعَامَهْ … نُبُوَّةٌ أَفْضَتْ إِلَى إِمَامَهْ
_________________
(١) هو: أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيىى بن سعيد الملقّب ببديع الزمان، سكن هَرَاة، وكان أحد الفضلاء والفصحاء، متعصّبًا لأهل الحديث والسُّنَّة، ما أخرجت هَمَذَان بعده مثله، توفي سنة (٣٩٨ هـ). "معجم الأدباء" ١/ ٢٣٤.
[ ٤٠ / ١٥٦ ]
أَتَأمُلُ الْجَنَّةَ يَا شَتَّامَهْ … لَيْسَتْ بِمَأْوَاكَ وَلَا كَرَامَهْ
إِنَّ امْرَءًا أَثْنَى عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى … ثُمَّتَ وَالَاهُ الْوَصِيُّ الْمُرْتَضَى
وَاجْتَمَعَتْ عَلَى مَعَالِيهِ الْوَرَى … وَاخْتَارَهُ خَلِفَة رَبُّ الْعُلَى
وَاتَّبَعَتْهُ أُمَّةُ الأُمِّيِّ … وَبَايَعَتْهُ رَاحَةُ الْوَصِيِّ
وَبِاسْمِهِ اسْتَسْقَى حَيَا الْوَسْمِيِّ … مَا ضَرَّهُ هَجْوُ الْخُوَارَزْمِيَّ
سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يُلْقِم الصَّخْرَ فَمَهْ … وَلَمْ يُعِدْهُ حَجَرًا مَا أَحْلَمَهْ
يَا نُذْلُ يَا مَأبُونُ أَفْطَرْتَ فَمَهْ … لَشَدَّ مَا اشْتَاقَتْ إِلَيْكَ الْحُطَمَهْ
إِنَّ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرْتَضَى … وَجَعْفَرَ الصَّادِقَ أوْ مُوسَى الرِّضَا
لَوْ سَمِعُوكَ بِالْخَنَا مُعَرِّضَا … مَا ادَّخَرُوا عَنْكَ الْحُسَامَ الْمُنْتَضَى
وَيْلَكَ لِمْ تَنْبَحُ يَا كَلْبَ الْقَمَرْ … مَا لَكَ يَا مَأبُونُ تَغْتَابُ عُمَرْ
سَيِّدَ مَنْ صَامَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرْ … صَرِّحْ بِإِلْحَادِكَ لَا تَمْشِ الْخَمَرْ
يَا مَنْ هَجَا الصِّدِّيقَ وَالْفَارُوقَا … كَيْمَا يُقِيمَ عِنْدَ قَوْمٍ سُوقَا
نَفَخْتَ يَاطَبْلُ عَلَيْنَا بُوقَا … فَمَا لَكَ الْيَوْمَ كَذَا مَوْهُوقَا (^١)
إِنَّكَ فِي الطَّعْنِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ … وَالْقَدْحِ فِي السَّيِّدِ ذِي النُّورَيْنِ
لَوَاهِنُ الظَّهْرِ سَخِينُ الْعَيْنِ … مُعْتَرِضٌ لِلْحَيْنِ بَعْدَ الْحَيْنِ
هَلَّا شُغِلْتَ بِاسْتِكَ الْمَغْلُومَهْ … وَهَامَةٍ تَحْمِلُهَا مَشْؤُومَهْ
هَلَّا نَهَتْكَ الْوَجْنَةُ الْمَشْمُومَهْ … عَنْ مُشْتَرِي الْخُلْدِ بِبِئْرِ رُومَهْ
كَفَى مِنَ الْغِيبَةِ أَدْنَى شَمَّهْ … مَنِ اسْتَجَازَ الْقَدْحَ فِي الأئِمَّهْ
وَلَمْ يُعَظِّمْ أُمَنَاءَ الأمَّهْ … فَلَا تَلُومُوهُ وَلُومُوا أُمَّهْ
مَا لَكَ يَا نُذلُ وَللزَّكِيَّهْ … عَائِشَةَ الرَّضِيَةِ الْمَرْضِيَّهْ
يَا سَاقِطَ الْغَيْرَةِ وَالْحَمِيَّهْ … أَلَمْ تَكُنْ لِلْمُصْطَفَى حَظِيَّهْ
مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الْخُوَارَزْمِيَّا … يُخْبِرُهُ أنَّ ابْنَهُ عَلِيَّا
قَدِ اشْتَرَيْنَا مِنْهُ لَحْمًا نِيَّا … بِشرْطِ أَنْ يُفْهِمَنَا الْمَعْنِيَّا
يَا أَسَدَ الْخَلْوَةِ خِنْزِيرَ الْمَلَا … مَا لَكَ فِي الْحَرَّى تَقُودُ الْجَمَلَا
يَا ذَا الَّذِي يَثْلُبُنِي إِذَا خَلَا … وَفِي الْخَلَا أُطْعِمُهُ مَا فِي الْخَلَا
_________________
(١) وهقه عنه كوعده: حبسه.
[ ٤٠ / ١٥٧ ]
وَقُلْتُ لَمَّا احْتَفَلَ الْمِضْمَارُ … وَاحْتَفَّتِ الأَسْمَاعُ وَالأَبْصَارُ
سَوْفَ تَرَى إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ … أَفَرَسٌ تَحْتِيَ أَمْ حِمَارُ (^١).
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ وَوَكِيعٍ، ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَليدِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية وكيع عن الأعمش ساقها أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(١١٥٣٤) - حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا، ما أدرك مُدّ أحدهم، ولا نصيفه". انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "معجم الأدباء" لياقوت الحمويّ ١/ ٢٤٩ - ٢٥١.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٣/ ٥٤.
[ ٤٠ / ١٥٨ ]
ورواية شعبة عن الأعمش ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٣٤٧٠) - حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا شعبة، عن الأعمش قال: سمعت ذكوان يحدّث عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "لا تسبّوا أصحابي، فلوا أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.