أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀ -، وأنه معدود من أصحّ أسانيد ابن عمر - ﵄ -، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً") راحلة؛ أي: مرحولة، وهي من النجيبة
[ ٤٠ / ٢٠٤ ]
المختارة، ويقال: هي الإبل المركوب المدَّرب الحسن الفعال القويّ على الحمل والسفر، يُطلق على الذكر والأنثى، والتاء فيه للمبالغة، وخصها ابن قتيبة بالنُّوق، ونُوزع، قال الزمخشريّ: يريد: أن المرضيّ المنتخب في عزّة وجوده كالنجيبة التي لا توجد في كثير من الإبل، وقال القاضي: معناه: لا تكاد تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، وطيئةً، سهلة الانقياد، فكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة، فيعاون صاحبه، ويُلين له جانبه، وقال الراغب: الإبل في تعارفهم اسم لمائة بعير، فمائة إبل عشرة آلاف بعير، فالمراد: أنك ترى واحدًا كعشرة آلاف، وترى عشرة آلاف دون واحد، كما قيل:
وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوتًا … لَدَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ
وقال بعضهم: خَصّ ضرب المَثَل بالراحلة؛ لأن أهل الكمال جعلهم الحقّ تعالى حاملين عن أتباعهم المشاقّ، مذللة لهم الصعب في جميع الآفاق؛ لغلبة الحنُوّ عليهم والإشفاق. انتهى (^١).
وقال ابن قتيبة: الراحلة: النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبل عُرِفت، قال: ومعنى الحديث: أن الناس متساوون، ليس لأحد منهم فَضْل في النَّسب، بل هم أشباه، كالإبل المائة، وقال الأزهريّ: الراحلة عند العرب: الجمل النجيب، والناقة النجيبة، قال: والهاء فيها للمبالغة، كما يقال رجل فهامة، ونسابةٌ، قال: والمعنى الذي ذكره ابن قتيبة غلطٌ، بل معنى الحديث: أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها، والرغبة في الآخرة قليل جدًّا، كقلة الراحلة في الإبل.
قال النوويّ: كلام الأزهري هذا أجود من كلام ابن قتيبة، وأجود منهما قول آخرين: إن معناه: المرضئ الأحوال من الناس الكامل الأوصاف، الحَسَن المنظر، القويّ على الأحمال، والأسفار، سُمّيت راحلة؛ لأنها تُرحل؛ أي: يُجعل عليها الرَّحْل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة راضية: أي: مرضيّة، ونظائره. انتهى (^٢).
_________________
(١) "فيض القدير شرح الجامع الصغير" للمناويّ ٢/ ٥٦٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٠١.
[ ٤٠ / ٢٠٥ ]
وفي رواية البخاريّ: "إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة".
وقال في "الفتح": في رواية مسلم من طريق معمر، عن الزهريّ: "تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة"، فعلى أن الرواية بغير ألف ولام، وبغير "لا تكاد" فالمعنى: لا تجد في مائة إبل راحلةً تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئًا سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة، بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه، والرواية بإثبات "لا تكاد" أَولى؛ لِمَا فيها من زيادة المعنى، ومطابقة الواقع، وإن كان معنى الأول يرجع إلى ذلك، ويُحْمَل النفي المطلق على المبالغة، وعلى أن النادر لا حُكْم له.
وقال الخطابيّ: العرب تقول للمائة من الإبل: إبل، يقولون: لفلان إبل: أي: مائة بعير، ولفلان إبلان: أي: مائتان.
قال الحافظ: فعلى هذا فالرواية التي بغير ألف ولام يكون قوله: "مائة" تفسيرًا لقوله: "إبل"؛ لأن قوله: "كإبل"؛ أي: كمائة بعير، ولمّا كان مجرد لفظ إبل ليس مشهور الاستعمال في المائة ذَكَر المائة توضيحًا، ورفعًا للإلباس، وأما على رواية البخاريّ فاللام للجنس.
وقال الراغب: الإبل اسم مائة بعير، فقوله: "كالإبل المائة" المراد به عشرة آلاف؛ لأن التقدير كمائة المائة. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر على تسليم قوله لا يلزم ما قال: إن المراد عشرة آلاف، بل المائة الثانية للتأكيد.
قال الخطابيّ: تأولوا هذا الحديث على وجهين:
أحدهما: أن الناس في أحكام الدين سواءٌ، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة، وهي التي تُرحل لتُرْكَب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة؛ أي: كلها حَمُولة تصلح للحمل، ولا تصلح للرحل، والركوب عليها.
والثاني: أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل، فعددهم قليل
[ ٤٠ / ٢٠٦ ]
جدًّا، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
وأورد البيهقيّ هذا الحديث في "كتاب القضاء" في تسوية القاضي بين الخصمين أخذًا بالتأويل الأول، ونقل عن ابن قتيبة: أن الراحلة هي النجيبة المختارة من الإبل للركوب، فإذا كانت في إبل عُرفت، ومعنى الحديث: أن الناس في النسب كالإبل المائة التي لا راحلة فيها، فهي مستوية.
وقال الأزهريّ: الراحلة عند العرب الذَّكَر النجيب، والأنثى النجيبة، والهاء في الراحلة للمبالغة، قال: وقول ابن قتيبة غلطٌ، والمعنى: أن الزاهد في الدنيا، الكامل فيه، الراغب في الآخرة، قليل كقلة الراحلة في الإبل، قال النوويّ: هذا أجود، وأجود منهما قول آخَرين: إن المرضيّ الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف قليل.
وقال القرطبيّ: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس، والحمالات عنهم، ويكشف كَرْبهم، عزيز الوجود، كالراحلة في الإبل الكثيرة.
وقال ابن بطال: معنى الحديث: أن الناس كثير، والمرضيّ منهم قليل، وإلى هذا المعنى أومأ البخاريّ بإدخاله في "باب رفع الأمانة"؛ لأن من كانت هذه صفته، فالاختيار عدم معاشرته.
وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس في الحديث: من يأتي بعد القرون الثلاثة: الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، حيث يصيرون يَخونون، ولا يؤتمنون. انتهى (^١)، وألله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٦١/ ٦٤٧٨] (٢٥٤٧)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٦٦٢ - ٦٦٣، كتاب "الرقائق" رقم (٦٤٩٨).
[ ٤٠ / ٢٠٧ ]
"الرقاق" (٦٤٩٨)، و(الترمذيّ) في "الأمثال" (٢٨٧٢)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٩٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧ و٤٤ و٧٠ و٨٨ و١٠٩ و١٢١ و١٢٢ و١٣٩)، و(ابن المبارك) في "الزهد" (١٨٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٥٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٦٦٣)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٠٠ و٢٠١)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٣٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٢٤٠ و١٤١٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٩٧ و٦١٣٩)، و(أبو الشيخ) في "الأمثال" (١٣٣ و١٣٤)، و(القضاعيّ) في "مسند الشهاب" (١٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٩)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٤١٩٥)، والله تعالى أعلم.
* * *
[ ٤٠ / ٢٠٨ ]