أنه من رباعيّات المصنّف -﵀ -، كلاحقه، وهو (٤٧٨) من رباعيّات الكتاب، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج المدنيّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) السًاعديّ -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ)؛ أي: يوم غزوة خيبر، ("لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ)، وفي حديث بريدة: "إني دافع اللواء غدًا إلى رجل يحبه الله ورسوله".
والراية: بمعنى اللواء، وهو العَلَم الذي في الحرب، يُعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يَحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدّم العسكر، وقد صرّح جماعة من أهل اللغة بترادفهما، لكن رَوَى أحمد، والترمذيّ، من حديث ابن عباس -﵄-: "كانت راية رسول الله -ﷺ - سوداء، ولواؤه أبيض"، ومثله عند الطبرانيّ عن بريدة، وعند ابن عبديّ عن أبي هريرة، وزاد: "مكتوبًا فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفيّةٌ، وقد ذكر ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود، عن عروة، أن أول ما وُجدت
[ ٣٨ / ٥٧٩ ]
الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية (^١).
(رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ)، وفي رواية ابن إسحاق: "ليس بفرّار"، وفي حديث بريدة: "لا يرجع حتى يفتح الله له"، (يُحِبُّ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ) -ﷺ- (وَيُحِبُّهُ اللهُ) تعالى (وَرَسُولُهُ") -ﷺ- (قَالَ) سهل (فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ) -بالدال المهملة، وبالكاف-؛ أي: يخوضون، من الدَّوْكة، وهو الاختلاط، والخوض، يقال: بات القوم يدوكون دَوْكًا: إذا باتوا في اختلاط، ودَوَران، وقيل: يخوضون، ويتحدثون في ذلك (^٢)، وفي بعض النسخ: "يذكرون" بالذال المعجمة بدل الدال، من الذكر، وفي حديث أبي هريرة الماضي: "أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ"، وفي حديث بُريدة: "فما منا رجل له منزلة عند رسول الله -ﷺ- إلا وهو يرجوأن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها، فدعا عليًّا، وهو يشتكي عينه، فمسحها، ثم دفع إليه اللواء"، وفي حديث سلمة بن الأكوع التالي: "قال: فأرسلني إلى عليّ، قال: فجئت به أقوده، أَرْمَدَ، فبَزَق في عينه، فبرأ". (أيُّهُمْ يُعْطَاهَا، قَالَ) سهل (فَلَمَّا أَصبَحَ النَّاسُ غَدَوْا)؛ أي: ذهبوا، وانطلقوا غَدْوةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، ثم كثر استعماله في الذهاب، والانطلاق أي وقت كان، ومنه حديث: "واغد يا أُنيس على امرأة هذا … "، متّفقٌ عليه، ويَحتَمِل أن يكون هذا الحديث منه. (عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا)؛ أي: الراية، (فَقَالَ) -ﷺ- ("أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ"؟، فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْه، قَالَ) سهل (فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ)؛ أي: بأمَر النبيّ -ﷺ-، (فَأُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول، وقد تبيّن من حديث سلمة بن الأكوع -﵁- أنه هو الذي أحضره، ولعل عليًّا حضر إليهم بخيبر، ولم يقدر على مباشرة القتال لِرَمَده، فأرسل إليه النبيّ -ﷺ-، فحضر من المكان الذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره. (فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي عَيْنَيْه، وَدَعَا لَهُ) بأن يبرأ (فَبَرَأَ) -بفتح الراء، والهمزة-، بوزن ضَرَبَ، ويجوز كسر الراء، بوزن عَلِم، وعند الحاكم من حديث عليّ -﵁-
_________________
(١) "فتح" ٩/ ٣١٤، كتاب "المغازي" رقم (٤٢١٠).
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢١٥.
[ ٣٨ / ٥٨٠ ]
نفسِهِ: "قال: فوضع رأسي في حَجره، ثم بَزَق في ألية راحته، فدلك بها عيني". (حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ)، وعند بريدة في "الدلائل" للبيهقيّ: "فما وَجِعها عليّ حتى مضى لسبيله"؛ أي: مات، وعند الطبرانيّ من حديث عليّ: "فما رَمِدت، ولا صُدِعت، مذ دفع النبيّ -ﷺ- إليّ الرايةَ يوم خيبر"، وله من وجه آخر: "فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي، فقال: اللهم أذهب عنه الحرّ والقرّ، قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا". (فَأَعْطَاهُ) -ﷺ- (الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ) -﵁- (يَا رَسُولَ الله، أُقاتِلُهُمْ) حُذف منه همزة الاستفهام؛ أي: أأقاتلهم؟ (حَتى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟)؛ أي: مسلمين مثلنا، (فَقَالَ) -ﷺ- ("انْفُذْ) بضمّ الفاء، والذال المعجمة؛ أي: امض (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر، فسكون؛ أي: على هينتك، (حَتى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهمْ) قال الفيّوميّ -﵀-: ساحةُ الدار: الموضع المتّسع أمامها، والجمع: ساحاتٌ، وساحٌ، مثلُ ساعة وساعات، وسَاعٍ. انتهى (^١).
(ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ) استُدِلّ به على أن الدعوة شرط في جواز القتال، والخلاف في ذلك مشهور، فقيل: يُشترط مطلقًا، وهو عن مالك، سواء من بلغتهم الدعوة، أو لم تبلغةم، قال: إلا أن يعجلوا المسلمين، وقيل: لا مطلقًا، وعن الشافعي مثله، وعنه: لا يُقَاتِل من لم تبلغة حتى يدعوهم، وأما من بلغته فتجوز الإغارة عليهم بغير دعاء، وهو مقتضى الأحاديث، ويُحمل ما في حديث سهل -﵁- هذا على الاستحباب، بدليل أن في حديث أنس -﵁- أنه -ﷺ- أغار على أهل خيبر لمّا لم يسمع النداء، وكان ذلك أول ما طَرَقَهم، وكانت قصة عليّ بعد ذلك، وعن الحنفية: تجوز الإغارة عليهم مطلقًا، وتستحب الدعوة (^٢)، وقد تقدّم في "كتاب الجهاد" البحث في هذا مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
(وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ)؛ أي: في الإسلام؛ يعني: شرائع الإسلام، (فَوَاللهِ. لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا) يؤخذ منه أن تألّف الكافر حتى يُسلم أولى من المبادرة إلى قتله. (خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ") -بسكون الميم- من "حُمْر"، وبفتح النون، والعين المهملة، وهو من
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٤.
(٢) "الفتح" ٩/ ٣١٦.
[ ٣٨ / ٥٨١ ]
ألوان الإبل المحمودة، قيل: المراد: خير لك من أن تكون لك، فتتصدق بها، وقيل: تقتنيها، وتملكها، وكانت مما تتفاخر العرب بها (^١).
وقال القرطبيّ -﵀ -: فيه حضٌّ عظيمٌ على تعليم العلم، وبثّه في الناس، وعلى الوعظ، والتذكير بالدار الآخرة والخير، وهذا كما قال في الحديث الآخر: "إن الله وملائكته يصلّون على معلمي الناس الخير" (^٢).
والهداية: الدَّلالة والإرشاد، والنَّعَم: هي الإبل، وحُمْرها هي خيارها حُسنًا وقوة ونفاسة؛ لأنَّها أفضل عند العرب، ويعني به -والله أعلم-: أن ثواب تعليم رجل واحد، وإرشاده للخير أعظم من ثواب هذه الإبل النفيسة لو كانت لك فتصدّقت بها؛ لأنَّ ثواب تلك الصدقة ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة، كما قال -ﷺ-: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة"، فذكر منها: "علم يُنتفع به" (^٣). انتهى (^٤).
وذكر ابن إسحاق من حديث أبي رافع: "قال: خرجنا مع عليّ حين بعثه رسول الله -ﷺ- برايته، فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه، فتناول عليّ بابًا كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه، حتى فتح الله عليه، فلقد رأيتني أنا في سبعة، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه"، وللحاكم من حديث جابر: "أن عليًّا حَمَل الباب يوم خيبر، وأنه جُرِّب بعد ذلك، فلم يحمله أربعون رجلًا".
قال الحافظ -﵀-: والجمع بينهما أن السبعة عالجوا قَلْبَه، والأربعين عالجوا حَمْله، والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو لم يكن إلا باختلاف حال الأبطال.
وفي حديث إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: "وخرج مرحب، فقال:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ
الأبيات.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣١٧.
(٢) حديث صحيح، رواه الترمذيّ وغيره.
(٣) رواه مسلم.
(٤) "المفهم" ٦/ ٢٧٦.
[ ٣٨ / ٥٨٢ ]
فقال عليّ -﵁-:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
الأبيات (^١).
فضرب رأس مرحب فقتله، فكان الفتح على يديه، وكذا في حديث بريدة، وخالف ذلك أهل السير، فجزم ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، والواقديّ بأن الذي قتل مرحبًا هو محمد بن مسلمة، وكذا روى أحمد بإسناد حسن، عن جابر، وقيل: إن محمد بن مسلمة كان بارَزه، فقطع رجليه، فأجهز عليه عليّ، وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب، فاشتبه على بعض الرواة، فإن لم يكن كذلك، وإلا فما في "الصحيح" مقدَّم على ما سواه، ولا سيما وقد جاء من حديث بريدة أيضًا، وكان اسم الحصن الذي فتحه عليّ: القموص، وهو من أعظم حصونهم، ومنه سُبيت صفية بنت حُييّ، والله أعلم (^٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد -﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٢٠٣] (٢٤٠٦)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٤٢ و٣٠٠٩) و"الفضائل" (٣٧٠١) و"المغازي" (٤٢١٠)، و(أبو داود) في "العلم" (٣٦٦١)، و(النسائيّ) في "الفضائل" (٤٦) و"الخصائص" (١٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣٣) وفي "الفضائل" (١٠٣٧)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٤٧٢ و٢٤٨٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٣٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٩٢ و١٣/ ٥٢٣ و٥٣١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٨٧٧ و٥٩٩١)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٣/ ٢٠٧)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ٦٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٠٦ - ١٠٧)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٠٦)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تقدّمت الأبيات في باب "غزوة خيبر"، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) "الفتح" ٩/ ٣١٧، كتاب "المغازي" رقم (٤٢١٠).
[ ٣٨ / ٥٨٣ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٤] (٢٤٠٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَبيِّ -ﷺ- في خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِدًا، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتي فَتَحَهَا اللهُ فِي صبَاحِهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لأُعْطِيَن الرَّايَةَ -أَو لَيَأخُذَنَّ بِالرَّايَةِ- غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَو قَالَ: يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ"، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ، وَمَا نَرْجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع، ثقة [٤] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
٢ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه، أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨.
والباقيان ذُكرا في الباب.