أنه من خماسيّات المصنّف -﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بصريًّا إلا أنه سكن المدينة مدّة، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: أَرِقَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) بكسر الراء، من باب تَعِب، بمعنى الرواية التالية بلفظ: "سَهِرَ"، قال المجد -﵀-: الأَرَقُ محرّكةً: السهر بالليل؛ كالائتراق، أَرِقَ، كفَرِحَ، فهوأَرِقٌ، وآرقٌ. انتهى (^١). (ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلةً من الليالي، قال القرطبيّ -﵀ -: قوله: "أرق رسول الله -ﷺ- … إلخ "؛ أي: سَهِر عند أول قدومه على المدينة في ليلة من الليالي، فقال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة". قيل: كان هذا من النبيّ -ﷺ- في أول الأمر، قبل أن ينزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، قلت (^٢): ويَحْتَمِل أن يقال: إن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس فيه ما يناقض احتراسه من الناس، ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله تعالى عن نَصْره، وإظهاره لِدِينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العَدَد، والعُدَد، والأخذ بالجدّ والحزم، والحذر، وسرُّ ذلك أن هذه أخبار عن عاقب الحال، ومآله، لكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد، أو عن غير سبب؟ لم يتعرض ذلك الأخبار له، فليُبْحَث عنه في موضع آخر، ولمّا بحثت عن ذلك وجدت
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٤٢،
(٢) القائل هو: القرطبيّ، فتنبّه.
[ ٣٨ / ٦٠٤ ]
الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخْذ الحذر من الأعداء، ومدافعتهم بالقتل، والقتال، وإعداد الأسلحة والالات، وقد عمل النبيّ -ﷺ- بذلك، وأخَذ به، فلا تعارض في ذلك، والله الموفق لفهم ما هنالك. انتهى (^١).
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "كان النبيّ -ﷺ- سَهِر، فلما قَدِم المدينة قال: ليت رجلًا صالِحًا من أصحابي، يحرسني الليلة"، قال في "الفتح":، هكذا في هذه الرواية، ولم يبيِّن زمان السهر، وظاهره أن السهر كان قبل القدوم، والقول بعده، وقد أخرجه مسلم من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد، وقال فيه: "سَهِر رسول الله -ﷺ- مَقْدمه المدينة ليلةَ، فقال … "، فذكره، وظاهره أن السهر والقول معًا كانا بعد القدوم، وقد أخرجه النسائيّ من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن يحيى بن سعيد، بلفظ: "كان رسول الله -ﷺ- أول ما قَدِم المدينة يسهر من الليل".
وليس المراد بقدومه المدينة أول قدومه إليها من الهجرة؛ لأن عائشة إذ ذاك لم تكن عنده، ولا كان سعد أيضًا ممن سبق.
وقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، بلفظ: "أن رسول الله -ﷺ- سَهِر ذات ليلة، وهى إلى جَنْبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟. . ." الحديث.
وقد روى الترمذيّ من طريق عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت: "كان النبيّ -ﷺ- يُحْرَس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٦٧] "، وإسناده حسنٌ، واختُلف في وصله وإرساله. انتهى (^٢).
قال الحافظ -﵀ -: هذا الحديث يقتضي أنه -ﷺ- لم يُحرَس بعد ذلك بناءً على سَبْق نزول الآية، لكن ورد في عدة أخبار أنه حُرس في بدر، وفي أُحد، وفي الخندق، وفي رجوعه من خيبر، وفي وادي القرى، وفي عمرة القَضِيَّة، وفي حنين، فكأن الآية نزلت متراخية عن وقعة حنين، ويؤيده ما أخرجه
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٨٠.
(٢) "الفتح" ٧/ ١٦٢، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٨٥).
[ ٣٨ / ٦٠٥ ]
الطبرانيّ في "الصغير" من حديث أبي سعيد -﵁-: "كان العباس فيمن يحرس النبيّ -ﷺ-، فلما نزلت هذه الآية تَرَك"، والعباس إنما لازمه بعد فتح مكة، فَيُحمَل على أنها نزلت بعد حُنين، وحديث حراسته ليلة حنين أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، من حديث سهل بن الحنظلية: "أن أنس بن أبي مرثد حَرَس النبيَّ -ﷺ- تلك الليلة".
وتتبَّع بعضهم أسماء مَن حَرَس النبيّ -ﷺ-، فجَمَع منهم: سعدُ بن معاذ، ومحمد بن مسلمة، والزبير، وأبوأيوب، وذكوان بن عبد القيس، والأدرع السلميّ، وابن الأدرع، واسمه مِحْجَن، ويقال: سلمة، وعبّاد بن بشر، والعباس، وأبو ريحانة، وليس كل واحد من هؤلاء في الوقائع التي تقدَّم ذِكرها حَرَس النبيّ -ﷺ- وحده، بل ذُكر في مطلق الْحَرَس، فأمكن أن يكون خاصًّا به، كأبي أيوب حين بنائه بصفية بعد الرجوع من خيبر، وأمكن أن يكون حَرَس أهل تلك الغزوة؛ كأنس بن أبي مرثد، والعلم عند الله تعالى. انتهى (^١).
(فَقَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا صالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ")؛ يعني: أنه -ﷺ- تمنّى أن يُحرس تلك الليلة، فحقّق الله أمنيّته، حيث أُلهم سعد بن أبي وقّاص -﵁أن يأتيه ليحرسه، كما بيَّنته عائشة -﵂-: (قَالَتْ: وَسَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاح، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ هَذَا؟ ") الذي يُسمع صوت سلاحه، (قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا سعد بن أبي وقّاص (يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ أَحْرُسُكَ) من باب نصر؛ أي: أحفظ مِنْ تعرّض العدوّ لك بالأذى، وفي رواية الليث التالية: "فقال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله -ﷺ-، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله -ﷺ-". (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَنَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ)؛ أي: تردّد نفسه في حَلْقه، يقال: غطّ النائم يَغِطّ من باب ضرب غطيطًا: تردّد نَفَسه صاعدًا إلى حلقه حتى يَسمعه من حوله، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١٧/ ٧٩، كتاب "التمنّي" رقم (٧٢٣١).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٩.
[ ٣٨ / ٦٠٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٢١٠ و٦٢١١ و٦٢١٢] (٢٤١٠)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٨٥) و"التمنّي" (٧٢٣١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٤١) وفي "الفضائل" (١٣٠٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦١ و٢٧٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٨٦)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (١٤١١)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٥٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الأخذ بالْحَذَر، والاحتراس من العدوّ، وأن على الناس أن يحرُسوا سلطانهم خشية القتل.
٢ - (ومنها): الثناء على من تبرعَّ بالخير، وتسميته صالِحًا، وإنما عانى النبيّ -ﷺ- ذلك مع قوة توكّله؛ للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين، مع أنهم كانوا إذا اشتدّ البأس كان أمام الكل، وأيضًا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب؛ لأن التوكل عمل القلب، وهي عمل البدن، وقد قال إبراهيم -﵇-: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال -ﷺ-: "اعقلها، وتوكّل".
قال ابن بطال -﵀-: نُسخ ذلك، كما دلّ عليه حديث عائشة -﵂-، وقال القرطبيّ -﵀ -: ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصْر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العُدَد، وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإضلال، أو إزهاق الروح، والله أعلم.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قول سعد: "وقع في نفسي خوف على رسول الله -ﷺ-، فجئت أحرسه" دليلٌ على مكانة نبينا -ﷺ-، وكرامته على الله تعالى، فإنَّه قضى أمنيته، وحقّق في الحين طِلْبَته، وفيه دليل على أن سعدًا -﵁- من عباد الله الصالحين المحدَّثين المُلْهَمين، وتخصيصه بهذه الحالة كلها، وبدعاء رسول الله -ﷺ- له من أعظم الفضائل، وأشرف المناقب، وكذلك جَمعُ رسول الله -ﷺ- له أبويه، وفداؤه بهما خاصَّةٌ مِن خصائصه؛ إذ لم يُروَ،
[ ٣٨ / ٦٠٧ ]
ولا سُمع أن النبيّ -ﷺ- فدى أحدًا من الناس بأبويه جميعًا غير سعد هذا، وغير ما يأتي في حديث ابن الزبير. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١١] (. . .) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ"، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَا جاءَ بِكَ؟ "، قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ نَامَ. ورفي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: فَقُلْنَا: مَنْ هَذَا؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ)؛ أي: صوت سلاح صدم بعضه بعضًا.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوَّل الكتاب قال:
[٦٢١٢] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَرِقَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ٣٨ / ٦٠٨ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفي، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت ١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد هذه ساقها إسحاق بن راهويه -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١١٠٥) - أخبرنا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: قالت عائشة: أَرِق رسول الله -ﷺ- ذات ليلة، فقال: "ليت رجلًا من أصحابي يحرسني الليلة"؛ إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: "من ذا؟ " قال سعد: أنا يا رسول الله جئت أحرسك، قال: فنام رسول الله -ﷺ- حتى سمعت غَطِيطه. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوَّل الكتاب قال:
[٦٢١٣] (٢٤١١) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ -يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَبويهِ لأَحَدٍ، غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإنهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أحُدٍ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي، وَأُمِّي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، وُلد على عهد النبيّ -ﷺ-، وذَكَره العجليّ من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء [٢] مات بالكوفة مقتولًا سنة إحدى وثمانين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب.
_________________
(١) "مسند إسحاق بن راهويه" ٢/ ٥٢٥.
[ ٣٨ / ٦٠٩ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن شَدَّادٍ) الليثيّ المدنيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالب -﵁- (يَقُول: مَا) نافية، (جَمَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ)؛ أي: ما فدّى أحدًا بأبويه جميعًا، (غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) هو ابن أبي وقّاص -﵁-، قال النوويّ -﵀-: أما قوله: "ما جمع أبويه لغير سعد"، وذكر بعدُ أنه جَمَعهما للزبير، وقد جاء جَمْعهما لغيرهما أيضًا، فيُحْمَل قول عليّ -﵁- على نفي علم نفسه؛ أي: لا أعلمه جمعهما إلا لسعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك. انتهى (^١).
(فَإِنَّهُ) -ﷺ- (جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ) بضمّتين؛ أي: يوم غزوة أُحُد، ("ارْمِ فِدَاكَ أَبِي، وَأُمِّي")، وفي رواية الترمذيّ: "ارْمِ أيها الغلام الْحَزَوَّر" (^٢)، وقال الزهريّ: رمى سعد يومئذ ألف سهم (^٣).
قال الجوهريّ: الفداء إذا كُسر أوله يُمَدّ، ويقصر، وإذا فُتح فهو مقصور، يقال: قُمْ فِدًى لك أبي.
وقال الخطابيّ: التفدية من رسول الله -ﷺ- دعاء، وأدعيته خليق أن تكون مستجابة، وادَّعَى المهلب أن هذا مما خُصّ به سعد، وليس كذلك ففي "الصحيحين" أنه فَدَى الزبير بذلك، ولعل عليًّا -﵁- لم يسمعه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٢١٣ و٦٢١٤] (٢٤١١)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٠٥)، و"المغازي" (٤٠٥٨)، و(الترمذيّ) في "الأدب" (٢٨٢٨
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) والحزوَّر من الغلمان: هو الذي قد قوي، واشتد، وخَدَم، ويُجمع: حزاورة، وحزوَّرين، قاله في "تهذيب الآثار" ٣/ ١١٥.
(٣) "عمدة القاري" ١٧/ ١٤٩.
[ ٣٨ / ٦١٠ ]
و٢٨٢٩) و"المناقب" (٣٧٥٣)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٩٤)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٤٤) وفي "الفضائل" (١٣١٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١٢/ ٨٦ - ٨٧)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ١٤١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٨٨)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (١٤٠٥)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٢٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل سعد بن أبي وقّاص -﵁-، حيث إن النبيّ -ﷺ- فداه بأبيه وأمه.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة الرمي، والحثّ عليه، والدعاء لمن فعل خيرًا.
٣ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين، قال النوويّ -﵀ -: التفدية جائزة عند الجمهور، وكَرِهه عمر بن الخطاب، والحسن البصريّ، وكَرِهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو بِرّ، ولُطف، وإعلام بمحبته له، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا.
وقال الطبريّ في "تهذيبه": في الحديث دليلٌ على صحة قول القائلين بإجازة تفدية الرجل بأبويه ونفسه، وفساد قول منكري ذلك، فإن ظنّ ظان أن تفدية النبيّ -ﷺ- مَن فداه بأبويه إنما جاز؛ لأن أبويه كانا مشركين، فأما المسلم فإنه غير جائز له أن يفدي مسلمًا ولا كافرًا بنفسه، ولا بأحد سواه من أهل الإسلام اعتلالًا منه بما حدّثني به يحيى بن داود الواسطيّ، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: أخبرني مبارك، عن الحسن، قال: دخل الزبير على النبيّ -ﷺ-، وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك؟ جعلني الله فداك، فقال له: "أما تركت أعرابيتك بعدُ؟ "، قال الحسن: لا ينبغي أن يفدي أحد أحدًا، ثم ساقه بسند آخر، ثم قال: هذه أخبار واهية الأسانيد، لا تثبت بمثلها في الدين حجة، وذلك أن مراسيل الحسن أكثرها صُحُف غير سماع، وأنه إذا وصل الأخبار فأكثر روايته عن مجاهيل، لا يُعرفون، ومن كان كذلك فيما يروي من الأخبار، فإن الواجب عندنا أن نتثبت في مراسيله، وأن المنكدر بن محمد عند أهل النقل ممن لا يعتمَد على نَقْله.
[ ٣٨ / ٦١١ ]
وبعدُ فلو كانت هذه الأخبار التي ذكرناها عن المنكدر بن محمد، عن الحسن، عن رسول الله -ﷺ- صحاحًا لم يكن فيها لمحتج بها حجة في إبطال ما روينا عن عليّ والزبير -﵄- عن رسول الله -ﷺ- من الخبرين اللذين ذكرناهما عنه أنه فدى من فدى بأبويه، ولا كان في ذلك دلالة على أن قِيْلَ ذلك غير جائز؛ إذ لا بيان فيه أن رسول الله -ﷺ- نهى الزبير عن قول ذلك له، بل إنما فيه أن النبيّ -ﷺ- قال له: "أما تركت أعرابيتك بعدُ"، والمعروف من قول القائل إذا قال: إن فلانًا لم يترك أعرابيته بعدُ أنه إنما نَسَبه إلى الجفاء، لا إلى فِعل ما لا يجوز فعله، فلو صح خبر الحسن الذي رواه عن النبيّ -ﷺ- في قوله ما قال الزبير لم يَعْدُ أن يكون ذلك كان من النبيّ -ﷺ- نسبة لقول الزبير الذي قال له إلى الجفاء، وإعلامًا منه له أن غيره من القول، والتحية ألطف، وأرقّ منه.
وقد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله -ﷺ- بأسانيد لا تُشبه أسانيد خبر الحسن في الصحة أنهم قالوا لرسول الله -ﷺ-: جعلنا الله فداك، فلم يُنْكِر ذلك عليهم. انتهى كلام الطبريّ -﵀ - (^١).
وقال البخاريّ -﵀ - في "صحيحه": باب قول الرجل: "جعلني الله فداك"، قال في "الفتح"؛ أي: هل يباح، أو يكره؟ وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحب من إخوانه، غيرُ محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره، واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبيّ -ﷺ- قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره.
قال الطبريّ: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فَضَالة عن الحسن: "قال: دخل الزبير على النبيّ -ﷺ-، وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك؟ جعلني الله فداك، قال: ما تركت أعرابيتك بعدُ"، ثم ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح
_________________
(١) "تهذيب الآثار" ٣/ ١١٣.
[ ٣٨ / ٦١٢ ]
المنع، بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأَولى في القول للمريض، إما بالتأنيس، والملاطفة، وإما بالدعاء، والتوجع.
فإن قيل: إنما ساغ ذلك؛ لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين.
فالجواب: أن قول أبي طلحة كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذرّ، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه. انتهى ملخصًا.
ويمكن أن يُعترض بأنه لا يلزم من تسويغ دول ذلك للنبيّ -ﷺ- أن يَسُوغ لغيره؛ لأن نفسه أعز من أنفُس القائلين، وآبائهم، ولو كانوا أسلموا.
فالجواب ما تقدم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارة إلى أن الأصل عدم الخصوصية، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر: أن النبيّ -ﷺ- قال لفاطمة: "فداك أبوك"، ومن حديث ابن مسعود: أن النبيّ -ﷺ- قال لأصحابه: "فداكم أبي، وأمي"، ومن حديث أنس: أنه -ﷺ- قال مثل ذلك للأنصار. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِئ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، مَنْ مِسْعَرٍ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَليّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (وَكيعُ) بن الجرّاح تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: سقط من سند مسلم هنا سفيان، وهو الثوري، وقد نبّه على ذلك الحافظ المزيّ: -﵀- في "تحفته"، فأشار إلى أن مسلمًا رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، -يعني: عن سفيان- ثم قال: سقط سفيان من كتاب مسلم، قال أبو مسعود: هكذا روى مسلم حديث أبي بكر عن وكيع، وأسقط
_________________
(١) "الفتح" ٥٨ - ٥٩، كتاب "الأدب" رقم (٦١٨٥).
[ ٣٨ / ٦١٣ ]
منه سفيان، فتوهّم الناس أنه وكيع عن مسعر، وإنما رواه أبو بكر في "المسند"، و"المغازي"، وفي غير موضع عن وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم (^١).
حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، نا سعيد بن نصر، نا قاسم، نا ابن وضّاح، نا ابن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شدّاد، عن عليّ بن أبي طالب، قال: ما سمعت رسول الله -ﷺ- يفدي أحدًا بأبويه إلا سعدًا، فإني سمعته يقول يوم أُحد: "ارم فداك أبي وأمي". انتهى (^٢).
وقال الحافظ في "نكته": أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" بسنده إلى أبي بكر، ثنا وكيع، ثنا سفيان، وقال: أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، فهذا يُشعر بأن سقوط سفيان من الرواة عن مسلم. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن، واتّضح بما سبق أنه سقط من هذا السند ذِكر سفيان، وهو الثوريّ، وسقوطه من رواة مسلم، لا منه، وأما ما قاله النوويّ -﵀- من أنه أسقط من روايته سفيان الثوريّ بين وكيع ومسعر؛ لأن أبا بكر بن أبي شيبة رواه في "مسنده"، و"المغازي" وغير موضع عن وكيع، عن الثوريّ، عن مسعر، قال: وادعى بعضهم أن وكيعًا لم يُدرِك مسعرًا … إلى آخر كلامه، فهو غلط فاحشٌ، مبنيّ على التصحيف، فقد تصحّف عليه سعد إلى مسعر، فالثوريّ يرويه عن سعد، لا عن مسعر، فتنبّه.
وكذا مشى الأبيّ على كلام النوويّ -﵀ -، من أنه وكيع عن مسعر، وذكر عن المازريّ كلامًا يتعلّق بلقيّ وكيع مسعرًا، وتبعه على ذلك بعض الشرّاح (^٤)، فكل ذلك ليس بصحيح، بل الصواب أن الساقط هو سفيان، وهو يرويه عن سعد بن إبراهيم، لا عن مسعر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) "تحفة الأشراف" ٧/ ٤١٠.
(٢) "تقييد المهمل" ٣/ ٩١٣ - ٩١٤.
(٣) "النكت الظراف" ٧/ ٤١٠.
(٤) هو: الشيخ الهرري، راجع شرحه: ٢٣/ ٤٧٢.
[ ٣٨ / ٦١٤ ]
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيىى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.
٦ - (مِسْعَرُ) بن كدام، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (كلّهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ)؛ أي: كل هؤلاء الثلاثة، وهم شعبة، وسفيان الثوريّ، ومسعر، كلهم رووه عن سعد بن إبراهيم بسنده المذكور.
[تنبيه]: رواية شعبة عن سعد بن إبراهيم ساقها ابن ماجه -﵀- في "سننه"، فقال:
(١٢٩) - حدّثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شداد، عن علي قال: ما رأيت رسول الله -ﷺ- جمع أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه قال له يوم أُحد: "ارم سعدُ فداك أبي وأمي". انتهى (^١).
ورواية وكيع، عن سفيان، عن سعد ساقها ابن أبي شيبة -﵀- في "مصنّفه"، فقال:
(٣٢١٤٥) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شداد، عن عليّ بن أبي طالب قال: ما سمعت رسول الله -ﷺ- يفدي بأبويه أحدًا، إلا سعدًا، فإني سمعته يقول يوم أُحد: "ارم سعدُ فداك أبي وأمي". انتهى (^٢).
ورواية مسعر عن سعد ساقها النسائيّ -﵀ - في "الكبرى"، فقال:
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن بشر، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: سمعت عليًّا يقول: ما
_________________
(١) "سُنن ابن ماجه" ١/ ٤٧.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ٣٧٥.
[ ٣٨ / ٦١٥ ]
سمعت النبيّ -ﷺ- يجمع أبويه لأحد، إلا لسعد. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١٥] (٢٤١٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَبوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب وقبله، و"يحيى بن سعيد" هو: الأنصاريّ، و"سَعِيدٌ" هو: ابن المسيِّب.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ) هو: ابن المسيِّب، (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ) مالك بن وُهيب -﵁-، وفي رواية للبخاريّ: "عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن الْمُسيِّب قال: سمعت سعدًا يقول … ". (قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَبَويهِ يَوْمَ أُحُدٍ)؛ أي: في التفدية، وفي رواية للبخاريّ: "قال سعد بن أبي وقّاص -﵁-: جَمَع لي رسول الله -ﷺ- يوم أُحد أبويه كليهما، يريد: حين قال: فداك أبي وأمي، وهو يقاتل".
وقال الحافظ -﵀- ورأيت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر مرسل، أخرجها ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن يحيى بن حمزة، قال: قال سعد: "رميت بسهم، فردّ علي النبيّ -ﷺ- سهمي أعرفه، حتى واليت بين ثمانية أو تسعة، كل ذلك يردّه عليّ، فقلت: هذا سهم دم، فجعلته في كنانتي، لا يفارقني"، وعند الحاكم لهذه القصّة بيان سبب، فأخرج من طريق يونس بن بكير، وهو في المغازي: روايته من طريق عائشة بنت سعد، عن أبيها: "قال: جال الناس يوم أُحد تلك الجولة، تنحيت، فقلت: أذود عن نفسي، فإما أن أنجو، وإما أن أُستَشهَدَ، فإذا رجل محمرّ وجهه، وقد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصى، فرماهم، وإذا بيني وبينه المقداد، فأردت أن
_________________
(١) "السُّنن الكبرى" ٦/ ٥٦.
[ ٣٨ / ٦١٦ ]
أسأله عن الرجل، فقال لي: يا سعد هذا رسول الله يدعوك، فقمت، وكأنه لم يصبني شيء من الأذى، وأجلسني أمامه، فجعلت أرمي … "، فذكر الحديث (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٢١٥ و٦٢١٦ و٦٢١٧] (٢٤١٢)، و(البخاريّ) في "الفضائل" (٣٧٢٥) و"المغازي" (٤٠٥٦ و٤٠٥٧)، و(الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٥٥ و٢٨٥٦) و"المناقب" (و٣٧٥٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦١)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧٤ و١٨٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١٦] (. . .) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) ضمير التثثية للّيث بن سعد، وعبد الوهّاب الثقفيّ.
[تنبيه]: رواية الليث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٣٨٣١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا ليث، عن يحيى، عن ابن المسيِّب، أنه قال: قال سعد بن أبي وقاص -﵁-: لقد جمع لي رسول الله -ﷺ- يوم أُحد أبويه كليهما، يريد حين قال: فداك أبي وأمي، وهو يقاتل. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ١٣٠، كتاب "المغازي" رقم (٤٠٥٦).
(٢) "صحيح البخاريّ" ٤/ ١٤٩٠.
[ ٣٨ / ٦١٧ ]
وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ النَّبِي -ﷺ- جَمَعَ لَهُ أَبَويهِ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُل مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي، وَأُمِّي"، قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمِ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ، فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ، فَسَقَطَ، فَانْكَشَفَتْ (^١) عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص -﵁- (أَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- جَمَعَ لَهُ أَبويهِ)؛ أي: في التفدية، حيث قال: "ارم فداك أبي وأمي". (يَوْمَ أحُدٍ)؛ أي: غزوة أُحُد. (قَالَ) سعد مبيّنًا سبب تفدية النبيّ -ﷺ- له بأبويه: (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (^٢). (قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: أثخن فيهم، وعَمِل فيهم نحو عمل النار، قاله النوويّ (^٣)، وقال القرطبيّ: أي: أصاب منهم كثيرًا، وآلمهم حتى كأنه فعل فيهم ما تفعله النار من الإحراق. انتهى (^٤).
(فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لسعد، وفيه التفات، فإن الظاهر أن يقول: فقال لي (النَّبِيُّ -ﷺ-: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي، وَأُمّي"، قَالَ) سعد (فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ)؛ أي: رميته بسهم لا حديدة فيه، وأصل النزع: الجذب، (فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ) قال النوويّ: كذا في أكثر الأصول بالجيم والنون، وفي بعضها: "حبته" بحاء مهملة، وباء موحّدة مشدّدة، ثم مثناة فوق؛ أي: حبة قلبه. انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة: "وانكشفت".
(٢) "تنبيه المعلم" ص ٤١٠.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٨٥.
(٤) "المفهم" ٦/ ٢٨١.
[ ٣٨ / ٦١٨ ]
وقال القرطبيّ: "فأصبت جنبه" بالجيم والنون، كذا لأكثر الرواة، وكذا رويته، وقيّده القاضي الشهيد: "حبّته" بالحاء المهملة، والموحّدة؛ يعني به: حبة قلبه، وفيه بُعْدٌ. انتهى (^١).
(فَسَقَطَ) على الأرض ميتًا، (فَانْكَشَفَتْ) وفي نسخة: "وانكشفت" (عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) سرورًا بقتل عدوّه، لا بانكشاف عورته، (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ) قال القرطبيّ: النَّواجذ آخر الأضراس، وتقال على الضواحك، وأنها المعنيَّة في هذا الحديث، فإنها هي التي يمكنُ أن يُنظر إليها غالبًا في حال الضحك، وكان -ﷺ- جُلّ ضحكه التبسُّم، فإذا استغرب فغايةُ ما يظهر منه ضواحكه، مع ندور ذلك منه، وقِلَّته. انتهى (^٢).
والحديث سبق تخريجه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١٨] (١٧٤٨) (^٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَات مِنَ الْقُرْآن، قَالَ: حَلَفَتْ (^٤) أمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا، حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِه، وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ: زَعَمْتَ أَن اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أمّكَ، وَأنا آمُرُكَ بِهَذَا، قَالَ: مكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْد، فَقَامَ ابْن لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنزَلَ اللهُ -﷿- فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] وَفيهَا: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْف، فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ -ﷺ-، فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ: "رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ"، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ ألْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٨١.
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٨١.
(٣) هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر.
(٤) وفي نسخة: "فحلفت".
[ ٣٨ / ٦١٩ ]
لَامَتْني نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْه، فَقُلْتُ: أَعْطِنِيه، قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ: "رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَدتَهُ"، قَالَ: فَأنزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنقال: ١]، قَالَ: وَمَرِضْتُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ، قَالَ: فَأبى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ، قَالَ: فَسَكَتَ، فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا، قَالَ: وَأتيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ، نُطْعِمْكَ، وَنَسْقِيكَ (^١) خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ: فَأَتيْتُهُمْ فِي حَشٍّ -وَالْحَشُّ: الْبُسْتَانُ- فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقّ مِنْ خَمْرٍ، قَالَ: فَأَكَلْتُ، وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتِ الأَنَصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ (^٢) عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأَنْصَار، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُل أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأس، فَضَرَبَنِي بِه، فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأنزَلَ اللهُ -﷿- فِيَّ -يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢١.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قبل بابين.
٣ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ الكوفيّ، أبو المغيرة، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فكان ربما تلقن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.