أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالتحديث، وبالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
_________________
(١) وفي نسخة: "ونُسقيك" بضم النون.
(٢) وفي نسخة: "فقذَكَرتُ الأنصارَ والمهاجرين".
[ ٣٨ / ٦٢٠ ]
شرح الحديث:
عن مُصْعَب بْنِ سَعْدٍ (عَنْ أَبيهِ) سعد بن أبي وقّاص -﵁- (أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَات مِنَ الْقُرْآنِ) هي أربع آيات، كما يأتي في الحديث التالي، وفي رواية الترمذي قال: أُنزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصة، فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أموت، أو تَكْفُر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شَجَروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ الآية، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ورُوي عن سعد أنه قال: كنت بارًّا بأمي، فأسلمتُ، فقالت: لتدعَنّ دينك، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت، فتُعَيَّر بي، ويقال: يا قاتل أمه، وبَقِيَتْ يومًا ويومًا، فقلت: يا أماه! لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فَكُلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكَلَتْ، ونزلت: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ الآية.
ثم أشار إلى الآية الأُولى بقوله:
(قَالَ: حَلَفَتْ أمّ سَعْدٍ) هي حمنة بنت سفيان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، كما ذكرها ابن سعد في "الطبقات" (^١). (أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ)؛ أي: سعدًا (أَبَدًا، حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ) دين الإسلام، (وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ) أمه (زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ)؛ أي: أمَرك بالإحسان إليهما (وَأنَا أمُّكَ)؛ أي: فأحْسِن إليَّ بتنفيذ ما طلبته منك، (وَأنَا آمُرُكَ بِهَذَا)؛ أي: بالكفر بدينك. (قَالَ) سعد (مَكَثَتْ ثَلاثًا)؛ أي: ثلاث ليال، لا تأكل، ولا تشرب (حَتَّى غُشِيَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ) بفتح الجيم، وضمّها؛ أي: المشقّة من الجوع والعطش، (فَقَامَ ابْن لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ) هوأخو سعد، (فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ) حيث حَمَلها على هذا الجَهْد، (فَأَنزَلَ اللهُ -﷿ - فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَةَ) هي آية العنكبوت (﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾)؛ أي: أمرناه بأن يحسن إليهما إحسانًا، (﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾)؛ أي: كلّفاك (﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾) ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]، (وَ) نزلت أيضًا (فِيهَا) آية لقمان، وفيها (﴿وَصَاحِبْهُمَا﴾)
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٣/ ١٣٧ و٦/ ١٢.
[ ٣٨ / ٦٢١ ]
أي الوالدين ﴿فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥])؛ أي: بالمعروف والإحسان الدنيويّ، من الخُلُق الجميل، والحِلم، والاحتمال، والبرّ، والصلة.
قال الإمام ابن كثير -﵀ -: يقول تعالى آمرًا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحثّ على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصَبْرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يُحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبًّا دينيًّا؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾ [العنكبوت: ٩]. انتهى (^١).
ثم أشار إلى الآية الثانية، فـ (قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- غَنِيمَةً عَظِيمَةً)، وذلك في غزوة بدر، (فَإِذَا فِيهَا سَيْف، فَأَخَذْتُهُ، فَأَتيْتُ بِهِ الرَّسُولَ -ﷺ-، فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي)؛ أي: أعطنيه زيادة على نصيبي من المغنم، (هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ)؛ أي: من الشجاعة، وقَتْل المشركين، واستئصالهم، (فَقَالَ) -ﷺ- ("رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ")؛ أي: في الغنائم، والظاهر أنه لم يوحَ إليه بحِلّ الغنائم، فأمَرَه بالردّ حتى يتبيّن أمره. (فَانْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت لأردّه، (حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ ألْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ) -بفتح القاف، والباء الموحّدة، والضاد المعجمة -: الموضع الذي يُجمع فيه الغنائم (^٢). (لَامَتْنِي نَفْسِي)؛ أي: على ردّه، (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) -ﷺ- (فَقُلْتُ: أَعْطِنِيه، قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ)؛ أي: رَفَعه أكثر من الأول
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٨٧.
[ ٣٨ / ٦٢٢ ]
مبالغة في الزجر ("رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ")، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنقال: ١])؛ أي: يجعلانها حيث شاءا، ولذلك أعطاه سعدًا، فأخذه، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّا كان يومُ بدر، وقُتل أخي عُمَيْر، وقَتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى "ذا الكتيفة"، فأتيت به نبيّ الله -ﷺ- فقال: "اذهب فاطرحه في القَبَض"، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخْذ سَلَبي، قال: فما جاوزت إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله -ﷺ-: "اذهب فخذ سيفك" (^١).
وأخرج أحمد أيضًا عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: يا رسول الله، قد شفاني الله اليوم من المشركين، فَهَبْ لي هذا السيف، فقال: "إن هذا السيف لا لك، ولا لي، ضعه". قال: فوضعته، ثم رجعت، قلت: عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي! قال: إذا رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئًا؟ قال: "كنتَ سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وُهب لي، فهو لك". قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما يتعلّق بقصّة السيف وآية الأنفال قد تقدّم البحث فيه مستوفًى في "كتاب الجهاد والسِّيَر" برقم [١٢/ ٤٥٤٦] (١٧٤٨) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
ورواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طرق، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
(قَالَ) سعد (وَمَرِضْتُ) بكسر الراء، من باب تَعِبَ، (فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَتانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي)؛ أي: اتركني، ولا تمنعني (أَقْسِمْ) بفتح الهمزة مضارع قَسَم ثلاثيًّا، من باب ضرب، (مَالِي حَيْثُ شِئْتُ)؛ أي: على الأقارب، والمساكين. (قَالَ: فَأَبَى) -ﷺ- ذلك، (قُلْتُ: فَالنِّصْفَ) بالنصب على المفعوليّة؛ أي: أَقسم النصف حيث شئت، (قَالَ: فَأبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ،
_________________
(١) "المسند" ١/ ١٨٠.
(٢) "المسند" ١/ ١٧٨.
[ ٣٨ / ٦٢٣ ]
قَالَ: فَسَكَتَ)؛ أي: لأن الثلث حقّ الشخص عند موته يتصدّق به، ويوصي به، (فَكَانَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد تلك الواقعة، (الثُّلُثُ)؛ أي: قَسْم الثلث بالوصيّة (جَائِزًا)؛ أي: فيجوز الآن لكلّ أحد أن يوصي بالثلث، وقصّة سعد في الوصيّة قد تقدّم البحث فيها مستوفي في "الوصايا".
ثم أشار إلى الآية الثالثة، فـ (قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ) بفتحتين؛ أي: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة (^١). (مِنَ الأنصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ) بفتح اللام: أمْر من تعالى يتعالى؛ أي: ارتفع، قال الفيّوميّ: تَعَالَ فِعل أمْر من تعالى يتعالى، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُر في كلامهم، حتى استُعْمِل بمعنى هَلُمّ مطلقًا، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استُعمل في معنى عامّ، ويتصل به الضمائر باقيًا على فَتْحه، فيقال: تَعَالَوا، تَعَالَيَا، تَعْالُينْ، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكُسرت مع المؤنئة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. انتهى (^٢).
(نُطْعِمْكَ) بضمّ أوله، من الأطعام، (وَنَسْقِيكَ) بفتح أوله، من سقى يسقي ثلاثيًّا، كما قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بضمّه، من أسقى يُسقي رباعيًّا، كما قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ) سعد (فَأتيْتُهُمْ فِي حَشٍّ) بفتح الحاء المهملة، وضمّها، وفسّره بقوله: (-وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ- فَإِذَا) هي الفجائيّة، (رَأْسُ جَزُورٍ) قال الفيّوميّ -﵀-: الجَزُورُ من الإبل خاصّةً يقع على الذكر والأنثى، والجمع: جُزُرٌ، مثل رسول ورُسُل، ويُجمع أيضًا على جُزُرَاتٍ، ثم على جَزَائِرَ، ولفظ الْجَزُور أنثى، يقال: رعت الجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصغانيّ: وقيل: الجَزُورُ: الناقة التي تُنحر، وجَزَرْتُ الجَزُورَ وغيرها،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٨.
[ ٣٨ / ٦٢٤ ]
من باب قتل: نحرتُها، والفاعل جَزَّارٌ، والحرفة الجِزَارَةُ، بالكسر، والمَجْزَرُ: موضع الجزر، مثل جعفر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرَةٌ. انتهى (^١).
(مَشْوِيٌّ) مفعول مِن شوى اللحم، من باب ضرب، وأصله مشوويٌ، اجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأُدغمت في الياء، فصار مشويًّا بياء مشدّدة، كما قال في "الخلاصة":
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَن مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًا غَيْرَمَا قدْ رُسِما
(عِنْدَهمْ، وَزِقٌّ) بكسر الزاي: الظَّرْف، وبعضهم يقول: ظَرْف زَفْتٍ، أو قِيرٍ، والجمع أزقاق، وزِقَاق، وزُقَّاقٌ، مثلُ كِتاب، ورُغْفان، قاله الفيّومي (^٢)، وقال المجد: الزِّقّ بالكسر: السِّقَاءُ، أو جلدٌ يُجزّ، ولا يُنتف للشراب وغيره، انتهى (^٣). (مِنْ خَمْرٍ، قَالَ) سعد (فَأَكلْتُ) من ذلك المشويّ (وَشَرِبْتُ) من تلك الخمر (مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتِ) بالبناء للمفعول، (الأنصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ)؛ أي: ذُكر في ذلك المجلس حال الأنصار والمهاجرين، وفي بعض النسخ: "فذَكَرتُ الأنصار … إلخ" بالبناء للفاعل؛ يعني: أن سعدًا هو بدأ بذكرهم (عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأنصَارِ) حيث إنهم هاجروا في الله، وفارقوا الأهل، والأموال، وتركوا الأوطان لله -﷾-، فهم خير. (قَالَ) سعد (فَأَخَذَ رَجُلٌ) زاد في رواية: "منهم"، قال ابن بشكوال: الرجل الأنصاريّ عِتبان بن مالك، وساق له شاهدًا، قال: وقيل: إنه حمزة بن عبد المطّلب، ذكره فتح بن إبراهيم عن أبي الطيّب الحريريّ البغداديّ، صاحب محمد بن جرير الطبريّ، واسم أبي الطيّب أحمد بن سليمان، وقال الشيخ وليّ الدين: قال الزهريّ: إن سعدًا كان هو الضارب لعتبان، ذكره صاحب "التنبيه" (^٤).
قال الجامع عفا الله عنه: كون الضارب هو حمزة، أو سعد فيه نَظَر لا يخفى؛ لتصريح رواية مسلم بأنه من الأنصار، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ) بفتح اللام، وسكون الحاء المهملة: تثنية لَحْيٍ، وهو
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٩٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٤.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٥٦٥.
(٤) "تنبيه المعلم" ص ٤١٠.
[ ٣٨ / ٦٢٥ ]
عَظْم الحَنَك، وهو الذي عليه الأسنان، وهو من الإنسان حيثُ ينبت الشعرُ، وهو أعلى وأسفلُ، وجمعه أَلْحٍ، ولُحيّ، مثلُ فَلْسٍ، وفُلُوسٍ، وأفلُسٍ (^١). (فَضَرَبَنِي بِهِ) وهذا الذي حصل بين سعد، وبين الأنصاريّ إنما هو لمّا سكروا من شُرب الخمر، كما سيأتي في رواية شعبة بلفظ: "فانتشينا"؛ أي: سَكِرنا، والله تعالى أعلم. (فَجَرَحَ بِأنفِي)، وفي الرواية التالية: "فضرب به أنف سعد، ففزره، -أي: شقّه- وكان أنف سعد مفزورًا"؛ أي: مشقوقًا. (فَأَتيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ) بما حصل بينه وبين الأنصاريّ من الضرب، (فَأنزَلَ اللهُ -﷿- في -يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ)؛ يعني: أن الله تعالى حرّمها بسبب تلك الواقعة. (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾)؛ أي: القمار (﴿وَالْأَنْصَابُ﴾)؛ أي: الأصنام التي تُنصب، فتُعبد من دون الله تعالى، (﴿وَالْأَزْلَامُ﴾)؛ أي: القِداح التي يستقسمون بها، كانت في البيت عند سدنة البيت، وخدام الأصنام، يأتي الرجل إذا أراد حاجة، فيقبض منها شيئًا، فإن كان عليه: أمرني ربي، خرج إلى حاجته على ما أحب، أو كره (^٢). (﴿رِجْسٌ﴾)؛ أي: خبيث مستقذَر، (﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠])؛ أي: مما يحمل الشيطان عليه، فكأنه عَمَله، وتمام الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والضمير في "فاجتنبوه" للرجس، أو لعمل الشيطان، أو للمذكور، أو للمضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما تعاطي الخمر والميسر، قال النسفيّ -﵀- في "تفسيره": أكّد تحريم الخمر والميسر من وجوه، حيث صدّر الجملة بـ "إنما"، وقرنهما بعبادة الأصنام، ومنه الحديث: "شارب الخمر كعابد الوثن" (^٣)، وجعلهما رجسًا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشرّ البحت، وأمَر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا كان الارتكاب خسارةً. انتهى (^٤).
[تنبيه]: لم يذكر في هذه الرواية الآية الرابعة، وستأتي، وهي آية: ﴿وَلَا
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥١.
(٢) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٨٦.
(٣) صححه الشيخ الألبانيّ -﵀- "الإيمان" لابن سلام (٩٦).
(٤) "تفسير النسفيّ" ١/ ٣٠٠.
[ ٣٨ / ٦٢٦ ]
تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٢١٨ و٦٢١٩] (١٧٤٨)، و(أبو داود) في "سننه" (٢٠٨)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٨١ و١٨٥ - ١٨٦)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٩/ ١٧٤ و٢١/ ٧٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ١٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٧٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٦٩ و٢٩١ و٨/ ٢٨٥ و٩/ ٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل سعد بن أبي وقّاص -﵁- حيث نزلت الآيات المذكورة فيه.
٢ - (ومنها): وجوب برّ الوالدين، وإن كانا كافرين بما لا يخالف الشرع.
٣ - (ومنها): حلّ الغنائم خصوصيّةٌ لهذا الأمة، وجواز تنفيل الإمام بعض الغزاة بما يراه.
٤ - (ومنها): جواز الوصيّة، وأنه لا يجوز إلا بالثلث.
٥ - (ومنها): تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر -﵀-: الأحاديث تدلّ على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به معروفًا عندهم، بحيث لا يُنكَر، ولا يغمر، وأن النبيّ -ﷺ- أقرّهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].
وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسكر؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين
[ ٣٨ / ٦٢٧ ]
بَقَر خواصر ناقَتَي عليّ -﵄-، وجَبّ أسنمتهما، فأَخبر عليّ بذلك النبيّ -ﷺ-، فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزة للنبيّ -ﷺ- من القول الجافي المخالف لِمَا يجب عليه من احترام النبيّ -ﷺ-، وتوقيره، وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله -ﷺ- أنه ثمل، ثم إن النبي -ﷺ- لم يُنكِر على حمزة ولا عنَّفه، لا في حال سُكره ولا بعد ذلك، بل رجع لمَّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ على عقبيه القهقرى وخرج عنه.
وهذا خلاف ما قاله الأصوليون، وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه، أو يشوّشه، إلا أنه يَحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشُربه السُّكر، لكنه أسرع فيه، فغلبه، والله أعلم. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر -﵀- أيضًا: كان تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مولَعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها لعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يَشغلنا عن الصلاة، وشَرِبها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ الآية؛ فصارت حرامًا عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرَّم الله شيئًا أشد من الخمر.
وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذَكر للنبيّ -ﷺ- عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها، وقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا.
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٨٧.
[ ٣٨ / ٦٢٨ ]
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَضَرَبَ بِهِ أنفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "ساق" ضمير شعبة.
وقوله: (يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بعَصًا)؛ أي: فتحوه، ثم صبّوا فيها الطعام، وإنما شَجَروها بالعصا؛ لئلا تُطَبِّقه، فيمتنع وصول الطعام جوفها، قال النوويّ: وهكذا صوابه بالشين المعجمة، والجيم، والراء، وهكذا في جميع النسخ، قال القاضي: ويروى "شحّوا فاها" بالحاء المهملة، وحذف الراء، ومعناه قريب من الأول؛ أي: أوسعوه، وفتحوه، والشَّحْو: التوسعة، ودابة شحوٌ: واسعة الخطو. انتهى (^٢).
وقوله: (ثُمَّ أَوْجَرُوهَا)؛ أي: صبّوا الطعام في حلقها، لمحال الفيّوميّ -﵀ -: الْوَجُور بفتح الواو، وزانُ رَسُول: الدواء يُصبّ في الحلق، أوجرت المريض إيجارًا، فعلتُ به ذلك، ووجَرْته أَجِرُهُ، من باب وَعَدَ لغةٌ. انتهى (^٣).
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٨٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٨٧.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٨.
[ ٣٨ / ٦٢٩ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "شجروا فاها بعصًا، ثم أوجروها" -بالشين والجيم -؛ أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا؛ لئلا تُغلقه حتى يوجروها الغذاء، والوَجُور: -بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود -بفتح اللام -: ما يُصَبُّ من جانب الفم، ويقال: وجرته، وأوجرته -ثلاثيًّا، ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم: "شحُّوا فاها" -بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول؛ أي: وسَّعوه بالفتح، والشحو: التوسع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو، ويقال: شحا فاه، وشحا فوه -مُعَدًّى، ولازمًا -؛ أي: فَتَحه، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين، والإحسان إليهما، وإن كانا كافرَين، وحريصَين على حَمْل الولد على الكفر، يدلُّ دلالة قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُد حقوقهم. انتهى (^١).
وقوله: (فَفَزَرَهُ) بزاي، ثم راء؛ أي: شقّه.
وقوله: (وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا)؛ أي: مشقوقًا.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن سماك بن حرب هذه ساقها ابن حبّان في "صحيحه"، فقال:
(٦٩٩٢) - أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، حدّثنا بندار، حدّثنا محمد، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أنزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفأ، فأتيت به النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله - ﷺ - نفّلنيه، قال: ضَعْه، ثم قلت: يا رسول الله - ﷺ - نفّلنيه، وأُجْعَل كمن لا غناء له؟ قال: ضعه من حيث أخذت، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١].
وصنع رجل من الأنصار طعامًا، فدعانا، فشربنا الخمر، حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب أنف سعد، ففزره، فكان أنف سعد مفزورًا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٨٢.
[ ٣٨ / ٦٣٠ ]
وقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبِرّ، والله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا، حتى أموت، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شَجَروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].
قال: ودخل عليّ رسول الله - ﷺ -، وأنا مريض يعودني، قلت: يا رسول الله - ﷺ - أُوصي بمالي كله؟، قال: "لا"، قلت: فبثلثيه؟، قال: "لا"، قلت: فبنصفه؟ قال: "لا"، قلت: فبثلثه؟ قال: فسكت. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٢٠] (٢٤١٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سَعْدٍ: فِيَّ نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ، أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحِ) بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦.
٣ - (أَبُوهُ) شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو المقدام الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان سنة (٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦.
والباقون ذُكروا في الباب، و"سفيان" هو الثوريّ، هو شيخ وكيع الذي سقط من الإسناد قبل خمسة أحاديث.
وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وقوله: (قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءِ)؛ أي: قال المشركون: إنك يا محمد تقرّب هؤلاء الفقراء إلى مجلسك، ونحن لا نجلس معهم، أو الكلام على تقدير الاستفهام الإنكاريّ، كأنهم قالوا: أتدني هؤلاء، وتدعونا أن نجلس معهم؛؛ أي: وهذا غير ممكن؛ لأننا
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣.
[ ٣٨ / ٦٣١ ]
أصحاب شرف وعلوّ منزلة، فلا ينبغي لنا أن نجلس معهم، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[١٦٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْح، عَنْ أَبِيه، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: اطْرُدْ هَؤُلَاء، لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا (^١)، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّث نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم، أبوأحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٢ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلِّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٠)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢.
والباقون ذُكروا في الباب.