أما زيد بن حارثة -﵁ -: فهو زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وَدّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبي، قال ابن سعد: أمه سعدى بنت ثعلبة بن عامر من بني معن من طيء، وحدّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه، وعن جميل بن مرثد الطائيّ، وغيرهما، قالوا: زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها، وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات بني معن، فاحتملوا زيدًا، وهو غلام، يَفَعَةٌ، فأتوا به في سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله -ﷺ- وَهَبَتْه له، وكان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده، قال [من الطويل]:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ … أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الأَجَلْ
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٤/ ٨٥.
[ ٣٨ / ٧٠٤ ]
فَوَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ … أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرَ أَوْبَةٌ … فَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ (^١)
تُذَكِّرِنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا … وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ
وَإِنْ هَبَّتِ الأَرْيَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ … فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
سَأَعْمَلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا … وَلَا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَو تَسْأَمُ الإِبِلْ
حَيَاتِيَ أَو تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ (^٢)
ويقول فيها أيضًا:
أُوَصِّي بِهِ عَمْرًا وَقَيْسًا كِلَاهُمَا … وَأُوصِي يَزِيدَ ثُمَّ بَعْدَهُمُ جَبَلْ
يعني: بعمرو وقيس: أخويه، وبيزيد: أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، وبجبل: وَلَده الأكبر، قال: فحجّ ناس من كلب، فرأوا زيدًا، فعرفهم، وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات [من الطويل]:
أَحِنُّ إِلَي قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِيًا … بِأَنِّي قَطِينُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ
في أبيات، فانطلقوا، فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعًا، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النبيّ -ﷺ-، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله، تُفكّون العاني، وتُطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، فإنا سنرفع لك، قال: "وما ذاك؟ " قالوا: زيد بن حارثة، فقال: "أو غير ذلك؟ ادعوه، فخيِّروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله، ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء"، قالوا: زدتنا على النصف، فدعاه، فقال: "هل تعرف هؤلاء؟ " قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، قال: "فأنا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي لك، فاخترني، أو اخترهما"، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا،
_________________
(١) بجل كنَعَم وزنًا ومعنى.
(٢) هذه الأبيات من تفسير القرطبيّ ١٤/ ١١٨.
[ ٣٨ / ٧٠٥ ]
فلما رأى رسول الله -ﷺ- ذلك أخرجه إلى الْحِجْر، فقال: "اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني، وأرثه"، فلما رأى ذلك أبوه وعمة طابت أنفسهما، وانصرفا، فدُعِي زيدَ بن محمد حتى جاء الله بالإسلام.
وقال ابن الكلبيّ عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس: لمّا تبنى النبيّ -ﷺ- زيدًا زوَّجه زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وزوّجه النبيّ -ﷺ- قبل ذلك مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم لمّا طلّق زينب زوّجه أم كلثوم بنت عقبة، وأمها أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، فولدت له زيد بن زيد، ورقية، ثم طلّق أم كلثوم، وتزوج دُرّة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلّقها، وتزوج هند بنت العوّام أخت الزبير.
وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] الحديث، أخرجه البخاريّ.
ويقال: إن النبيّ -ﷺ- سمّاه زيدًا لمحبة قريش في هذا الاسم، وهو اسم قصي.
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن الزهريّ قال: ما نعلم أن أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، قال عبد الرزاق: لم يذكره غير الزهريّ، قال الحافظ: قد ذكره الواقديّ بإسناد له، عن سليمان بن يسار جازمًا بذلك، وقاله زائدة أيضًا.
وشهد زيد بن حارثة بدرًا، وما بعدها، وقُتل في غزوة مؤتة، وهو أمير، واستخلفه النبيّ -ﷺ- في بعض أسفاره إلى المدينة.
وعن عائشة -﵂-: ما بعث رسول الله -ﷺ- زيد بن حارثة في سرية إلا أمّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد قويّ عنها.
وعن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع النبيّ -ﷺ- سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمّره علينا رسول الله -ﷺ-. أخرجه البخاريّ.
قال الواقديّ: أول سرايا زيد إلى الْقَرَدة، ثم إلى الجموم، ثم إلى العِيص، ثم إلى الطَّرَف، ثم إلى حِسْمَى، ثم إلى أم قرفة، ثم تأميره على غزوة مؤتة، واستُشهد فيها، وهو ابن خمس وخمسين سنة، ولم يقع في القرآن تسمية
[ ٣٨ / ٧٠٦ ]
أحد باسمه إلا هو باتفاق، ثم السِّجِلّ إن ثبت (^١).
وعن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: قال رسول الله لزيد بن حارثة: "يا زيد أنت مولاي، ومني، وإليّ، وأحب الناس إليَّ"، أخرجه ابن سعد بإسناد حسن، وهو عند أحمد مطوّل.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "وايمُ الله إن كان لخليقًا للإمارة -يعني: زيد بن حارثة- وإن كان لَمِن أحب الناس إليّ"، أخرجه البخاريّ.
وروى الترمذيّ وغيره من حديث عائشة -﵂ - قالت: "قَدِم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله -ﷺ- في بيتي، فأتاه، فقرع الباب، فقام إليه، حتى اعتنقه، وقبله".
وعن ابن عمر: فرض عُمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته، فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله -ﷺ- منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله -ﷺ- من أبيك، صحيح.
وعن زيد بن حارثة رواية في "الصحيح"، عن أنس عنه في قصة زينب بنت جحش، رَوَى عنه أنس، والبراء بن عازب، وابن عباس، وابنه أسامة بن زيد، وأرسل عنه جماعة من التابعين. انتهى ملخّصًا من الإصابة" (^٢).
وأما أسامة -﵁ -، فهو: أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، وتقدّم ذِكر نَسَبه في نَسَب أبيه، الكلبيّ الْحِبّ ابن الْحِبّ، يكنى أبا محمد، ويقال: أبو زيد، وأمه أم أيمن حاضنة النبيّ -ﷺ-.
قال ابن سعد: وُلد أسامة في الإسلام، ومات النبيّ -ﷺ-، وله عشرون سنةً، وقال ابن أبي خيثمة: ثماني عشرة، وكان أمَّره على جيش عظيم، فمات النبيّ -ﷺ- قبل أن يتوجه، فأنفذه أبو بكر، وكان عمر يُجلّه، ويكرمه، وفضّله في العطاء على ولده عبد الله بن عمر، واعتزل أسامة الفتن بعد قَتْل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سكن الْمِزَّةَ مِن عمل دمشق، ثم رجع،
_________________
(١) هذا لا يثبت.
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٨.
[ ٣٨ / ٧٠٧ ]
فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالْجُرُف، وصحح ابن عبد البر أنه مات سنة أربع وخمسين.
وقد رَوى عن أسامة من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس، ومن كبار التابعين: أبو عثمان النَّهْديّ، وأبو وائل، وآخرون، وفضائله كثيرة، وأحاديثه شهيرة. انتهى من "الإصابة" (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٤٢] (٢٤٢٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
قال الشَيْخُ أَبُوأَحْمَدَ، مُحَمَّدُ بْنُ عِيْسَى: أَخْبَرَنَا أَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيْرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ، بِهَذَا الحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ -بتشديد التحتانية - المدني نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عياش الأسديّ، مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] لم يصح أن ابن معين لَيّنه، مات سنة (١٤١)، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أوأبو عبد الله المدنيّ، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄-، تقدّم قريبًا.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
[ ٣٨ / ٧٠٨ ]