هي: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ القرشيّة الأسديّة، زوج النبيّ -ﷺ-، وأول من صدَّقت ببعثته مطلقًا، قال الزبير بن بكار: كانت تدعى قبل البعثة: الطاهرة، وأمها: فاطمة بنت زائدة، قرشية من بني عامر بن لؤيّ، وكانت عند أبي هالة بن زرارة بن النباش بن عديّ التميميّ أوّلًا، ثم خَلَف عليها بعدَ أبي هالة: عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم خَلَف عليها رسول الله -ﷺ-، هذا قول ابن عبد البرّ، ونَسَبه للأكثر، وعن قتادة عَكْس هذا، إن أول أزواجها عتيق، ثم أبو هالة، ووافقه ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه، وهكذا في كتاب النَّسَب للزبير بن بكار، لكن حكى القول الأخير أيضًا عن بعض الناس، وكان تزويج النبيّ -ﷺ- خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت موسرةً، وكان سبب رغبتها فيه ما حكاه لها غلامها ميسرة، مما شاهده من علامات النبوة قبل البعثة، ومما سمعته من بَحِيرا الراهب في حقه -ﷺ- لمّا سافر معه ميسرة، في تجارة خديجة، وولدت من رسول الله -ﷺ- أولاده كلهم، إلا إبراهيم.
وقد ذكرت عائشة -﵂- في حديث بدء الوحي ما صنعته خديجة من تقوية قلب النبيّ -ﷺ- لتلقّي ما أنزل الله عليه، فقال لها: "لقد خَشِيتُ على نفسي"، فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، وذَكَرَتْ خصاله الحميدة، وتوجهت به إلى ورقة، وهو في "الصحيح"، وقد ذكره ابن إسحاق، فقال: وكانت خديجة
[ ٣٩ / ٥ ]
أول من آمن بالله، ورسوله، وصدَّق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله -ﷺ-، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من الردّ عليه، فيرجع إليها إلا تثبّته، وتهوّن عليه أمر الناس.
وذكر الواقدي منِ حديث نفيسة أخت يعلى بن أمية قالت: كانت خديجة ذات شرف وجمال، فذَكَر قصة إرسالها إلى النبيّ -ﷺ-، وخروجه في التجارة لها إلى سوق بُصْرَى، فربح ضَعف ما كان غيره يربح، قالت نفيسة: فأرسلتني خديجة إليه دسيسًا أَعْرِض عليه نكاحها، فقَبِل، وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنةً، فولدت له القاسم، وعبد الله، وهو الطيب، وهو الطاهر، سُمِّي بذلك؛ لأنها ولدته في الإسلام، وبناته الأربع.
وقد أسند الواقديّ أيضًا قصة تزويج خديجة من طريق أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى، قالت: كانت خديجة امرأة شريفةً، جَلْدةً، كثيرة المال، ولمّا تأيّمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما أن سافر النبيّ -ﷺ- في تجارتها، ورجع بربح وافر رغبت فيه، فأرسلتني دسيسًا إليه، فقلت له: ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال: "ما في يدي شيء"، فقلت: فإن كُفيت، ودُعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: "ومن؟ " قلت: خديجة فأجاب.
ماتت خديجة -﵂- قبل الهجرة بثلاث سنين، على الصحيح، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، وقالت عائشة: ماتت قبل أن تُفرض الصلاة؛ يعني: قبل أن يُعرج بالنبيّ -ﷺ-، ويقال: كان موتها في رمضان، وقال الواقديّ: توفيت لعشر خلون من رمضان، وهي بنت خمس وستين سنة، ثم أسند من حديث حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة، بعد خروج بني هاشم من الشِّعْب، ودُفنت بالحجون، ونزل النبيّ -ﷺ- في حفرتها، ولم تكن شُرعت الصلاة على الجنائز. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: كانت خديجة -﵂- تُدعى في الجاهلية: الطاهرة، تزوَّجها رسول الله -ﷺ- قبل النبوة ثيّبًا بعد زواج زوجين: أبي هالة؛ هند بن
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ٩٩ - ١٠٣.
[ ٣٩ / ٦ ]
النباش التميميّ، فولدت له هندًا، وعتيقِ بن عائذ المخزوميّ، ثم تزوَّجها رسول الله -ﷺ-، وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وتُوفيت، وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسول الله -ﷺ- إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، وهو قول الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم؛ فقيل: لم تلد له ذكرًا غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب والطاهر: اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم.
ومات القاسم بمكة صغيرًا. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة، ولم يكن للنبيّ -ﷺ- ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بنات النبيّ -ﷺ- كلهن قبل موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر.
وكانت خديجة -﵂- امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبيّ -ﷺ-، وأنه -ﷺ- نُبِّئ يوم الإثنين، فصلّت آخر ذلك اليوم، وكانت عونًا للنبيّ -ﷺ- على حاله كله، وردءًا له تثبِّتُه على أمره، وتصدّقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مُهاجَر النبيّ -ﷺ- إلى المدينة بسبع سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها -إن شاء الله تعالى- وتوفيت هي وأبو طالب -عم رسول الله -ﷺ-- في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون. انتهى (^١).
[٦٢٥١] (٢٤٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣١٣ - ٣١٤.
[ ٣٩ / ٧ ]
وَأَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ"، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و"أَبُو مُعَاوِيَةَ" هو: محمد بن خازم الضرير.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هشام عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ هو عمّه، عبد الله بن جعفر عن عليّ -﵃-.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرِ) بن أبي طالب، ووقع عند عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ لتصريح عبدة في هذه الرواية بسماع عروة عن عبد الله بن جعفر، قاله في "الفتح" (^١).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢١، كتاب "الفضائل" رقم (٣٨١٥).
[ ٣٩ / ٨ ]
(يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالب -﵁-، قال في "الفتح": اتفق أصحاب هشام على ذكر عليّ فيه، وقصر به محمد بن إسحاق، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن النبيّ -ﷺ-، أخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، لكن بلفظ مغاير لهذا اللفظ، فالظاهر أنهما حديثان. انتهى (^١).
(بِالْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، وسكون الواو: مدينة مشهورة بالعراق، قيل: سُمّيت كوفة؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٢).
وقال في "التاج": الكُوفَةُ بالضَّمِّ: الرَّمْلَةُ الحمْراءُ المُجْتَمِعةُ، وقِيلَ: المُسْتَدِيرةُ، أَو كلُّ رَمْلَةٍ تُخالِطُها حصْباءُ، أَو الرَّمْلَة ما كانتْ، والكُوفَةُ: مَدِينَةُ العِراقِ الكُبْرى، وهي قُبَّةُ الإِسلام، ودارُ هِجرَةِ المُسْلِمِينَ، قيل: مَصَّرَها سعْدُ بن أَبي وقّاصٍ، وكانَ قبل ذلك مَنْزَلَ نُوحٍ -﵇-، وبَنَى مَسْجِدَها الأَعظَم، واختُلِفَ في سَبَب تَسْمِيَتِها، فقِيلَ: سُمِّيَتْ؛ لاسْتِدارتِها، وقِيل: بسبَب اجْتِماعِ الناسِ بها، وقِيلَ: لكَوْنِها كانتْ رَملَةً حمْراءَ، أَو لاخْتِلاطِ تُرابِها بالحَصَى، ويقال لها أيضًا: كُوفانُ بالضم، ويُفتح، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: كُوفانُ: اسمٌ للكُوفَةِ، وبها كانَتْ تُدْعَى قبلُ، وقال الكِسائيُّ: كانَت الكُوفَةُ تُدْعَى كُوفانَ، ويُقالُ لها أيضًا: كُوفَةُ الجُنْدِ؛ لأنّه اخْتُطَّتْ فيها خِطَطُ العربِ أَيّامَ عُثْمانَ -﵁-، ويقال: أَيامَ عُمرَ -﵁- خَطَّطَها -أَي: تَولَّى تَخْطِيطَها- السائِبُ بنُ الأَقْرَع بنِ عوْفٍ الثَّقَفِيُّ -﵁-، وهو الذي شَهد فتحُ نَهاوَنْدَ مع النُّعمانِ بنِ مُقَرِّنٍ، وقد ولِيَ أَصبهانَ أيضًا، وبها ماتَ وعَقِبُه بها، أَو سُمِّيَتْ بِكُوفانَ، وهو جُبَيْلٌ صَغِيرٌ، فسَهَّلُوهُ، واخْتَطُّوا علَيْهِ، أَو مِنَ الكَيْفِ، وهو القَطْعُ؛ لأَنَّ أَبْرَوِيزَ أَقْطَعَه لبَهْرامَ، أَو لأَنَّها قِطْعَةٌ من البلادِ، والأَصلُ كُيْفَة، فلمّا سَكَنَت الياءُ، وانْضَمَّ ما قَبْلَها جُعِلَتْ واوًا، أَو هي من قوْلهم: هُمْ في كُوفانٍ بالضّمِّ، وكَوَّفانٍ مُحَرَّكَةً مشَدَّدَةَ الواوِ؛ أَي: في عِزٍّ ومَنَعَةٍ، أَو لأَنَّ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢١، كتاب "الفضائل" رقم (٣٨١٥).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٤.
[ ٣٩ / ٩ ]
جَبَل ساتِيدَمَا مُحيطٌ بها، كالكافِ، أَو لأَنَّ سَعْدًا؛ أَي: ابنُ أَبي وقّاصٍ -﵁- لَمّا أَراد أَنْ يبْنِيَ الكُوفَةَ ارْتادَ هذهِ المَنْزِلَةَ للمُسْلِمينَ، قال لهمُ: تَكَوَّفُوا في هذا المكانِ؛ أَي: اجْتَمِعُوا فيه، أَو لأَنَّه قالَ: كَوِّفُوا هذه الرَّمْلَةَ؛ أَي: نَحُّوها، وانْزِلُوا. انتهى باختصار (^١).
(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ)؛ أي: نساء أهل الدنيا في زمانها، وليس المراد أن مريم خير نسائها؛ لأنه يصير كقولهم: زيد أفضل إخوانه، وقد صرَّحوا بمنعه، فهو كما لو قيل: فلان أفضل الدنيا، وقد رواه النسائيّ من حديث ابن عباس -﵄- بلفظ: "أفضل نساء أهل الجنة"، فعلى هذا فالمعنى: خير نساء أهل الجنة مريم، وفي رواية: "خير نساء العالمين"، وهو كقوله تعالى: ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وظاهره أن مريم أفضل من جميع النساء، وهذا لا يمتنع عند من يقول: إنها نبيّة، وأما من قال: ليست بنبيّة، فيحمله على عالَمِي زمانها، وبالأول جزم الزجاج، وجماعة، واختاره القرطبيّ، ويَحْتَمِل أيضًا أن يراد نساء بني إسرائيل، أو نساء تلك الأمة، أو "مِنْ" فيه مضمرة، والمعنى أنها من جملة النساء الفاضلات، ويدفع ذلك حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- الآتي بعده بصيغة الحصر: أنه لم يكمل من النساء غيرها، وغير آسية (^٢).
(وَخَيْرُ نِسَائِهَا)؛ أي: نساء هذه الأمة (خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ") قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: خديجة أفضل نساء الأمة مطلقًا لهذا الحديث، وقد تقدم في آخر قصة موسى حديث أبي موسى في ذِكر مريم وآسية، وهو يقتضي فضلهما على غيرهما من النساء، ودل هذا الحديث على أن مريم أفضل من آسية، وأن خديجة أفضل نساء هذه الأمة، وكأنه لم يتعرض في الحديث الأول لنساء هذه الأمة حيث قال: "ولم يكمل من النساء"؛ أي: من نساء الأمم الماضية، إلا إن حملنا الكمال على النبوة فيكون على إطلاقه، وعند النسائي
_________________
(١) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٦١٠٨ - ٦١٠٩.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٤ - ٥٦، كتاب "الفضائل" رقم (٣٤٣٢).
[ ٣٩ / ١٠ ]
بإسناد صحيح عن ابن عباس: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية"، وعند الترمذي بإسناد صحيح عن أنس: "حسبك من نساء العالمين" فَذَكرهن، وللحاكم من حديث حذيفة؛ أن رسول الله -ﷺ- أتاه ملَك فبشّره أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (^١).
(قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال النوويّ -﵀-: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في "نسائها"، وأن المراد به جميع نساء الأرض؛ أي: كل من بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أن معناه: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن المراد: أنهما من خير نساء الأرض، والصحيح الأول. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ: قوله: "خير نسائها مريم. . . إلخ" هذا الضمير عائد على غير مذكور؛ لكنه تفسّره الحال والمشاهدة؛ يعني به: الدنيا، وفي رواية: وأشار وكيع إلى السماء والأرض -يريد الدُّنيا- كأنه يفسر ذلك الضمير، فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم، الذي قال فيه: "خير نساء العالمين: مريم". ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي: أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صدّيقة ونبيّة بلَّغتها الملائكةُ الوحي عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك؛ كما بلَّغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبيَّة، وهذا أَولى مِن قول من قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت ذلك، ولم يُسمع في الصحيح أن في النساء نبئة غيرها فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين؛ إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه
_________________
(١) "فتح الباري" ٧/ ١٣٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٩٨.
[ ٣٩ / ١١ ]
موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "سيدة نساء العالمين: مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية" (^١)، وهذا حديث حسن، رافع لإشكال هذه الأحاديث.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب الحافظ قول القرطبيّ -﵀-: حديث حسنٌ، فقال ما حاصله: هذا الحديث الدال على الترتيب ليس بثابت، وأصله عند أبي داود، والحاكم بغير صيغة ترتيب. انتهى.
قال: فأمَّا من يرى: أن مريم صدّيقة، وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان:
أحدهما: أن معناها: أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم زمانها، وسيدة وقتها.
وثانيهما: أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم، وإن كنَّ في أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورُتَب متفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة، قال: ولهذا كرر الكلام تنبيهًا على أن حُكم كل واحدة منها غير حكم الأخرى.
قال الحافظ: ووقع عند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث: "وأشار وكيع إلى السماء والأرض"، فكأنه أراد أن يبيّن أن المراد: نساء الدنيا، وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا، وبهذا جزم القرطبيّ أيضًا.
وقال الطيبيّ: أراد أنهما خيرُ مَن تحت السماء وفوق الأرض من النساء، قال: ولا يستقيم أن يكون تفسيرًا لقوله: "نسائها"؛ لأن هذا الضمير لا يصلح أن يعود إلى السماء، كذا قال، ويَحْتَمِل أن يريد أن الضمير الأول يرجع إلى
_________________
(١) رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، و"الكبير" بنحوه. راجع: "مجمع الزوائد" ٩/ ٢٠١.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣١٥ - ٣١٦.
[ ٣٩ / ١٢ ]
السماء، والثاني إلى الأرض إن ثبت أن ذلك صدر في حياة خديجة، وتكون النكتة في ذلك أن مريم ماتت، فعُرج بروحها إلى السماء، فلمّا ذَكَرها أشار إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاك في الحياة، فكانت في الأرض، فلما ذكرها أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجة، فالمراد أنهما خير من صُعِد بروحهنّ إلى السماء، وخير من دُفِن جسدهنّ في الأرض، وتكون الإشارة عند ذِكر كل واحدة منهما.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قوله: "خير نسائها" خبر مقدَّم، والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نسائها؛ أي: نساء زمانها، وكذا في خديجة.
وقد جزم كثير من الشراح أن المراد: نساء زمانها؛ لحديث أبي موسى -﵁- الآتي بعد هذا، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية"، فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية، كما أثبته لمريم، فامتنع حمل الخيرية في هذا الحديث على الإطلاق.
وقد جاء ما يفسِّر المراد صريحًا، فروى البزار، والطبرانيّ من حديث عمار بن ياسر -﵄- رفعه: "لقد فُضِّلت خديجة على نساء أمتي، كما فُضِّلت مريم على نساء العالمين"، وهو حديث حسن الإسناد (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٥١] (٢٤٣٠)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٤٣٢) و"الفضائل" (٣٨١٥)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٧٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧/ ٤٩٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٤ و١٣٢ و١٤٣) وفي "الفضائل" (٢/ ٨٤٧)، (وابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٣٨٠ و٣٨١)، و(البزّار) في "مسنده"
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢١ - ٥٢٢، كتاب "الفضائل" رقم (٣٨١٥).
[ ٣٩ / ١٣ ]
(٢/ ١١٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٣٩٩ و٤٥٥)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٢٠٣)، و(اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة" (٨/ ١٤٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين -﵂-.
٢ - (ومنها): بيان فضل مريم -﵍-.
٣ - (ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة -﵄-، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك؛ لأنها كان لها عند موت خديجة ثلاث سنين، فلعل المراد: النساء البوالغ، قال الحافظ: كذا قال، وهو ضعيف، فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ، ومن لم تَبْلُغ، وأعم ممن كانت موجودة، وممن ستوجد، وقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا: "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية"، وهذا نصّ صريح، لا يَحْتَمِل التأويل.
٤ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": وقد يتمسك بحديث الباب من يقول: إن مريم ليست بنبيّة؛ لتسويتها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبيّة بالاتفاق.
والجواب: أنه لا يلزم من التسوية في الخيرية التسوية في جميع الصفات، وقد استدلّ من قال بنبوة مريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وليس بصريح في ذلك، وأيّده بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم، ولا يمنع وصفها بأنها صدّيقة، فقد وُصِف يوسف بذلك، وقد نُقل عن الأشعريّ أن في النساء عدّة نبيات، وحصرهنّ ابن حزم في ستّ: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، وأسقط القرطبيّ سارة، وهاجر، ونقله في "التمهيد" عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ، وقال عياض: الجمهور على خلافه، ونقل النوويّ في "الأذكار" أن الإمام نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيةً، وعن الحسن: ليس في النساء نبية، ولا في
[ ٣٩ / ١٤ ]
الجنّ، وقال السبكي الكبير: لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله السهيليّ في آخر "الروض" عن أكثر الفقهاء، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: إني أتعجّب من الاختلاف المذكور -أعني: في نبوّة مريم، وغيرها من النساء- فإنهم إن أرادوا بالوحي إرسال الله تعالى الملَك إليهنّ، فهذا مما لا مجال للاختلاف فيه؛ لظواهر النصوص؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقوله -﷿-: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]، واضح في ذلَك، وقوله -﷿-: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود: ٧٣]، وغير ذلك من الآيات، فإنها نصوص صريحة واضحة إلى هؤلاء النساء.
وإن أرادوا بالنبوّة: النبوّة بإرشاد الخلق، وهدايتهم، فهذا مما لا يدلّ عليه نصّ الكتاب والسُّنَّة، فلا ينبغي أن يُختلف فيه.
والحاصل: أن وحي الله -﷿- إلى بعض النساء ببعض الأمور التكلفيّة، أو بالبشارة، ونحو ذلك مما لا يُتوقّف في صحته، فمن هذه الجهة القول بنبوّة بعضهنّ صحيح، وأما الوحي بما يتعلّق بإرشاد الناس، وقيادتهم بالشريعة، فهذا غير ثابت، فلا يصحّ القول به؛ لأنه مما لم يُنزل به الله تعالى من سلطان، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٢] (٢٤٣١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٤.
[ ٣٩ / ١٥ ]
رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ").
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- أبو إسماعيل الكوفيّ هو الذي يقال له: مُرّة الطّيّب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (٧٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥.
٣ - (أَبُو مُوسَى) عبد بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، وقد تقدّم قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ) قال في "الفتح": مُرّة والد عمرو غير مُرَّة شيخه، وهو عمرو بن مرّة بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المرادي ثقة عابد، من صغار التابعين، وأما شيخه مرة فهو ابن شَرَاحيل مخضرمٌ، ثقةٌ عابدٌ أيضًا، من كبار التابعين، ويقال له: مرّة الطّيّب، ومرّة الخير. انتهى (^١).
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٤، كتاب "الأنبياء" رقم (٣٤١١).
[ ٣٩ / ١٦ ]
رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (كَمَلَ) بتثليث الميم، قال الفيّوميّ -﵀-: كَمَلَ الشيءُ كُمُولًا، من باب قَعَدَ، والاسم الكَمَالُ، ويستعمل في الذوات، وفي الصفات، يقال: كَمَلَ: إذا تمّت أجزاؤه، وكَمَلَت محاسنه، وكَمَل الشهرُ؛ أي: كمل دوره، وتَكَامَلَ تَكَامُلًا، واكتَمَلَ اكتِمَالًا، وكَمَلَ من أبواب: قَرُب، وضَرَب، وتَعِبَ أيضًا، لغاتٌ، لكن باب تَعِبَ أردؤها. انتهى (^١).
(مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) قال في "العمدة": المراد من الكمال: التناهي في جميع فضائل الرجال (^٢).
وقال القاضي عياض -﵀- في "المشارق": كمل؛ أي: انتهى في الفضل نهاية التمام والكمال، دون نقص، وقيل: كمل في العقل؛ إذ قد وُصف النساء بنقص ذلك. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "كَمَل من الرجال كثير. . . إلخ" الكمال: هو التناهي والتمام، ويقال في ماضيه: "كَمُل" بفتح الميم، وضمها (^٤)، ويكمُل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق: إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء، ثم تليهم الأولياء؛ ويعني بهم: الصدّيقين والشهداء والصالحين.
وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكورد في الحديث يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبيَّة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية، فلم يَرِد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة، بل على صدّيقيتها وفضيلتها، فلو صحَّت لها نبوّتها لَمَا كان في الحديث إشكال، فإنَّه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبيّ إلا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فضلاء النساء صدّيقات لا نبيَّات، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤١.
(٢) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٠٩.
(٣) "مشارق الأنوار" ١/ ٣٤٢.
(٤) تقدّم أنه مثلّث الميم، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.
[ ٣٩ / ١٧ ]
والأَوْلى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نَوْعَي الكمال وُجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه -ﷺ- أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصة، فإنَّه فضّلها على سائر النساء، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة، وهنَّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية؛ فإنَّهن أفضل من عائشة، بدليل أحاديث الباب، وبهذا يصحُّ الجمع، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى. انتهى (^١).
(وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ) قال في "الفتح": استُدِلّ بهذا الحصر على أنهما نبيّتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ثم الأولياء، والصديقون، والشهداء، فلو كانتا غير نبيّتين لَلَزم ألا يكون في النساء وليّة، ولا صدّيقة، ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهنّ موجودة، فكأنه قال: ولم ينبّأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصدّيقية، أو الولاية، أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح؛ لوجود ذلك في غيرهنّ، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، والله أعلم.
وعلى هذا فالمراد مَنْ تقدَّم زمانه -ﷺ-، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة -﵂- على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لِمَا فيه من تيسير المؤنة، وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى.
[تنبيه]: إنما أورد مسلم هذا الحديث في ترجمة خديجة -﵂-، وإن لم يكن فيه ذِكرها، إشارة إلى ما ورد من زيادتها في بعض الروايات (^٢)، فقد ورد
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٣١ - ٣٣٢.
(٢) فلا حاجة لِمَا قاله بعض الشرّاح من استبعاده ذِكْره هنا. راجع: "شرح الشيخ الهرريّ" ٢٣/ ٥٢٨.
[ ٣٩ / ١٨ ]
في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: "ومريم ابنة عمران": "وخديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد"، أخرجه الطبرانيّ عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة بالسند المذكور هنا، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة عمرو بن مرة أحد رواته عند الطبرانيّ بهذا الإسناد، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" من طريق عمرو بن مرزوق به، وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة على غيرهما، وذلك فيما سبق في قصة مريم من حديث عليّ -﵁- بلفظ: "خير نسائها خديجة".
وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وأبو داود، في "كتاب الزهد"، والحاكم كلهم من طريق موسى بن عقبة، عن غريب، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون"، وله شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- في "الأوسط" للطبرانيّ، ولأحمد في حديث أبي سعيد -﵁-، رفعه: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران"، وإسناده حسن، فإن ثَبَت ففيه حجة لمن قال: إن آسية امرأة فرعون ليست نبيّة، وأخرج البخاريّ في مناقب فاطمة -﵂- قوله -ﷺ- لها: "إنها سيدة نساء أهل الجنة".
قال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، وأما آسية فلم يَرِد ما يدل على نبوّتها، وقال الكرمانيّ: لا يلزم من لَفْظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يُطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد: بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على عدم نبوّة النساء، كذا قال، وقد نُقل عن الأشعريّ أن من النساء من نُبّئ، وهنّ ست: حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملَك عن الله بحكم من أمر، أو نهي، أو بإعلام، فهو نبيّ، وقد ثبت مجيء الملَك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله -﷿-، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهنّ في القرآن.
وذكر ابن حزم في "الملل والنحل" أن هذه المسألة لم يحدث التنازع
[ ٣٩ / ١٩ ]
فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالًا، ثالثها الوقف، قال: وحجة المانعين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية [يوسف: ١٠٩] قال: وهذا لا حجة فيه، فإن أحدًا لم يدّع فيهنّ الرسالة، وإنما الكلام في النبوة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم، وفي قصة أم موسى ما يدلّ على ثبوت ذلك لها، من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك، قال: وقد قال الله تعالى بعد أن ذَكر مريم والأنبياء بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [مريم: ٥٨]، فدخلت في عمومه والله أعلم.
ومن فضائل آسية امرأة فرعون: أنها اختارت القتل على المُلْك، والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى -﵇- صادقة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ [القصص: ٩] (^١).
(وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ) -﵂- (عَلَى النِّسَاءِ) الظاهر أنه أراد نساء النبيّ -ﷺ-، قال في "الفتح": هذا لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيّدة بنساء النبيّ -ﷺ- حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة -﵍- جمعًا بين هذا الحديث، وبين حديث: "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة. . ." الحديث، وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ، من حديث ابن عباس، وكذلك حديث عليّ -﵁- مرفوعًا: "خير نسائها خديجة" (^٢)، وقد تقدّم.
(كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ") الثريد: الخبز الْمُفَتَّت في المرق وغيره، وهو طعام سريع الهضم، كثير النفع، كما أن الصدّيقة -﵂- كثيرة النفع للأمة بحسب العلم والفتيا (^٣).
وقال في "العمدة": هو مِن ثردت الخبز ثردًا: إذا كسرته فهو ثريد، ومثرود، والاسم: الثُّردة بالضم، والثريد غالبًا لا يكون إلا باللحم، وقال ابن
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٦، كتاب "الأنبياء" رقم (٣٤١١).
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٧٨، رقم (٣٧٦٩).
(٣) "شرح سنن ابن ماجه" ١/ ٢٣٦.
[ ٣٩ / ٢٠ ]
الأثير: قيل: لم يُرِدْ عين الثريد، وإنما أراد الطعام المتخذ من اللحم والثريد معًا؛ لأن الثريد غالبًا لا يكون إلا من اللحم، والعرب قلّما تجد طبيخًا، ولا سيّما بلحم (^١).
وقال القرطبي -﵀-: وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته، وسهولة إساغته، وعظيم بركته؛ ولأنه كان جلَّ أطعمتهم، وألذَّها بالنسبة لهم ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
وقوله: (عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ")؛ أي: باقيه، قال ابن الأثير -﵀-: والسائر مهموزًا: الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت في هذه اللفظة، في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء. انتهى (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "كفضل الثريد على سائر الطعام" قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق، فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة: نَفْعه، والشِّبَع منه، وسهولة مساغه، والالتذاذ به، وتيسر تناوله، وتمكّن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة، وغير ذلك، فهو أفضل من المرق كله، ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية؛ لاحتمال أن المراد: تفضيلها على نساء هذه الأمة. انتهى (^٤).
وقال الطيبيّ -﵀-: لم يعطف عائشة -﵂- على آسية، لكن أبرز الكلام في صورة جملة مستقلّة؛ تنبيهًا على اختصاصها بما امتازت به على سائرهنّ، ونحوُهُ في الأسلوب قوله -ﷺ-: "حُبّب إليّ من الدنيا: الطيب، والنساء، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة" (^٥).
وقال التوربشتيّ -﵀-: قيل: إنما مثّل الثريد؛ لأنه أفضل طعام العرب،
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٠٩.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٣٢.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ٣٢٧.
(٤) "شرح النوويّ" ٥/ ١٩٩.
(٥) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم.
[ ٣٩ / ٢١ ]
ولا يَرَوْن في الشبع أغنى غناءً منه، وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طُبخ بلحم، ورُوي: "سيد الطعام اللحم"، فكأنها فُضّلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه: أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء، واللذة، والقوّة، وسهولة التناول، وقلة المؤونة في المضغ، وسرعة المرور في المريء، فضَرب به مَثَلًا؛ ليؤذِن بأنها أُعطيت مع حسن الْخَلْق والْخُلُق، وحلاوة النطق فصاحةَ اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل، والتحدث، والاستئناس بها، والإصغاء إليها، وحسبك أنها عَقَلت عن النبيّ -ﷺ- ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرجال.
ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم، وألذّها قول الشاعر [من الوافر]:
إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأَدِمُهُ (^١) بِلَحْمٍ … فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ (^٢)
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٥٢] (٢٤٣١)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٤١١ و٣٤٣٣) و"الفضائل" (٣٧٦٩ و٣٧٧٠) و"الأطعمة" (٥٤١٨ و٥٤١٩)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٨٧)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٧/ ٦٨) و"فضائل الصحابة" (٢٤٨ و٢٧٥)، و(ابن ماجه) في "الأطعمة" (٣٢٨٠ و٣٢٨١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٧٩ و٣٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٤ و٤٠٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٤٨٦)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٩٨)، و(الطبرانيّ) في
_________________
(١) من باب ضرب.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٣٦٢١ - ٣٦٢٢.
[ ٣٩ / ٢٢ ]
"الكبير" (٢٣/ ١٠٩ و١١٠ و١١١ و١١٢) وفي "الصغير" (٢٦٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٦٧٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١١٣ و٧١١٤ و٧١١٥)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن نوع الذكر أفضل من نوع الأنثى، حيث كمل منهم كثير، ولم يكمل منهن إلا قليل.
٢ - (ومنها): بيان فضل مريم، وآسية -﵉-.
٣ - (ومنها): بيان فضل عائشة -﵂- على النساء حيث شُبّهت بأفضل الطعام، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال:
[٦٢٥٣] (٢٤٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ، قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا -﷿-؛ وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ في رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فضيل بن غَزْوان تقدّم قريبًا.
٢ - (عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرمة -بضم الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة ساكنة- الضَّبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
٣ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله الْبَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد الله بن نمير.
[ ٣٩ / ٢٣ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) الْبَجَليّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: أتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ -ﷺ-) في رواية سعيد بن كثير عند الطبرانيّ أن ذلك كان بحراء.
[تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، وهو حجة عند الجماهير، كما سبق، وخالف فيه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ؛ لأن أبا هريرة لم يدرك أيام خديجة -﵂-، فهو محمول على أنه سمعه من النبيّ -ﷺ-، أو من صحابيّ آخر، ولم يذكر أبو هريرة هنا سماعه من النبيّ -ﷺ-.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لم يُدرك أيام خديجة" أراد به الإشارة المعروفة عند أهل الحديث، وهي أن كلّ من حكى قصّة، أو واقعة حضرها، فهو موصول، وكلّ من حكى قصّة، أو واقعة لم يحضرها فإنه منقطع، وذلك مثل ما هنا، فإن أبا هريرة -﵁- ما لقي النبيّ -ﷺ- إلا في المدينة عام خيبر، وقصّة خديجة -﵂- كانت في مكّة قبل الهجرة، وإلى هذا أشار السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الأثر" حيث قال:
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى (^١)
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ، قَدْ أَتَتْكَ)؛ أي: توجّهت إليك، وقوله: (مَعَهَا إِنَاءٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (فِيهِ إِدَامٌ) جملة في محلّ رفع صفة لـ "إناءٌ"، وقوله: (أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ) "أو" فيهما لكلِّ من الراوي، وفي رواية الإسماعيليّ: "فيه إدام، أو طعام، وشراب"، وفي رواية سعيد بن كثير المذكورة عند الطبرانيّ: "أنه كان حَيْسًا". (فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ)؛ أي: وصَلَت إليك، (فَاقْرَأْ) بوصل الهمزة؛ لأنه أمْر من الثلاثيّ، متعدّ إلى الثاني بـ "على"، يقال: قرأت السلام عليه، ولا يتعدّى إليه بنفسه، وإنما يتعدّى
_________________
(١) راجع: "شرحي للألفيّة المذكور" ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
[ ٣٩ / ٢٤ ]
بالهمزة، فيقال: أقرأته السلامَ، قال الفيّوميّ -﵀-: وقرأت على زيد السلامَ أَقْرَؤُهُ عليه قِرَاءَةً، وإذا أمَرت منه قلت: اقْرَأْ ﵇، قال الأصمعيّ: وتَعْديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأْهُ السلامَ؛ لأنه بمعنى: اتْلُ عليه، وحكى ابن القطاع أنه يتعدى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرئك السلامَ. انتهى (^١).
(﵍ مِنْ رَبِّهَا -﷿-، وَمِنِّي) زاد الطبرانيّ في الرواية المذكورة: "فقالت: هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام"، وللنسائيّ من حديث أنس قال: "قال جبريل للنبيّ -ﷺ-: إن الله يُقرئ خديجةَ السلامَ -يعني: فأخبِرها- فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام، ورحمة الله، وبركاته"، زاد ابن السنيّ من وجه آخر: "وعلى من سمع السلام، إلا الشيطان".
قال العلماء (^٢): في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل: وعليه السلام، كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد: السلام على الله، فنهاهم النبيّ -ﷺ-، وقال: "إن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله"، فعَرَفت خديجة؛ لصحة فهمها أن الله لا يُرَدّ ﵇، كما يردّ على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضًا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يردّ به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول: السلام عليكم، والسلام اسمه، ومنه يُطلب، ومنه يَحصل، فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه، فجَعَلت مكان ردّ السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله، وما يليق بغيره، فقالت: "وعلى جبريل السلام"، ثم قالت: "وعليك السلام"، ويستفاد منه ردّ السلام على من أرسل السلام، وعلى من بلّغه، والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها، فردّت عليه، وعلى النبيّ -ﷺ- مرتين: مرةً بالتخصيص، ومرةً بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع؛ لأنه لا يستحق الدعاء بذلك.
قيل: إنما بلَّغها جبريل -﵇- من ربها بواسطة النبيّ -ﷺ- احترامًا للنبيّ -ﷺ-،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٢.
(٢) راجع: "الفتح" ٨/ ٥٢٨ - ٥٢٩، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢٠).
[ ٣٩ / ٢٥ ]
وكذلك وقع له لمّا سَلَّم على عائشة لم يواجهها بالسلام، بل راسلها مع النبيّ -ﷺ-، وقد واجه مريم بالخطاب، فقيل: لأنها نبية، وقيل: لأنها لم يكن معها زوج يُحترم معه مخاطبتها.
قال السهيليّ: استدلّ بهذه القصة أبو بكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلّم عليها جبريل من قِبَل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها.
وزعم ابن العربيّ أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، وردّ بأن الخلاف ثابت قديمًا، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بهذا، وبما تقدم، ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث ابن عباس -﵄-، رفعه: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد".
قال السبكيّ الكبير: لعائشة -﵂- من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره، وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، واستدلّ لفضل فاطمة بما تقدم في ترجمتها أنها سيدة نساء المؤمنين.
قال الحافظ: وقال بعض من أدركناه: الذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أَولى، وأن لا نفضّل إحداهما على الأخرى.
وسئل السبكي: هل قال أحد: إن أحدًا من نساء النبيّ -ﷺ- غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: قال به من لا يُعْتَدّ بقوله، وهو مَنْ فضّل نساء النبيّ -ﷺ- على جميع الصحابة -﵃-؛ لأنهن في درجته في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود. انتهى.
قال الحافظ: وقائله هو أبو محمد بن حزم، وفساده ظاهر، قال السبكيّ: ونساء النبيّ -ﷺ- بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل، وهنّ أفضل النساء؛ لقول الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، ولا يستثنى من ذلك إلا من قيل: إنها نبيةٌ، كمريم، والله أعلم.
ومما نبَّه عليه أنه وقع عند الطبرانيّ من رواية أبي يونس، عن عائشة؛
[ ٣٩ / ٢٦ ]
أنها وقع لها نظير ما وقع لخديجة من السلام والجواب، وهي رواية شاذّةٌ، والعلم عند الله تعالى. انتهى (^١).
(وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ) -بفتح القاف، والصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوّفة واسعة؛ كالقصر المنيف، وعند الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أخرى، عن ابن أبي أوفى: "يعني: قصب اللؤلؤ"، وعنده في "الكبير" من حديث أبي هريرة: "بيت من لؤلؤة مجوّفة"، وأصله في مسلم، وعنده في "الأوسط" من حديث فاطمة: "قالت: قلت: يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا، من القصب المنظوم بالدر، واللؤلؤ، والياقوت".
وأما قوله: "ببيت"، فقال أبو بكر الإسكاف في "فوائد الأخبار": المراد به بيت زائد على ما أَعدّ الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال: "لا نصب فيه"؛ أي: لم تتعب بسببه.
(لَا صَخَبَ فِيهِ) الصَّخَب -بفتح الصاد المهملة، والخاء المعجمة، بعدها موحّدة-: الصياح، والمنازعة برفع الصوت. (وَلَا نَصَبَ) -بفتح النون، والصاد المهملة، بعدها موحَّدة-: التَّعَب، وأغرب الداوديّ، فقال: الصخب: العيب، والنَّصَب: العِوَج، وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "ببيت من قصب" قال جمهور العلماء: المراد به: قصب اللؤلؤ المجوّف؛ كالقصر المنيف، وقيل: قصب من ذهب منظوم بالجوهر، قال أهل اللغة: القصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف، قالوا: ويقال لكل مجوَّف: قصب، وقد جاء في الحديث مفسَّرًا ببيت من لؤلؤة محياة، وفسّروه بمجوّفة، قال الخطابيّ وغيره: المراد بالبيت هنا: القصر.
وأما الصخب: فبفتح الصاد، والخاء، وهو الصوت المختلط المرتفع.
والنصب: المشقة والتعب، ويقال فيه: نُصْبٌ، بضم النون، وإسكان الصاد، وبفتحهما لغتان، حكاهما القاضي وغيره؛ كالْحُزْن والْحَزَن، والفتح
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٨، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢٠).
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٢٧، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢٠).
[ ٣٩ / ٢٧ ]
أشهر وأفصح، وبه جاء القرآن، وقد نَصَب الرجل، بفتح النون، وكسر الصاد: إذا أعيا. انتهى (^١).
وقال عياض في "المشارق": قوله: "ببيت من قصب" قد ذكر ابن وهب في روايته تفسيره في الحديث نفسه، قالت: "يا رسول الله ما بيت من قصب؟ قال: هو بيت من لؤلؤة مُجَبَّأَةٍ"، قال ابن وهب: أي: مجوّفة، ويروى: مجوَّبة بمعناه، قالوا: القصب هو اللؤلؤ المجوّف الواسع؛ كالقصر المنيف، قال الخليل: القصب ما كان من الجوهر مستطيلًا أجوف، ويؤيد تفسيرهم قوله في الحديث الآخر: "قباب اللؤلؤ"، وفي الآخر: "قصر من درة مجوّفة". انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "من قصب. . . إلخ" قال الهرويّ وغيره: القصب -هنا-: اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر.
قال: وهذا نحو قوله -ﷺ- في الحديث الآخر: "إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلًا"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ آخر: "من درَّة بيضاء طولها ستون ميلًا"، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
والصخب: اختلاط الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصْبٌ، ونَصَبٌ؛ كحُزْن وحَزَن؛ أي: لا يصيبها ذلك؛ لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨]، وقيل: معناه: أن هذا البيت خالص لها، لا تُنازَع فيه، فيُصخب عليها فيه، وذلك من فضل الله تعالى عليها، لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك. انتهى (^٣).
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ)؛ يعني: ابن أبي شيبة، (فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي) غرض المصنّف -﵀- بهذا بيان اختلاف شيوخه الثلاثة، فقد اتّفق أبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، فقالا في روايتهما: "عن أبي زرعة، قال: سمعت أبا هريرة -﵁-"،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) "مشارق الأنوار" ٢/ ١٨٧.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣١٦.
[ ٣٩ / ٢٨ ]
فصرّحا بالسماع، وزادا في الحديث قول جبريل: "ومني"؛ أي: بعد قوله: "فاقرأ ﵍ من ربّها -﷿-"، زادا: "ومنّي"، وخالفها أبو بكر بن أبي شيبة، فقال: "عن أبي هريرة"، ولم يذكر السماع، وأسقط لفظة: "ومنّي"، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٢/ ٦٢٥٣] (٢٤٣٢)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٢٠) و"التوحيد" (٧٤٩٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١) و"فضائل الصحابة" (١٥٨٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٠٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ١٠)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ١٨٥)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين -﵂-، حيث إن الله تعالى خصّها بإرسال السلام إليها، قال القرطبيّ -﵀-: وإبلاغ الملَك لها أن الله يقرأ ﵍؛ فضيلة عظيمة، وخصوصية شريفة، لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبيّ إلا لعائشة -﵂- على ما يأتي. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح" نقلًا عن السهيليّ -﵀-: النكتة في قوله: "من قصب"، ولم يقل: من لؤلؤ: أن في لفظ القصب مناسبةً لكونها أَحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان، دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث. انتهى.
قال: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يَصْدُر منها ما يُغضبه قطّ، كما وقع لغيرها.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣١٦.
[ ٣٩ / ٢٩ ]
٣ - (ومنها): ما قاله السهيليّ -﵀- أيضًا: مناسبة نفي هاتين الصفتين -يعني: الصخب، والنصب- أنه -ﷺ- لمّا دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا، فلم تُحْوجه إلى رفع صوت، ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشّرها به ربها بالصفة المقابلة لِفعلها. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): ما نقله في "الفتح" عن السهيليّ أيضًا، قال: لِذِكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإسلام، منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بُعِث النبيّ -ﷺ- بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، قال: وجزاء الفعل يُذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت، دون لفظ القصر. انتهى.
قال: وفي ذِكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبيّ -ﷺ- إليها؛ لِمَا ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالت أم سلمة: "لمّا نزلت دعا النبيّ -ﷺ- فاطمة، وعليًّا، والحسن، والحسين، فجلّلهم بكساء، فقال: اللَّهُمَّ هؤلاء أهل بيتي. . ." الحديث، أخرجه الترمذيّ، وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحَسَنَيْن من فاطمة، وفاطمة بنتها، وعليّ نشأ في بيت خديجة، وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبويّ إلى خديجة دون غيرها (^٢).
٥ - (ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على فضل عائشة على خديجة -﵂-، وتُعُقّب بأن ذلك ليس بلازمٍ؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد من النساء في هذا الحديث نساء زمنها، وقال السبكيّ الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع، وقال ابن تيميّة: جهات الفضل بين خديجة وعائشَة متقاربة، وكأنه رأى
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٧، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢٠).
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٢٧، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢٠).
[ ٣٩ / ٣٠ ]
التوقّف، وقال ابن القيّم: إن أُريدَ بالتفضيل كثرة الثواب عند الله، فذاك أمر لا يُطَّلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة، فقد ثبت النصّ لفاطمة وحدها.
وقد أخرج الطحاويّ، والحاكم بسند جيّد عن عائشة؛ أن النبيّ -ﷺ- قال في حقّ زينب ابنته لمّا أوذيت عند خروجها من مكة: "هي أفضل بناتي، أصيبت فيَّ"، راجع "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٤] (٢٤٣٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيه، وَلَا نَصَبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد الْبَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، شَهِد الحديبية، وعُمِّر بعد النبيّ -ﷺ- دهرًا، ومات -﵁- سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة -﵃- (ع) تقدم في "الصلاة" ٤١/ ١٠٧٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀- كلاحقه، وهو (٤٨٢) من رباعيّات الكتاب.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١٠٩. وراجع: "تكملة فتح الملهم" أيضًا ٥/ ١٤٠ - ١٤١.
[ ٣٩ / ٣١ ]
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالد؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) قال في "الفتح": هذا مما حمله التابعيّ عن الصحابيّ عَرَضًا، وليس هذا من التلقين؛ لأن التلقين لا استفهام فيه، وإنما يقول الطالب للشيخ: قُلْ: حدثنا فلان بكذا، فيحدِّث به من غير أن يكون عارفًا به حديثه، ولا بعدالة الطالب، فلا يؤمَن أن لا يكون ذلك الطالب ضابطًا لذلك القدر، فيدلّ على تساهل الشيخ، فلذلك عابوه على مَن فَعَله. انتهى (^١).
(أَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ؟) ولفظ البخاريّ: "بشّر النبيّ -ﷺ- خديجة ببيت في الجنّة"، فيكون بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أبشّرها؟ (قَالَ) عبد الله بن أبي أوفى -﵄- (نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ) بفتحتين؛ أي: من لؤلؤ مجوّفة واسعة كالقصر المنيف، (لَا صَخَبَ فِيهِ) بفتح الصاد، والخاء؛ أي: لا صياح، ولا منازعة برفع الصوت، (وَلَا نَصَبَ) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون؛ أي: لا تعب، ولا مشقّة فيه، وقد تقدّم تمام الشرح في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٥٤ و٦٢٥٥] (٢٤٣٣)، و(البخاريّ) في "العمرة" (١٧٩٢) و"مناقب الأنصار" (٣٨١٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٥ و٣٥٦ و٣٨١) وفي "الفضائل" (١٥٧٧ و١٥٨١ و١٥٨٢)، و(ابنه عبد الله) في "زوائده" (١٥٩٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٠)، و(البزّار) في "مسنده" (٨/ ٢٧١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٠٤)، و(اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة" (٨/ ١٤٢٥)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٦، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٩).
[ ٣٩ / ٣٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَجَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: تقدّم أن هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف، كسابقه، وهو (٤٨٣) منه رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) ضمير الجماعة لهؤلاء الخمسة: أبي معاوية، ووكيع، والمعتمر، وجرير، وسفيان بن عيينة، فكلّهم رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد بسنده المذكور.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل الحديث الماضي، وهو حديث عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، فالضمير في "مثله" للحديث المذكور، لا لعبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كما زعمه بعض الشرّاح (^١)، وادّعى أنه غلط، قال: والصواب بمثلهما، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: رواية وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" مقرونًا بيعلى بن عبيد، فقال:
_________________
(١) هو: الشيخ الهررى. راجع: "شرحه" ٢٣/ ٥٣٢.
[ ٣٩ / ٣٣ ]
(٢٩٩٠) - حدّثنا أبو بكر، نا وكيع ويعلى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى، قال: سمعته يقول: "بَشَّر رسول الله -ﷺ- خديجة ببيت في الجنة، من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب". انتهى (^١).
ورواية المعتمر بن سليمان، عن إسماعيل ساقها النسائيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(٨٣٦٠) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا المعتمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: "بَشَّر رسول الله -ﷺ- خديجة ببيت في الجنة، لا صخب فيه، ولا نصب". انتهى (^٢).
وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن إسماعيل، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
ورواية سفيان بن عيينة عن إسماعيل ساقها الحميديّ -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٧٢٠) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أبشّر رسول الله -ﷺ- خديجة ببيت في الجنة، من قصب، لا سخب فيه، ولا نصب؟ قال: نعم. انتهى (^٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٦] (٢٤٣٤) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَشَّرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ بِبَيْتٍ في الْجَنَّةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظ شهيرٌ، وله أوهام [١٠] (ت ٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
_________________
(١) "الآحاد والمثاني" ٥/ ٣٨٢.
(٢) "السنن الكبرى" للنسائيّ ٥/ ٩٤.
(٣) "مسند الحميديّ" ٢/ ٣١٤.
[ ٣٩ / ٣٤ ]
والباقون تقدّموا قريبًا، و"عبدة" هو: سليمان الكلابيّ، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٧] (٢٤٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ -﷿- أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: مَا) نافية، (غِرْتُ) بكسر الغين المعجمة، يقال: غَارَ الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغَارُ، من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرَةً بالفتح، وغَارًا، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: غِيرًا، وَغِيرَةً بالكسر، فالرجل غَيُورٌ، وغَيْرَانُ، والمرأة غَيُورٌ؛ أيضًا، وغَيْرَى، وجَمْع غَيُورٍ: غُيُرٌ، مثلُ رَسول ورُسُل، وجَمْع غَيْرَانَ، وغَيْرَى: غُيَارَى، بالضم، والفتح، وأَغَارَ الرجل زوجته: تزوج عليها، فَغَارَتْ عليه، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
وقال ابن الأثير -﵀-: الْغَيْرةُ: هي الْحَمِيّة والأَنَفَةُ، يقال: رجلٌ غَيُورٌ، وامرأةٌ غَيُورٌ بلا هاء؛ لأن فعولًا يشترك فيه الذكر والأنثى. انتهى (^٢).
(عَلَى امْرَأَةٍ) وفي الرواية التالية: "ما غِرت على نساء النبيّ -ﷺ- إلا على خديجة"، قال في "الفتح": فيه ثبوت الغيرة، وأنها غير مستنكَر وقوعها من فاضلات النساء، فضلًا عمن دونهنّ، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبيّ -ﷺ-، لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بيَّنت سبب ذلك، وأنه لكثرة ذِكر
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٨.
(٢) "النهاية في غريب الأثر" ص ٦٨٥.
[ ٣٩ / ٣٥ ]
النبيّ -ﷺ- إياها، ووقع في رواية أصرح من هذا، حيث قال فيها: "من كثرة ذِكر رسول الله -ﷺ- إياها".
وأصل غيرة المرأة من تخيّل محبة غيرها أكثر منها، وكثرةُ الذِّكر تدل على كثرة المحبة.
وقال القرطبيّ: مرادها بالذِّكر لها: مدحها، والثناء عليها.
ووقع عند النسائيّ من رواية النضر بن شُميل عن هشام: "من كثرة ذِكره إياها، وثنائه عليها"، فعَطْف الثناء على الذِّكر من عَطْف الخاصّ على العامّ، وهو يقتضي حمل الحديث على أعمّ مما قاله القرطبيّ، قاله في "الفتح" (^١).
(مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) قال الطيبيّ -﵀-: "ما" يجوز أن تكون مصدريّةً، أو موصولةً؛ أي: ما غرتُ مثلَ غيرتي، أو مثل التي غِرتها. انتهى (^٢).
(وَلَقَدْ هَلَكَتْ)؛ أي: ماتت خديجة -﵂- (قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) أشارت بهذا إلى أنها لو كانت موجودة في زمانها لكانت غيرتها منها أشدّ. (بِثَلَاثِ سِنِينَ) قال النوويّ: أرادت بذلك زمن دخولها عليه، وأما العقد فتقدم على ذلك بمدة سنة ونصف، أو نحو ذلك. انتهى (^٣).
وللحافظ تعقّب على كلام النوويّ هذا، حيث قال: إن المدة بين العقد عليها، والدخول بها كان أكثر من ذلك (^٤).
وقولها: (لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا) وفي رواية عبد الله الْبَهِيّ، عن عائشة عند الطبرانيّ: "وكان إذا ذَكَر خديجة لم يسأم من ثناءٍ عليها، واستغفارٍ لها". انتهى (^٥).
قال القرطبيّ -﵀-: هذا بيان للسبب الحامل لها على الغيرة، قال القرطبيّ -﵀-: قولها: "يذكرها"؛ أي: يمدحها، ويثني عليها، ويذكر فضائلها،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٣، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٦).
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٩٢١.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠١.
(٤) "الفتح" ٨/ ٥٢٤، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٦).
(٥) "الفتح" ٨/ ٥٢٥.
[ ٣٩ / ٣٦ ]
وذلك لفرط محبته إياها، ولِما اتَّصَل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحبَّ شيئًا أكثر من ذِكره؛ ولذلك قال النبيّ -ﷺ-: "إني رُزقت حبها" (^١).
وكونه -ﷺ- يُهدي لخلائل خديجة: دليل على كرم خُلُقه -ﷺ-، وحُسْن عهده، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خُويلد إذا رآها، وَيَهِشُّ (^٢) إكرامًا لها، وسرورًا بها. انتهى (^٣).
وقولها: (وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ -﷿- أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ) هذا أيضًا من جملة أسباب الغيرة؛ لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبيّ -ﷺ- لها، ووقع عند الإسماعيليّ من رواية الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، بلفظ: "ما حَسَدت امرأة قطّ ما حسدت خديجة، حين بشّرها النبيّ -ﷺ- ببيت من قصب. . ." الحديث.
(وَإِنْ كَانَ) "إن" مخففة من الثقيلة، ويراد بها تأكيد الكلام، ولهذا أتت اللام في قولها: (لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، ثُمَّ يُهْدِيهَا) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًّا، (إِلَى خَلَائِلِهَا) -بالخاء المعجمة- جمع خَلِيلة؛ أي: صديقة، وهي أيضًا من أسباب الغيرة؛ لِمَا فيه من الإشعار باستمرار حبه لها، حتى كان يتعاهد صواحباتها، ولفظ البخاريّ: "فيُهدي في خلائلها منها ما يسعهنّ"؛ أي: ما يكفيهنّ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٥٦ و٦٢٥٧ و٦٢٥٨ و٦٢٥٩ و٦٢٦٠] (٢٤٣٤ و٢٤٣٥)، و(البخاريّ) في "الفضائل" (٣٨١٦ و٣٨١٧) و"النكاح" (٥٢٢٩) و"الأدب" (٦٠٠٤) و"التوحيد" (٧٤٨٤)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٢٠١٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٤ و٢٩٠)، و(ابن ماجه) في "النكاح"
_________________
(١) رواه مسلم، كما يأتي بعد هذا.
(٢) يقال: هشّ الرجلُ هشاشةً، من بابي تعب، وضرب: تبسّم، وارتاح. "المصباح".
(٣) "المفهم" ٦/ ٣١٧.
[ ٣٩ / ٣٧ ]
(١٩٩٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٨ و٢٠٢ و٢٧٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢١٢ و٣٣٠)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٣٨٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ١١ و١٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٠٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ (^١): "أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ"، قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الرّيّ، أحد الحفاظ، صدوقٌ، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) -بمعجمة مكسورة، وياء، ومثلّثة- ابن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عُمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيَّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا)؛ أي: لم أدرك أيام كونها زوجة للنبيّ -ﷺ-؛ لأنها ماتت قبل أن يتزوّج بها، وفي الرواية الآتية: "وما رأيتها قطّ"، قال في "الفتح": ورؤية عائشة لخديجة كانت ممكنة، وأما إدراكها لها فلا نزاع فيه؛ لأنه كان لها عند موتها ست سنين، كأنها أرادت بنفي الرؤية والإدراك النفي بقيد اجتماعهما عند النبيّ -ﷺ-؛ أي: لم أرها وأنا عنده، ولا أدركتها كذلك، وقد وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة: "ولقد هلكت قبل أن يتزوجني". انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة: "يقول".
[ ٣٩ / ٣٨ ]
وقولها: (فَيَقُولُ) وفي نسخة: "يقول" بحذف الفاء.
وقوله: (أَرْسِلُوا بِهَا)؛ أي: بتلك الشاة، والظاهر أنه -ﷺ- يُهديها بأكملها، لا يترك شيئًا في بيته، ويَحْتمل أن تكون الباء بمعنى "من"، كما قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
ويؤيّد هذا الاحتمال رواية البخاريّ بلفظ: "فيُهدي منها ما يسعهنّ"، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ) بفتح الهمزة: جمع صَدِيق بفتح، فكسر، قال الفيّوميّ -﵀-: الصَّدِيقُ: المُصَادِقُ، وهو بيِّنُ الصَّدَاقَةِ، واشتقاقها من الصِّدْق في الْوُدّ، والنُّصْح، والجمع أَصْدِقَاءُ، وامرأة صَدِيقٌ، وصَدِيقَةٌ أيضًا، ورجل صِدِّيقٌ - بالكسر، والتثقيل: ملازم للصدق. انتهى (^١).
وفي رواية للبخاريّ: "وربما ذبح الشاةَ، ثمّ يقطّعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة".
وقولها: (فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟) بالنصب بفعل مقدّر؛ أي: "أتذكر خديجة؟ "، وفي رواية البخاريّ: "فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد".
قولها: "إنها كانت، وكانت"؛ أي: كانت فاضلةً، وكانت عاقلةً، ونحو ذلك، وعند أحمد من حديث مسروق، عن عائشة: "آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حَرَمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولادَ النساء".
وقوله: "وكان لي منها ولد" وكان جميع أولاد النبيّ -ﷺ- من خديجة إلا إبراهيم، فإنه كان من جاريته مارية، والمتفق عليه من أولاده منها القاسم، وبه كان يُكْنَى، مات صغيرًا قبل المبعث، أو بعده، وبناته الأربع: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وقيل: كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، وعبد الله، وُلِد بعد المبعث، فكان يقال له: الطاهر، والطيب، ويقال: هما أخوان له،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٣٦.
[ ٣٩ / ٣٩ ]
ومات الذكور صغارًا باتفاق، ذكره في "الفتح" (^١).
وقوله: (إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا) ببناء الفعل للمفعول، قال القرطبيّ -﵀-: كان حبه -ﷺ- لها؛ لِمَا تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرةٌ، كل منها كان سببًا في إيجاد المحبة (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: فيه إشارة إلى أن حبّها فضيلة حصلت. انتهى (^٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا قبله، سوى زُهير، فتقدّم قبل أربعة أبواب.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ)؛ يعني: حديث أبي معاوية نحو حديث أبي أسامة الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا)؛ يعني: أن أبا معاوية لم يذكر في روايته بعد قصّة الشاة غيرها، والظاهر -كما يظهر من التنبيه التالي- أنه أراد عدم ذكره قوله: "ولقد أمره ربه. . . إلخ"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة هذه ساقها إسحاق بن راهويه -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٧٢٠) - أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "ما غِرْت على امرأة. من نساء رسول الله -ﷺ- ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن لكثرة ذِكر رسول الله -ﷺ- إياها، إن كان مما يَذبح الشاة، فيتتبّع بها صدائق خديجة يُهديها إليهنّ". انتهى (^٤).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٥.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣١٧.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠١.
(٤) "مسند إسحاق بن راهويه" ٢/ ٢١٢.
[ ٣٩ / ٤٠ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْت لِلنَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِه، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة من كبار [٧] (١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلّقة به، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦١] (٢٤٣٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى خَدِيجَةَ) -﵂- (حَتَّى مَاتَتْ) قال في "الفتح": هذا مما كافأ النبيّ -ﷺ- به خديجة في الدنيا حيث إنه لم يتزوج في حياتها غيرها، قال: وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عِظَم قَدْرها عنده، وعلى مزيد فضلها؛ لأنها
[ ٣٩ / ٤١ ]
أغنته عن غيرها، واختصت به بقَدْر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه -ﷺ- عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عامًا، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عامًا، وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فَصَان قلبها فيها من الغيرة، ومِن نَكَد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها، ومما اختصت به سَبْقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنَّت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهنّ؛ لِمَا ثبت أن: "من سَنَّ سُنَّة حسنةً. . ." الحديث، وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق -﵁- بالنسبة إلى الرجال، ولا يَعْرِف قَدْر ما لكلٍّ منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله -﷿- (^١).
وقال النووي: في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الودّ، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًّا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٦١] (٢٤٣٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧/ ٤٩٢ و٤٩٣)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٤٢٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ٤٥٠)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٢٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٧٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٢] (٢٤٣٧) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُوَلِ اللهِ -ﷺ-، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"، فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا؟).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٢.
[ ٣٩ / ٤٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ هرويّ الأصل، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله، ولطائف هذا الإسناد تقدّمت قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-؛ أنها (قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) "هالة" -بفتح الهاء، وتخفيف اللام- بنت خُويلد -﵂-، وكانت زوج الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، والد أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبيّ -ﷺ-، وقد ذكروها في الصحابة، وهو ظاهر هذا الحديث، وقد هاجرت إلى المدينة؛ لأن دخولها كان بها؛ أي: بالمدينة، ويَحْتَمِل أن تكون دخلت على النبيّ -ﷺ- بمكة حيث كانت عائشة معه في بعض سفراته، ووقع عند المستغفريّ من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بهذا السند: "قَدِم ابنٌ لخديجة، يقال له: هالة، فسمع النبيّ -ﷺ- في قائلته كلام هالة، فانتبه، وقال: هالةُ هالةُ"، قال المستغفريّ: الصواب هالة أخت خديجة. انتهى.
ورَوَى الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق تميم بن زيد بن هالة عن أبي هالة، عن أبيه؛ أنه "دخل على النبيّ -ﷺ-، وهو راقد، فاستيقظ، فضمَّه إلى صدره، وقال، هالةُ هالةُ"، وذكر ابن حبان، وابن عبد البرّ في الصحابة هالة بن أبي هالة التميميّ، فلعله كان لخديجة أيضًا ابن اسمه هالة، والله أعلم، قاله في "الفتح" (^١).
(فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ)؛ أي: تذكّر صفة استئذانها؛ لِشَبَه صوتها بصوت أختها، فتذكر خديجة بذلك (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: "فعرف استئذان خديجة"؛ أي: تذكّر عند
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٩، ٥٣٠، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢١).
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٨٢، و"الفتح" ٨/ ٥٣٠.
[ ٣٩ / ٤٣ ]
استئذان هالة خديجة، وكأن نَغْمةَ هالة كانت تُشبه نَغْمةَ خديجة، وأصلُ هذا كله أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته، وما يتعلق به، وما يُشْبِهه. انتهى (^١).
(فَارْتَاحَ لِذَلِكَ) بالحاء المهملة؛ أي: اهتزّ لذلك سرورًا، ويُروى: "فارتاع" من الرَّوْع بفتح الراء؛ أي: فَزِع، والمراد من الفزع لازِمُه، وهو التغيّر (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: قولها: "فارتاح لذلك"؛ أي: هَشّ لمجيئها، وسُرّ بها؛ لتذكّره بها خديجة، وأيامها، وفي هذا كله دليل لِحُسن العهد، وحِفظ الوُدّ، ورعاية حرمة الصاحب، والعشير في حياته، ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب. انتهى (^٣).
(فَقَالَ) -ﷺ- عند ذلك: ("اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ") بنصب هالةَ؛ أي: يا الله اجعلها هالةَ، فيكون منصوبًا على المفعولية، للفعل المقدّر، ويجوز رفعه، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه هالةُ (^٤).
وقال القرطبيّ -﵀-: يجوز في "هالة" الرفع على خبر الابتداء؛ أي: هذه هالة، فأكرمها، وأحسن إليها، والنَّصب على إضمار فعل؛ أي: أَكْرِم هالةَ، واحفظها، وما أشبَه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى. انتهى (^٥).
(فَغِرْتُ) بكسر الغين المعجمة، وتقدّم ضَبْطه، (فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ) "ما" استفهاميّة في محل رفع مبتدأ خبره "تَذكُر"، وهو مبنيّ للفاعل، وقولها: (مِنْ عَجُوزٍ) "من" زائدة، و"عجوز" مفعول به لـ "تذكر"، وقولها: (مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ) متعلّق بصفة لـ "عجوز".
قال القرطبيّ -﵀-: قول عائشة -﵂- هذا قولٌ أخرجه منها فرط الغيرة، وخِفَّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم يُنكر عليها النبيّ -ﷺ- شيئًا مما قالت (^٦)، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن الغَيْرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣١٧.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٨٢.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٢.
(٤) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٨٢.
(٥) "المفهم" ٦/ ٣١٧.
(٦) هذا غير صحيح، بل أنكر عليها، كما سيأتي بيانه قريبًا.
[ ٣٩ / ٤٤ ]
في حال غيرتها، وليس ذلك أخذًا صحيحًا؛ لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب، لا كل السَّبب، وذلك أن عائشة -﵂- اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة: الغيرة، والشباب -ولعل ذلك كان قبل بلوغها- والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور دون بعض تحكُّم، لا يقال: إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة؛ لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت: "فغِرت"؛ لأنَّا نقول: لو سلّمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لَمَا لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها، بل يَحْتَمِل: أن تكون الغيرة وحدها، ويَحْتمل أن تُعتبر باقي الأوصاف، لا سيما ولم ينص النبيّ -ﷺ- على المسقط ما هو، فبقي الأمر محتملًا للأمرين، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي قريبًا التعقّب على كلام القرطبيّ هذا، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
وقولها: (حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ) بالجرّ صفة ثانية لـ "عجوز".
وقال أبو البقاء: يجوز في "حمراء" الرفع على القطع، والنصب على الصفة، أو الحال (^٢)، قال في "الفتح": والموجود في جميع النسخ، وفي مسلم: "حمراء" بالمهملتين، وحَكَى ابن التين أنه رُوي بالجيم، والزاي، ولم يذكر له معنى، وهو تصحيف، والله أعلم.
قال النوويّ -﵀-: قولها: "حمراء الشدقين": معناه: عجوز كبيرة جدًّا حتى قد سقطت أسنانها من الكِبَر، ولم يبق لِشِدْقها بياض شيء من الأسنان، إنما بقي فيه حمرة لِثّاتها. انتهى (^٣).
وقال القرطبي -﵀-: قيل: معنى حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين، والعرب تُطلق على الأبيض: الأحمر كراهةَ اسم البياض؛ لكونه يشبه البرص، ولهذا كان -ﷺ- يقول لعائشة: "يا حميراء"، ثم استبعد القرطبيّ هذا؛ لكون
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣١٨.
(٢) "إعراب الحديث النبويّ" لأبي البقاء العكبريّ ص ٣٤٢ رقم (٤١١).
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٢.
[ ٣٩ / ٤٥ ]
عائشة أوردت هذه المقالة مورد التنقيص، فلو كان الأمر كما قيل لنَصَّت على البياض؛ لأنه كان يكون أبلغ في مرادها، قال: والذي عندي أن المراد بذلك: نِسبتها إلى كِبَر السنّ؛ لأن من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه يغلب على لونه غالبًا الحمرة المائلة إلى السمرة.
قال الحافظ: كذا قال، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين: ما في باطن الفم، فكَنَت بذلك عن سقوط أسنانها حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللِّثَةِ وغيرها، وبهذا جزم النوويّ وغيره. انتهى (^١).
(هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ) ولفظ البخاريّ: "قد أبدلك" (اللهُ خَيْرًا مِنْهَا؟ ") " قال القرطبيّ -﵀-: تعني بـ "خيرًا": أجمل، وأشبّ -وتعني: نفسها-، لا أنها خير منها عند الله، وعند رسوله -ﷺ-؛ لِمَا تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام، وكونه -ﷺ- لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت، يدلّ على عظيم قَدْرها عنده، ومحبته لها، وعلى فضل خديجة أيضًا؛ لأنها اختصَّت برسول الله -ﷺ-، ولم يشاركها فيه أحد؛ صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيْرة، ومن مناكدة الضرة. انتهى (^٢).
وقال ابن التين -﵀-: في سكوت النبيّ -ﷺ- على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة -﵂-، إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا: حُسْن الصورة، وصِغَر السنّ. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يلزم من كونه لم يُنقل في هذه الطريق أنه -ﷺ- ردّ عليها عدم ذلك، بل الواقع أنه صدر منه ردّ لهذه المقالة، ففي رواية ابن أبي نجيح، عن عائشة، عند أحمد، والطبرانيّ في هذه القصة: "قالت عائشة: فقلت: أبدلك الله بكبيرة السنّ حديثة السنّ، فغضب، حتى قلت: والذي بعثك بالحقّ لا أذكرها بعد هذا إلا بخير".
وهذا يؤيد ما تأوله ابن التين في الخيرية المذكورة، والحديث يفسِّر بعضه بعضًا.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٩. ٥٣٠، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢١).
(٢) "المفهم" ٦/ ٣١٨.
[ ٣٩ / ٤٦ ]
ورَوَى أحمد أيضًا، والطبرانيّ، من طريق مسروق، عن عائشة، في نحو هذه القصة: "فقال -ﷺ-: ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس. . ." الحديث (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا أخرجه المصنّف موصولًا، والبخاريّ تعليقًا. (المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٦٢] (٢٤٣٧)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٢١) تعليقًا، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١١٧ - ١١٨)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٥٨٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٢٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٠٨)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٣٨٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٣١٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة حب النبيّ -ﷺ- خديجة -﵂-، حيث كان يرتاع لسماع صوت أختها.
٢ - (ومنها): بيان ما جُبلت عليه المرأة من شدّة الغيرة، ولو كانت صالحة عالمة تقيّة، كعائشة -﵂-.
٣ - (ومنها): ما قاله الطبريّ وغيره من العلماء: الغيرة مسامَح للنساء، ما يقع فيها، ولا عقوبة عليهنّ في تلك الحالة؛ لِمَا جُبلن عليه منها، ولهذا لم يزجر النبيّ -ﷺ- عائشة -﵂- عن ذلك.
وتعقب القاضي عياض هذا بأن ذلك جرى من عائشة لِصِغَر سنّها، وأول شبيبتها، فلعلها لم تكن بلغت حينئذ.
قال الحافظ: وهو مُحْتَمِلٌ مع ما فيه من نظر.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٩، ٥٣٠، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢١).
[ ٣٩ / ٤٧ ]
وقال القرطبيّ: لا تدل قصة عائشة -﵂- هذه على أن الغيرى لا تؤاخذ بما يصدر منها؛ لأن الغيرة هنا جزء سبب، وذلك أن عائشة -﵂- اجتمع فيها حينئذ الغيرة، وصِغَر السن، والإدلال، قال: فإحالة الصفح عنها على الغيرة وحدها تحكّم، نَعَم الحامل لها على ما قالت الغيرة؛ لأنها هي التي نَصّت عليها بقولها: "فغِرتُ"، وأما الصفح، فيَحْتَمِل أن يكون لأجل الغيرة وحدها، ويَحْتَمِل أن يكون لها ولغيرها من الشباب، والإدلال.
وتعقّب الحافظ هذا، فقال: الغيرة محقَّقة بتنصيصها، والشباب محتاج إلى دليل، فإنه -ﷺ- دخل عليها، وهي بنت تسع، وذلك في أول زمن البلوغ، فمن أين له أن ذلك القول وقع في أوائل دخوله عليها، وهي بنت تسع؟ وأما إدلال المحبة فليس موجبًا للصفح عن حقّ الغير، بخلاف الغيرة، فإنما يقع الصفح بها؛ لأن من يحصل لها الغيرة لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾