هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق -﵂- تقدم نَسَبها في ترجمة والدها عبد الله بن عثمان -﵃-، وأمها أم رُومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، وُلدت بعد المبعث بأربع سنين، أو خمس، فقد ثبت في "الصحيح" أن النبيّ -ﷺ- تزوجها، وهي بنت ست، وقيل: سبع، ويُجمع بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى، كما أخرجه ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي الرجال، عن أبيه، عن أمه عمرة، عنها، قالت: أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وقيل: في السنة الثانية من الهجرة، وقال الزبير بن بكار: تزوجها بعد موت خديجة، قيل: بثلاث سنين.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٢٩، ٥٣٠، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٢١).
[ ٣٩ / ٤٨ ]
وفي "الصحيحين" من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قالت: تزوجني رسول الله -ﷺ-، وأنا بنت ست سنين، وبنى بي، وأنا بنت تسع، وقُبض وأنا بنت ثمان عشرة سنة.
وأخرج ابن أبي عاصم من طريق يحيى القطان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة قالت: لما تُوفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون، وذلك بمكة: أي رسول الله ألا تزوج؟ قال: "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا، قال: "فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: "ومن الثيّب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال: "فاذهبي، فاذكريهما علي"، فجاءت: فدخلت بيت أبي بكر، فوجدت أم رُومان، فقالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله -ﷺ- أخطب عليه عائشة، قالت: وددت انتظري أبا بكر، فجاء أبو بكر، فذكرت له، فقال: وهل تصلح له؟ وهي بنت أخيه، فرجعت، فذكرت ذلك للنبيّ -ﷺ-، قال: "قولي له: أنت أخي في الإسلام، وابنتك تحلّ لي"، فجاء، فأنكحه، وهي يومئذ بنت ست سنين، ثم ذكر قصة سودة، وفي "الصحيحين" أيضًا لم ينكح بكرًا غيرها، وهو متفق عليه بين أهل النقل، وكانت تكنى أم عبد الله، فقيل: إنها ولدت من النبي -ﷺ- ولدًا، فمات طفلًا، ولم يثبت هذا، وقيل: كناها بابن أختها عبد الله بن الزبير، وهذا الثاني وَرَد عنها من طرق، منها عند ابن سعد، عن يزيد بن هارون، عن حماد، عن هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة، عن عائشة.
وأخرج الترمذيّ من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب؛ أن رجلًا نال من عائشة عند عمار بن ياسر، فقال: اعْزُب مقبوحًا، أتؤذي محبوبة رسول الله -ﷺ-؟ وأخرجه ابن سعد من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن حميد بن عريب نحوه وقال: مقبوحًا منبوحًا، وزاد: إنها لزوجته في الجنة. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ٢٣١ - ٢٣٥.
[ ٣٩ / ٤٩ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: تُوُفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمَرَت أن تُدفن ليلًا، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة -﵁-، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير، والقاسم، ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت فاضلةً، عالمةً، كاملةً، قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله -ﷺ- أكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامَّة، وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا طبٍّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعرٍ من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتي في رواية عائشة؟! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا. قال الزهري: لو جُمع عِلم عائشة إلى عِلم أزواج النبيّ -ﷺ- وعِلم جميع النساء لكان عِلم عائشة أفضل.
وجملة ما روت عن النبيّ -ﷺ- ألفا حديث، ومئتا حديث، وعشرة أحاديث. أخرج منها في "الصحيحين" ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٣] (٢٤٣٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي الرَّبِيعِ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإذَا أَنْتِ هِيَ، فَأقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ (^٢) يُمْضِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب -بالثاء المثلثة، والعين المهملة- البزار -بالراء آخره-، المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيار في القراءات [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٢) وفي نسخة: "إن يك من عند الله".
[ ٣٩ / ٥٠ ]
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين -﵂-؛ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أُرِيتُكِ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أراني الله تعالى إيّاك (فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ) هو جبريل -﵇-، كما يأتي مفسّرًا، وفي رواية: "إذا رجل يَحملك"، فيُجمع بينهما على أن الملَك تمثّل له حينئذ رجلًا، ووقع في رواية ابن حبان، من طريق أخرى، عن عائشة: "جاء بي جبريل إلى رسول الله -ﷺ-". (فِي سَرَقَةٍ) السَّرَقة -بفتح السين المهملة، والراء، والقاف- هي القطعة، ووقع في رواية ابن حبان: "في خِرْقة حرير"، وقال الداوديّ: السرقة: الثوب، فإن أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعمّ.
وأغرب المهلَّب، فقال: السرقة كالكِلّة، أو كالبرقع، وعند الآجريّ من وجه آخر، عن عائشة: "لقد نزل جبريل بصورتي في راحته، حين أمر (^١) رسول الله -ﷺ- أن يتزوجني".
ويُجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة، والخرقةُ في راحته، ويَحْتَمِل أن يكون نزل بالكيفيتين؛ لقولها في نفس الخبر: "نزل مرتين".
وقال القرطبيّ -﵀-: السَّرَقة -بفتح الراء-: واحدة السَّرق، وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير. وقال أبو عبيد: وأحسبها فارسية،
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعله: "أراد"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٥١ ]
وأصلها سَرَة، وهو: الجيد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج [من الرجز]:
ونَسَجَتْ لَوَامِعُ الْحَرُورِ … سَبَائِبًا كَسَرَقِ الْحَرير
والسَّبائب -بالهمز والباء-: هي ما رَقَّ من الثياب كالْخُمُر، ونحوها. قال المهلَّب: السَّرَقَةُ: كالكِلَّة والبرقع، والأول: هو المعروف، وفيه دليل على أن للرؤيا ملَكًا يمثّل الصور في النوم، كما قد حكيناه عن بعض العلماء. انتهى (^١).
وقوله: (مِنْ حَرِيرٍ) تأكيد؛ كقوله: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، والأساور لا تكون إلا من ذهب، وإن كان من فضة تسمى قُلْبًا، وإن كانت من قرون أو عاج تسمى مُسْكة، قاله في "العمدة" (^٢).
(فَيَقُولُ) ذلك الملَك: (هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ) عبّر بصيغة المضارع استحضارًا لصورة الحال، (فَإِذَا أَنْتِ هِيَ) "إذا" هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجودك، قال القرطبيّ؛ أي: إنه رآها في النوم كما رأها في اليقظة، فكان المراد بالرؤيا ظاهرها. انتهى (^٣).
(فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وفي بعض النسخ: "إن يك من عند الله"، (يُمْضِهِ") بضمّ أوله، من الإمضاء، وهو مجزوم؛ لأنه جواب الشرط؛ أي: يُنَفِّذه، ويكمله (^٤).
قال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها، وبعد العِلم، فإن رؤياه وحي، فعبَّر عما عَلِمه بلفظ الشك، ومعناه اليقين؛ إشارةً إلى أنه لا دَخْل له فيه، وليس ذلك باختياره، وفي قدرته. انتهى.
قال في "العمدة": "بيَّن حماد بن سلمة في روايته المراد، ولفظه: "أُتيت بجارية في سرقة من حرير، بعد وفاة خديجة، فكشفتها، فإذا هي أنت"، وهذا يدفع الاحتمال الذي ذكره الكرمانيّ" (^٥).
وقال في "الفتح": قال عياض: يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل البعثة، فلا إشكال فيه، وإن كان بعدها ففيه ثلاث احتمالات:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢١.
(٢) "عمدة القاري" ٢٤/ ١٥٠.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٢٢.
(٤) "عمدة القاري" ٢٤/ ١٥٠.
(٥) "عمدة القاري" ٢٤/ ١٥٠.
[ ٣٩ / ٥٢ ]
أحدها: التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟
ثانيها: أنه لفظُ شكٍّ لا يراد به ظاهره، وهو أبلغ في التحقق، ويسمى في البلاغة: مزجُ الشك باليقين.
ثالثها: وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها، وحقيقتها؟ أو هي رؤيا وحي لها تعبير؟ وكلا الأمرين جائز في حق الأنبياء.
قال الحافظ: الأخير هو المعتمَد، وبه جزم السهيليّ عن ابن العربيّ، ثم قال: وتفسيره باحتمال غيرها لا أرضاه، والأول يردّه أن السياق يقتضي أنها كانت قد وجدت، فإن ظاهر قوله: "فإذا هي أنت" مشعر بأنه كان قد رآها، وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها وُلدت بعد البعثة، ويردّ أول الاحتمالات الثلاث رواية ابن حبان في آخر حديث الباب: "هي زوجتك في الدنيا والآخرة"، والثاني بعيد. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٦٣ و٦٢٦٤] (٢٤٣٨)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٧٩٥) و"النكاح" (٥٠٧٨ و٥١٢٥) و"التعبير" (٧٠١١ و٧٠١٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤١ و١٢٨) وفي "فضائل الصحابة" (١٦٣٨)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ٦٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤٤٩٨ و٤٦٠٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٩٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٤١ و٤٢ و٤٣)، و(الخطيب) في "تاريخه" (٥/ ٤٢٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٨٥)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٢٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عائشة -﵂-، حيث إن الله -﷿- أراها النبيّ -ﷺ- في منامه قبل أن يتزوّجها، وأخبره بأنها زوجته في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٤١، كتاب "النكاح" رقم (٥١٢٥).
[ ٣٩ / ٥٣ ]
٢ - (ومنها): أن البخاريّ -﵀- استدلّ به على جواز النظر للمرأة الأجنبيّة قبل أن يتزوّجها، فقال: "باب النظر إلى المرأة قبل التزويج"، قال ابن المنير -﵀-: في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظرٌ؛ لأن عائشة -﵂- كانت إذ ذاك في سنّ الطفولية، فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قوله: "إن يك من عند الله يُمضِه" ظاهره الشَّك في صحة هذه الرؤيا، فإنْ كان هذا منه -ﷺ- قبل النبوة، فلا إشكال فيه؛ لأنَّ حُكمه حُكم البشر، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكِل؛ إذ رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم، والوحي لا يُشَكّ فيه، وقد انفُصِل عن هذا بأن قيل: إنَّ شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا، وإن ذلك من الله، ولكن في كون هذه الرؤيا على ظاهرها، فلا تحتاج إلى تعبير، أو المقصود بها معناها، فتحتاج إلى تعبير، أو في كونها امرأته في الدنيا، أو في الآخرة.
وقيل: لم يكن عنده شك في ذلك، بل محققًا له، لكنه أتى به على صورة الشك، وهو غير مراد، كما قال الشاعر [من الطويل]:
أيا ظَبْيَة الوَغْساءِ بَيْنَ حَلاحِل … وبَيْنَ النَّقا أَأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟
وهذا نوع من أنواع البلاغة معروف عند أهلها يسمى: تجاهل العارف، وقد سُمِّي مزج الشك باليقين، ونحو منه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، ونحوه، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ [الأنبياء: ١١١]، فإنه -ﷺ- لم يشك في شيء من ذلك، لكن أتى به على التقدير، لا التحقيق. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢.
[ ٣٩ / ٥٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوْديَ، أبو محمد الكوفيّ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة هذه ساقها أبو عوانة -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٤٢٧٨) - حدّثنا أبو أمية، قثنا (^١) يوسف بن بهلول، قثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "أريتك في المنام في يد ملَك، يقول: هذه زوجتك، فأقول: إن كان هذا من عند الله يُمضه". انتهى (^٢).
ورواية أبي أسامة، عن هشام ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٤٧٩٠) - حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "أريتك في المنام مرتين؛ إذا رجل يحملك في سَرَقة حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه". انتهى (^٣).
وساقها أيضًا ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:
(٧٠٩٣) - أخبرنا ابن خزيمة، حدّثنا محمد بن العلاء أبو كريب، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله -ﷺ-: "رأيتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله يُمضه". انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قوله "قثنا" في الموضعين مختصر من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
(٢) "مسند أبي عوانة" ٢٣/ ٨٢.
(٣) "صحيح البخاريّ" ٥/ ١٩٥٣.
(٤) "صحيح ابن حبان" ١٦/ ٥.
[ ٣٩ / ٥٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٥] (٢٤٣٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، وكذا لطائف الإسناد سبقت.
[تنبيه]: قوله في السند الأول: (وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) هو من كلام أبي بكر بن أبي شيبة، ثم إن هذا لا يضرّ في صحة الحديث حيث كان وجادة؛ لأنه وَصَله بعده من رواية أبي كريب، كما نبّه على ذلك الرشيد العطار، وقد تقدّم ذلك في "مقدّمة شرح المقدّمة" (^١)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنِّي لأَعْلَمُ) قال في "الفتح": يؤخذ منه استقراء الرجل حال المرأة من فِعلها وقولها، فيما يتعلق بالميل إليه وعدمه، والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك؛ لأنه -ﷺ- جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذِكرها لاسمه، وسكوتها، فبنى على تغير الحالتين من الذِّكر والسكوت تغيّر الحالتين من الرضا والغضب، ويَحْتَمِل أن يكون انضم إلى ذلك شيء آخر أصرح منه، لكن لم ينقل. انتهى (^٢).
قال القاضي عياض -﵀-: مغاضبة عائشة للنبيّ -ﷺ- هي مما سبق من
_________________
(١) راجع: "قرة عين المحتاج" ١/ ١٢٦.
(٢) "الفتح" ٨/ ٦٧٨، كتاب "النكاح" رقم (٥٢٢٨).
[ ٣٩ / ٥٦ ]
الغيرة التي عُفي عنها للنساء في كثير من الأحكام، كما سبق؛ لعدم انفكاكهنّ منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحدّ إذا قَذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة، قال: واحتُجّ بما روي عن النبيّ -ﷺ-؛ أنه قال: "ما تدري الغيرى أعلى الوادي من أسفله"، ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبيّ -ﷺ-، وهَجْره كبيرة عظيمة، ولهذا قالت: "لا أهجر إلا اسمك"، فدلّ على أن قلبها وحبها كما كان، وإنما الغيرة في النساء؛ لفرط المحبة. انتهى (^١).
(إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَىَّ غَضْبَى") بفتح الغين المعجمة، والقصر تأنيث غضبان. (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ -ﷺ-: "أمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، قَالَتْ) عائشة: (قُلْتُ: أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنًى، قال الأخفش: إلا أن "نعم" أحسن من "أجل" في جواب الاستفهام، و"أجل" أحسن من "نعم" في التصديق، قال الحافظ: وهو في الحديث على وفق ما قال. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ: "أجل"؛ تعني: نعم، وتعني بذلك أنها، وإن أعرضت عن ذكر اسمه في حالة غضبها، فقلبها مغمور بمحبته -ﷺ- لم يتغيَّر منها شيء. وفي هذا ما يدلّ على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحُسن العشرة، وفيه ما يدلّ على: أن الاسم غير المسمَّى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون، وللكلام فيها مواضع أخر. انتهى (^٣).
(وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا) نافية، (أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ) قال الطيبيّ -﵀-: هذا الحصر لطيف جدًّا؛ لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره، لا تتغير عن المحبة المستقرّة، فهو كما قيل [من الكامل]:
إِنِّي لأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي … قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ
وقال ابن الْمُنَيِّر -﵀-: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية، ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودةً ومحبة. انتهى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٣.
(٢) "الفتح" ١٣/ ٦٥٢ - ٦٥٣.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
[ ٣٩ / ٥٧ ]
وفي اختيار عائشة -﵂- ذِكر إبراهيم -﵊- دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها؛ لأن النبيّ -ﷺ- أَولى الناس به، كما نَصّ عليه القرآنُ، فلمّا لم يكن لها بُدّ من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل، حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٦٥ و٦٢٦٦] (٢٤٣٩)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٢٢٨) و"الأدب" (٦٠٧٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٦٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦١ و٢١٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١١٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ٢٩٨ و٢٩٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ١١٩ و١٢٠ و١٢٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٧)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٢٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سعة أخلاق النبيّ -ﷺ-، وشدّة تحمّله ما يحصل من النساء بسبب الغيرة.
٢ - (ومنها): بيان شدّة غيرة النساء، وتحمّل الرجال ذلك منهنّ، والعفو والصفح عنهنّ.
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض: استَدَلَّ بعضهم بهذا أن الاسم غير المسمى في المخلوقين، وأما في حق الله تعالى فالاسم هو المسمى، قال القاضي: وهذا كلام مَن لا تحقيق عنده مِن معنى المسألة لغة ولا نظرًا، ولا شك عند القائلين بأن الاسم هو المسمى من أهل السُّنَّة وجماهير أئمة اللغة أو مخالفيهم من المعتزلة أن الاسم قد يقع أحيانًا، والمراد به التسمية، حيث كان
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٦٧٨، كتاب "النكاح" رقم (٥٢٢٨).
[ ٣٩ / ٥٨ ]
في خالق، أو مخلوق، ففي حق الخالق تسمية المخلوق له باسمه، وفعل المخلوق ذلك بعباراته المخلوقة، وأما أسماؤه -﷿- التي سمى بها نفسه فقديمة، كما أن ذاته وصفاته قديمة وكذلك لا يختلفون أن لفظة الاسم إذا تكلم بها المخلوق فتلك اللفظة والحروف والأصوات المقطعة المنفهم منها الاسم أنها غير الذات، بل هي التسمية، وإنما الاسم الذي هو الذات ما يفهم منه من خالق ومخلوق. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ في هذه المسألة ما قاله بعض المحقّقين (^٢): إن الصواب أن الاسم قد يراد به المسمّى، وقد يراد به غير المسمّى، وهو اللفظ؛ كقولك: الله مشتقّ، وأصله الإله، والرحمن عربيّ، فأسماء الله تعالى إذا وردت في سياق الدعاء، والاستعاذة، فالمراد بها المسمّى، وإذا وردت في مقام التعداد، واختلاف الدلالات، فالمراد بها الأسماء الدالّة على المسمّى، كما قال -ﷺ-: "إن لله تسعًا وتسعين اسمًا. . ."، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: "لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، و"عبدة" هو: ابن سليمان الكلابيّ.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) فاعل "يذكر" ضمير عبدة، هكذا نصّ مسلم على أن عبدة لم يذكر ما بعد قوله: "لا ورب إبراهيم"، لكن الذي وجدته أنه ذكر ما بعده، فقد أخرج البخاريّ الحديث في "صحيحه"، كما في التنبيه التالي، وكذا أحمد في "مسنده"، وغيرهما، من طريق عبدة عن هشام، وفيه الزيادة المذكورة، ولعلّ مسلمًا وجد ما أشار إليه، فإنه إمام مطّلع، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) راجع: ما كتبه الشيخ البراك في هامش "الفتح" ١٧/ ٣٤٢، كتاب "التوحيد".
[ ٣٩ / ٥٩ ]
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٥٧٢٨) - حدّثنا محمد (^١)، أخبرنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "إني لأعرف غضبك ورضاك"، قالت: قلت: وكيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: "إنك إذا كنت راضية قلت: بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت: لا ورب إبراهيم"، قالت: قلت: أجل لست أهاجر إلا اسمك. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٧] (٢٤٤٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأتِينِي صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وكذا لطائف الإسناد قد تقدّمت.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ) قال في "العمدة": بالبنات: هي التماثيل التي تسمى لُعَب البنات، وهي مشهورة، وقال الداوديّ: يَحْتَمِل أن يكون الباء بمعنى "مع"، والبنات: الجواري. انتهى (^٣).
وزاد في الرواية التالية: "وهُنّ اللُّعَبُ"، قال القرطبيّ -﵀-: و"اللُّعَب": جمع لُعْبة، وهو ما يُلعب به، والبنات: جمع بنت، وهنَّ الجواري، وأضيفت اللُّعب للبنات؛ لأنهنَّ هنَّ اللواتي يصنعنها، ويلعبن بها، وقد تقدَّم القول في جواز ذلك، وفي فائدته، وأنه مستثنى من الصور الممنوعة؛ لأنَّ ذلك من باب
_________________
(١) هو ابن سلام البيكنديّ.
(٢) "صحيح البخاريّ" ٥/ ٢٢٥٧.
(٣) "عمدة القاري" ٢٢/ ١٧٠.
[ ٣٩ / ٦٠ ]
تدرّب النساء من صغرهن على النظر لأنفسهنّ، وبيوتهنّ، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن، غير مالك فإنَّه كره ذلك، وحَمَله بعض أصحابه على كراهية الاكتساب بذلك. انتهى (^١).
(عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي) جمع صاحبة، ويُجمع أيضًا على صواحبات، وهنّ الجواري من أقرانها، وفي رواية البخاريّ: "وكان لي صواحب يلعبن معي"، (فَكُنَّ)؛ أي: صواحباتها (يَنْقَمِعْنَ)؛ أي: ينقبضن، ويستترن حياء، وفي لفظ للبخاريّ: "يتقمّعن"، بمثناة، وتشديد الميم المفتوحة، قال في "الفتح": وفي رواية الكشميهنيّ بنون ساكنة، وكسر الميم: ومعناه: أنهن يتغيبن منه، ويدخلن من وراء الستر، وأصله من قِمَع التمرة (^٢)؛ أي: يدخلن في الستر، كما يدخلن التمرة في قِمَعها. انتهى.
وقال في "العمدة": قوله: "ينقمعن منه"؛ أي: يذهبن، ويستترن من النبيّ -ﷺ-، وهو من الانقماع، من باب الانفعال، وهو رواية الكشميهنيّ، وعند غيره: "يتقمعن" من التقمع من باب التفعل، ومادته قاف، وميم، وعين مهملة، وقال أبو عبيد: يتقمعن؛ يعني: يدخلن البيت، وَيغِبْن، ويقال: الإنسان قد انقمع، وتقمّع: إذا دخل في الشيء، وقال الأصمعيّ: ومنه سمّي القِمَع الذي يُصب فيه الدهن وغيره؛ لدخوله في الإناء. انتهى (^٣).
(مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) هيبةً له، (قالَتْ) عائشة: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ) بسين مهملة، ثم موحّدة؛ أي: يُرسلهن إليها، ويسكِّنهنَّ، ويؤنسهنَّ حتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ منه، فيَرجعنَ يلعبْنَ معها كما كنَّ (^٤).
وقال في "العمدة": قوله: "فيسرّبهنّ" بالسين المهملة؛ أي: يرسلهنّ، من
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢٣.
(٢) القمع بكسر، ففتح: ما على التمر ونحوها، وهو الذي تتعلّق به، والقِمَع أيضًا: آلة تُجعل في فم السقاء، ويُصبّ فيها الزيت ونحوه، وهما مثلُ عِنَبٍ في الحجاز، ومثل حِمْل للتخفيف في تميم، والجمع أقماع. انتهى. "المصباح" ٢/ ٥١٦.
(٣) "عمدة القاري" ٢٢/ ١٧٠
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
[ ٣٩ / ٦١ ]
التسريب، وهو الإرسال، والتسريح، والسارب: الذاهب، يقال: سَرَّب عليه الخيلَ، وهو أن يبعث عليه الخيل قطعةً بعد قطعة، وقوله: "إليّ" بتشديد الياء المفتوحة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٦٧ و٦٢٦٨] (٢٤٤٠)، و(البخاريّ) في "الأدب" (٦١٣٠)، و(أبو داود) في "الأدب" (٤٩٣١)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٦/ ١٣١)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٨٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٧٢٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢٦٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٦٦ و٢٣٣ و٢٣٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٢٧٥ و٢٧٧ و٢٧٨ و٢٨٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٨٦٣)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ٦٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عائشة -﵂-، حيث كان النبيّ -ﷺ- يُحبها حبًّا شديدًا.
٢ - (ومنها): بيان لُطف النبيّ -ﷺ-، وحُسْن معاشرته، فمن ذلك أنه كان يترك عائشة -﵂- تلعب بالبنات مع صواحباتها، بل إذا خِفن منه، وانقمعن، يرسلهن إليها، حتى تقضي وَطَرَها من اللعب، وهذا غاية اللطف، وكريم الأخلاق، وحُسْن المعاشرة.
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: فيه جواز اللعب بالبنات، قال: وهنّ مخصوصات من الصور المنهيّ عنها، لهذا الحديث، ولِمَا فيه من تدريب النساء في صغرهنّ لأَمْر أنفسهنّ، وبيوتهنّ، وأولادهنّ، قال: وقد أجاز العلماء بيعهنّ وشراءهنّ، ورُوي عن مالك كراهة شرائهنّ، وهذا محمول على
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٢/ ١٧٠.
[ ٣٩ / ٦٢ ]
كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولّي بيع ذلك، لا كراهة اللعب، قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهنّ، وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور. انتهى كلام القاضي -﵀- (^١).
وقال في "الفتح": واستُدِلّ بهذا الحديث على جواز اتخاذ صُوَر البنات، واللُّعَب من أجل لَعِب البنات بهنّ، وخُصّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللُّعَب للبنات لتدريبهنّ من صِغَرهنّ على أمر بيوتهن، وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، وحَكَى عن ابن أبي زيد، عن مالك، أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجّح الداودي أنه منسوخ، وقد ترجم ابن حبان الإباحة لصغار النساء اللَّعِبَ باللُّعَب، وترجم له النسائيّ: "إباحةُ الرجل لزوجته اللعب بالبنات"، فلم يقيّد بالصغر، وفيه نظر.
قال البيهقيّ بعد تخريجه: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيُحْمَل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزيّ، وقال المنذريّ: إن كانت اللُّعَب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وبهذا جزم الْحَلِيميّ، فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يَجُزْ، وإلا جاز.
وقيل: معنى الحديث: اللَّعب مع البنات؛ أي: الجواري، والباء هنا بمعنى "مع"، حكاه ابن التين عن الداوديّ، وردّه. قال الحافظ: ويردّه ما أخرجه ابن عيينة في "الجامع" من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، عنه، عن هشام بن عروة، في هذا الحديث: "وكنّ جواري يأتين، فيلعبن بها معي"، وفي رواية جرير، عن هشام: "كنت ألعب بالبنات، وهُنَّ اللُّعَب"، أخرجه أبو عوانة وغيره.
وأخرج أبو داود، والنسائيّ من وجه آخر، عن عائشة قالت: "قَدِم رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك، أو خيبر. . ." فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها، قالت: فكشف ناحية الستر علي بنات لعائشة لُعَب،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٤.
[ ٣٩ / ٦٣ ]
فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت بناتي، قالت: ورأى فيها فرسًا مربوطًا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس، قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة، فضحك"، فهذا صريح في أن المراد باللُّعَب غير الآدميات.
قال الخطابيّ: في هذا الحديث أن اللَّعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ.
قال الحافظ: وفي الجزم به نظر، لكنه مُحْتَمِلٌ؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها، أو جاوزتها، أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك، فكانت قد بلغت قطعًا، فيترجح رواية من قال: في خيبر، ويُجْمَع بما قال الخطابيّ؛ لأن ذلك أَولى من التعارض. انتهى الحافظ -﵀- (^١)، وهو بحث مفيد.
خلاصته: أن الحديث يدلّ على الترخيص للبنات قبل البلوغ أن يلعبن بالبنات؛ لتدريبهنّ على تربية أولادهنّ، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِهِ، وَهُنَّ اللُّعَبُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد الله بن نمير.
وقوله: (كلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ) ضمير الجماعة لهؤلاء الثلاثة: أبي أسامة، وجرير بن عبد الحميد، ومحمدَ بن بشر.
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٧٠٠ - ٧٠١، كتاب "الأدب" رقم (٦١٣٠).
[ ٣٩ / ٦٤ ]
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها أبو عوانة -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٤٢٦٢) - حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، قثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، بإسناده: "كنت ألعب بالبنات، فتجيء صواحبي، فكنّ ينقمعن من رسول الله -ﷺ- إذا دخل، وكان رسول الله -ﷺ- يُسَرِّبهنّ يلعبن معي". انتهى (^١).
ورواية جرير بن عبد الحميد عن هشام ساقها ابن أبي الدنيا -﵀- في "كتاب العيال" بسند المصنّف، فقال:
(٥٥٩) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "تزوجني رسول الله -ﷺ-، وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي، وأنا بنت تسع سنين، قالت: وكنت ألعب بالبنات في بيته، وهي اللُّعَب، وكُنّ جَواري يختلفن إليّ، فكن ينقمعن -يعني: يستترن- من رسول الله -ﷺ-، فكان يسرّبهنّ، فيدخلن عليّ، فيلعبن معي". انتهى (^٢).
ورواية محمد بن بشر عن هشام ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٢٦٠٠٣) - حدّثنا محمد بن بشر، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها: "كانت تلعب بالبنات، فكان النبيّ -ﷺ- يأتي بصواحبي يلعبن معي". انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٩] (٢٤٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-).
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٢٣/ ٧٨.
(٢) "العيال" ٢/ ٧٥٦.
(٣) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٦/ ٢٣٣.
[ ٣٩ / ٦٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ)؛ أي: في تقديمها إلى النبيّ -ﷺ-، (يَوْمَ عَائِشَةَ)؛ المعنى: أنهم ينتظرون اليوم الذي يبيت فيه رسول الله -ﷺ- عند عائشة -﵂-، فيُقدّمون إليه هداياهم في ذلك اليوم؛ لِعِلْمهم بأنه -ﷺ- يحب ذلك؛ لحبّه عائشة -﵂- أكثر من غيرها.
(يَبْتَغُونَ) بِالغين المعجمة، من الابتغاء؛ أي: يطلبون، ويُروى: "يتّبعون" من الاتّباع. (بِذَلِكَ)؛ أي: بتحرّيهم يوم عائشة -﵂- (مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: لأنه يفرح به؛ لكونه أهدي له، وهو في بيت أحبّ الناس إليه.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ -﵀- هذا الحديث في "صحيحه" مختصرًا، ولفظه:
(٢٥٨٠) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: كان الناس يتحرّون بهداياهم يومي، وقالت أم سلمة: إن صواحبي اجتمعن، فذكَرَت له، فأعرض عنها. انتهى (^١).
فقال في "الفتح": هكذا أورده مختصرًا جدًّا، وقد أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم، والإسماعيليّ من طريق محمد بن عبيد، زاد الإسماعيليّ، وخلف بن هشام، كلاهما عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد، بلفظ: "كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة، فقلن لها: خَبِّري رسول الله -ﷺ- أن يأمر الناس أن يُهدوا له حيث كان، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبيّ -ﷺ- قالت: فأعرض عني، قالت: فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عني. . ." الحديث، وقد أخرجه البخاريّ في مناقب عائشة، عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن حماد بن زيد، فقال: عن هشام، عن أبيه: "كان الناس يتحرون. . ." فذكره بتمامه، مرسلًا.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٢/ ٩١١.
[ ٣٩ / ٦٦ ]
ورَوَى ابن سعد في طبقات النساء، من حديث أم سلمة قالت: "كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله -ﷺ-: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعمارة بن حزم، وأبو أيوب، وذلك لِقُرب جوارهم من رسول الله -ﷺ-". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٦٩] (٢٤٤١)، و(البخاريّ) في "الهبة" (٢٥٧٤ و٢٥٨٠ و٢٥٨١) و"فضائل الصحابة" (٣٧٧٥)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٧٩)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٧/ ٦٨) و"الكبرى" (٥/ ٢٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٦٩)، وفوائده تأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٠] (٢٤٤٢) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيْه، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَيْ بُنَيَّةُ، ألَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ "، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ"، قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْنَ
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٢٩، كتاب "الهبة" رقم (٢٥٨٠).
[ ٣٩ / ٦٧ ]
لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَهِيَ الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ أَرَ امْرَأةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زينَبَ، وَأَتْقَى للهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ، كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، قَالَتْ: فَاسْتَأذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟ قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَتبَسَّمَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلال، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر هاشم بن القاشم البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، واسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريبًا.
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان أبو محمد أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب ولد
[ ٣٩ / ٦٨ ]
عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ المدنيّ، أخو أبي بكر، ثقةٌ [٣] (خت م س).
رَوَى عن عائشة، وعنه الزهريّ.
قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال النسائي: ثقةٌ، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وقال الأزدي في "الضعفاء": محمد بن عبد الرحمن بن الحارث: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
قال الجامع عفا الله عنه: من المعلوم أن ابن معين يُطلق هذه العبارة أحيانًا على من يكون قليل الحديث، ولا يريد بذلك تضعيف الراوي، وهو الظاهر هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالمدنيين، سوى شيوخه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: صالح، وابن شهاب، ومحمد بن عبد الرحمن، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المخزومي المدنيّ (أَنَّ عَائِشَةَ زوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- فاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) وروى ابن سعد من مرسل علي بن الحسين؛ أن التي خاطبتها بذلك منهنّ زينب بنت جحش، وأن النبيّ -ﷺ- سألها: أرسلتك زينب؟ قالت: زينب وغيرها، قال: أهي التي وَليَتْ ذلك؟
[ ٣٩ / ٦٩ ]
قالت: نعم (^١). (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) وسبب الإرسال هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما، واللفظ للبخاريّ، من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، قال: كان الناس يَتَحَرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير، كما تريده عائشة، فمُرِي رسول الله -ﷺ-، أن يأمر الناس أن يُهدُوا إليه، حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبيّ -ﷺ-، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذاك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: "يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحيُ، وأنا في لِحَاف امرأة منكن غيرها".
وأخرج أيضًا من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، "أن نساء رسول الله -ﷺ-، كُنّ حزبين، فحزب فيه عائشة، وحفصة، وصفية، وسودة، والحزب الآخر أم سلمة، وسائر نساء رسول الله -ﷺ-، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله -ﷺ- عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية، يريد أن يُهديها إلى رسول الله -ﷺ-، أخَّرها حتى إذا كان رسول الله -ﷺ-، في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله -ﷺ- في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول الله -ﷺ-، يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يُهدي إلى رسول الله -ﷺ- هدية، فليُهده إليه، حيث كان، من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: فكلميه، قالت فكَلَّمَتْهُ حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة، إلا عائشة"، قالت: فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهنّ دعون فاطمة، بنت رسول الله -ﷺ-، فأَرْسَلَت إلى رسول الله -ﷺ-، تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر. . ." الحديث.
(فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيْهِ)؛ أي: طلبت الإذن بالدخول عليه -ﷺ- (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ)
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٣٠.
[ ٣٩ / ٧٠ ]
اسم فاعل من الاضطجاع، افتعال من الضَّجْعِ، يقال: ضَجَعتُ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: وَضَعْتُ جنبي بالأرض، وأَضْجعتُ بالألف لغةٌ. قاله الفيّوميّ -﵀-. والجملة في محل نصب على الحال؛ أي: والحال أنه -ﷺ- واضع جنبه على الأرض. (مَعِي فِي مِرْطي) بكسر الميم، وسكون الراء: كساء من صوفٍ، أو خَزٍّ، يُؤتزرُ به، وتَتَلَفَّع المرأة به، والجمع: مُرُوط، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول. قاله الفيّوميّ -﵀-.
قال أبو العباس القرطبيّ -﵀-: وفي دخول فاطمة، وزينب على رسول الله -ﷺ-، وهو مع عائشة في مِرْطها، دليلٌ على جواز مثل ذلك؛ إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يُستقبح على من فَعَل ذلك مع خاصّته، وأهله. انتهى (^١).
قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: قد تبيّن برواية مسلم، والنسائيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة أن كلًّا منهما لم يدخل إلا بعد استئذان، فلو كره -ﷺ- دخولهما على تلك الحالة لحجبهما، أو تغيّر عن حالته التي كان عليها.
[فإن قلت]: فقد رَوَى النسائيّ (^٢)، وابن ماجه من رواية البَهِيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله أحسبك، إذا قَلَبَتْ بُنَيّةُ أبي بكر ذُرَيْعَتَيها، ثم أقبلت عليّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي -ﷺ-: "دونك فانتصري"، فأقبلت عليها، حتى رأيتها، وقد يبس ريقها في فيها، ما تردّ عليّ شيئًا، فرأيت النبيّ -ﷺ- يتهلل وجهه.
[قلت]: الظاهر أن هذه واقعة أخرى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور حديث صحيح، وهذا الذي قاله وليّ الدين -﵀-: مِن حَمْل هذه القصّة على أنها واقعة أخرى حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَأَذِنَ) -ﷺ- (لَهَا)؛ أي: لفاطمة بالدخول عليه، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢٤.
(٢) أي: في "الكبرى" ٥/ ٢٩٠.
[ ٣٩ / ٧١ ]
أَزْوَاجَكَ ارْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) قال النوويّ -﵀-: معناه: يسألنك التسوية في محبّة القلب، وكان -ﷺ- يُسوّي بينهنّ في الأفعال، والمبيت، ونحوه، وأما محبّة القلب فكان يحبّ عائشة -﵂- أكثر منهنّ، وأجمع المسلمون على أن محبّتهنّ لا تكليف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله، وإنما أمر بالعدل في الأفعال، وقد اختلف أصحابنا، وغيرهم من العلماء في أنه -ﷺ-، هل كان يلزمه القَسْم بينهنّ في الدوام، والمساواة في ذلك، كما يلزم غيره، أم لا يلزمه، بل يفعل ما يشاء، من إيثار وحرمان؟، فالمراد بالحديث: طلب المساواة في محبّة القلب، لا العدل في الأفعال، فإنه كان حاصلًا قطعًا، ولهذا كان يُطاف به -ﷺ- في مرضه عليهنّ حتى ضَعُف، فاستأذنهنّ في أن يُمَرَّض في بيت عائشة، فأَذِنَّ له. انتهى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀-: طلبُ أزواج النبيّ -ﷺ- منه العدل بينهنّ، وبين عائشة -رضي الله تعالى عنهنّ- ليس على معنى أنه جارَ عليهنّ، فمنَعهنّ حقًّا هو لهنّ؛ لأنه -ﷺ- منزَّهٌ عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهنّ واجبًا عليه، لكن صَدَر ذلك منهنّ بمقتضى الْغَيْرة، والحرص على أن يكون لهنّ مثلُ ما كان لعائشة -﵂- من إهداء الناس له، إذا كان في بيوتهنّ، فكأنهنّ أردن أن يأمر من أراد أن يُهدي له شيئًا ألّا يتحرّى يوم عائشة -﵂-، ولذلك قال: "وكان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة".
ويَحْتَمِل أن يقال: إنهنّ طلبن منه أن يُسوّي بينهنّ في الحبّ، ولذلك قال -ﷺ- لفاطمة -﵂-: "ألست تُحبّين من أُحبّ؟ " قالت: بلى، قال: "فأَحِبِّي هذه"، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء، أما الهديّة فلا تُطلب من المهدي، فلا يتعيّن لها وقتٌ، وأما الحبّ، فغير داخل تحت قدرة الإنسان، ولا كسبه. انتهى (^٢).
وقال الحافظ وليّ الدين -﵀-: مقتضى القصّة التي سُقناها من عند البخاريّ أن الذي طَلَبْنه منه مساواتهنّ لعائشة في الإهداء للنبيّ -ﷺ- في بيوتهنّ، وقد صرّحت له أم سلمة بذلك مرارًا قبل حضور فاطمة، وزينب، ولم يصدُر
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
[ ٣٩ / ٧٢ ]
ذلك منهن عن اعتدال، وهذا الكلام فيه تعريضٌ بطلب الهديّة، واستدعائها، وذلك ينافي كماله -ﷺ- أن يقوله على سبيل العموم، أما قوله ذلك لواحد بعينه على سبيل الانبساط إليه، وتكريمه فلا مانع منه، بل آحاد ذوي المودّات يمتنع من مثل ذلك، ولعلّ قوله -ﷺ- في جواب أم سلمة: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة"، إشارة إلى أن تقليب قلوب الناس للإهداء في نوبة عائشة أمرٌ سماويٌّ، لا حِيلة لي فيه، ولا صُنْع بدليل اختصاصها بنزول الوحي عليّ، وأنا في ثوبها، دون غيرها من أمهات المؤمنين، فلا يمكنني قَطْعُ ذلك، ولا آمُرُ الناس بخلافه. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- (^١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وقولها: (وَأنَا سَاكِتَةٌ) جملة في محل نصب على الحال. (قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَيْ بُنيَّةُ) "أيْ" حرف نداء للقريب، (أَلسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ "، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ") يريد عائشة -﵂-. (قَالَتْ) عائشة: (فَقَامَتْ فَاطِمَةُ) -﵂- من مجلسها ذلك (حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِي -ﷺ-، فَأخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ)؛ أي: بما قالته فاطمة للنبيّ -ﷺ- من قولها: "إن أزواجك أرسلنني إليك. . . إلخ"، (وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: وبالجواب الذي ردّه عليها النبيّ -ﷺ-، وهو قوله: "ألست تُحبّين. . . إلخ"، (فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ)؛ أي: لم تنفعينا بقضاء حاجتنا، (فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: مرّةً أخرى، (فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ) -بفتح حرف المضارعة، وضمّ الشين المعجمة-: أي: يسألنك، يقال: نَشَدتُ فلانًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك اللهَ، كأنك ذكّرته إيّاه. وفي رواية: "يناشدنك الله العدل"؛ أي: يسألنك بالله العدل (فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) أبو قُحافة: هو والد أبي بكر -﵄-، وفي نِسبتها إلى جدِّها، وإن كان صحيحًا سائغًا، إلا أن فيه نوع غضٍّ منها؛ لِنَقْص رتبته بالنسبة إلى أبيها الصدّيق، لا سيّما إن كان ذلك قبل إسلام أبي قُحافة -﵃-، قاله وليّ الدين -﵀-. (فَقَالَتْ فَاطِمَةُ) -﵂-: (وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا) وفي رواية
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٥١ - ٥٢.
[ ٣٩ / ٧٣ ]
النسائيّ: "قالت فاطمة: لَا وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا" بتكرار "لا"، والثانية مؤكّدة للأولى، كُرّرت للفصل بينها وبين الفعل بالقَسَم.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂-، قالت عائشة: (وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي)؛ أي: تطاولني، وترافعني، وهو مأخوذٌ من السّمُوّ، وهو العلوّ والرفعة. تعني أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الْحُظوة والمنزلة عند رسول الله -ﷺ- مثلُ ما كان لعائشة عنده. وقيل: إنه مأخوذٌ من قولهم: سامه؛ أي: كلّفه ما يَشُقّ عليه، ويُذلّه. وفيه بُعْدٌ من جهة اللسان والمعنى. قاله أبو العباس القرطبيّ.
وقال القاضي عياض -﵀- في "المشارق": معنى "تساميني"؛ أي: تضاهيني، وتعاندني، وتطاولني، وأصله من السّمُوّ، والارتفاع، يقال: فلان يسمو إلى المعالي؛ أي: يتطاول إليها، ورأيت بعضهم فسَّره مِن سَوْمِ الْخَسْف، وهو تجشّم الإنسان ما يشق عليه، ويكرهه، وملازمة ذلك عليه، كأنه ذهب إلى أن معناه: تؤذيني، وتُغيظني، ولا يصح على هذا من جهة العربية أن يقال في المفاعلة منه: سامَني، إنما يصح فيه ساوم، والوجه ما قلناه. انتهى (^١).
(مِنْهُنَّ)؛ أي: من أزواجه -ﷺ-، (فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ أَرَ امْرَأةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زينَبَ، وَأَتْقَى للهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِم، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ) الابتذال مصدر ابتذل، من البِذْلة، وهي الامتهان بالعمل والخِدْمة. (الَّذِي تَصَدَّقُ بِه، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى) بحذف إحدى التاءين من الفعلين، كما في قوله -﷿-: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
والمعنى: تتصدّق به على الفقراء والمساكين، وتتقرّب به إلى الله تعالى، فكانت زينب -﵂- تعمل بيديها عمل النساء، من الغزل، والنسج، وغير ذلك، مما جرت به عادة النساء بعمله، والكسب به، فتتصدّق بذلك، وتَصِل به ذوي
_________________
(١) "مشارق الأنوار" ٢/ ٢٢١.
[ ٣٩ / ٧٤ ]
رحمها، وهي التي كانت أطولهنّ يدًا بالعمل والصدقة، وهي التي قال النبيّ -ﷺ- عنها: "أسرعكنّ لحاقًا بي أطولكنّ يدًا"، فقد أخرج الشيخان، واللفظ للبخاريّ، عن عائشة -﵂-؛ أن بعض أزواج النبيّ -ﷺ-، قلن للنبيّ -ﷺ-: أينا أسرع بك لحوقًا؟، قال: "أطولكن يدًا"، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعدُ أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة.
وفيه فضيلة ظاهرةٌ لعائشة وزينب -﵄-، أما زينب، فَلِما اتّصفت به من هذه الخصال الحميدة، وأما عائشة، فلأنه لم يمنعها ما كان بينهما من وصفها بما تعرفه منها.
وقوله: (مَا عَدَا) من صيغ الاستثناء، وهي مع "ما" فعل يَنصب ما بعده، وبدونها حرف يَخفِضُ ما بعده على المشهور في الحالتين، ومثلها "خلا"، و"حاشا" لكنها لا تصحب "ما"، كما أشار إلى ذلك ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" حيث قال:
وَاسْتَثْنِ نَاصِبًا بِـ "لَيْسَ" و"خَلَا" … وَبِـ "عَدَا" وَبِـ "يَكُونُ" بَعْدَ "لَا"
وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ "يَكُونُ" إِنْ تُرِدْ … وَبَعْدَ "مَا" انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ
وَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانِ … كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلَانِ
وَكَـ "خَلَا" "حَاشَا" وَلَا تَصْحَبُ "مَا" … وَقِيلَ "حَاشَ" و"حَشَا" فَاحْفَظْهُمَا
(سَوْرَةً) -بفتح السين المهملة، وإسكان الواو، وبعدها راء، ثم هاء-: هو الثَّوَرَان، وعَجَلَة الغضب، ومنه سَوْرة الشراب، وهي قوّته، وحدّته؛ أي: يعتريها ما يعتري الشاربَ من الشراب. وهو منصوب على الاستثناء، كما قدّمناه، ويجوز جرّه على قلّة.
وقولها: (مِنْ حِدَّةٍ) بيان للسورة، وهو -بكسر الحاء، وتشديد الدال المهملتين-: الغضب. وقولها: (كَانَتْ فِيهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "حِدّة"، قال القرطبيّ: ويُروى هذا الحرف: "ما عدا سَوْرة حَدٍّ" - بفتح الحاء، من غير تاء تأنيث؛ أي: سرعة غضب. انتهى.
قال النوويّ: ومعنى الكلام: أنها كانت كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خُلُق، وسُرْعة غضب، تُسرع منها.
[ ٣٩ / ٧٥ ]
قال القرطبيّ: ولأجل هذه الحدّة وقعت بعائشة، واستطالت عليها؛ أي: أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة -﵂- ساكتةٌ تنتظر الإذن من رسول الله -ﷺ- في الانتصار، فلمّا علمت أنه لا يَكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها، فجاوبتها، وردّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لمّا بدأتها بالعتب واللوم، كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] انتهى.
(كَانَتْ فِيهَا تُسْرعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) -بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة-: المرة من الفيء، وهو الرجوع؛ تعني: أن زينب، وإن كان فيها سُرْعة غضب، إلا أنها تسرع الرجوع من ذلك، ولا تصرّ عليه.
قال النوويّ: وقد صحّف صاحب "التحرير" في هذا الحديث تصحيفًا قبيحًا جدًّا، فقال: "ما عدا سودة" وجعلها سودة بنت زمعة. وهذا من الغلط الفاحش، نبّهت عليه؛ لئلّا يُغترّ به. انتهى (^١).
(قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا) تقدّم ضبطه، ومعناه قريبًا. (عَلَى الْحَالَةِ الَّتي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ بِهَا)؛ أي: والحال أنه -ﷺ- بتلك الحالة، (فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَني إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي)؛ أي: سَبَّتني على عادة الضرّات، قال القرطبيّ: هو مأخوذ من الوقيعة التي هي معركة الحرب. وقيل: هو مأخوذٌ من الوقع، وهو أَلَمُ الرِّجْل من المشي، ومنه قولهم: كلّ الحذا يَحتذي الحافي الْوَقِعُ -بكسر القاف-. انتهى (^٢).
(فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ)؛ أي: أكثرت عليّ من القول، والْعَتْب (وَأنَا أَرْقُبُ رَسُولَ الله -ﷺ-) -بضمّ القاف- من باب نصر؛ أي: أنتظر، وأراعي (وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ) -بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء-؛ أي: عَيْنه، (هَلْ يَأْذَنُ لِى فِيهَا؟)؛ أي: في الانتصار منها. (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمْ تَبْرَحْ زينَبُ) -بفتح الراء- من باب تَعِب؛ أي: لم تزل من مكانها، ولم ترجع إلى بيتها، (حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ)؛ أي: من قرائن أحواله -ﷺ-.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٢٦.
[ ٣٩ / ٧٦ ]
قال النوويّ -﵀-: اعلم أنه ليس فيه دليلٌ على أنّ النبيّ -ﷺ- أَذِن لعائشة، ولا أشار بعينه، وغيرها، بل لا يحلّ اعتقاد ذلك، فإنه -ﷺ- يحرُمُ عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم يَنهها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه لا يحلّ اعتقاد ذلك يعكر عليه ما رواه النسائيّ في "الكبرى"، وابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح، من أنه -ﷺ- قال لعائشة -﵂-: "دونك، فانتصري"، فالذي يظهر أن هذا ليس من خائنة الأعين، بل هو من نَصْر المظلوم، فلا يَحْرُم عليه -ﷺ-، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": وفي هذا جواز العمل بما يُفهَم من القرائن، لكن روى النسائيّ، وابن ماجه مختصرًا من طريق عبد الله البهيّ، عن عروة، عن عائشة قالت: "دخلت عليّ زينب بنت جحش، فسبّتني، فردعها النبيّ -ﷺ-، فأبت، فقال: سُبّيها، فسَبَبْتُها حتى جَفّ ريقها في فمها"، فيمكن أن يُحْمَل على التعدد. انتهى (^١).
(قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا)؛ أي: سَبَبْتُها؛ جزاء لسبّها، (لَمْ أنْشَبْهَا) وفي الرواية التالية: "لم أنشبها أن أثخنتها عليه"، وفي رواية النسائيّ: "لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ"؛ أي: لم أُمهلها، ولم أتلبّث حتى أوقعت بها، وأصله من نَشِبَ بالشيء، أو في الشيء: إذا تعلّق به، واحتبس فيه، أو بسببه. (حَتَّى أنْحَيْتُ عَلَيْهَا) -بالنون، والحاء المهملة، بعدها مثنّاةٌ تحتيّةٌ-؛ أي: قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، -والمشهور بالثاء المثلّثة، والخاء المعجمة، والنون-؛ أي: قمعتها، وقهرتها، أو بالغت في جوابها، وأفحمتها.
وقال القرطبيّ: كذا الرواية بالنون، والحاء المهملة، والياء المثنّاة من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمّ ما يؤلمها، فكأنها أصابت منها مَقْتلًا. وفي "الصحاح": أنحيت على حَلْقه بالسكّين؛ أي: عَرَضت، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي "أثخنتها"؛ أي: أثقلتها بجراح الكَلِمِ، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الآية [محمد: ٤]؛
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٣١.
[ ٣٩ / ٧٧ ]
أي: أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: أما "أنحيت" فبالنون المهملة؛ أي: قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، وفي بعض النسخ: "حين" بدل "حتى"، وكلاهما صحيح، ورجّح القاضي "حين" بالنون، ومعنى "لم أنشبها": لم أُمهلها، وفي الرواية الثانية: "لم أنشبها أن أثخنتها عليه" بالعين المهملة وبالياء، وفي بعض النسخ: "غَلَبَةً" بِالغين المعجمة، و"أثخنتها" بالثاء المثلثة، والخاء المعجمة؛ أي: قمعتها، وقهرتها، وقولها أوّلًا: "ثم وقعت بي"؛ أي: استطالت عليّ، ونالت مني بالوقيعة فيّ. انتهى (^٢).
(قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَتبَسَّمَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ")؛ أي: إنها شريفة عاقلةٌ، عارفةٌ كأبيها، ففيه إشارة إلى كمال فهمها، ومتانة عقلها، حيث صبرت إلى أن أثبتت أن التعدّي من جانب الخصم، ثم أجابت بجواب إلزام.
وكأنه -ﷺ- أشار إلى أن أبا بكر كان عالمًا بمناقب مُضَر، ومثالبها، فلا يُستغرب من بنته أن تتلقى ذلك منه، كما قال الشاعر [من الرجز]:
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ … وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ
وقال القرطبيّ: قوله: "إنها ابنة أبي بكر" تنبيهٌ على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيبُ الفروع بطيب عروقها، وغذاؤها من عروقها، كما قال [من الكامل]:
طِيبُ الْفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ وَلَمْ يُرَ … فَرْعٌ يَطِيبُ وَأَصْلُهُ الزَّقُّومُ
ففيه مَدْح عائشة، وأبيها رضي الله تعالى عنهما. انتهى، والله تعالى أعلم (^٣).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٧.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٢٧.
[ ٣٩ / ٧٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٠ و٦٢٧١] (٢٤٤٢)، و(البخاريّ) في "الهبة" (٢٥٨١)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٣٣٩٥ و٣٣٩٦ و٣٣٩٧) و"الكبرى" (٨٨٩٢ و٨٨٩٣ و٨٨٩٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥٠)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٣٤٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٠٥)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٢/ ٥٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عائشة -﵂-، ومنقبتها الظاهرة، حيث كان النبيّ -ﷺ- يُحبّها أكثر من غيرها من أزواجه، حتى عرف الناس ذلك، فكانوا يتحرّون بهداياهم يومها؛ طلبًا لمرضاته -ﷺ-.
٢ - (ومنها): بيان جواز حبّ الرجل بعض زوجاته أكثر من بعض، لكن بشرط أن لا يميل بسببه عن العدل في القَسْم إلى الجور.
٣ - (ومنها): تنافس الضرائر، وتغايرهنّ على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض.
٤ - (ومنها): أنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتُّحَف، وإنما اللازم العدل في المبيت، والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة. كذا قرّره ابن بطّال عن المهلّب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن النبيّ -ﷺ- لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبيّ -ﷺ-؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرّض الرجل إلى الناس بمثل ذلك؛ لِمَا فيه من التعرّض لطلب الهديّة، وأيضًا فالذي يُهدي لأجل عائشة كأنه مَلَّك الهديّة بشرط، والتمليك يتّبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه -ﷺ- كان يُشَرّكهنّ في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطيّة تصل إليهنّ من بيت عائشة -رضي الله تعالى عنهنّ-.
٥ - (ومنها): قَصْد الناس بالهدايا أوقات المسرّة، ومواضعها؛ ليزيد ذلك في سُرور المُهْدَى إليه.
٦ - (ومنها): جواز التشكّي، والتوسّل في ذلك.
[ ٣٩ / ٧٩ ]
٧ - (ومنها): ما كان عليه أزواج النبيّ -ﷺ- من مهابته، والحياء منه، حتى راسلنه بأعزّ الناس عنده فاطمة -﵂-.
٨ - (ومنها): سرعة فهمهنّ، ورجوعهنّ إلى الحقّ، والتوقّف عنه.
٩ - (ومنها): إدلال زينب بنت جحش على النبيّ -ﷺ-؛ لكونها كانت بنت عمّته، كانت أمها أُمَيمة -بالتصغير- بنت عبد المطّلب.
١٠ - (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تتصدّق مما تكسبه في بيت زوجها، من غير أَمْره.
١١ - (ومنها): ما قاله الداوديّ: وفيه عذر النبيّ -ﷺ- لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه؟. قال الحافظ: كأنه أخذه من مخاطبتها النبيّ -ﷺ- لطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها الغيرة، فلم يؤاخذها النبيّ -ﷺ- بإطلاق ذلك. وإنما خصّ زينب بالذِّكر؛ لأن فاطمة -﵂- كانت حاملة رسالة خاصّة، بخلاف زينب، فإنها شريكتهنّ في ذلك، بل رأسهنّ؛ لأنها هي التي تولّت إرسال فاطمة أوّلًا، ثم سارت بنفسها.
١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القَسْم كان واجبًا على النبيّ -ﷺ-، كذا قيل، ولكن تقدّم أن الأصحّ أنه ليس واجبًا عليه، بل يَقسم من عند نفسه كرمًا وفضلًا، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧١] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أثْخَنْتُهَا غَلَبَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي- المروزيّ، ثقةٌ [١١] (٢٦٢) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جبلة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- العتكيّ -بفتح العين المهملة، والمثناة- أبو عبد الرحمن المروزيّ الملَقَّب عبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢١) في شعبان (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
[ ٣٩ / ٨٠ ]
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) وله ثلاث وستون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام- أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(١٤٥٢٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبيّ، وأبو بكر محمد بن أحمد الداربرديّ، وأبو محمد الحسن بن محمد الحليمي بمرو، قالوا: ثنا أبو المُوَجِّه محمد بن عمرو الفزاريّ، أنا عبدان بن عثمان، أنا عبد الله بن المبارك، أنا يونس، عن الزهريّ، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ أن عائشة زوج النبيّ -ﷺ- قالت: أرسل أزواج النبيّ -ﷺ- فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- إلى رسول الله - ﷺ -، وهو مضطجع مع عائشة في مرطها، فَأَذِن لها رسول الله -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: وأنا ساكتة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "ألست تحبين ما أحب؟ " قالت: بلى، قال: "فأحبي هذه"، قالت: فقامت فاطمة -﵂- حين سمعت ذلك من رسول الله -ﷺ-، فرجعت إليهنّ، فأخبرتهنّ بالذي قال لها رسول الله -ﷺ-، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله -ﷺ-، فقولي له: إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة -﵂-، فأرسلن أزواج النبيّ -ﷺ- زينب بنت جحش زوج النبيّ -ﷺ-، وهي التي كانت تساميني منهنّ، ولكني ما رأيت امرأة خيرًا في الدين من زينب -﵂- أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقةً، وأشدّ ابتذالًا لنفسها من العمل الذي تصدّق به، وتتقرب به إلى الله -﷿-، ما عدا حِدّةً فيها توشك الفيئة فيه، قالت: فاستأذنْتُ على رسول الله -ﷺ-، ورسول الله -ﷺ- مع عائشة في
[ ٣٩ / ٨١ ]
مرطها بمنزلة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، قالت: فأذن لها رسول الله -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله -ﷺ-، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب بنت جحش حتى عرفت أن رسول الله -ﷺ- لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها، لم أنشب أن أعتبتها عليه، قالت: فقال رسول الله -ﷺ-، وتبسّم: "إنها ابنة أبي بكر".
قال الشيخ (^١) -﵀-: لم يُقم شيخنا هذه اللفظة، ولعل الصواب: أن أثخنتها غلبةً، وفي رواية أخرى: "أنحيت عليها"، رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن عبد الله بن قُهزاذ، عن عبدان. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٢] (٢٤٤٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَيَتَفَقَّدُ، يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أنَا غَدًا؟ "؛ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي، وَنَحْرِي).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه ذُكر في الباب قبل ستة أحاديث، وكذا الكلام في قوله: "وجدت في كتابيّ"، فلا تغفل، والله تعالى الموفّق.
[تنبيه]: قوله هنا: "وجدت في كتابي" قد تكلّم فيه الحافظ رشيد الدين العطّار في "غرره" (^٣)، فقال: هكذا أورده مسلم، ولم يخرجه في كتابه إلا في هذا الموضع وحده، فيما علمت، بهذا الإسناد، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه" متصلًا من غير وجادة، وهو ما أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علي المسعوديّ الأنصاريّ، أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيديّ، أخبرتنا
_________________
(١) هو: البيهقيّ -﵀-.
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" ٧/ ٢٩٩.
(٣) تقدّم كلام العطار -﵀- هذا في مقدّمة "شرح المقدّمة" ١/ ١٢٥.
[ ٣٩ / ٨٢ ]
كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهنيّ، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربريّ، أنا محمد بن إسماعيل البخاريّ، ثنا إسماعيل (^١)، ثنا سليمان (^٢)، عن هشام (ح). . . .
قال: وحدّثني محمد بن حرب، ثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكرياء، عن هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله -ﷺ- ليتعذر في مرضه، أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سَحْري ونَحْري، ودُفن في بيتي -ﷺ-.
وأخرجه أيضًا عن عُبيد بن إسماعيل الكوفيّ، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه؛ أن رسول الله -ﷺ-. هكذا مرسلًا، إلا أنه قال في آخره: قالت عائشة: فلما كان يومي سَكَن. وهذا متصل، والله أعلم.
ويحيى بن أبي زكريا المذكور في هذا الإسناد هو الغسانيّ شاميّ، وربما اشتبه بيحيى بن زكريا الكوفيّ، وهو ابن أبي زائدة؛ لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة، والأول يكنى أبا مروان، وابن زائدة يكنى أبا سعيد، هَمْدانيّ.
وقوله في هذه الرواية التي أوردناها من طريق البخاريّ: إن كان رسول الله -ﷺ- ليتعذر، قال الخطابيّ: معناه يتعسّر، ويتمنع، وأنشد:
وَيَوْمًا عَلَى ظَهْرِ الْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ
وأكثر الرواة يرويه: "ليتقدر" بالقاف من التقدير، وفي كتاب مسلم: "ليتفقد" من التفقّد، كما أوردناه.
وقولها: "بين سحري ونحري": والسحر بفتح السين المهملة، وضمّها: الرئة، وقال بعضهم: هو ما بين ثدييها، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ العطار -﵀- (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن إسناد المصنّف -﵀- مما اختُلف في وصله؛ لأنه من نوع الوجادة، والوجادة فيها اختلاف بين العلماء، والراجح أنها ليست متّصلةً، ولعل المصنّف ممن يرى الرواية بها، ولا سيّما
_________________
(١) هو: ابن أبي أويس.
(٢) هو: ابن بلال المدنيّ.
(٣) "غرر الفوائد" ١/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
[ ٣٩ / ٨٣ ]
فيما إذا كان متّصلًا من طرق أخرى عند البخاريّ، وإنما أوردها من طريق الوجادة دون غيرها لكونها سماعه من شيخه، فأدّاها على ما لم يسمعه.
والحاصل: أن الحديث صحيح، لا شكّ فيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ-) "إن" بكسر الهمزة، وسكون النون مخفّفة من الثقيلة، ولذا جاءت اللام الفارقة بينهما وبين "إن" النافية بعدها، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذا مَا تُهْمَلُ
وقال في "العمدة": كلمة "إِنْ" هذه مخففة من الثقيلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها، خلافًا للكوفيين، وحَكَى سيبويه: إِنْ عمرًا لمنطلقٌ، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، وههنا دخلت على الفعلية، والأكثر كون الفعل ماضيًا. انتهى (^١).
(لَيَتَفَقَّدُ)؛ أي: يطلب، ويسأل يوم عائشة استبطاءً له، يقال: تفقّدته: إذا طلبته عند غيبته (^٢).
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "ليتعذّر"، قال في "العمدة": هو بالعين المهملة، والذال المعجمة؛ أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة -﵂-، ويمكن أن يكون بمعنى: يتعسر؛ أي: يتعسر عليه ما كان عليه من الصبر، وعند ابن التين في رواية أبي الحسن: "ليتقدر" بالقاف، والدال المهملة، قال الداوديّ: معناه: يسأل عن قَدْر ما بقي إلى يومها؛ ليهوّن عليه بعض ما يجد؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الأُنس والسكون. انتهى (^٣).
وقولها: (يَقُولُ) بيان لمعنى تفقدّه: ("أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ")؛ أي: أين أكون في هذا اليوم؟ وأين أكون غدًا؟ وقال الكرمانيّ: يريد بقوله:
_________________
(١) "عمدة القاري" ٨/ ٢٢٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٩٧٨.
(٣) "عمدة القاري" ٨/ ٢٢٣.
[ ٣٩ / ٨٤ ]
"أين أنا اليوم؟ لمن النوبة اليوم؟ ولمن النوبة غدًا؟ أي: في حجرةِ أيِّ امرأة من النساء أكون غدًا؟. انتهى (^١).
(اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ)؛ أي: يستطيل يومها؛ اشتياقًا إليها، وإلى نوبتها (قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ) "كان" هنا تامّة، كما قال الحريريّ في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ: "يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ" … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
والمعنى هنا: جاء (يَوْمِي)؛ أي: يوم نوبتي الذي يكون فيه النبيّ -ﷺ- عندي، وقال النوويّ -﵀-: أي: كان يومها الأصيل بحساب الدَّوْر، والْقَسْم، وإلا فقد كان صار جميع الأيام في بيتها. انتهى (^٢).
(قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي، وَنَحْرِي) قال القرطبيّ -﵀-: الرواية الصحيحة: "سَحْري" بسين مفتوحة، غير معجمة، والسَّحر: الرئة، والنَّحر: أعلى الصدر، وأرادت أنه -ﷺ- تُوُفّي، وهو مستند إلى موضع سَحْرها، وهو الصدر، كما جاء في الرواية الأخرى: "وهو مستند إلى صدرها"، وحُكي عن عمارة بن عقيل بن بلال؛ أنه قال: إنما هو شَجْري -بالشين المعجمة، والجيم- وشبَّك بين أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمَّته إلى صدرها مشبِّكة يديها عليه. انتهى (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: السحر -بفتح السين المهملة، وضمها، وإسكان الحاء- وهي الرئة، وما تعلق بها، قال القاضي: وقيل: إنما هو شجري -بالشين المعجمة، والجيم- وشبك هذا القائل أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمته إلى نحرها مشبكة يديها عليه، والصواب المعروف هو الأول. انتهى (^٤).
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ من رواية القاسم عن عائشة بلفظ: "وكانت تقول: مات، ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي"، وفي رواية ذكوان عن عائشة: "توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، في آخر يوم من الدنيا".
_________________
(١) "عمدة القاري" ٨/ ٢٢٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٨.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٤) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٨.
[ ٣٩ / ٨٥ ]
قال في "الفتح": والحاقنة بالمهملة، والقاف: ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نُقرة التَّرْقُوة، هما حاقنتان، ويقال: إن الحاقنة: المطمئن من الترقوة والحلق، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر، وقيل: هي تحت السرّة، وقال ثابت: الذاقنة: طرف الحلقوم، والسَّحر بفتح المهملة، وسكون الحاء المهملة: هو الصدر، وهو في الأصل الرئة، والنحر بفتح النون، وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر، وأغرب الداوديّ، فقال: هو ما بين الثديين.
والحاصل: أن ما بين الحاقنة والذاقنة: هو ما بين السَّحر والنحر، والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها -ﷺ-، ورضي عنها، وهذا لا يغاير حديثها أن رأسه كان على فخذها؛ لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها. انتهى ما في "الفتح"، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٢] (٢٤٤٣)، و(البخاريّ) في "الوضوء" (١٩٨) و"الصلاة" (٦٦٤ و٦٦٥) و"الجنائز" (١٣٨٩) و"الهبة" (٢٥٨٨) و"الجهاد" (٣٠٩٩) و"المغازي" (٤٤٣٨ و٤٤٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٣١ - ١٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢١ - ١٢٢ و٢٠٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٧٨)، و(الحاكم) في "مسنده" (٤/ ٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١١٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عائشة -﵂-، حيث كان النبيّ -ﷺ- يُحبّها كثيرًا، ومن حبّه كان يستبطئ يومها في مرض موته، ومات في يوم نوبتها، وهي مسندته إلى صدرها.
٢ - (ومنها): أن حديث الباب صريح في أنه -ﷺ- مات، وعائشة مسندته
[ ٣٩ / ٨٦ ]
إلى صدرها، وما ورد من أنه مات، وهو في صدر عليّ -﵁- لا يثبت، وقد أجاد الحافظ -﵀- في بيان ذلك، ودونك نصّه:
قال: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم، وابن سعد من طرُق؛ أن النبيّ -ﷺ- مات، ورأسه في حجر عليّ، وكل طريق منها لا يخلو من شيعيّ، فلا يُلتفَت إليهم، وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعًا لتوهّم التعصب.
قال ابن سعد: "ذكرُ من قال: توفي في حجر عليّ"، وساق من حديث جابر: سأل كعب الأحبار عليًّا: ما كان آخر ما تكلم به -ﷺ-، فقال: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: "الصلاة الصلاة"، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء، وفي سنده الواقديّ، وحرام بن عثمان، وهما متروكان.
وعن الواقديّ عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله -ﷺ- في مرضه: "ادعوا إليَّ أخي، فُدعِيَ له عليَّ، فقال: ادن مني، قال: فلم يزل مستندًا إليَّ، وإنَّه ليكلمني حتى نزل به، وثَقُل في حِجري، فصحت: يا عباس أدركني، فإني هالك، فجاء العباس، فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه"، وفيه انقطاع، مع الواقدي، وعبد الله فيه لِيْن.
وبه عن أبيه، عن علي بن الحسين: "قُبض ورأسه في حجر عليّ"، فيه انقطاع.
وعن الواقديّ عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ: "مات، ورأسه في حجر عليّ"، فيه الواقديّ، والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يُعرف حاله.
وعن الواقديّ عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غطفان: سألت ابن عباس قال: توفي رسول الله -ﷺ-، وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإن عروة حدّثني عن عائشة قالت: "تُوُفّي النبيّ -ﷺ- بين سحري ونحرى"، فقال ابن عباس: لقد توفي وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسله، وأخي الفضل، وأبي أبي أن يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف
[ ٣٩ / ٨٧ ]
حاله، وأبو غطفان -بفتح المعجمة، ثم المهملة- اسمه سعد، وهو مشهور بكنيته، وثقه النسائيّ.
وأخرج الحاكم في "الإكليل" من طريق حبة العدنيّ، عن عليّ: "أسندته إلى صدري، فسالت نفسه"، وحبة ضعيف.
ومن حديث أم سلمة قالت: عليّ آخرهم عهدًا برسول الله -ﷺ-، والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت: آخر الرجال به عهدًا، ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مالَ، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقُبض.
ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس -بموحدتين، بينهما ألف، غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين مهملة- في أثناء حديث: "فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجيته ثوبًا". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ في تتبّعه الأحاديث المعارضة لحديث الباب، وبيّن ضعفها، فاستبان الحقّ، وظهر الصدق، وأنه -ﷺ- مات وعائشَة -﵂- مسندته، وما خالف هذا فلا يُلتفت إليه، وأما مخالفة الرافضة الشيعة في ذلك فلا يُستغرب، فإنهم معروفون بمعاندة الحقّ، والإعراض عنه، ودَفْعه بالأخبار المرويّة عن طريق المتروكين والوضاعين، فلا تغترّ بتمويههم الباطل، وتزويرهم الحقّ، والله المستعان على من يجادل بالباطل، ويتمسّك بالترّهات، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٣] (٢٤٤٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٦٠١، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٣٨).
[ ٣٩ / ٨٨ ]
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الجنائز" ٣٢/ ٢٢٥٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيًّا -وهي قرية من بَلْخَ- إلَّا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂-، وتقدّم القول فيها.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ)؛ أي: عبّادًا، (أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ). وقولها: (وَهُوَ مُسْنِدٌ) جملة حاليّة، وهو بضم الميم، وكسر النون: اسم فاعل من أسند؛ أي: مسند ظهره (إِلَى صَدْرِهَا)؛ أي: عائشة -﵂-، وفي رواية ابن حبّان: "وهي مسندته إلى صدرها". (وَأَصْغَتْ)؛ أي: أمالت سمعها (إِلَيْهِ) -ﷺ- (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضًا، ("اللَّهُمَّ) أصله يا الله، بالجمع بين "يا"، و"أل"، فحُذفت "يا"، وعُوّض عنها الميم المشدّدة، وشذّ الجمع بينهما، في قول الشاعر [من الرجز]:
إِنّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ "يَا" و"أَلْ" … إِلَّا مَعَ "اللهِ" ومَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ "اللَّهُمَّ" بِالتَّعْوِيِضِ … وَشَذَّ "يَا اللَّهُمَّ" فِي قَرِيضِ
[ ٣٩ / ٨٩ ]
(اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ") وفي رواية البخاريّ: "وألحقني بالرفيق الأعلى"، قال النوويّ -﵀-: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى: الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة "رفيق" تُطلق على الواحد، والجمع، قال الله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقيل: هو الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، وأنكر الأزهريّ هذا القول، وقيل: أراد مرتفق الجَنَّة. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "في الرفيق الأعلى": قال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجَنَّة، وكذا رُوي عن ابن إسحاق، وقيل: الرفيق اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد به الأنبياء -﵈- ومَن ذُكِر في الآية.
وقال الخطابيّ: الرفيق الأعلى هو الصاحب المرافق، وهو هاهنا بمعنى الرفقاء؛ يعني: الملائكة.
وقال الكرمانيّ: الظاهر أنه معهود من قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾؛ أي: أدخلني في جملة أهل الجَنَّة، من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وقيل: المراد بالرفيق الأعلى: الله؛ لأنه رفيق بعباده، وغَلَّط الأزهريّ قائل ذلك، وقيل: أراد رفق الرفيق، وقيل: أراد مُرتَفق الجَنَّة.
وقال الداوديّ: هو اسم لكل ما سما، وقال: الأعلى؛ لأنَّ الجَنَّة فوق ذلك.
وفي "التلويح"؛ والمفسرون ينكرون قوله، ويقولون: إنه صَحَّف الرقيع بالقاف، والرقيع من أسماء السماء.
ورُدّ على هذا بما رُوي من الأحاديث التي فيها الرفيق.
منها: حديث رواه أحمد من رواية المطلب، عن عائشة: "مع الرفيق الأعلى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ -إلى قوله-: ﴿رَفِيقًا﴾ ".
ومنها: حديثٌ رواه النسائيّ من رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، وفيه: "فقال: أسأل الله الرفيقَ الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل".
ومنها: رواية الزهريّ: "في الرفيق الأعلى"، ورواية عباد عن عائشة:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٠٨.
[ ٣٩ / ٩٠ ]
"اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى"، وفي رواية عن ذكوان، عن عائشة: "فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبض"، ورواية ابن أبي مليكة، عن عائشة: "وقال: في الرفيق الأعلى".
وعن الواقديّ: إن أول كلمة تكلم بها، وهو مسترضع عند حليمة: "الله أكبر"، وآخر كلمة تكلم بها، كما في حديث عائشة: "في الرفيق الأعلى".
ورَوَى الحاكم من حديث أنس: "أن آخر ما تكلم به: جلال ربي الرفيع". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٣ و٦٢٧٤ و٦٢٧٥ و٦٢٧٦ و٦٢٧٧] (٢٤٤٤)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٤٤٠) و"المرضى" (٥٦٧٤)، و(الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٩٦)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٠٩٥)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٣٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٣١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦١٨)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٧/ ٢٠٩)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٨٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^٢):
١ - (منها): بيان فضل عائشة -﵂-.
٢ - (ومنها): بيان آخر ما تكلّم به النبيّ -ﷺ-، وهو قوله: "اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى".
٣ - (ومنها): بيان أن الله -﷾- يُكرم الأنبياء، فلا يموتون حتى يخيّرهم بين البقاء، وبين لقائه، ونعيم الجَنَّة، فيختارون لقاءه، ونعيم الجنّة، وهذا هو غاية الإكرام والإعظام.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٨/ ٦٤.
(٢) المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة الآتية في الكتاب، وفي الشرح، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.
[ ٣٩ / ٩١ ]
٤ - (ومنها): بيان فهم عائشة -﵂- وقوّة إدراكها، فقد فهمت من قوله -ﷺ-: "اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى"، أنه خُيِّر، وأنه لا يختار البقاء في الدنيا، نظير فهم أبيها من قوله -ﷺ-: "إن الله خَيّر عبدًا بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر -﵁-، فتوافق فهمهما، فبانَ صِدْق قوله -ﷺ- لمّا أفحمت خصمها زينب بنت جحش -﵄-: "إنها ابنة أبي بكر"، كما تقدّم ذلك قبل حديثين، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ)؛ أي: كل هؤلاء الثلاثة: أبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان رووه عن هشام بن عروة بسنده المذكور.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٥٣٥٠) - حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي شيبة (^١)، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام، عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة -﵂- قالت: سمعت النبيّ -ﷺ-، وهو مستند إليّ، يقول: "اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق". انتهى (^٢).
ورواية عبد الله بن نُمير عن هشام ساقها أحمد -﵀- في "مسنده"، مقرونًا بأبي أسامة، فقال:
(٢٥٩٨٩) - حَدَّثَنَا ابن نُمير، ثنا هشام، وثنا أبو أسامة، قال: أنا هشام
_________________
(١) هو: أبو بكر بن أبي شيبة" الشيخ الأول لمسلم في هذا الحديث.
(٢) "صحيح البخاريّ" ٥/ ٢١٤٧.
[ ٣٩ / ٩٢ ]
-يعني: ابن عروة- عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول -قال أبو أسامة في حديثه-: سمعت عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- قبل أن يُتوفي، وأنا مسندته إلى صدري، يقول: "اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى". انتهى (^١).
ورواية عبدة بن سليمان عن هشام ساقها النسائيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(٧١٠٥) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأ عبدة، عن هشام، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ-، وهو يقول عند وفاته: "اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ، يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، قَالَتْ: فَظنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ) قال في "الفتح": "ولم تصرح عائشة -﵂- بذِكر مَن سمعت ذلك منه في هذه الرواية، وصرحت بذلك في الرواية الآتية حيث قالت: كان رسول الله -ﷺ- يقول، وهو صحيح: "إنه لم يُقبض نبيّ قطّ حتى يرى مقعده من الجَنَّة".
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٦/ ٢٣١.
(٢) "السنن الكبرى" للنسائيّ ٤/ ٢٦٠.
[ ٣٩ / ٩٣ ]
(أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ) بضم أوله، وفتح الخاء المعجمة، (بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)؛ أي: بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الدار الآخرة.
(قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) -بضم الباء الموحّدة، وتشديد الحاء المهملة- وهي شيء يعترض في مجاري النفس، فيتغير به الصوت، فيَغْلُظ، يقال: بَحِحْتُ بالكسر بَحًّا، ورجل أبحّ: إذا كان ذلك فيه خِلْقَةً، وقيل: يقال: رجل بَحٌّ، وأبحّ، ولا يقال: باحّ، وامرأة بحّاء، قاله في "العمدة" (^١).
(يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]) وفي رواية المطلب عن عائشة، عند أحمد: "فقال: مع الرفيق الأعلى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ -إلى قوله-: ﴿رَفِيقًا﴾ "، وفي رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، عند النسائيّ، وصححه ابن حبان: "فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل".
قال القرطبيّ -﵀-: قد تقدَّم القول في الرفيق، وأن الأَولى فيه أنه الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وتخيير الله للأنبياء عند الموت مبالغة في إكرامهم، وفي ترفيع مكانتهم عند الله تعالى، وليستخرج منهم شدَّة شوقهم، ومحبتهم له تعالى، ولِمَا عنده. وقد تقدَّم من هذا شيء في باب ذِكر موسى -ﷺ-. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": ظاهر الحديث أن الرفيق: المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وفي رواية الزهريّ: "في الرفيق الأعلى"، وفي رواية عباد، عن عائشة المتقدّمة: "قال: اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق"، وفي رواية ذكوان، عن عائشة: "فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قُبض"، وفي رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة: "وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى".
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٨/ ٦٤.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٣٩ / ٩٤ ]
وهذه الأحاديث تَرُدّ على من زعم أن الرفيق تغيير من الراوي، وأن الصواب الرقيع، بالقاف، والعين المهملة، وهو من أسماء السماء.
وقال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجَنَّة، ويؤيده ما وقع عند أبي إسحاق: "الرفيق الأعلى الجَنَّة"، وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد: الأنبياء، ومن ذُكر في الآية، وقد خُتِمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد: الإشارةُ إلى أن أهل الجَنَّة يدخلونها على قلب رجل واحد، نَبَّهَ عليه السهيليّ.
وزعم بعض المغاربة أنه يَحْتَمِل أن يراد بالرفيق الأعلى: الله -﷿-؛ لأنه من أسمائه، كما أخرج أبو داود، من حديث عبد الله بن مُغَفَّل -﵁-، رفعه: "إن الله رفيق يحب الرفق"، كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم، عن عائشة، فعَزْوه إليه أَولي، قال: والرفيق يَحْتَمِل أن يكون صفة ذات؛ كالحكيم، أو صفة فعل، قال: ويَحْتَمِل أن يراد به حضرة القدس، ويَحْتَمِل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء، ومعنى كونهم رفيقًا: تعاونهم على طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض.
قال الحافظ: وهذا الثالث هو المعتمَد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، وقد غَلّط الأزهريّ القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلَّطه بها، وهو قوله: "مع الرفيق"، أو "في الرفيق"؛ لأنَّ تأويله على ما يليق بالله سائغ.
قال السهيليّ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى -ﷺ- بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد، والذِّكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره، أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأنَّ بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر. انتهى ملخصًا (^١).
(قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ) بالبناء للمفعول؛ أي: خُيِّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة.
وفي رواية الزهريّ الآتية: "فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٩/ ٥٩٨ - ٥٩٩، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٣٥).
[ ٣٩ / ٩٥ ]
الذي كان يحدثنا، وهو صحيح"، وعند أبي الأسود في "المغازي" عن عروة: "أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة، فخيَّره".
[تنبيه]: قال السهيليّ: وجدت في بعض كتب الواقديّ أن أول كلمة تكلم بها -ﷺ-، وهو مسترضع عند حليمة: "الله أكبر"، وآخر كلمة تكلم بها كما في حديث عائشة: "في الرفيق الأعلى"، وروى الحاكم من حديث أنس: "أن آخر ما تكلم به: جلالُ ربي الرفيع". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الواقديّ: أول كلمة تكلّم بها -ﷺ-. . . إلخ يحتاج إلى ثبوته من طريق غيره، فإنه ضعيف جدًّا، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٦] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لوكيع، ومعاذ بن معاذ.
[تنبيه]: رواية وكيع عن شعبة ساقها أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٢٥٧٤٢) - حَدَّثَنَا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أسمع: لا يموت نبيّ إلَّا خُيِّر بين الدنيا والآخرة، قالت: فأصابته بُحّة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فظننت إنه خُيِّر. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٩/ ٥٩٨ - ٥٩٩، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٣٥).
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٦/ ٢٠٥.
[ ٣٩ / ٩٦ ]
وأما رواية معاذ بن معاذ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ -وَهُوَ صَحِيحٌ-: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ في الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى"، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِه، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَوْلَهُ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَي").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
شرح الحديث:
عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ؛ أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَخْبَرَنيِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ) "في" بمعنى "مع"، (مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على تعيين أحد منهم صريحًا، وقد رَوَى أصل الحديث المذكور عن عائشة: ابنُ أبي مليكة، وذكوانُ مولى عائشة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، فيمكن أن يكون الزهريّ عَنَاهُم، أو بعضهم. انتهى (^١).
وقال في "العمدة"، قوله: "في رجال من أهل العلم"؛ أي: أخبره
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٣٦٣، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٤٨).
[ ٣٩ / ٩٧ ]
سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، في جملة طائفة أخرى أخبروه أيضًا، به، أو في حضور طائفة مستمعين له. انتهى (^١).
(أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂- (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ)، وقولها: (وَهُوَ صَحِيحٌ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قولها: ("إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في "الكافية":
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجَمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زيدٌ سَرَى"
(لَمْ يُقْبَضْ) بالبناء للمفعول، (نَبِيٌّ قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن، (حَتَّى يَرَى) يَحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ أي: حتى يريه الله -﷿- مقعده، ويَحْتَمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير "نبيّ"؛ أي: إلى أن يرى ذلك النبيّ (مَقْعَدَهُ) بفتح الميم، والعين؛ أي: مكان قعوده، والمراد: منزله (فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ) بالبناء للمفعول، من التخيير، وهو منصوب عطفًا على "يرى"، أو مرفوع على الاستئناف؛ أي: ثم هو يُخيّر؛ أي: يُجعل له الْخِيَرة بين البقاء في الدنيا، والانتقال إلى الدار الآخرة.
ووقع في رواية للبخاريّ: "ثم يُحيّي، أو يخيّر"، قال في "الفتح": وهو شكّ من الراوي، هل قال: "يُحَيّى" بضم أوله، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، بعدها أخرى، أو "يخير"، كما في رواية سعد بن إبراهيم؟ وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله، عن عائشة؛ أن النبيّ -ﷺ- كان يقول: "ما من نبيّ يُقبض إلا يرى الثواب، ثم يخيَّر"، ولأحمد أيضًا من حديث أبي مويهبة، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: "إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض، والخلد، ثم الجنة، فخُيرت بين ذلك، وبين لقاء ربي، والجنة، فاخترت لقاء ربي، والجنة". وعند عبد الرزاق، من مرسل طاوس، رفعه: "خُيِّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يُفتح على أمتي، وبين التعجيل، فاخترت التعجيل". انتهى (^٢).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٢/ ٣٠٥.
(٢) "الفتح" ٩/ ٥٩٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٣٥).
[ ٣٩ / ٩٨ ]
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-،) ببناء الفعل للفاعل؛ أي: نزل به المرض، أو حضره ملَك الموت، وقولها: (وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن رأسه -ﷺ- موضوع على فخذي، وتقدّم أن للفخذ أربع لغات: فتح أوله، وكسر ثالثه، وفتح الأول وإسكان الثاني، وكسر الأول، وإسكان الثاني، وكسرهما معًا. (غُشِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، قال الفيّوميّ -﵀-: غُشِيَ عليه -بالبناء للمفعول- غَشْيًا، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِيٌّ عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب، بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل: الغَشْيُ هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو، يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء؛ لعلة. انتهى (^١).
وقولها: (سَاعَةً) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "غُشي"، (ثُمَّ أَفَاقَ)؛ أي: رجع إليه وعيه، (فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ)؛ أي: حدّد نظره إلى سقف البيت، كما تفعل الموتي، قاله القرطبيّ (^٢).
وقال في "التاج": "شَخَصَ بَصَرُهُ، فهو شاخِصٌ: إِذا فَتَحَ عَيْنَيْه، وجَعَلَ لا يَطْرِفُ، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنبياء: ٩٧]، شَخَص المَيِّتُ بَصَرَهُ: رَفَعَهُ إِلى السماءِ، فلَمْ يَطْرِفْ، وشَخَص ببَصره عِنْد المَوْت كَذلِكَ، وهو مَجَازٌ، وأَبْصَارٌ شاخِصَةٌ، وشَوَاخِصُ، وقال ابنُ الأَثير: شُخوصُ بَصَرِ المَيِّت: ارْتِفَاعُ الأَجْفَان إِلى فَوْقُ، وتَحْدِيدُ النَّظَرِ، وانْزعاجُه". انتهى (^٣).
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ-: ("اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى") قال في "العمدة": "الرفيق" منصوب بمقدّر، وهو نحو أَختار، أو أُربد، و"الأعلى" صفته، وهو إشارة إلى الملائكة، أو إلى ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. انتهى (^٤).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٢٩.
(٣) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٤٤٦٢.
(٤) "عمدة القاري" ٢٣/ ٩٤.
[ ٣٩ / ٩٩ ]
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (قُلْتُ: إِذًا)؛ أي: إذا كان مخيّرًا (لَا يَخْتَارُنَا) قال في "العمدة": "لا يختارَنا" بالنصب؛ أي: حين اختار مرافقة أهل السماء، لا يبغي أن يختار مرافقتنا من أهل الأرض، هكذا أعربه الكرمانيّ، قال العينيّ: ولا مانع من أن يكون مرفوعًا؛ لأن معنى قوله: "إذًا"؛ يعني: حينئذ هو لا يختارنا. انتهى (^١).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ")؛ المعنى: أنها عرفت أن الأمر الذي حصل له هو قوله في الحديث الذي كان يحدثنا به، وهو صحيح، وهو قوله: "إنه لَمْ يُقبض نبيّ قط. . . إلخ".
قال المناويّ: والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عَيَّن للّقاء محلًّا خاصًّا، ولا يُنال إلا بالخروج من هذه الدار التي تنافي ذلك اللقاء اختار الرفيق الأعلى (^٢).
[تنبيه]: فَهْم عائشة -﵂- من قوله -ﷺ-: "في الرفيق الأعلى" أنه خُيِّر نظير فهم أبيها -﵁- من قوله -ﷺ-: "أن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" أن العبد المخيّر هو النبيّ -ﷺ- حتى بكي، كما تقدم في مناقبه -﵁- (^٣).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَكَانَتْ تِلْكَ)؛ أي: تلك الكلمة التي هي قوله: "اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى"، وهي اسم "كانت"، وخبرها قولها: (آخِرُ كَلِمَةٍ) ويَحتمل أن يكون "آخر" اسمها مؤخّرًا، و"تلك" خبرها مقدّمًا، والوجه الأول أَولى؛ لأن اسم الإشارة أعرف، فهو بكونها مسندًا إليه، وقولها: (تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ الله -ﷺ-) جملة في محل جرّ صفة لـ "كلمة"، وقولها: (قَوْلَهُ) يَحتمل أن يكون مرفوعًا خبر لمحذوف؛ أي: هو قوله، ويَحتمل أن يكون منصوبًا بدلًا من "تلك". ("اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى") و"الرفيق" منصوب على المفعوليّة لمقدّر، كما أسلفناه آنفًا.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٣/ ٩٤.
(٢) "فيض القدير على الجامع الصغير" ٥/ ٢٥١.
(٣) "الفتح" ٩/ ٥٩٨.
[ ٣٩ / ١٠٠ ]
[تنبيه]: قال في "الفتح": قول عائشة -﵂-: "فكانت تلك آخر كلمة تكلّم بها رسول الله -ﷺ-" كأنها أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أن النبيّ -ﷺ- أوصى إلى عليّ بالخلافة، وأن يُوَفّي ديونه، وقد أخرج العُقيليّ، وغيره، في "الضعفاء" في ترجمة حكيم بن جبير، من طريق عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان؛ أنه "قال: قلت: يا رسول الله، إن الله لَمْ يبعث نبيًّا إلا بيَّن له من يلي بعده، فهل بَيَّن لك؟ قال: نعم، عليّ بن أبي طالب".
ومن طريق جرير بن عبد الحميد، عن أشياخ من قومه، عن سلمان: "قلت: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: وصيّي، وموضع سري، وخليفتي على أهلي، وخير من أخلفه بعدي عليّ بن أبي طالب".
ومن طريق أبي ربيعة الإياديّ، عن ابن بُريدة، عن أبيه، رفعه: "لكل نبيّ وصيّ، وإن عليًّا وصيي، وولدي".
ومن طريق عبد الله بن السائب، عن أبي ذرّ، رفعه: "أنا خاتم النبيين، وعليّ خاتم الأوصياء"، أوردها وغيرها ابن الجوزيّ في "الموضوعات". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن مذهب الرافضة مذهب باطل، حيث يزعمون أن عليًّا هو الخليفة؛ وأن الخلفاء الراشدين اغتصبوا منه، وظلموه، وهذا القول هو الظلم، ولكن القوم جَهَلَة، ضَلَلَة، لا يفقهون، ولا يعقلون، صمّ بكم، عميٌ، فهم لا يرجعون، فهم على مثل ما قال الله -﷿- في أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قريبًا، ولله الحمد، والمنة.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٦١٩.
[ ٣٩ / ١٠١ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٨] (٢٤٤٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي، وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ فَتَنْظُرِينَ، وَأَنْظُرُ، قَالَتْ: بَلَي، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَارَ مَعَهَا، حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا (^١) بَيْنَ الإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَىَّ عَقْرَبًا، أَو حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَستَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين الكوفيّ، واسم دُكين: عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الملائيّ -بضم الميم- مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨، أو ٢١٩) وكان مولده سنة ثلاثين ومائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١.
٢ - (عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميّ مولاهم، أبو القاسم المكيّ، ثقةٌ (^٢) [٥] (خ م س) تقدم في "الرضاع" ١٢/ ٣٦٢٥.
٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة -بالتصغير- ابن عبد الله بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زُهير التيميّ المكيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصديق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ، أحد
_________________
(١) وفي نسخة: "رجليها".
(٢) هذا أَولى من قول "التقريب": لا بأس به، راجع: ترجمته في "تهذيب التهذيب".
[ ٣٩ / ١٠٢ ]
الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن عمّته، وفيه عائشة -﵂- وقد سبق القول فيها قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق، يروي عن عائشة -﵂- تارة بالواسطة، كما هنا، وتارة بغيرها. (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا خَرَجَ) ولفظ البخاريّ: "إذا أراد سفرًا"، ومفهومه اختصاص القرعة بحالة السفر، وليس على عمومه، بل لتعيِّن القرعة من يسافر بها، وتجري القرعة أيضًا فيما إذا أراد أن يُقسم بين زوجاته، فلا يبدأ بأيهنّ شاء، بل يُقرع بينهنّ، فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة، إلا أن يرضين بشيء، فيجوز بلا قرعة.
(أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) قال في "العمدة": هو مِن أقرعتُ بينهم، من القرعة، ومنه يقال: تقارعوا، واقترعوا، والقرعة: هي السهام التي توضع على الحظوظ، فمن خرجت قرعته، وهي سهمه الذي وُضع على النصيب، فهو له. انتهى (^١).
زاد في رواية البخاريّ: "فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه"؛ أي: أية امرأة منهن خرج سهمها الذي بِاسمها، خرج بها معه؛ أي: خرج رسول الله -ﷺ- بتلك المرأة التي خرج سهمها معه؛ أي: في صحبته -ﷺ-.
وزاد ابن سعد من وجه آخر، عن القاسم، عن عائشة: "فكان إذا خرج سهم غيري عُرف فيه الكراهية".
وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: "أقرع بين نسائه"؛ تعني: إذا خرج إلى سفر؛ وإنَّما كان النبيّ -ﷺ - يفعل ذلك مبالغةً في تطييب قلوبهن؛ إذ لَمْ يكن
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٣/ ١٥٣.
[ ٣٩ / ١٠٣ ]
القَسْم عليه واجبًا على الخلاف المتقدّم، وليست القرعة في هذا واجبةً عند مالك؛ لأنَّه قد يكون -ﷺ- لبعض نساءه من الغَنَاء في السفر والمنفعة، والصلاحية ما لا يكون لغيرها، فتتعين الصالحة لذلك، ولأن من وقعت القرعة عليها لا تُجبر على السفر مع الزوج إلى الغزو والتجارة، وما أشبه ذلك، إنما القرعة بينهن من باب تحسين العشرة إذا أردن ذلك، وكن صالحات له، وقال أبو حنيفة بإيجاب القرعة في هذا، وهو أحد قولي الشافعيّ، ومالك، أخذًا بظاهر هذا الحديث. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: القَسْم بين النساء واجب في حقّ غير النبيّ -ﷺ-، وأما النبيّ -ﷺ- ففي وجوب القسم في حقه خلاف، فمن قال بوجوبه يجعل إقراعه واجبًا، ومن لم يوجبه يقول: فَعَل ذلك من حُسن العشرة، ومكارم الأخلاق، وتطييبًا لقلوبهنّ، وأما الحنفيون فقالوا: لا حقّ لهنّ في القَسْم حالة السفر، يسافر الزوج بمن شاء، والأَولى أن يقرع بينهنّ. وقال القرطبيّ: وليست أيضًا بواجبة عند مالك، وقال ابن القصّار: ليس له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك مرةً: له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة.
وقال المهلَّب: وفيه العمل بالقرعة في المقاسمات، والاستهام، وفيه أن القَسْم يكون بالليل والنهار. انتهى (^٢).
(فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ)؛ أي: في سفرة من السفرات (عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ) ولفظ البخاريّ: "لعائشة وحفصة"، والمراد بقولها: "طارت"؛ أي: حصلت، وطَيْر كل إنسان: نصيبه، وفي حديث أم العلاء: لَمّا اقتسم الأنصار المهاجرين قالت: وطار لنا عثمان بن مظعون؛ أي: حصل في نصيبنا من المهاجرين، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة"؛ أي: حصلت القرعة لعائشة وحفصة -ﷺ-، وطير كل إنسان: نصيبه؛ يعني: كان هذا في سفرة من سفرات النبيّ -ﷺ- (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢٩.
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٩٧.
(٣) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٩٧.
[ ٣٩ / ١٠٤ ]
(فَخَرَجَتَا مَعَهُ) -ﷺ- (جَمِيعًا)؛ أي: معًا، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا)؛ أي: مع عائشة -﵂-، والجملة في محل النصب على الحال، والحاصل: أن النبيّ -ﷺ- لَمّا كان في هذه السفرة، وكانت عائشة وحفصة معه، فإذا كان الليل، وهم سائرون يسير مع عائشة، يتحدث معها، كما هي عادة المسافرين؛ لِقَطْع المسافة.
وقال القرطبيّ -﵀-: ظاهر الحديث أنه -ﷺ- لَمْ يكن يَقسم بين عائشة وحفصة في المسير والحديث، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة، ولذلك تحيَّلت حفصة حتى سار وتحدَّث معها، فيَحْتَمِل أن هذا القَدْر لا يجب القَسْم فيه؛ إذ الطريق ليس محلَّ خَلْوة، ولا يحصل لها به اختصاص، ويَحْتَمِل أن يقال: إن القدر الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع إحداهما هو الشيء اليسير، كما يفعل في الحَضَر، فإنَّه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة بيت التي لا يكون في يومها، ولكن لا يُكثر من ذلك، ولا يُطيله، وعلى هذا فيكون النبيّ -ﷺ- إنما أدام ذلك؛ لأنَّ أصل القَسْم لَمْ يكن عليه واجبًا، والله أعلم.
ولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر، وكذلك لا يختلفون في أنه يقسم بين الزوجات في السفر كما يقسم بينهن في الحضر. وقد ذكرنا الاحتمال الذي في السير والحديث. انتهى (^١).
(فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ)؛ أي: في هذه الليلة، (بَعِيرِي، وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ فَتَنْظُرِينَ) إلى ما لَمْ تكوني تنظرين، (وَأَنْظُرُ) إلى ما لم أنظر، وإنما حَمَل حفصة على ذلك الغيرة التي تورث الدهش والحيرة، وفيه إشعار أن عائشة وحفصة -﵄- لم تكونا متقارنتين، بل كانت كل واحدة منهما في جهة. (قَالَتْ) عائشة: (بَلَى)؛ أي: فقالت عائشة لحفصة: بلى اركبي جملي، وانظري، وأنا أركب جملك، وأنظر.
قال في "الفتح": كأن عائشة أجابت إلى ذلك؛ لِمَا شوّقتها إليه من النظر
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
[ ٣٩ / ١٠٥ ]
إلى ما لم تكن هي تنظر، وهذا مشعر بأنهما لم يكونا حال السير متقاربتين، بل كانت كل واحدة منهما من جهة، كما جرت العادة من السير قطارين، وإلا فلو كانتا معًا لم تختص إحداهما بنظر ما لم تنظره الأخرى، ويَحْتَمِل أن تريد بالنظر وطأة البعير، وجودة سيره. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: وقول حفصة لعائشة -﵄-: "ألا تركبين بعيري، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر" حيلة منها تمّت لها على عائشة لصغر سنِّ عائشة، وسلامة صدرها عن المكر والحيل؛ إذ لم تجرب الأمور بعدُ، ولا دَرْك على حفصة فيما فعلت من جهة أنها أخذت حقًّا هو لعائشة؛ لأنَّ السير والحديث؛ إن لم يدخل في القَسْم فهي وعائشة فيه سواء، فأرادت حفصة أن يكون لها حظ من الحديث والسير معه -ﷺ-، وإن كان ذلك واجبًا فقد توصلت إلى ما كان لها، وإنَّما يكون عليها الدَرْك من حيث إنها خالفت مراد النبيّ -ﷺ- في حديثه، فقد يريد أن يحدِّث عائشة حديثًا يُسِرُّ به إليها، أو يختص بها، فتسمعه حفصة، وهذا لا يجوز بالاتفاق، لكن حَمَلها على اقتحام ذلك الغيرة التي تورث صاحبها الدَّهَشَ والْحَيْرة. انتهى (^٢).
(فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ) بناءً على أنها على جملها، (وَ) الحال أنه (عَلَيْهِ) وفي رواية حكاها الكرمانيّ: "وعليها" وكأنه على إرادة الناقة (^٣). (حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ)؛ أي: على حفصة، ولم يُذكَر في الخبر أنه تحدث معها، فيَحْتَمِل أن يكون أُلْهِم ما وقع، ويَحْتَمِل أن يكون وقع ذلك اتفاقًا، ويَحْتَمِل أن يكون تحدث، ولم يُنقَل (^٤)، (ثُمَّ صَارَ مَعَهَا)؛ أي: مع حفصة، (حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَغَارَتْ)؛ أي: افتقدت عائشة رسول الله -ﷺ-؛ أي: في حالة المسايرة، فبسبب ذلك غارت؛ لأن قطع المألوف صعبٌ، (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا) وفي بعض النسخ: "رجليها"، (بَيْنَ الإِذْخِرِ)؛ أي: جعلت عائشة -﵂- رجليها بين الإذخر، وهو نبت معروف، توجد فيه الهوامّ غالبًا
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٥٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٣٠.
(٣) "الفتح" ١١/ ٦٥٣.
(٤) "الفتح" ١١/ ٦٥٣.
[ ٣٩ / ١٠٦ ]
في البرية، وإنما فعلت هذا؛ لِمَا عَرَفت أنها الجانية فيما أجابت إليه حفصة، وأرادت أن تعاقب نفسها على تلك الجناية، (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ) وفي رواية: "ربّ سلّط" بحذف "يا"، (عَلَيَّ عَقْرَبًا، أَو حَيَّةً) "أو" هنا للتنويع، قال القرطبيّ -﵀-: هذا دعاءٌ منها على نفسها بعقوبة لِمَا لحقها من النَّدم على ما فعلت، ولِمَا تم عليها من الحيلة، ولِمَا حصل لها من الغَيْرة، وهو دعاء باللسان غير مراد بالقلب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "غير مراد بالقلب" محلّ نظر، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (تَلْدَغُنِي) بالِغين المعجمة، يقال: لَدَغَتْهُ العقرب -بِالغين معجمة- لَدْغًا، من باب نفع: لسعته، ولَدَغَتْهُ، الحية لَدْغًا: عضّته، فهو لَدِيغٌ، والمرأة لَدِيغٌ أيضًا، والجمع لَدْغَي، مثل جريح وجرحي، ويتعدى بالهمزة إلى مفعول ثان، فيقال: أَلدَغْتُهُ العقربَ: إذا أرسلتها عليه، فَلَدَغَتْهُ، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٢).
وقال في "التاج": لدَغَتْهُ العَقْرَبُ، والحَيَّةُ، كمَنَعَ تَلْدَغُ لَدْغًا، وقيلَ: اللَّدْغُ بالفَمِ، واللَّسْعُ بالذَّنَبِ، وقالَ الليثُ: اللَّدْغُ بالنّابِ، وفي بَعْضِ اللُّغاتِ: تَلْدَغُ العَقْرَبُ.
وقال محمد بن الطيب الفاسيّ: واللَّدْغُ للحَارّاتِ كالنّارِ، ونَحْوِها، ومَن جَوَّزَ إعْجَامَ الذّالِ مع الغَيْنِ المُعْجَمَةِ في مَعْنَاهُ فقدْ وَهِمَ؛ لِمَا عُلِمَ أنَّ الذّالَ والغَيْنَ المُعْجَمَتَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ. انتهى.
وقالَ أبو وَجْزَةَ: اللَّدْغَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ هامَّةٍ تَلْدَغُ لَدْغًا وتَلْدَاغًا، بفَتْحِهِمَا، فهُوَ مَلْدُوغٌ، ولَدِيغٌ. انتهى (^٣).
(رَسُولُكَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هذا رسولك، ويَحْتَمل النصب مفعولًا لفعل مقدَّر؛ أي: أخاف رسولك. (وَلَا أسْتَطِيعُ أنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا) قال القرطبيّ -﵀-: ظاهره أن النبيّ -ﷺ- لم يعرف القصة؛ وإنَّما تمَّت لحفصة حيلتها عليها، والله أعلم، مع أنه يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- عَلِم ذلك بالوحي، أو
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٣١.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.
(٣) "تاج العروس" ١/ ٥٦٩٢.
[ ٣٩ / ١٠٧ ]
بالقرائن، وتغافل عمَّا جرى من ذلك؛ إذ لم يجر منهما شيء يترتب عليه حكم، ولا يتعلق به إثم، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال الكرمانيّ: قولها: "رسولك. . . إلخ" الظاهر أنه كلام حفصة، ويَحْتَمِل أن يكون كلام عائشة.
وتعقّبه العينيّ، فقال: الأمر بالعكس، بل الظاهر أنه من كلام عائشة، وظاهر العبارة يُشعر أن رسول الله -ﷺ- لم يعرف القصة، ويَحْتَمِل أن يكون قد عرفها بالوحي، وبالقرائن، وتغافل -ﷺ- عما جرى إذ لم يحصل منها شيء يترتب عليه حكم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "ولا أستطيع أن أقول له شيئًا" قال الكرمانيّ: الظاهر أنه كلام حفصة، ويَحْتَمِل أن يكون كلام عائشة، ولم يظهر لي هذا الظاهر، بل هو كلام عائشة، وقد وقع في رواية مسلم في جميع ما وقفت عليه من طرقه، إلا ما سأذكره بعدُ قولُه: "تلدغني، رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا"، و"رسولك" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رسولك، ويجوز النصب على تقدير فعل، وإنما لم تتعرض لحفصة؛ لأنها هي التي أجابتها طائعة، فعادت على نفسها باللوم، ووقع عند الإسماعيليّ من وجهين، عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بعد قوله: "تلدغني، ورسول الله -ﷺ- ينظر، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا"، وعلى هذا فيَحْتَمِل أن يكون المراد بالقول في قولها: "أن أقول"؛ أي: أحكي له الواقعة؛ لأنه ما كان يعذرني في ذلك، وظاهر رواية غيره يُفهم أن مرادها بالقول: أنها لا تستطيع أن تقول في حقه شيئًا، كما تقدم.
قال الداوديّ: يَحْتَمِل أن تكون المسايرة في ليلة عائشة، ولذلك غلبت عليها المغيرة، فَدَعَتْ على نفسها بالموت.
وتُعُقّب بأنه يلزم منه أنه يوجب القَسْم في المسايرة، وليس كذلك؛ إذ لو كان لَمَا كان يخص عائشة بالمسايرة دون حفصة، حتى تحتاج حفصة تتحيل على عائشة، ولا يتجه القَسْم في حالة السير إلا إذا كانت الخلوة لا تحصل إلا فيه، بأن يركب معها في الهودج، وعند النزول يجتمع الكل في الخيمة، فيكون
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٣١.
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٩٧.
[ ٣٩ / ١٠٨ ]
حينئذ عماد القَسْم السَّيْر، أما المسايرة فلا، وهذا كله مبني على أن القَسْم كان واجبًا على النبيّ -ﷺ-، وهو الذي يدل عليه معظم الأخبار (^١)، ويؤيد القول بالقرعة أنهم اتفقوا على أن مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة، بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء بغير قرعة، فقدّم بعضهن في القَسْم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدةً، وهي أن لا يُؤْثِر بعضهن بالتشهي؛ لِمَا يترتب على ذلك من ترك العدل بينهنّ، وقد قال الشافعيّ في القديم: لو كان المسافر يَقسم لمن خلف لَمَا كان للقرعة معنى، بل معناها أن تصير هذه الأيام لمن خرج سهمها خالصة. انتهى.
قال الحافظ: ولا يخفى أن محل الإطلاق في ترك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجودًا، فلو سافر إلى بلدة، فأقام بها زمانًا طويلًا، ثم سافر راجعًا، فعليه قضاء مدة الإقامة، وفي مدة الرجوع خلاف عند الشافعية، والمعنى في سقوط القضاء أن التي سافرت، وفازت بالصحبة لَحِقَها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك، والمقيمة عَكْسها في الأمرين معًا. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٨] (٢٤٤٥)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٢١١)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١١٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٠٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت غير مرّة أن الصحيح أنه -ﷺ- لا يجب عليه القَسْم؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، وأما الأحاديث التي تدلّ على القَسْم فمحمولة على أنه -ﷺ- ما ترك القَسْم؛ لكريم أخلاقه، وحُسن عشرته، والله تعالى أعلم.
(٢) "الفتح" ٩/ ٣١٢.
[ ٣٩ / ١٠٩ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كمال حُسن عشرة النبيّ -ﷺ-، حيث كان يُقرع بين نسائه، وإن لَمْ يكن القسم واجبًا؛ على الراجح؛ لقوله -﷿-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١].
٢ - (ومنها): بيان ما جُبل عليه النساء من شدّة الغيرة؛ لأنه ما حمل حفصة على ذلك إلَّا غَيْرتها من حديثه -ﷺ- مع عائشة في الليل.
٣ - (ومنها): أنه استُدِل به على مشروعية القُرعة في القسمة بين الشركاء، وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية، والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الْخَطَر والقمار، وحُكِي عن الحنفية إجازتها. انتهى، وقد قالوا به في مسألة الباب.
واحتج مَن مَنَع مِن المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضرّ بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقْوَم ببيت الرجل من الأخرى.
وقال القرطبيّ: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهنّ؛ لئلا تخرج واحدة معه، فيكون ترجيحًا بغير مرجح. انتهى.
وفيه مراعاة للمذهب، مع الأمن من ردّ الحديث أصلًا؛ لِحَمْله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعني، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ قول من قال بمشروعيّة القرعة في الأشياء المشتركة؛ لصحة حديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به المهلَّب على أن القَسْم لَمْ يكن واجبًا على النبيّ -ﷺ-؛ لأنه لو كان واجبًا عليه لَحَرُم على حفصة ما فعلت في تبديل بعيرها ببعير عائشة.
ورُدّ عليه ذلك (^٢)؛ لأنَّ القائل بوجوب القسمة عليه لا يمنع من حديث
_________________
(١) "الفتح" ٦٥٢ - ٦٥٣، كتاب "النكاح" رقم (٥٢١١).
(٢) وقال في "الفتح": استَدَلّ به المهلب على أن القسم لم يكن واجبًا على النبيّ -ﷺ-، =
[ ٣٩ / ١١٠ ]
الأخرى في غير وقت القسم؛ لجواز دخوله إلى غير صاحبة النوبة، وقد روى أبو داود، والبيهقيّ، واللفظ له، من طريق ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-: "قَلَّ يوم إلا ورسول الله -ﷺ- يطوف علينا جميعًا، فيُقَبِّل، ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التي هو يومها بات عندها". انتهى.
وعماد القسم في حقّ المسافر وقت نزوله، وحالة السير ليست منه ليلًا كان، أو نهارًا، قاله في "العمدة" (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٩] (٢٤٤٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ (^٢) ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ البصريّ مدني الأصل، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيوب المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن معمر بن حزم الأنصاريّ، أبو طُوالة -بضم الطاء المهملة- المدنيّ، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٤) ويقال: بعد ذلك (ع) تقدم في "الصيام" ١٣/ ٢٥٩٣.
٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀- كلاحقيه، وهو (٤٨٤) من رباعيّات
_________________
(١) = ولا دلالة فيه؛ لأن عماد القسم الليل في الحضر، وأما في السفر فعماد القسم فيه النزول، وأما حالة السير فليست منه، لا ليلًا، ولا نهارًا. انتهى.
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٩٧.
(٣) وفي نسخة: "على الطعام".
[ ٣٩ / ١١١ ]
الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، والصحابيّ، وإن كانا بصريين، إلا أن أصلهما من المدينة، وقد سكناها، وفيه أنس بن مالك -﵁- أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، وقد جاوز عمره المائة، وشرح الحديث تقدّم مستوفي في "باب مناقب خديجة -﵂-" [١٢/ ٦٢٥٢] (٢٤٣١)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٩ و٦٢٨٠] (٢٤٤٦)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٧٧٠) و"الأطعمة" (٥٤١٩ و٥٤٢٨)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٨٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٦١)، و(ابن ماجه) في "الأطعمة" (٣٢٨١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٦ و٢٦٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٠٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ١٠٩ و١١٠ و١١١ و١١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١١٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٦٧٠ و٣٦٧٣)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٦٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَفِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ: أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حجر السعديّ المروزيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، و"عبد العزيز" هو: الدراورديّ.
[ ٣٩ / ١١٢ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مشتمل على إسنادين بالتحويل، وكلاهما من رباعيّات المصنّف -﵀- كسابقه، وهو (٤٨٥)، و(٤٨٦) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن عبد الرحمن ساقها الترمذيّ -﵀- في "الشمائل"، فقال:
(١٧٦) - حَدَّثَنَا عليّ بن حُجْر، ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاريّ، أبو طوالة؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله -ﷺ-: "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام". انتهى (^١).
ورواية عبد العزيز بن محمد الدراورديّ عن عبد الله بن عبد الرحمن ساقها ابن عساكر -﵀- في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين"، فقال:
أخبرنا عمي الحافظ -﵀-، أنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل الفضيلي، بقراءتي عليه بهراة، أنا أبو مضر محلم بن إسماعيل بن مضر بن إسماعيل الضبيّ، قراءة عليه، وأنا أسمع في سنة سبع وخمسين وأربعمائة بهراة، أنا أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل بن موسى بن عبد الله القاضي السجزيّ، قراءة عليه بهراة، وأنا أسمع، نا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفيّ، نا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس مالك؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨١] (٢٤٤٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهَا: "إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ).
_________________
(١) "الشمائل المحمديّة" ١/ ١٤٦.
(٢) "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين" ١/ ٨٤، للحافظ علي بن الحسن بن عساكر المتوفّى سنة (٥٧١ هـ).
[ ٣٩ / ١١٣ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِنانيّ، أو الطائيّ، أبو علي الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٦/ ٨١٧.
٢ - (يَعْلَى بْنُ عُبَيْدِ) بن أبي أُميّة الكوفي، أبو يوسف الطنافسيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لِيْن، من كبار [٩] مات سنة بضع ومائتين، وله تسعون سنةً (ع) تقدم في "السلام" ٤/ ٥٦٤٧.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلّس، وسماعه من أبي إسحاق بأَخَرَةٍ [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير أبي سلمة، وعائشة فمدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂-، وقد مضى البحث فيها.
شرح الحديث:
(عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،) وفي الرواية التالية: "حَدَّثَنَا زكريّاء بن أبي زائدة، قال: سمعت عامرًا يقول: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة حدّثته؛ أن رسول الله -ﷺ- قال لها. . .". (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ (أنَّهَا حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهَا) وفي الرواية الرابعة: "قالت: قال رسول الله -ﷺ-: يا عائشُ هذا جبريل يقرأ عليك السلام". ("إِنَّ جِبْرِيلَ) -﵇- (يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ") بفتح حرف المضارعة، من القراءة؛ أي: يسلّم عليك، قال الفيّوميّ -﵀-: قرأت على زيد السلامَ أَقْرَؤُهُ عليه قِرَاءَةً، وإذا أمرت منه قلت: اقْرَأْ ﵇، قال الأصمعيّ: وتَعْديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقْرَأْهُ
[ ٣٩ / ١١٤ ]
السلامَ؛ لأنه بمعنى: اتْلُ عليه، وحَكَى ابن القطاع أنه يتعدى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلان يُقرئك السلامَ. انتهى (^١).
وقال في "القاموس"، و"شرحه": وقَرَأَ ﵇ يَقْرَؤُه: أبْلَغَه، كأَقْرَأَه إيَّاه، أو لا يقال: أَقْرَأَه السَّلام رُباعيًّا مُتَعدِّيًا بنفسه، وكذا بحرفِ الجرّ إِلَّا إِذا كانَ السلامُ مَكْتوبًا، في وَرَقٍ، يقال: أقرِئْ فُلانًا السَّلامَ، واقْرَأْ ﵇، كأنه حين يُبَلِّغُه سلامه يَحْمِله على أنَّ يقرأَ السَّلام، وَيرُدَّه، قال أَبو حاتمٍ السِّجستانيّ: تقول: اقْرَأْ ﵇، ولا تقول: أقْرِئْه السَّلام، إِلَّا في لغةٍ، فإذا كانَ مَكتوبًا قلتَ: أَقْرِئْهُ السَّلام؛ أي: اجعله يَقْرَؤُهُ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله -ﷺ-: "يَقرأ عليكِ السلامَ" يُضبط بفتح حرف المضارعة، ولا يجوز ضمه؛ فهو ثلاثيّ تعدّى للمفعول الأول بحرف الجرّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ) زاد في الرواية الرابعة: "قالت: وهو يرى ما لا أرى"، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٨١ و٦٢٨٢ و٦٢٨٣ و٦٢٨٤] (٢٤٤٧)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢١٧) و"الفضائل" (٣٧٦٨) و"الأدب" (٦٢٠١) و"الاستئذان" (٦٢٤٩ و٦٢٥٣)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥٢٣٢)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٨١)، و(ابن ماجه) في "الأدب" (٣٦٩٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٣٢ - ١٣٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢٧٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٥٦ و٧٤ - ٧٥ و٨٨ و١١٢ و١١٧ و١٤٦ و٢٠٨ - ٢٠٩ و٢٢٤ - ٢٢٥) و"فضائل الصحابة" (١٦٣٥)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٣٣١)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٤٣٠)، و(ابن حبّان) في
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٢.
(٢) "تاج العروس" ١/ ١٨٨.
[ ٣٩ / ١١٥ ]
"صحيحه" (٧٠٩٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٩٠ و٩١ و٩٢)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٢/ ٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة ظاهرة لعائشة -﵂- حيث سلّم عليها جبريل -﵇-.
٢ - (ومنها): بيان استحباب بعث السلام، وقد سبق في "صحيح مسلم" حديث أنس بن مالك -﵁-؛ أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو، وليس معي ما أتجهز، قال: "أنت فلانًا، فإنه قد كان تجهّز، فمرض"، فأتاه فقال: إن رسول الله -ﷺ- يُقرئك السلامَ، ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فوالله لا تحبسي منه شيئًا، فيبارَكَ لكِ فيه.
قال النوويّ: ويجب على الرسول تبليغه؛ لأنه أمانة، وتُعُقِّب بأنه بالوديعة أشبه، والتحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الأمانة، وإلا فوديعة، والودائع إذا لم تُقبل لم يلزمه شيء، قاله في "الفتح" (^١).
٣ - (ومنها): بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة؛ إذا لَمْ يُخف ترتّب مفسدة.
٤ - (ومنها): أن الذي يُبَلّغه السلامَ يردّ عليه، قال النوويّ: قال أصحابنا: وهذا الرد واجب على الفور، وكذا لو بلغه سلامٌ في ورقة من غائب لزمه أن يردّ السلام عليه باللفظ على الفور إذا قرأه.
٥ - (ومنها): أنه يستحب أن يردّ على المبلِّغ، لِمَا أخرجه النسائيّ عن رجل من بني تميم أنه بَلَّغ النبيّ -ﷺ- سلام أبيه، فقال له: "وعليك، وعلى أبيك السلام"، وقالت خديجة -﵂- لَمّا بَلَّغها النبيّ -ﷺ- عن جبريل سلام الله عليها: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وعليك، وعلى جبريل السلام.
قال الحافظ -﵀-: ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة -﵂-؛ أنها ردّت على النبيّ -ﷺ-، فدلّ على أنه غير واجب. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ١٨٥، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٢٥٣).
(٢) "الفتح" ١٤/ ١٨٥، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٢٥٣).
[ ٣٩ / ١١٦ ]
٦ - (ومنها): أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليك، أو: وعليكم السلام بالواو، فلو قال: عليكم السلام، أو: عليكم أجزأه على الصحيح، وكان تاركًا للأفضل، قال النوويّ: وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه، وسبقت مسائل السلام في بابه مستوفاة، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ لَهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هو: ابن راهويه، والْمُلَائِيُّ هو: أبو نعيم، الفضل بن دُكين.
[تنبيه]: كون الملائيّ هنا أبا نعيم الفضل بن دُكين هو الصواب، وقد أخطأ بعض الشرّاح (^١)، فترجم هنا لعبد السلام بن حرب الملائيّ بدل أبي نعيم، وهذا غلط فاحش، فقد صرّح الحافظ المزيّ في "تحفته" (^٢) بأنه أبو نعيم، وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في "صحيحه" عن أبي نعيم هذا، والحاصل: أن الصواب هو أبو نعيم.
وإنما التبس على الشارح المذكور أنه ذكر في "التقريب" في الأنساب عند ذِكر "الملائيّ": عبد السلام بن حرب، وأبا نعيم، فأوقعه في الغلط، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا)؛ يعني: أن حديث أبي نعيم عن زكريّاء بن أبي زائدة مثلُ حديث عبد الرحيم بن سليمان، ويعلى بن عُبيد كلاهما عن زكريّاء.
[تنبيه]: رواية أبي نعيم الملائيّ عن زكرياء بن أبي زائدة ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
_________________
(١) هو: الشيخ الهرريّ. راجع: "شرحه" ٢٣/ ٥٧٠.
(٢) راجع: "تحفة الأشراف" ١٢/ ٣٥٢.
[ ٣٩ / ١١٧ ]
(٥٨٩٨) - حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا زكريا، قال: سمعت عامرًا يقول: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة -﵂- حدّثته أن النبيّ -ﷺ- قال لها: "إن جبريل يُقرئك السلام، قالت: وعليه السلام، ورحمة الله". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقةٌ، ضُعِّف في الثوريّ [٩] (٢٠٠) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٥٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أسباط بن محمد عن زكرياء بن أبي زائدة لم أجد من ساقها، فلْيُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرام السمرقنديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٥/ ٢٣٠٧.
[ ٣٩ / ١١٨ ]
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: ("يَا عَائِشُ) هذا من الترخيم، وفيه دليلٌ على جواز الترخيم، وهو حَذْف أواخر الكلم في النداء، نحو: يا سعا، والأصل: يا سعاد، كما قال في "الخلاصة":
تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى … كَـ "يَا سُعَا" فِيمَنْ دَعَا سُعُادَى
ويجوز في شين "عائش" الفتح، ويُسمّى لغة من ينتظر المحذوف للترخيم، والضمّ، ويُسمّى لغة من لا ينتظر الحرف المحذوف، وإليه أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا … ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّاني بِيَا
وقوله: (يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ") قال القرطبيّ -﵀-: يقال: أقرأته السلام، وهو يُقرئك السلام -رُباعيًّا- فتضم ياء المضارعة منه، فإذا قلت: يَقرأ عليك السلام - كان مفتوح حرف المضارعه؛ لأنَّه ثلاثيّ، وهذه فضيلة عظيمة لعائشة -﵂-، غير أن ما ذُكر من تسليم الله -﷿- على خديجة أعظم؛ لأنَّ ذلك سلام من الله -﷿-، وهذا سلام من جبريل -﵇-. انتهى (^١).
وقولها: (وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ) قال القرطبيّ -﵀-: فيه حجة لمن اختار أن يكون ردّ السلام هكذا، وإليه ذهب ابن عمر -﵄- (^٢).
وقولها: (وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى)؛ تعني: أن النبيّ -ﷺ- يرى ما لا تراه هي، وهو الملَك، وفي رواية البخاريّ: "ترى ما لا أري، تريد رسول الله -ﷺ-"، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٣٣.
[ ٣٩ / ١١٩ ]