هي: فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين، رسول الله -ﷺ-، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية -صلى الله على أبيها وآله وسلم، ورضي عنها- كانت تكنى أم أبيها بكسر الموحّدة، بعدها تحتانية ساكنة، ونقل ابن فتحون عن بعضهم بسكون الموحّدة بعدها نون، وهو تصحيف، وتلقّب الزهراء، روت عن أبيها، روى عنها ابناها، وأبوهما، وعائشة، وأم سلمة، وسلمى أم رافع، وأنس، وأرسلت عنها فاطمة بنت الحسين، وغيرها.
قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة أصغر
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ٣٩ / ١٧٢ ]
بنات النبيّ -ﷺ-، وأحبهنّ إليه، وقال أبو عمر: اختلفوا أيتهن أصغر، والذي يسكن إليه اليقين أن أكبرهنّ زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.
واختُلف في سنة مولدها، فروى الواقديّ عن طريق أبي جعفر الباقر قال: قال العباس: وُلدت فاطمة والكعبة تبنى، والنبيّ -ﷺ- ابن خمس وثلاثين سنةً، وبهذا جزم المدائنيّ، ونقل أبو عمر عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشميّ أنها وُلدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبيّ -ﷺ-، وكان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة، أو أكثر، وهي أسنّ من عائشة بنحو خمس سنين، وتزوجها عليّ أوائل المحرم سنة اثنتين بعد عائشة بأربعة أشهر، وقيل غير ذلك، وانقطع نسل رسول الله -ﷺ- إلا من فاطمة.
وقال الواقديّ: تُوفيت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان، سنة إحدى عشرة. انتهى مختصرًا من "الإصابة" (^١).
وقال الحافظ -﵀- في "الفتح": فاطمة بنت رسول الله -ﷺرضي الله عنها-، وأمها خديجة -﵂-، وُلدت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البعثة، وتزوجها عليّ -﵁- بعد بدر، في السنة الثانية، وَوَلدت له، وماتت سنة إحدى عشرة بعد النبيّ -ﷺ- بستة أشهر، وقد ثبت في "الصحيح" من حديث عائشة -﵂-، وقيل: بل عاشت بعده ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: شهرين، وقيل: شهرًا واحدًا، ولها أربع وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، فقيل: إحدى، وقيل: خمس، وقيل: تسع، وقيل: عاشت ثلاثين سنة.
قال: وأقوى ما يُستَدَلّ به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها، ومن بعدهنّ ما ذُكر من قوله -ﷺ-: "إنها سيدة نساء العالمين"، إلا مريم، وإنها رُزئت بالنبيّ -ﷺ- دون غيرها من بناته، فإنهنّ مُتْنَ في حياته، فكنّ في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها.
قال الحافظ: وكنت أقول ذلك استنباطًا إلى أن وجدته منصوصًا، قال أبو جعفر الطبريّ في "تفسير آل عمران" من التفسير الكبير، من طريق فاطمة بنت الحسين بن عليّ؛ أن جدتها فاطمة قالت: دخل رسول الله -ﷺ- يومًا، وأنا عند
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ٣٩ / ١٧٣ ]
عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لقد علمت، أأُخبرك بسرّ رسول الله -ﷺ-، فتركتني، فلما تُوفي سألت، فقلت: ناجاني. . . فذكر الحديث في معارضة جبريل له بالقرآن مرتين، وأنه قال: "أحسب أني ميت في عامي هذا، وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون امرأة منهنّ صبرًا"، فبكيت، فقال: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم"، فضحكتُ، قلت (^١): وأصل الحديث في "الصحيح" دون هذه الزيادة. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: فاطمة سيدة نساء العالمين -﵂-، وقد اختُلف في أصغر بنات رسول الله -ﷺ-، قال أبو عمر: والذي تسكن النفس إليه أن زينب هي الأُولى، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وُلدت لرسول الله -ﷺ- سنة إحدى وأربعين من مولده -ﷺ-، وتزوجها عليّ -﵂- بعد وقعة أُحد، وقيل: بعد أن ابتنى النبيّ -ﷺ- بعائشة -﵂- بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها عليٌّ بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف، وكان سِنُّها يوم تزوجها -﵂- خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وسِنُّ علي يومئذ إحدى وعشرون سنة وستة أشهر، فوَلَدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم، وزينب، وتوفيت بعد رسول الله -ﷺ- بيسير، قيل: بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بسبعين يومًا، وقيل: بمائة يوم، وهي أحبُّ بناتِ رسول الله -ﷺ- إليه، وأكرمهنّ عنده، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة، وكان رسول الله -ﷺ- إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد، فيصلِّي فيه، ثم يبدأ ببيت فاطمة، فيسأل عنها، ثم يدور على سائر نسائه، إكرامًا لها، واعتناء بها، وهي أوَّل من سُتِر نعشُها في الإسلام، وذلك أنها لمّا احتُضِرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد استقبحتُ ما يُفْعَلُ بالنساء؛ إنه يُطْرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء: يا بنة رسول الله -ﷺ- ألا أريكِ شيئًا رأيتُه في الحبشة؟! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَتْها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا، وأجمله، تُعرف
_________________
(١) القائل هو: الحافظ -﵀-.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٧٤، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (٣٧٦٧).
[ ٣٩ / ١٧٤ ]
به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدْخلي أحدًا، فلما تُوفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر، وقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله -ﷺ-، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر، فوقف على الباب، فقال: يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبيّ -ﷺ- يدخلن علي بنت رسول الله -ﷺ-، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمَرَتني ألَّا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها، قال أبو بكر -﵁-: اصنعي ما أمَرَتك، ثم انصرف، وغسَّلها عليٌّ، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو، وعليّ، والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين سنةً. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٧] (٢٤٤٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥١ - ٣٥٢.
[ ٣٩ / ١٧٥ ]
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن له، ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٨٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
عن (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) -﵄- (حَدَّثَهُ) قال في "الفتح": كذا رواه عنه عمرو بن دينار، وتابعه الليث، وابن لهيعة، وغيرهما، ورواه أيوب، عن ابن أبي مليكة، فقال: عن عبد الله بن الزبير، أخرجه الترمذيّ، وصححه، وقال: يَحْتَمِل أن يكون ابن أبي مليكة سمعه منهما جميعًا، ورجّح الدارقطنيّ وغيره طريق المسور، والأول أثبت بلا ريب؛ لأن المسور قد روى في هذا الحديث قصة مطولة ستأتي بعد هذا، نعم يَحتمل أن يكون ابن الزبير سمع هذه القطعة فقط، أو سمعها من المسور، فأرسلها. انتهى (^١).
(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ) النبويّ، وقوله: (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة، ("إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) هو والد أبي جهل، وجدّ مخطوبة عليّ؛ وبنوه هم أعمامها. (اسْتَأْذَنُونِي)؛ أي: طلبوا مني أن آذن لهم (أَنْ يُنْكِحُوا) بضم حرف المضارعة، من الإنكاح؛ أي: يزوّجوا (ابْنَتَهُمْ) هي ابنة أبي جهل، واختُلف في اسمها، فروى الحاكم في "الإكليل" أنها جويرية، وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء، أخرجه ابن طاهر في "المبهمات"، وقيل: اسمها الحنفاء، ذكره ابن جرير الطبريّ، وقيل: جرهمة، حكاه السهيليّ، وقيل: اسمها جميلة، ذكره ابن الملقن في "شرحه"، وكان لأبي جهل بنت
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٧٥ رقم (٣٧٦٧).
[ ٣٩ / ١٧٦ ]
تسمى صفية، تزوجها سهل بن عمرو، سماها ابن السكيت وغيره، وقال: هي الحنفاء المذكورة (^١).
(عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) -﵁-، هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة أن سبب الْخُطبة استئذان بني هشام بن المغيرة وفي رواية الزهريّ عن عليّ بن الحسين بسبب آخر، ولفظه: "أن عليًّا خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبيّ -ﷺ-، فقالت: إن قومك يتحدثون. . ."، كذا في رواية شعيب، وفي رواية عبد الله بن أبي زياد، عنه في "صحيح ابن حبان": "فبلغ ذلك فاطمة، فقالت: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل"، هكذا أطلقت عليه اسم فاعل مجازًا؛ لكونه أراد ذلك، وصمَّم عليه، فنزَّلته منزلة مَن فعله.
ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد: "خطب"، ولا إشكال فيها، قال المسور: "فقام النبيّ -ﷺ-"، فذكر الحديث.
ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حنظلة: "أن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة".
قال الحافظ: فكأن ذلك كان سبب استئذانهم، وجاء أيضًا أن عليًّا استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سُويد بن غَفَلة، وهو أحد المخضرمين، ممن أسلم في حياة النبيّ -ﷺ-، ولم يلقه، قال: "خَطَب عليّ بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبيّ -ﷺ-، فقال: أعن حَسَبها تسألني؟ فقال: لا، ولكن أتامرني بها؟ قال: لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن، أو تجزع، فقال عليّ: لا آتي شيئًا تكرهه"، ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خُطبة النبيّ -ﷺ- بما خطب، ولم يحضر عليّ الخطبة المذكورة، فاستشار، فلما قال له: لا، لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهريّ: "فترك عليّ الْخِطبة"، وهي بكسر الخاء المعجمة.
ووقع عند ابن أبي داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة: "فسكت عليّ عن ذلك النكاح".
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٤٣ رقم (٣٧٢٩).
[ ٣٩ / ١٧٧ ]
(فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ) ولفظ البخاريّ: "فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن"، كرر ذلك تأكيدًا لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لِمَا خاف النبيّ -ﷺ- على فاطمة من الفتنة، من أجل الغَيْرة، ولِمَا توقع من مُناكدة هذه الضَّرَّة؛ لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء، قاله القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح": فيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز؛ لاحتمال أن يُحمل النفي على مدة بعينها، فقال: "ثم لا آذن"؛ أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثم كذلك أبدًا، وفيه إشارة إلى ما في حديث الزهريّ من أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل؛ لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه: الحارث بن هشام، وسلمة بن هشام، عام الفتح، وحسن إسلامهما، ويؤيد ذلك جوابهما المتقدم لعليّ، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة: عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضًا، وحسن إسلامه، والمخطوبة تزوجها عَتّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص لمّا تركها عليّ -﵁- (^٢).
(إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ) هو عليّ -﵁-، فكأنه كَرِه ذلك من عليّ، فلذلك لم يقل: علي بن أبي طالب (^٣). (أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) هذا محمول على أن بعض من يُبغض عليًّا وشى به أنه مصمِّم على ذلك، وإلا فلا يُظَنّ به أنه يستمر على الْخِطبة بعد أن استشار النبيّ -ﷺ-، فمنعه، وسياق سُويد بن غَفَلة يدلّ على أن ذلك وقع قبل أن تعلم به فاطمة، فكأنه لما قيل لها ذلك، وشَكَت إلى النبيّ -ﷺ- بعد أن أعلمه علي أنه ترك أنكر عليه ذلك، وزاد في رواية الزهريّ: "وإني لست أحرّم حلالًا، ولا أحلّل حرامًا، ولكن والله لا تُجمع بنت رسول الله، وبنت عدوّ الله عند رجل أبدًا"، وفي رواية مسلم الآتي بعد حديث: "مكانًا واحدًا أبدًا"، وفي رواية شعيب: "عند رجل واحد أبدًا".
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٣.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٨١، كتاب "النكاح" رقم (٥٢٣٠).
(٣) "عمدة القاري" ٢٠/ ٢١٢.
[ ٣٩ / ١٧٨ ]
قال ابن التين: أصحّ ما تُحْمَل عليه هذه القصة أن النبيّ -ﷺ- حَرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه عَلَّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيّته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: "لا أحرّم حلالًا"؛ أي: هي له حلال، لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبيّ -ﷺ- لتأذي فاطمة به فلا.
وزعم غيره أن السياق يُشعر بأن ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبيّ -ﷺ- رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك؛ امتثالًا لأمر النبيّ -ﷺ-.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه لا يَبعد أن يُعَدّ في خصائص النبيّ -ﷺ- أن لا يُتزوج علي بناته، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصًّا بفاطمة -﵍-. انتهى (^١).
(فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي) بفتح الباء الموحّدة، وسكون الضاد المعجمة؛ أي: قِطعة، ووقع في حديث سُويد بن غَفَلة بلفظ "مضغة" بضم الميم، وبغين معجمة، والسبب في ذلك أنها كانت أصيبت بأمها، ثم بأخواتها واحدةً بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به، ممن يخفف عليها الأمر، ممن تُفضي إليه بسرّها إذا حصلت لها الغيرة، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-: "بضعة مني، يريبني ما رابها" البضعة -بفتح الباء-: القطعة من اللحم، وتُجمع على بضاع؛ كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى: "مُضْغَة"، وهي قَدْرُ ما يَمضغه الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه، يؤلمه ما آلمها، و"يريبني ما رابها"؛ أي: يَشُقّ عليّ، ويؤلمني، يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه -ثلاثيًّا- والاسم منه: الرِّيبة، وهذيل تقول فيه: أرابني -رباعيًّا- والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مُريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك. انتهى (^٢).
(يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا) كذا هنا في رواية مسلم: "يَرِيبني ما رابها" من راب يريب ثلاثيًّا، وفي رواية البخاريّ: "يُريبني ما أرابها"، رباعيًّا، وزاد في رواية
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٨١، كتاب "النكاح" رقم (٥٢٣٠).
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
[ ٣٩ / ١٧٩ ]
الزهريّ؛ "وأنا أتخوف أن تُفْتَن في دينها"؛ يعني: أنها لا تصبر على الغيرة، فيقع منها في حقّ زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدِّين.
وفي رواية شعيب: "وأنا أكره أن يسوءها"؛ أي: تزويج غيرها عليها، وفي رواية مسلم الآتية من هذا الوجه: "أن يفتنوها"، وهي بمعنى أن تُفْتَن.
(وَيُؤْذَينِي مَا آذَاهَا") في رواية أبي حنظلة: "فمن آذاها فقد آذاني"، وفي حديث عبد الله بن الزبير: "يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها"، وهو بنون، وصاد مهملة، وموحّدة، من النّصَب، بفتحتين، وهو التعب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن المسور: "يَقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها"، أخرجها الحاكم (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "يريبني" بفتح الياء، قال إبراهيم الحربي: الريب ما رابك من شيء، خِفت عقباه، وقال الفراء: راب، وأراب بمعنى، وقال أبو زيد: رابني الأمر: تيقنت منه الريبة، وأرابني: شكّكني، وأوهمني، وحُكي عن أبي زيد أيضًا وغيره كقول الفراء، قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبيّ -ﷺ- بكل حال، وعلى كل وجه، وإن تولَّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا، وهو حيّ، وهذا بخلاف غيره، قالوا: وقد أعلم -ﷺ- بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ بقوله -ﷺ-: "لست أحرّم حلالًا"، ولكن نهى عن الجمع بينهما؛ لعلتين منصوصتين، إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة، فيتأذى حينئذ النبيّ -ﷺ-، فيهلك من آذاه، فنَهَى عن ذلك؛ لكمال شفقته على عليّ، وعلى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، وقيل: ليس المراد به النهي عن جَمْعهما، بل معناه: أَعْلَم من فضل الله أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النضر: والله لا تُكسر ثنية الرُّبَيِّع، ويَحْتَمِل أن المراد تحريم جَمْعهما، ويكون معنى: "لا أحرّم حلالًا"؛ أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرّمه لم أحلله، ولم أسكت عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٨١، كتاب "النكاح" رقم (٥٢٣٠).
[ ٣٩ / ١٨٠ ]
له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله، وبنت عدوّ الله. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المسور بن مخرمة -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٦٢٨٧ و٦٢٨٨ و٦٢٨٩ و٦٢٩٠ و٦٢٩١] (٢٤٤٩)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٢٣٠) و"الطلاق" (٥٢٧٨) و"الفضائل" (٣٧١٤ و٣٧٦٧)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٧١)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٦٧)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٩٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٤٧) و"فضائل الصحابة" (٢٦٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٢٨) وفي "الفضائل" (١٣٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٥٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ١٠١٠ و١٠١١ و١٠١٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٠٧ و١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٥٧ و٣٩٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^٢):
١ - (منها): بيان تحريم إيذاء النبيّ -ﷺ- بكل حال، وعلى كل وجه، وإن كان تولّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا وهو في هذا بخلاف غيره، وقال النوويّ: ويَحْتَمِل أن المراد: تحريم جَمْعهما، ويكون معنى: "لا أُحَرِّم حلالًا"؛ أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرمه لم أحله، ولم أسكت على تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت رسولِ الله -ﷺ-، وبنت عدوّ الله. انتهى (^٣).
٢ - (ومنها): أن قوله -ﷺ- الآتي: "وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢ - ٣.
(٢) المراد: فوائد حديث الباب بطرقه المختلفة، وليس المراد السياق المذكور في هذه الرواية، فتنبّه.
(٣) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٤.
[ ٣٩ / ١٨١ ]
حرامًا" صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى؛ وإنَّما الرسول مُبلِّغ.
قال القرطبيّ -﵀-: ويُستدلُّ به في منع اجتهاد النبيّ -ﷺ- في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبيّ -ﷺ-، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها؛ وإنَّما هو مُظْهِر لها، كما أوضحناه في الأصول.
قال: ويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبيّ -ﷺ- إنما منع عليًّا من ذلك لِمَا خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في نفسها، فيتأذى النبيّ -ﷺ- بسببها، وأذى النبيّ -ﷺ- حرام، فيحرم ما يؤدي إليه.
٣ - (ومنها): أن فيه القولَ بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة النبيّ -ﷺ- أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك بأن من فعل مِمَّا ما يجوز له فِعله لا يُمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبيّ -ﷺ-، بل يَحْرم علينا مطلقًا فعلُ كل شيء يتأذى به النبيّ -ﷺ-، وإن كان في أصله مباحًا، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبيّ -ﷺ- ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم، قاله القرطبيّ -﵀-.
وقال في "الفتح": فيه حجةٌ لمن يقول بسد الذريعة؛ لأن تزويج ما زاد على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد مُنع من ذلك في الحال؛ لِمَا يترتب عليه من الضرر في المآل. انتهى.
٤ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته، ووَلَده، وحُرَمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي إلى ضررهم؛ إذا كان ذلك بوجه جائز.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ أيضًا على جواز خُطبة الإمام الناس، وجَمْعهم لأمر يحدث.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: إن قوله -ﷺ-: "والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا"؛ دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتبيّن خلاف ذلك، قال: وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا مَنْع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح؛ لأنَّه يلزم
[ ٣٩ / ١٨٢ ]
منه مَنْع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتدّ على من ليس أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم، فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة -﵂-.
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رَضِيت بذلك لم يُمنع عليّ من التزويج بابنة أبي جهل، أو بغيرها.
٨ - (ومنها): تحريم أذى من يتأذى النبيّ -ﷺ- بتأذيه؛ لأن أذى النبيّ -ﷺ- حرام اتفاقًا قليله وكثيره، وقد جزم بأنه يؤذيه ما يؤذي فاطمة، فكل من وقع منه في حقّ فاطمة شيء، فتأذت به فهو يؤذي النبيّ -ﷺ- بشهادة هذا الخبر الصحيح، ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قَتْل وَلَدها، ولهذا عُرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ.
٩ - (ومنها): بقاء عار الآباء في أعقابهم؛ لقوله: "بنت عدو الله"، فإن فيه إشعارًا بأن للوصف تأثيرًا في المنع، مع أنها هي كانت مسلمة حسنة الإسلام.
١٠ - (ومنها): ما قيل: إنه قد احتجّ به من منع كفاءة من مسّ أباه الرقّ، ثم أُعتق بمن لم يمس أباها الرقّ، ومن مسه الرقّ بمن لم يمسها هي، بل مسّ أباها فقط.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في "كتاب النكاح" أن الصحيح من مذاهب العلماء أن الكفاءة تُعتبر بالدِّين فقط، لا بالنسب، ولا بالحِرَف، والصنائع؛ للأدلة الصحيحة الكثيرة التي ذُكرت هناك، فراجعها، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
١١ - (ومنها): أن الغيراء إذا خُشي عليها أن تُفتن في دينها كان لوليّها أن يسعى في إزالة ذلك، كما في حكم الناشز، كذا قيل، وفيه نظرٌ، ويمكن أن يزاد فيه شَرْط أن لا يكون عندها من تتسلى به، ويخفف عنها الحملة كما تقدم.
قال الحافظ: ومن هنا يؤخذ جواب مَن استَشكَلَ اختصاص فاطمة بذلك مع أن الغيرة على النبيّ -ﷺ- أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان -ﷺ- يستكثر من الزوجات، وتوجد منهنّ الغيرة، كما في هذه الأحاديث،
[ ٣٩ / ١٨٣ ]
ومع ذلك ما راعى ذلك -ﷺ- في حقهنّ، كما راعاه في حقّ فاطمة -﵂-.
ومحصل الجواب: أن فاطمة -﵂- كانت إذ ذاك كما تقدم فاقدةً مَن تَرْكَنُ إليه ممن يؤنسها، ويزيل وحشتها، من أم، أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهنّ كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادةً عليه، وهو زوجهنّ -ﷺ- لِمَا كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجَبْر الخواطر، بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خُلُقه، وجميل خَلْقه بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وُجد ما يُخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب (^١).
١٢ - (ومنها): ما قيل: إن فيه حجةً لمن منع الجمع بين الحرة والأمة، هكذا قيل.
١٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه إكرام من ينتسب إلى الخير، أو الشرف، أو الديانة (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِيني مَا آذَاهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر بن الحسن الهُذليّ الْقَطِيعيّ، أصله هَرَويّ، ثقةٌ مأمونٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (خ م س) تقدم في "الرضاع" ١/ ٣٥٦٩.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٨١، كتاب "النكاح" رقم (٥٢٣٠).
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ٢١٢.
[ ٣٩ / ١٨٤ ]
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، لكن السياق هذا من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -﵄- لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ (^١)، تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا"، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ، قَالَ: "حَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الشهير، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ،
_________________
(١) وفي نسخة: "هل لك من حاجة".
[ ٣٩ / ١٨٥ ]
صدوقٌ، عارفٌ بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ (^١) الدُّؤَلِيُّ) -بضمّ الدال، وفتح الهمزة، الدِّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانية- المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٨٠٦.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٧ - (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٣٠/ ١٨١٨.
و"المسور بن مخرمة -﵄-" ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثمانيّات المصنّف -﵀- فهو قريبٌ من أَنْزَلِ أسانيده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع.
شرح الحديث:
(عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ) المخزوميّ المدنيّ، ثم الكوفيّ؛ أنه (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ اَلدُّؤَلِيُّ) بضمّ الدال المهملة، وفتح الهمزة، ويقال: الدّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانيّة: نسبة إلى قبيلة. (أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ) الزهريّ (حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ) زين العابدين (حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ)؛ أي: عليًّا ومن معه من أهل بيته (حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) وكان ذلك في خلافته، (مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -﵄-)؛ أي: في وقته، فالمقتل منصوب على الظرفيّة الزمانيّة، وكان قَتْل الحسين -﵁- يوم عاشوراء سنة (٦١) من الهجرة وله (٥٦) سنةً. (لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم في "الْمِسور"، وفتحها في "مخرمة" صحابي ابن صحابيّ -﵄-. (فَقَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي: لعلّي بن الحسين -﵄-: (هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ) وفي بعض النسخ: "هل لك
_________________
(١) "حَلْحَلَة" بحاءين مهملتين، بينهما لام ساكنة.
[ ٣٩ / ١٨٦ ]
من حاجة"؛ أي: تذكر لي حاجة لك؟ (تَأْمُرُنِي بِهَا؟)؛ أي: بقضائها، (قَالَ) عليّ: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للمسور، (لَا)؛ أي: لا حاجة لي إليك، (قَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي: لعليّ: (هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ) اسم فاعل من أعطى، مضاف إلى ياء المتكلّم، ولذا شُدّدت الياء لإدغام الياء التي هي لام الكلمة في ياء المتكلّم. (سَيْفَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور: ذو الفقار الذي تنفّله يوم بدر، ورأى فيه الرؤيا يوم أُحد، قال: وأراد المسور بذلك صيانة سيف النبيّ -ﷺ-؛ لئلا يأخذه من لا يعرف قَدْره، وقال الكرمانيّ: مناسبة ذِكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه للسيف من جهة أن رسول الله -ﷺ- كان يحترز عما يوجب وقوع التكدير بين الأقرباء؛ أي: فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كُدورة بسببه، أو كما أن رسول الله -ﷺ- كان يراعي جانب بني عمه العبشميين، فأنت أيضًا راعِ جانب بني عمك النوفليين؛ لأن المسور نوفليّ، كذا قال، والمسور زهريّ، لا نوفليّ، قال: أو كما أن رسول الله -ﷺ- كان يحب رفاهية خاطر فاطمة -﵂-، فأنا أيضًا أحب رفاهية خاطرك؛ لكونك ابن ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك.
قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمَد، وما قبله ظاهر التكلف. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "مُعْطِيَّ" بضم الميم، وسكون العين، وكسر الطاء، وتشديد الياء؛ يعني: هل أنت معطي سَيْف رسول الله -ﷺ- إياي، وكون السيف عند آل عليّ -﵁- يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- قد أعطاه لعليّ -﵁- في حياته انتَقَل إلى زين العابدين، أو أعطاه أبو بكر -﵁-، ثم انتقل إلى آله، والظاهر: أن هذا السيف هو ذو الفَقار؛ لأن سبط ابن الجوزيّ ذكر في "تاريخه": ولم يزل ذو الفقار عنده -ﷺ- حتى وهبه لعليّ -﵁- قبل موته، ثم انتقل إلى آله، وكانت له عشرة أسياف، منها ذو الفَقار تنفّله يوم بدر. انتهى (^٢).
(فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ)؛ أي: يأخذوه منك بالقوّة والاستيلاء،
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٣٧١، كتاب "فرض الخمس" رقم (٣١١٠).
(٢) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٣.
[ ٣٩ / ١٨٧ ]
ويريد بالقوم: بني أمية، ومن يواليهم. (عَلَيْهِ)؛ أي: على هذا السيف، (وَايْمُ اللهِ) تقدّم أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: قَسَمي (لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ؛ أَبَدًا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يصل إليه أحد أبدًا (حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي) يَحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، و"نفسي" مرفوع بالفاعليّة؛ أي: حتى تبلغ نفسي غايتها، بمعنى: حتى أموت، وضَبَطه بعضهم بالبناء للمفعول، وفسّره بقوله: حتى تُقبض روحي.
وقال في "التكملة": يعني: أنني سوف أحتفظ بهذا السيف، ولن أسلّمه إلى أئمة بني أميّة، وهم المراد من قوله: "إني أخاف أن يغلبك القوم عليه"، ولو اضطررت لحفظه إلى بذل نفسي. انتهى (^١).
[تنبيه]: كتب في "الفتح" ما نصّه: ولا أزال أتعجب من المسور، كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين، حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لا يُمَكِّن أحدًا منه حتى تزهق روحه؛ رعايةً لكونه ابن ابن فاطمة - ﵂ - محتجًّا بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غَضاضة على عليّ بن الحسين؛ لِمَا فيه من إيهام غضّ من جدّه علي بن أبي طالب، حيث أقدم على خِطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبيّ - ﷺ - في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجب من المسور تعجبًا آخر أبلغ من ذلك، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه، أعني الحسين والد عليّ الذي وقعت له معه القصة حتى قُتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يَحْتَمِل أن يكون عُذْره أن الحسين لمّا خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يئول إلى ما آل إليه، والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا لا أزال أتعجّب من الحافظ سامحه الله تعالى حيث كتب هذا الكلام الذي فيه غضّ من المسور - ﵁ -، فيا ليته لَمْ يكتبه، فإن المسور - ﵁ - من الصحابة الذين يجب علينا أن لا نذكرهم إلَّا بخير وفضل واحترام، ولا نذكر ما وقع منهم من بعض الأشياء التي انتقدها
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ١٧٩.
(٢) "الفتح" ٩/ ٣٢٧.
[ ٣٩ / ١٨٨ ]
أعداؤهم، وتوسّعوا فيها، وأوقدوا نيرانها، فإنهم بَشَر قد يصدر منهم ما يصدر من البشر، ولكنهم مجتهدون مأجورون، فالواجب أن لا نتعرّض لمثل ذلك، ولا نفتح لأعدائهم باب الشرّ.
وبالجملة فالمسور - ﵁ - كسائر الصحابة - ﵃ - لا يُذكر إلَّا بخير ما فعله، ونكفّ عن غير ذلك إن كان هناك شيء، فلا يليق بنا أن نقول في حقّ صحابيّ: أتعجّب من فلان، كيف فعل هذا؟، وكيف ترك هذا؟ فإن هذا معاونة للأعداء، وتقوية لاعتقادهم الباطل في حقّ كثير من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ) اسمها جويرية، ويقال: العوراء، ويقال: جميلة، وكان عليّ - ﵁ - قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبيّ - ﷺ - أعرض عليّ عن الْخِطْبة، فيقال: تزوجها عَتّاب بن أَسِيد، وإنما خَطَب النبيّ - ﷺ - ليُشيع الحكم المذكور بين الناس، ويأخذوا به، إما على سبيل الإيجاب، وإما على سبيل الأولوية.
قال الحافظ: وغَفَل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه من رواية المسور، وكان فيه انحراف عن عليّ، وجاء من رواية ابن الزبير، وهو أشدّ في ذلك.
ورُدّ كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": إنما ذكر المسور قصة خِطبة عليّ بنت أبي جهل؛ ليَعْلَم عليّ بن الحسين زين العابدين بمحبته في فاطمة، وفي نسلها؛ لِمَا سمع من رسول الله - ﷺ -. انتهى (^٢).
(فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ) جملة في محل نصب على الحال، (فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن خِطبة علي بنت أبي جهل، (عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا) يريد المنبر النبويّ في المسجد النبويّ، وقوله: (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ) جملة حاليّة أيضًا، و"المحتلم": بكسر اللام اسم فاعل من حَلَم، يقال: حَلَم
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٤٣، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٢٩).
(٢) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٤.
[ ٣٩ / ١٨٩ ]
يَحْلُم، من باب قَتَلَ حُلُمًا بضمّتين، وإسكان الثاني تخفيف، واحتَلَمَ: رأى في منامه رُؤَيَا، وحلم الصبيّ، واحتلم: أدرك وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالمٌ، ومحتَلِمٌ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ -: ("إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي) هو بمعنى الرواية السابقة: "بضعة مني"، (وَإِنِّي أتخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا")؛ أي: أنَّها لا تصبر بسبب المغيرة، فتقع في محظور شرعيّ. (قَالَ) المسور: (ثُمَّ ذَكَرَ) رسول الله - ﷺ - (صِهْرًا لَهُ) الصِّهْرُ بكسر، فسكون: جمعه أَصْهَارٌ، قال الخليل: الصِّهْرُ: أهل بيت المرأة، قال: ومن العرب من يجعل الأَحْمَاءَ، والأَخْتَانَ جميعًا أَصْهَارًا، وقال الأزهريّ: الصِّهْرُ يشتمل على قرابات النساء، ذوي المحارم، وذوات المحارم؛ كالأبوين، والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات، فهؤلاء أَصْهَارُ زوج المرأة، ومن كان من قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أَصْهَارُ المرأة أيضًا، وقال ابن السكيت: كل من كان من قِبَل الزوج، من أبيه، أو أخيه، أو عمة، فهم الأَحْمَاءُ، ومن كان من قِبَل المرأة، فهم الأَخْتَانُ، وَيَجمع الصنفين الأَصْهَارُ، وصَاهَرْتُ إليهم: إذا تزوجت منهم، ذكره الفيّوميّ - ﵀ - (^٢).
(مِنْ بَني عَبْدِ شَمْسٍ) هو: أبو العاص بن الربيع بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختُلِف في اسمه على أقوال، أثبتها عند الزبير: مِقْسَم، وأمه هالة بنت خُويلد أخت خديجة، فكان ابن أختها.
قال في "الفتح": وأصل المصاهرة: المقاربة، وقال الراغب: الصهر: الْخَتَن، وأهل بيت المرأة، يقال لهم: الأصهار، قاله الخليل، وقال ابن الأعرابيّ: الأصهار: ما يتحرّم بجوار، أو نَسَب، أو تزوُّج، وقال النوويّ: الصهر يُطلق على أقارب الزوجين، والمصاهرة مقاربة بين المتباعدين، وعلى هذا عمل البخاريّ، فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبيّ - ﷺ - إلَّا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نِسبته إليها، بل إلى تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله - ﷺ - قبل البعثة، وهي أكبر بنات
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٩.
[ ٣٩ / ١٩٠ ]
النبيّ - ﷺ -، وقد أُسر أبو العاص ببدر مع المشركين، وَفَدَتْه زينب، فشَرَط عليه النبيّ - ﷺ - أن يُرسلها إليه، فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث: "ووعدني، فوفى لي"، ثم أُسر أبو العاص عمرة أخرى، فأجارته زينب، فأسلم، فردّها النبيّ - ﷺ - إلى نكاحه، وولدت أُمامة التي كان النبيّ - ﷺ - يحملها، وهو يصلي، كما تقدم في "الصلاة"، وولدت له أيضًا ابنًا اسمه عليّ، كان في زمن النبيّ - ﷺ - مراهقًا، فيقال: إنه مات قبل وفاة النبيّ - ﷺ -.
وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة، ذكره في "الفتح" (^١).
(فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ) ثم أشار إلى إحسانه في مصاهرته بقوله: (قَالَ) - ﷺ -: ("حَدَّثَنِي)؛ أي: أبو الربيع، (فَصَدَقَنِي) بتخفيف الدال، قال في "الفتح": لعله كان شَرَط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك عليّ، فإن لَمْ يكن كذلك فهو محمول على أنَّ عليًّا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الْخِطبة، أو لَمْ يقع عليه شرط؛ إذ لَمْ يصرّح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القَدْر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبيّ - ﷺ - قَلّ أن يواجه أحدًا بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة عليّ مبالغةً في رضا فاطمة - ﵍ -، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ مَنْ تأخَّر من بنات النبيّ - ﷺ - غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بإخوتها، فكان إدخال المغيرة عليها مما يزيد حزنها (^٢).
(وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا") قال في "العمدة": قد أعلم - ﷺ - بذلك بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ - ﵁ -، ولكن نَهَى عن الجمع بينها وبين فاطمة ابنته - ﷺ -؛ لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤذيني؛ لأنَّ إيذاء فاطمة إيذاءًا لي، والأخرى: خوف الفتنة عليها بسبب المغيرة. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٢٩).
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٤٣، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٢٩).
(٣) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٤.
[ ٣٩ / ١٩١ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارَمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبِ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيّ - ﷺ -، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيُّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: "أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيع، فَحَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا"، قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"أبو السمان" هو: الحكم بن نافع الحمصيّ، و"شُعيب" هو: ابن أبي حمزة الحمصيّ أيضًا.
وقوله: (فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ) وفي رواية البخاريّ: "إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله - ﷺ -، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك".
وقولها: (وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ) هكذا الرواية عند مسلم "ناكحًا" بالنصب، ووجهه أنه منصوب على الحال المنتظرة من عليّ، وقال القرطبيّ: كذا الرواية: "ناكحًا" بالنصب على الحال؛ لأنَّ الكلام قبله مستقلّ بنفسه؛ لأنَّ قولها: "هذا عليّ "؛ كقولك: هذا زيد، لكنْ رَفْعه أحسن لو رُوي؛ لأنَّه هو المقصود بالإفادة، و"عليّ" توطئة له. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لو رُوي … إلخ" قد روي ذلك عند
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٣.
[ ٣٩ / ١٩٢ ]
البخاريّ، ولفظه: "وهذا عليّ ناكح … إلخ" بالرفع، فيكون خبرًا لاسم الإشارة بعد خبر، أو صفة لعليّ.
قال في "العمدة": وإطلاق اسم الناكح عليه مجازٌ باعتبار ما كان قصد إليه. انتهى (^١).
وقوله: (فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ) بكسر الخاء؛ يعني: خِطبته لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت - ﵂ -.
والحديث متَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُّ - يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ - يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ - يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةُ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] مات سنة سبعين ومائة، بعدما اختَلَط، لكن لَمْ يحدّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٤ - (النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريّ، أبو إسحاق الرَّقّيّ، مولى بني أمية، صدوقٌ سيئ الحفظ [٦] (خت م ٤) تقدم في "النكاح" ٢٠/ ٣٥٣٧.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٣١.
[ ٣٩ / ١٩٣ ]
[تنبيه]: رواية النعمان بن راشد عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(١٨٩٣١) - حَدَّثَنَا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت النعمان يحدّث عن الزهريّ، عن عليّ بن حسين، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة؛ أن عليًّا خطب ابنة أبي جهل، فوُعد بالنِّكَاح، فأتت فاطمة النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن قومك يتحدّثون أنك لا تغضب لبناتك، وإن عليًّا قد خطب ابنة أبي جهل، فقام النبيّ - ﷺ -، فحمِد الله، وأثنى عليه، وقال: إنما فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن تفتنوها، وذكر أبا العاص بن الربيع، فأكثر عليه الثناء، وقال: لا يُجْمَع بين ابنة نبي الله، وبنت عدوّ الله، فَرَفَض عليّ ذلك. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٢] (٢٤٥٠) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْني: ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ أَبِيه، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيه، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ، فَسَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَكَيْت، ثُمَّ سَارَّك، فَضَحِكْتِ؛ قَالَتْ: سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِه، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِه، فَضَحِكْتُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) بشير التُّركيّ، أبو نصر البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٤/ ٣٢٦.
[ ٣٩ / ١٩٤ ]
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل هو والد يعقوب بن إبراهيم المذكور بعد التحويل، ووالده هو: سعد بن إبراهيم، فتنبّه.
شرح الحديث:
عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزهريّ، أبي يوسف المدنيّ، نزيل بغداد؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل، (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ؛ (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين (حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ الله - ﷺ - دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ) - ﵂ - (فَسَارَّهَا)؛ أي: كلّمها سرًّا (فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا) ثانيًا (فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ -: (فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ) - ﵂ -: (مَا) استفهاميّة، (هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَكَيْت، ثُمَّ سَارَّك، فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ) فاطمة: (سَارَّنِي) - ﷺ - (فَأَخْبَرَنِي بِمَوْته، فَبَكَيْتُ) لذلك (ثُمَّ سَارَّنِي) ثانيًا (فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ) إلى الدار الآخرة (مِنْ أَهْلِه، فَضَحِكْتُ)؛ أي: استبشارًا، وفرحًا بذلك.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي"، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِه، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَار، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا
[ ٣٩ / ١٩٥ ]
قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ، أمّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْن، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْن، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ (^١) أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ"، قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (فِرَاسُ) - بكسر أوله، وبمهملة - ابن يحيى الْهَمْدانيّ الخارفيّ - بمعجمة، وفاء - أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٦] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ٤٢٩٠.
٤ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشَّعْبي، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
و"عائشة" - ﵂ - ذُكرت قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة.
_________________
(١) وفي نسخة: "أما ترضين".
[ ٣٩ / ١٩٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -؛ أنَّها (قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ -) هذا على لغة "أكلوني البراغيث"، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
ولفظ البخاريّ: "كنّا أزواجَ النبيّ - ﷺ - بنصب "النبيّ" على الاختصاص.
(عِنْدَهُ) - ﷺ - (لَمْ يُغَادِرْ) بالبناء للفاعل؛ أي: لَمْ تترك مكانها، من المغادرة، وهو الترك. (مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) ابنته - ﷺ - ﵂ - (تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا) بكسر الميم؛ لأنَّ الفِعْلة بالكسر للحالة، وبالفتح للمرة (^١). (مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا) ولفظ البخاريّ: "كأن مشيتها مَشيُ النبيّ - ﷺ -"، فـ "مشيُ" مرفوع؛ لأنه خبر "كأنّ" بالتشديد، وكان - ﷺ - إذا مشى كأنه ينحدر من صبب؛ أي: من موضع منحدر (^٢).
وقال في "الفتح" ما حاصله: وفي أول هذا الحديث من رواية مسروق عن عائشة: "فأقبلت فاطمة ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله - ﷺ -، فلما رآها رحّب بها، فقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم سارّها، فبكت بكاءً شديدًا"، ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عاشه قالت: "ما رأيت أحدًا أشبه سَمْتًا، وهَديًا، ودَلًّا برسول الله - ﷺ - بقيامها، وقعودها، من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبيّ - ﷺ - قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مَرِضَ دخلت عليه، فأكبّت عليه تقبّله"، واتفقت الروايتان على أنَّ الذي سارّها به أَوّلًا، فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت من مرضه ذلك، واختَلَفا فيما سارّها به ثانيًا، فضحكت، ففي رواية عروة -يعني: الرواية الماضية - أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق هذه أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجَنَّة، وجَعَلَ كونَها أول أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأول وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين، فمما زاده مسروق قول
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ١٥٤.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ١٥٤.
[ ٣٩ / ١٩٧ ]
عائشة: "فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأُفشي سرّ رسول الله - ﷺ - حتى تُوُفّي النبيّ - ﷺ -، فسألتها، فقالت: أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كلَّ سنة مرّة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلَّا حَضَر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحوقًا بي"، وقولها: "كأن مشيتها" هو بكسر الميم؛ لأنَّ المراد الهيئة، وقولها: "ما رأيت كاليوم فرحًا"، تقديره: ما رأيت كفرح اليوم فرحًا، أو ما رأيت فرحًا كفرح رأيته اليومَ، وقولها: "حتى تُوُفّي" متعلق بمحذوف، تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى تُوُفّي، وقد طَوَى عروة هذا كله، فقال في روايته بعد قوله: "فضحكت، فسألناها عن ذلك، فقالت: سارّني أنه يُقبض في وجعه الذي تُوُفّي فيه. . ." الحديث.
وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: "أن عائشة لمّا رأت بكاءها وضحكها قالت: إن كنت لأظنّ أن هذه المرأة أعقل النساء، فإذا هي من النساء". ويَحْتَمِل تعدد القصة، ويؤيده الجزم في رواية عروة بأنه ميت من وجعه ذلك، بخلاف رواية مسروق، ففيها أنه ظنّ ذلك بطريق الاستنباط، مما ذكره من معارضة القرآن.
وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلَّا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بأنها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها، أو ضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لَمْ يذكره الآخر. وقد روى النسائيّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الآخرين.
ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك أنَّها سيدة النساء.
وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به.
وعند الطبريّ من وجه آخر عن عائشة؛ أنه قال لفاطمة: "إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم ذريّة منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرًا". انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٥٩٦ - ٥٩٧، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٣٣).
[ ٣٩ / ١٩٨ ]
(فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا) بتشديد الحاء المهملة، من الترحيب؛ أي: قال لها: مرحبًا. (فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي") قال الأصمعي: معنى قوله: "مرحبًا": لَقِيت رُحبًا وسعةً، وقال الفرّاء: نُصِب على المصدر، وفيه معنى الدعاء بالرُّحب والسعة، وقيل: هو مفعول به؛ أي: لقيت سعةً، لا ضِيقًا (^١).
وقال القاضي في "المشارق": "مَرْحبًا" منونًا كلمة تقال عند المبرة للقادم الوافد، ولمن يُلْقَي، ويجتمع به بعد مغيب، ومعناها: صادفت رُحْبًا؛ أي: سعةً، نُصبت على المفعول، وقيل: على المصدر؛ أي: رحّب الله بك مرحبًا، وُضع موضع الترحيب، وهو مذهب الفراء. انتهى (^٢).
(ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِهِ) شكّ من الراوي، (ثُمَّ سَارَّهَا) بتشديد الراء، وأصله: ساررها؛ أي: تكلّم معها سِرًّا، (فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ) قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا كان لمّا اشتدَّ مرضُه - ﷺ -، ومُرِّض في بيت عائشة - ﵂ -، قال: وبكاء فاطمة - ﵂ - في أول مرَّة كان حزنًا على النبيّ - ﷺ - لمّا أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية فرحًا بما بشَّرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها: "إنها سيدة نساء أهل الجَنَّة". انتهى (^٣).
قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لفاطمة، (خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ) بالكسر: المُسارّة؛ أي: الكلام بالسّرّ، (ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي) بضم الهمزة، من الإفشاء، وهو الإظهار والنشر، (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ)؛ أي: أقسمت عليك (بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ)؛ أي: حيث إنها أمها زوجة أبيها، (لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) "لَمّا" بفتح اللام، وتشديد الميم هي هنا بمعنى إلَّا، حرف استثناء، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٤٧، كتاب "الأدب" رقم (٦١٧٦).
(٢) "مشارق الأنوار" ١/ ٢٨٥.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٥٥ - ٣٥٧.
[ ٣٩ / ١٩٩ ]
عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، فيمن شَدّد الميم، وعلى الماضي لفظًا لا معنى، نحو: أنشدك الله لَمّا فعلت؛ أي: ما أسألك إلَّا فعلك، وهنا أيضًا المعنى: لا أسألك إلَّا إخبارك بما سارّك رسول الله - ﷺ -، أفاده في "العمدة" (^١).
(فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: "الآنَ": ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأنَّ التعريف تمييز المشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه، قال ابن السرّاج: ليس هو آن وآن، حتى يَدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل الثريّا، والذي، ونحو ذلك. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك - ﵀ - إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:
وَقَدْ تُزَادُ لَازِمًا كَـ "اللَّاتِ". . . و"الآنَ" و"الَّذِينَ" ثُمَّ "اللات"
(فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ) من المعارضة، وهي المقابلة، ومنه عارضت الكتاب بالكتاب؛ أي: قابلت به (^٣). (فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْنِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي، ووقع في الرواية التالية من طريق زكريّاء عن فراس بلفظ: "أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرّة" دون شكّ، وهو الصواب.
قال النوويّ - ﵀ -: قوله: "مرّةً، أو مرّتين" هكذا وقع في هذه الرواية، وذِكر المرتين شكّ من بعض الرواة، والصواب حذفها، كما في باقي الروايات. انتهى (^٤).
(وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: كون جبريل يعارض النبيّ - ﷺ - بالقرآن كل سنة مرَّة يدلّ على استحباب عرض القرآن على الشيوخ، ولو مرَّة في السَّنة، ولمّا عارضه في آخر سنة مرتين استَدَلّ النبيّ - ﷺ - بذلك على قُرب أجله من حيث مخالفة العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم.
قال: وكان النبيُّ - ﷺ - كَثُر عليه الوحي في أواخر حياته حتى كثر عليه
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٢/ ٢٦٦.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣١.
(٣) "عمدة القاري" ١٦/ ١٥٤.
(٤) "شرح النوويّ" ٦/ ١٦.
[ ٣٩ / ٢٠٠ ]
الوحيُ في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله. انتهى (^١).
(وَإنِّي لَا) نافية، (أُرَى) بضمّ الهمزة، ويجوز فتحها؛ أي: لا أظنّ (الأَجَلَ إِلّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي) على فقدك إياي، (فَإنَّهُ) الضمير للشأن، (نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ")؛ أي: المتقدّم إلى الدار الآخرة، قال النوويّ - ﵀ -: معناه أنا متقدِّم قُدّامك، فَتَرِدِين علي (^٢). (قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) بفتحتين، يقال: جَزَعَ جَزَعًا، من باب تَعِبَ، فهو جَزِعٌ، وجَزُوعٌ مبالغة: إذا ضَعُفت مُنّتُهُ (^٣) عن حمل ما نَزَل به، ولم يجد صبرًا، وأجزعه غيره، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^٤). (سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ في هذه الرواية: "أما ترضي"، وهو لغة، والمشهور: "ترضين". انتهى (^٥).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ - ﵀ - أن حذف النون من "ترضين" خلاف المشهور، وهو كما قال؛ لأنَّ الفعل مرفوع بالنون؛ لكونه من الأفعال الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتجزم، وتنصب بحذفها، فحقّها أن لا تُحذف هنا، كما قال في "الخلاصة":
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلَانِ النُّونَا … رَفْعًا وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا
وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ … كَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَمَهْ
لكن ورد حذفها بدون جازم، أو ناصب، قال ابن مالك - ﵀ - في "الكافية":
وَدُونَ "نِي" فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي
ووقع في بعض النسخ: "أمَا ترضين"، ولفظ البخاريّ: "إلَّا ترضين".
(أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأمَّةِ") "أو" هنا
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٢) شرح النوويّ" ٦/ ١٦.
(٣) "المُنّة بالضمّ: القوّة، والضَّعف، من الأضداد. قاله في "المصباح" ٢/ ٥٨١.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٩٩.
(٥) "شرح النوويّ" ٦/ ١٦.
[ ٣٩ / ٢٠١ ]
للشكّ من الراوي. (قَالَتْ) فاطمة: (فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ) قال في "العمدة": وبكاؤها في هذه الرواية كان من أجل قوله - ﵀ -: "ما أُراه إلَّا حضر أجلي"، وضحكها كان لأجل إخباره لها أنَّها سيدة نساء أهل الجَنَّة، أو سيدة نساء المسلمين، وأما بكاؤها في الرواية السابقة فكان لأجل قوله: إنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، وضحكها كان لأجل قولها: "فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله"، وماتت فاطمة - ﵂ - بعد أبيها بستة أشهر، قالت عائشة: وذلك في رمضان عن خمس وعشرين سنةً، وقيل: ماتت بعده بثلاثة أشهر. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٦٢٩٢ و٦٢٩٣ و٦٢٩٤] (٢٤٥٠)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٦٢٣) و"الفضائل" (٣٧١٥) و"المغازي" (٤٤٣٣) و"الاستئذان" (٦٢٨٥) وفي "الأدب المفرد" (١/ ٣٥٦)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥٢١٧)، و(الترمذيّ) في "مناقب فاطمة" (٣٨٧١)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٦٢١)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥١ و٥/ ٩٦ و١٤٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٩٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٧٧ و٢٤٠ و٢٨٢) وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٧٦٢)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٥/ ٦)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٢٤٧ و٨/ ٢٦)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٣٥٨ و٣٦٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ٤١٨ و٤١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان فضل فاطمة - ﵂ -، فقد أخبر - ﷺ - بأنها سيدة نساء أهل الجَنَّة، فهي أفضل من خديجة وعائشة - ﵂ -، والمسألة مختلف فيها، ولكن
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١٦/ ١٥٤.
[ ٣٩ / ٢٠٢ ]
الراجح ما دلّ عليه هذا الحديث، قال في "العمدة": والمتبادر إلى الذهن من لفظ المؤمنين غير النبيّ - ﷺ - عرفًا، ودخول المتكلم في عموم كلامه مختلَف فيه عند الأصوليين. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عدم دخوله - ﷺ - هذا مما لا يخفي، وإن كان الأصوليّون يختلفون في أصل المسألة، فلا يختلفون هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ - ﷺ -، بل معجزتان، فقد أخبر ببقاء فاطمة - ﵂ - بعده - ﷺ -، وبأنها أول أهله لحاقًا به، ووقع كذلك.
٣ - (ومنها): أن في ضحك فاطمة - ﵂ - بيان إيثارهم الآخرة، وسرورهم بالانتقال إليها، والخلاص من الدنيا.
٤ - (ومنها): بيان أن المرء لا يحب البقاء بعد محبوبه، قال ابن عمر في عاصم [من الطويل]:
فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا … فَعِشْنَا جَمِيعًا أَو ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا
٥ - (ومنها): أن فيه إخبارَه - ﷺ - بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة - ﵂ - كانت أول من مات من أهل بيت النبيّ - ﷺ - بعده حتى من أزواجه (^٢)، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): جواز قول الرجل لآخَرَ: مرحبًا، وقد عقد البخاريّ في "صحيحه" لهذا بابًا، فقال: "باب قول الرجل: مرحبًا"، ثم قال: وقالت عائشة: قال النبيّ - ﷺ - لفاطمة - ﵍ -: "مرحبًا بابنتي"، وقالت أم هانئ: جئت النبيّ - ﷺ -، فقال: "مرحبًا بأم هانئ"، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "لمّا قَدِم وفد عبد القيس على النبيّ - ﷺ - قال: مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى".
وأخرج ابن أبي عاصم حديث بريدة أن عليًّا لمّا خطب فاطمة قال له النبيّ - ﷺ -: "مرحبًا وأهلًا"، وهو عند النسائيّ، وصححه الحاكم، وأخرج فيه
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ١٥٤.
(٢) "الفتح" ٩/ ٥٩٦ - ٥٩٧، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٣٣).
[ ٣٩ / ٢٠٣ ]
أيضًا من حديث عليّ: "استأذن عمار بن ياسر على النبيّ - ﷺ -"، فقال: مرحبًا بالطيِّب المطيب"، وهو عند الترمذيّ، وابن ماجه، والبخاريّ في "الأدب المفرد"، وصححه ابن حبان، والحاكم، ذكره في "الفتح" (^١).
٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: مساررة الواحد مع الواحد بحضرة الجماعة جائز؛ لأنَّ المعنى الذي يُخاف من ترك الواحد لا يُخاف من ترك الجماعة.
٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال أيضًا: إنه لا ينبغي إفشاء السرّ إذا كانت فيه مضرة على المسِرِّ؛ لأنَّ فاطمة - ﵂ - لو أخبرتهن لحزن لذلك حزنًا شديدًا، وكذا لو أخبرتهنّ أنَّها سيدة نساء المؤمنين لَعَظُم ذلك عليهنّ، واشتدّ حزنهنّ، فلما أَمنت من ذلك بعد موتهن أخبرت به.
وتعقّبه الحافظ، فقال: أما الشق الأول فحقّ العبارة أن يقول: فيه جواز إفشاء السرّ إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة؛ لأنَّ الأصل في السر الكتمان، وإلا فما فائدته.
وأما الشق الثاني: فالعلة التي ذكرها مردودة؛ لأنَّ فاطمة - ﵂ - ماتت قبلهنّ كلِّهنّ، وما أدري كيف خفي عليه هذا؟ ثم جَوّزتُ أن يكون في النسخة سقم، وأن الصواب: فلما أمنت من ذلك بعد موته، وهو أيضًا مردود؛ لأنَّ الحزن الذي عَلَّل به لَمْ ينزل بموت النبيّ - ﷺ -، بل لو كان كما زعم لاستمرّ حزنهن على ما فاتهن من ذلك.
٩ - (ومنها): ما قاله ابن التين - ﵀ -: يستفاد من قول عائشة - ﵂ -: "عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ" جواز العزم بغير الله تعالى، قال: وفي "المدونة" عن مالك إذا قال: أعزم عليك بالله فلم يفعل لَمْ يحنث، وهو كقوله: أسألك بالله، وإن قال: أعزم بالله أن تفعل فلم يفعل حَنِث؛ لأنَّ هذا يمين. انتهى.
قال الحافظ: والذي عند الشافعية أن ذلك في الصورتين يرجع إلى قَصْد
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٤٦ - ٤٧، كتاب "الأدب" رقم (٦١٧٦).
[ ٣٩ / ٢٠٤ ]
الحالف، فإن قَصَد يمين نفسه فيمين، وإن قصد يمين المخاطَب، أو الشفاعة، أو أطلق فلا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي"، فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِه، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْن، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِحَدِيثِهِ دُونَنَا، ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْن، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، فَبَكَيْتُ لِذَلِك، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ: "أَلَّا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ "، فَضَحِكْتُ لِذَلِكِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"زكريّاء" هو: ابن أبي زائدة.
(فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ)؛ أي: ما رأيت كفرح اليوم فرحًا، أو ما رأيت فرحًا كفرحٍ رأيته اليوم، قاله في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٢٨٥).
(٢) "الفتح" ٨/ ١٣٥.
[ ٣٩ / ٢٠٥ ]
وقوله: (وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي) "أراني" بضم الهمزة؛ أي: ولا أظنه إلَّا أن موتي قَرُب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.