هي: هند بنت أبي أمية - واسمه حذيفة، وقيل: سهل - ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، وشذّ من قال: إن اسمها رملة، وكان أبوها يُلَقَّب زاد الركب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لَمْ يحمل أحد معه من رفقته، زادًا، بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فِرَاس، وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، فيقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما مات زوجها من الجراحة التي أصابته خطبها النبيّ - ﷺ -.
وأخرج ابن أبي عاصم من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أم سلمة قالت: لمّا خطبني النبيّ - ﷺ - قلت له: فِيَّ خلالٌ ثلاث: أما أنا فكبيرة السنّ، وأنا امرأة مُعِيل، وأنا امرأة شديدة المغيرة، فقال: "أنا أكبر منك، وأما العيال فإلى الله، وأما المغيرة فأدعو الله فيذهبها عنك"، فتزوجها، فلمّا دخل عليها قال: "إن شئت سبّعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي"، فرضيت بالثلاث، والحديث في "الصحيح" من طرق.
وأخرج ابن سعد من طريق عاصم الأحول، عن زياد بن أبي مريم قال: قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل الجَنَّة، ثم لَمْ تتزوج بعده إلَّا جمع الله بينهما في الجَنَّة، وكذا إذا ماتت امرأة، وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا أتزوج بعدك، ولا تتزوج بعدي، قال: أتطيعيني؟ قالت: ما استأمرتك إلَّا وأنا أريد أن أطيعك، قال: فإذا مت
[ ٣٩ / ٢٠٦ ]
فتزوجي، ثم قال: اللَّهُمَّ ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني، لا يُخزيها، ولا يؤذيها، قالت: فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت، ثم تزوجني رسول الله - ﷺ -. وفي "الصحيح" عن أم سلمة؛ أن أبا سلمة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهُمَّ عندك أحتسب مصيبتي، وآجرني فيها"، وأردت أن أقول: "وأبدلني بها خيرًا منها"، فقلت: من هو خير من أبي سلمة؟ فما زلت حتى قلتها، فذكَرَتِ القصة.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: لمّا تزوج رسول الله - ﷺ - أم سلمة حَزِنت حزنًا شديدًا؛ لِمَا ذُكر لنا في جمالها، قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها أضعاف ما وُصف لي في الحسن والجمال، فقالت حفصة: والله إِنْ هذا إلَّا المغيرة، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت لي: لا والله ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعدُ فكانت كما قالت حفصة.
قال الواقديّ: ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ولها أربع وثمانون سنةً.
قال الحافظ: كذا قال، وتلقاه عنه جماعة، وليس بجيد، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به … الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد موت أبيه في سنة ستين.
وقال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر بقتل الحسين بن عليّ - ﵄ -، وهذا - كما قال الحافظ - أقرب.
قال محارب بن دثار: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وكان أميرُ المدينة يومئذ مروانَ بن الحكم، وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، والثاني - كما قال الحافظ - أقرب، فإن سعيد بن زيد مات قبل تاريخ موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلي سعيد عليها
[ ٣٩ / ٢٠٧ ]
في مرضة مرضتها، ثم عوفيت، ومات سعيد قبلها. انتهى مختصرًا من "الإصابة" (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٥] (٢٤٥١) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ - قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَان، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ، قَالَ: وَأُنْبِئْتُ وأَنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - أتى نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - لأُمِّ سَلَمَةَ: "مَنْ هَذَا؟ "، أَو كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - يُخْبِرُ خَبَرَنَا (^٢)، أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ أبو يحيى المعروف بالنَّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ (^٣)، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٣ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، تقدَّم قريبًا.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ١٥١ - ١٥٢.
(٢) وفي نسخة: "يخبر خبر جبريل".
(٣) هذا أَولى من قوله في "التقريب": لا بأس به، كما يتبيّن ذلك من ترجمته في "التهذيب"، فتنبّه.
[ ٣٩ / ٢٠٨ ]
٥ - (أَبُو عُثْمَانَ) النَّهديّ، عبد الرَّحمن بن ملّ بن عمرو، مخضرم تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (سَلْمَانُ) الفارسيّ، أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، الصحابيّ الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات - ﵁ - سنة أربع وثلاثين، وهو من المعمّرين (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالتحديث والسماع، ومسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، ثم مدائنيّ، وأما أبو عثمان فسكن الكوفة، ثم البصرة وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وهو أبو عثمان، وهو من المعمّرين، قيل: عاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وأربعين، وهو معدود فيمن عاش ستين سنة في الجاهليّة، وفي الإسلام أكثر من ذلك (^١).
وأما سلمان - ﵁ - فقد قيل: إنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، قال في "تهذيب التهذيب": إن أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكّون فيه، ثم نقل عن المذهبيّ أنه قال: رجعت عن القول إنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها، وتبيّن لي أنه ما جاوز الثمانين، قال: ولم يذكر مستنده في ذلك، والعلم عند الله. انتهى (^٢).
شرح الحديث:
(عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: لَا تَكُونَنَّ) ظاهر سياق المصنّف - ﵀ - أن الحديث موقوف، لكن قد أورده الْبَرْقاني في "مستخرجه" من طريق عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ - ﵀ -: كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفًا على سلمان من قوله، وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعًا للنبيِّ - ﷺ - من طريق صحيح (^٣)، وهو
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٥٥٦.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٦٩.
(٣) قوله: "من طريق صحيح" فيه نظر؛ لأنَّ شيخ البزّار القاسم بن محمد لَمْ أجد من ترجمه، فالظاهر أنه مجهول، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٢٠٩ ]
الذي يليق بمساق الخبر؛ لأنَّ معناه ليس مما يُدرك بالرأي والقياس، وإنما يُدرك بالوحي، وأخرجه الإمام أبو بكر الْبَرْقانيّ في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان النهديّ، عن سلمان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَّا تكن أوَّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها؛ فإنَّها معركة الشيطان، فيها باض الشيطان، وفرَّخ". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: نصّ أبي بكر البزّار - ﵀ - في "مسنده":
(٢٥٤١) - حَدَّثَنَا القاسم بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن فضيل، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: "لا تكوننّ إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته". انتهى (^٢).
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلَّا شيخ البزّار، فلم أعرفه، فتصحيح رَفع الحديث فيه نَظَر لا يخفى، بل هو موقوف، كما أخرجه مسلم هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِنِ اسْتَطَعْتَ) جملة معترضة بين "تكوننّ" وخبرها، وهو قوله: (أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ) بضمّ السين المهملة، يذكّر، ويؤنّث، وقال أبو إسحاق: السُّوق التي يباع فيها مؤنّثة، وهو أفصح، وأصحّ، وتصغيرها سُويقة، والتذكير خطأٌ؛ لأنه يقال: سُوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع ساقٌ نافقٌ بغير هاء، والنسبة إليها سوقيّ على لفظها (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: والسوق تؤنّث، وتذكّر، سُمّيت بذلك؛ لقيام الناس فيها على سُوقهم (^٤).
(وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا)؛ أي: السوق"، (مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: المعركة: موضع القتال، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضًا، فشبّه السوقَ، وفعلَ الشيطان بأهلها، ونيله منهم بما يَحملهم عليه من المكر، والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٨.
(٢) "مسند البزار" ٦/ ٥٠٢.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٦.
(٤) "شرح النوويّ" ١٦/ ٧ - ٨.
[ ٣٩ / ٢١٠ ]
والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات، وغير ذلك بمعركة الحرب، وبمن يُصْرَع فيها. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: قال أهل اللغة: المعركة بفتح الراء: موضع القتال؛ لمعاركة الأبطال بعضهم بعضًا فيها، ومصارعتهم، فشَبَّه السوق، وفعلَ الشيطان بأهلها، ونيلَه منهم بالمعركة؛ لكثرة ما يقع فيها من أنواع الباطل؛ كالغشّ، والخداع، والأيمان الخائنة، والعقود الفاسدة، والنجش، والبيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه، وبخس المكيال والميزان. انتهى (^٢).
(وَبِهَا)؛ أي: بالسوق، (يَنْصِبُ) بكسر الصاد المهملة، من باب ضرب؛ أي: يرفع (رَايَتَهُ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: الراية: عَلَمُ الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تَرْكه تخفيفًا، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لَمْ يُسمع الهمز، والجمع: رايات. انتهى (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "وبها ينصب رايته" إشارة إلى ثبوته هناك، واجتماع أعوانه إليه؛ للتحريش بين الناس، وحَمْلهم على هذه المفاسد المذكورة، ونحوها، فهي موضعه، وموضع أعوانه. انتهى (^٤).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: المعركة، والمعترك: موضع القتال؛ أي: موطن الشيطان، ومحله الذي يأوي إليه، ويكثر منه؛ لِمَا يجري فيه من الحرام، والكذب، والربا، والغصب، ولذلك قال: "وبها ينصب رايته" كنايةً عن قوّة طمعه في إغوائهم؛ لأنَّ الرايات في الحروب لا تُنصب إلَّا مع قوّة الطمع في الغلبة، وإلا فهي مع اليأس تُحَطّ، ولا تُرفع. انتهى (^٥).
(قَالَ) أبو عثمان النهديّ: (وَأُنْبِئْتُ) بالبناء للمجهول، وسيأتي في آخر الحديث أن الذي أنبأه هو أسامة بن زيد - ﵄ -. (أَنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - أَتَى نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ) جملة في محل نصب على الحال. (قَالَ) الذي أنبأ أبا عثمان، وهو أسامة، وليس في "البخاريّ" لفظ "قال". (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع وأخذ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٧.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٦.
(٤) "شرح النوويّ" ١٦/ ٧.
(٥) "النهاية في غريب الأثر" ٣/ ٢٢٢.
[ ٣٩ / ٢١١ ]
جبريل - ﵇ - (يَتَحَدَّثُ) مع النبيّ - ﷺ - (ثُمَّ قَامَ) جبريل - ﵇ -؛ أي: ذهب من مجلس النبيّ - ﷺ -"، (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - لأُمِّ سَلَمَةَ) - ﵂ -: ("مَنْ هَذَا؟ ") الذي كان يتحدّث معي، استفهمها - ﷺ - عنه، هل فَطِنت لكونه مَلَكًا أم لا؟ (أَو كَمَا قَالَ) هذا للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون أبا عثمان، أو مَنْ دونه.
وقال في "الفتح": قوله: "أو كما قال" يريد أن الراوي شكّ في اللفظ، مع بقاء المعنى في ذهنه، وهذه الكلمة كثُر استعمال المحدثين لها في مثل ذلك، قال الداوديّ: هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل، وظاهر سياق الحديث يخالفه، وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، ولم يظهر لي ما ادّعاه من الظهور، بل هو محتمل للأمرين. انتهى (^١).
(قَالَتْ) أم سلمة - ﵂ -: (هَدا) الذي تحدّث معك (دِحْيَةُ) بكسر الدال، وحُكي فتحها، لغتان، ويقال: إنه الرئيس بلغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة بن فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بفتح المعجمة، وسكون الزاي، ثم جيم - ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف الكلبيّ الصحابي المشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل: أُحُد، ولم يشهد بدرًا، وكان يُضرَب به المَثَل في حُسن الصورة، وكان جبرائيل - ﵇ - ينزل على صورته، جاء ذلك من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة، وغيرهما، وهو رسولُ رسولِ الله - ﷺ - إلى قيصر، فلقيه بحمص أول سنة سبع، أو آخر سنة ست. وعن مجاهد قال: بعث رسول الله - ﷺ - دحية سَرِيّة وحده، وقد شَهِد دحية اليرموك، وكان على كُردوس، وقد نزل دمشق، وسكن الْمِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية - رضي الله عنهنا - (^٢).
وقال في "الفتح": أسلم قديمًا، وبعثه النبيّ - ﷺ - في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله إلى هرقل في المحرّم سنة سبع، قاله الواقدي (^٣).
(قَالَ) الراوي، وهو أسامة - ﵁ -: (فَقَالَتْ أمُّ سَلَمَةَ) - ﵂ -: (ايْمُ اللهِ) تقدّم أنه مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: قَسَمي؛ أي: يمين الله قسمي، (مَا) نافية
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ١٥٦، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٤٩٨٠).
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٣٨٥.
(٣) "الفتح" ١/ ٨٠.
[ ٣٩ / ٢١٢ ]
(حَسِبْتُهُ) بكسر السين، من بابي عَلِم، وورِثَ. (إِلَّا إِيَّاهُ)؛ أي: دحية، (حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - يُخْبِرُ خَبَرَنَا) (^١) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عن بعض الرواة، والنُّسخ، وعن بعضهم: "يخبر خبر جبريل"، قال: وهو الصواب، وقد وقع في البخاريّ على الصواب. انتهى (^٢).
(أَو كمَا قَالَ) تقدّم الكلام فيه.
[تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ أر هذا الحديث في شيء من المسانيد إلَّا من هذا الطريق، فهو من غرائب الصحيح، ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أيّ قصة، ويَحْتَمِل أن يكون في قصة بني قريظة، فقد وقع في "دلائل البيهقي"، وفي "الغيلانيات" من رواية عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ أنَّها رأت النبيّ - ﷺ - يكلم رجلًا، وهو راكب، فلما دخل قلت؛ من هذا الذي كنت تكلمه؟ قال: "بمن تشبّهينه؟ " قلت: بدحية بن خليفة، قال: "ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة" (^٣).
(قَالَ) سليمان التيميّ: (فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ) النهديّ الذي حدّثه بالحديث: (مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) - ﵄ -، وفيه الاستفسار عن اسم من أُبْهِم من الرواة، ولو كان الذي أَبْهَم ثقةٌ معتمَدًا، وفائدته احتمال أن لا يكون عند السامع كذلك، ففي بيانه رفع لهذا الاحتمال (^٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): هذا الحديث طرفه الأول - وهو حديث سلمان الموقوف - هو من أفراد المصنّف، وأما حديث أسامة بن زيد - ﵄ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أما حديث سلمان الموقوف فأخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٦٢٩٥]، وأخرجه (الطبرانيّ) مرفوع" (٦١١٨ و٦١٣١)، و(الخطيب) في "تاريخه" (١٢/ ٤٢٦)،
_________________
(١) وفي نسخة: "يخبر خبر جبريل".
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٨.
(٣) "الفتح" ١١/ ١٥٧، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٤٩٨٠).
(٤) "الفتح" ١١/ ١٥٧.
[ ٣٩ / ٢١٣ ]
و(ابن الجوزيّ) في "العلل المتناهية" (٩٧٠)، والصحيح وَقْفه، كما هو عند المصنّف، فتنبّه.
وأما حديث أسامة - ﵁ - المرفوع فأخرجه أيضًا هنا [١٦/ ٦٢٩٥] (٢٤٥١)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٦٣٤) و"فضائل القرآن" (٤٩٨٠)، و(البزّار) في "مسنده" (٦/ ٥٠٢)، و(أحمد) في "الزهد" (١/ ١٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه منقبةً لأم سلمة - ﵂ -.
٢ - (ومنها): جواز رؤية البشر الملائكة، ووقوع ذلك، ويرونهم على صورة الآدميين؛ لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صُوَرهم، وكان النبيّ - ﷺ - يرى جبريل على صورة دحية غالبًا، ورآه مرتين على صورته الأصلية.
٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض وغيره: في هذا الحديث أن للملَك أن يتصور على صورة الآدميّ، وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدميّ أن يراه فيها؛ لِضَعف القُوَى البشرية، إلَّا من يشاء الله أن يقوّيه على ذلك، ولهذا كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبيّ - ﷺ - في صورة الرجل كما تقدم، في ذِكر بدء الوحي: "وأحيانًا يتمثّل لي المَلَك رجلًا"، ولم ير - ﷺ - جبريل على صورته التي خُلق عليها إلَّا مرتين، كما ثبت في "الصحيحين".
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قد تقدَّم القول في تمثّل الملائكة والجن في الصور المختلفة، وأن لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها، وأن الإيمان بذلك كله واجب؛ لِمَا دلَّ عليه من السمع الصادق. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: ويفيد هذا الحديث أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين، ومواضع لهلاك الناس، فينبغي للإنسان أن لا يدخلها إلَّا بحكم الضرورة، ولذلك قال: "لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها"، ولأن من كان أول داخل فيها، وآخر خارج منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان، وصَرَفه عن أمور دينه، وجعل همَّه
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٩.
[ ٣٩ / ٢١٤ ]
السوق، وما يُفعل فيها، فأهلكه، فحقّ من ابتلاه الله تعالى بالسوق أن يَخطُر بباله أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هنالك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قَدْر ضرورته، وتحرّز من سوء عاقبته، وبليّته. انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.