هي: زينب بنت جحش الأسديّة أم المؤمنين، زوج النبيّ - ﷺ -، وأمها أمية عمة النبيّ - ﷺ - تزوجها النبيّ - ﷺ - سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وكان زيد يُدعى ابن محمد، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وتزوج النبيّ - ﷺ - امرأته بعده انتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه، من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه، بحيث يتوارثان إلى غير ذلك.
قال الواقديّ: تزوجها النبيّ - ﷺ -، وهي بنت خمس وثلاثين سنةً، وماتت سنة عشرين، وهي بنت خمسين، ونُقِل عن عمر بن عثمان الحجبي أنَّها عاشت ثلاثًا وخمسين. انتهى مختصرًا من "الإصابة" (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وأما زينب - ﵂ -: فهي ابنة جحش بن رِئاب بن يعمر بن صَبِرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله - ﷺ -، وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة، وكانت تفخر على أزواج النبيِّ - ﷺ - فتقول لهنَّ: أنكحكنّ أولياؤكنّ، وإن الله أنكحني نبيّه - ﷺ - من فوق سبع سموات؛ تعني بذلك قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٩.
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٧/ ٦٦٧ - ٦٦٩.
[ ٣٩ / ٢١٥ ]
توفيت سنة عشرين في خلافة عمر - ﵄ -، وفي هذا العام استُفتحت مصر.
وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها فُتحت الإسكندرية، وكانت زينب هذه أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقًا به، وكان للنبيّ - ﷺ - زوجة أخرى تسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية، وتُدعى أم المساكين؛ لحنوِّها عليهم، وهي من بني عامر، تزوجها النبيّ - ﷺ - سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلَّا يسيرًا؛ شهرين، أو ثلاثة، وتوفيت في حياة النبيّ - ﷺ -، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، قُتل عنها يوم أُحد. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٦] (٢٤٥٢) - (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُوأَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا"، قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينَبُ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا، وَتَصَدَّقُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ) العدويّ مولاهم المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) وقيل: بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٢ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ) - بسين مهملة مكسورة، ونونين - أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وربما أغرب (^٢)، من كبار [٩] (ت ١٩٢) في ربيع الأول (ع) تقدم في "الجنائز" ٢٦/ ٢٢٣٦.
٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يخطئ [٦] (ت ١٤٨) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٢) كذا قال في "التقريب"، والأَولى حذف هذه الجملة. راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب" تَرَ الصواب.
[ ٣٩ / ٢١٦ ]
٤ - (عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيمية، أم عمران، كانت فائقة الجمال، وهي ثقةٌ حجّةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الصيام" ٣٤/ ٢٧١٤.
و"عائشة" أم المؤمنين - ﵂ - ذُكرت قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من طلحة، والباقيان مروزيّان، وفيه عائشة أم المؤمنين - ﵂ -، روت من الحديث (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) - ﵂ -؛ أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا) بالنصب على التمييز؛ أي: من حيث اللّحَاق، وهو بفتح اللام: مصدر لَحِق، بكسر الحاء، يقال: لَحِقْتُهُ، ولَحِقْتُ به أَلْحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته، وأَلْحَقْتُهُ بالألف مثله، وأَلْحَقْتُ زيدًا بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وأَلْحَقَ أيضًا، وفي الدعاء: "إن عذابك بالكفار مُلْحَقٌ" يجوز بالكسر: اسم فاعل، بمعنى لَاحِق، ويجوز بالفتح: اسم مفعول؛ لأنَّ الله تعالى أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: يُنزله بهم، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
وقال في "التاج": لَحِق به؛ كسَمِع، ولَحِقه لَحْقًا، ولَحاقًا بفَتْحِهما: أدرَكَه، وكذلك اللُّحوق بالضمِّ؛ كأَلْحَقَه إلحاقًا، وهذا لازِمٌ متَعدٍّ، يُقال: ألحقَه به غيرُه، وألحَقَه: أدْرَكَه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة "التاج" أن مصدر لَحِقَ ثلاثة: لَحْقٌ، ولَحَاقٌ بفتحهما، ولُحُوقٌ بالضمّ، وأن لَحِقَ، وألحق يتعدّى كل منهما، ويلزم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ووقع في رواية البخاريّ: أن بعض أزواج النبيّ - ﷺ - قُلن للنبيّ - ﷺ -: "أينا أسرع بك لحوقًا، قال: أطولكن يدًا. . ." الحديث، فظهر بهذا أن النبيّ - ﷺ - إنما قال ذلك جوابًا عن سؤال بعض أزواجه.
وقد بيّن ابن حبّان في روايته أن السائلة هي عائشة - ﵂ -، ولفظه: "عن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٠.
(٢) "تاج العروس" ١/ ٦٥٦٧.
[ ٣٩ / ٢١٧ ]
مسروق قال: حدّثتني عائشة؛ أن نساء النبيّ - ﷺ - اجتمعن عنده، لَمْ تغادر منهنّ واحدة، قالت: فقلت: يا رسول الله؛ أيتنا أسرع بك لحوقًا. . ." الحديث (^١).
(بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا") منصوب على التمييز؛ أي: أكثركنّ عطاء، تقول: فلان طويل اليد والباع: إذا كان كريمًا، قاله في "المشارق" (^٢)، وقال في موضع آخر: يريد: أسمحكنّ، وأفعلكنّ للمعروف، وأكثركنّ صدقةً، يقال: فلان طويل اليد، وطويل البدع: إذا كان سمحًا جوادًا، وضدّه قصير اليد، وجَعْد البنان. انتهى (^٣).
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: "أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا" هذا خطاب منه - ﷺ - لزوجاته خاصة، إلَّا ترى أنه قال لفاطمة - ﵂ -: "أنت أوَّل أهل بيتي لحوقًا بي"، فكانت زينب أوَّلَ أزواجه وفاةً بعده، وفاطمةُ أوَّلَ أهل بيته وفاةً، ولم يُرد بِالْتِحاق به الموت فقط، بل الموت، والكون معه - ﷺ - في الجَنَّة، والكرامة. انتهى (^٤).
[تنبيه]: إنما لَمْ يقل: "سُرْعاكنّ"، و"طُولاكنّ" بلفظ التأنيث؛ لأنَّ أفعل التفضيل إذا أريد به التفضيل، وكان مضافًا إلى معرفة، جاز فيه وجهان: المطابقة، وعدمها، بخلاف المضاف إلى نكرة، والمجرّد، فيذكّران، ويُفردان، وبخلاف المحلّى بـ "أل"، فإنه تلزم مطابقته، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَو جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
وَتِلْوَ "ألْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَه … أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ … لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
(قَالَتْ) عائشة - ﵂ -: (فَكُنَّ)؛ أي: أزواجه - ﷺ - (يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا)؛ أي: يتنافسن أيتهن أطول يدًا، زعمًا منهنّ أن المراد الطول الحقيقيّ في اليد (^٥).
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ٨/ ١٠٨.
(٢) "مشارق الأنوار" ١/ ٣٢٢.
(٣) "مشارق الأنوار" ٢/ ٣٠٣.
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٦٠.
(٥) "مشارق الأنوار" ١/ ٣٢٢.
[ ٣٩ / ٢١٨ ]
وفي رواية النسائيّ: "فَأَخَذْنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا"، ولفظ البخاريّ: "فأخذوا قصبةً يذرعونها" بالواو؛ أي: يقدّرونها بذراع كل واحدة منهنّ، وإنما ذكره بلفظ جمع المذكر بالنظر إلى لفظ الجمع، لا بلفظ جماعة النساء، وقد قيل في قول الشاعر:
وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ …
أنه ذَكره بلفظ جَمْع المذكر تعظيمًا، وقوله: "أطولكنّ" يناسب ذلك، وإلا لقال: طولاكنّ، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَتْ) عائشة - ﵂ -: (فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ) بنت جحش - ﵂ -، ثم بيّنت سبب كونها أطولهنّ، فقال: (لأنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَما، وَتَصَدَّقُ) وفي رواية للبيهقي في "دلائل النبوّة": "قُلن النسوة لرسول الله - ﷺ -: أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكن يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدًا، فلما تُوفيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهن يدًا في الخير والصدقة".
وأخرج الحاكم في "مستدركه" عن عائشة - ﵂ -: "قالت: قال رسول الله - ﷺ - لأزواجه: أسرعكنّ لحوقًا بي أطولكن يدًا، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - ﷺ - نمدّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك، حتى تُوفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبيّ - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صَنّاعةً باليد، وكانت تدبُغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل الله"، قال الحاكم: على شرط مسلم (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "تطاول أزواجه - ﷺ - بأيديهنَّ: مقايسة أيدي بعضهنّ ببعض؛ لأنَّهن حَمَلن الطول على أصله، وحقيقته، ولم يكن مقصودُ النبيّ - ﷺ - ذلك؛ وإنَّما كان مقصودُه طولَ اليد بإعطاء الصدقات، وفعلِ المعروف، وبيَّن ذلك أنه لمّا كانت زينب أكثر أزواجه فعلًا للمعروف، والصدقات كانت أوّلهن موتًا، فظهر صِدْقه، وصحّ قوله - ﷺ -". انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٤٠ - ٢٤١، كتاب "الزكاة" رقم (١٤٢٠).
(٢) راجع: "الفتح" ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٦٠.
[ ٣٩ / ٢١٩ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه، لكن ذكره البخاريّ بلفظ: "فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعدُ إنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة"، وسيأتي ما في ذِكر سودة هنا من الإشكال في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف - ﵀ -) هنا [١٧/ ٦٢٩٦] (٢٤٥٢)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٠)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ٦٧) و"الكبرى" (٢/ ٣٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣١٤)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٤٢٦)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٢٣٣) و"الكبير" (٢٤/ ٥٠)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٢/ ٥٤)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ٥٥ و١٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل زينب بنت جحش أم المؤمنين - ﵂ -.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصدقة.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بأوّل من يموت من أزواجه - ﵅ - فكان كما قال.
٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ: "أطولكنّ"؛ إذا لَمْ يكن هناك محذور.
قال الزين بن المنيّر - ﵀ -: لمَّا كان السؤال عن آجال مقدّرة، لا تُعلم إلَّا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريحٍ، وأحالهنّ على ما لا يتبيّن إلَّا بآخره، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من الإحكام التكليفيّة. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): ما ذكره في "الفتح" من أنّ من حَمَلَ الكلام على ظاهره، وحقيقته، لَمْ يُلَمْ، وإن كان مراد المتكلّم مجازه؛ لأنّ نسوة النبيّ - ﷺ - حملن طول اليد على الحقيقة، فلم يُنْكِر عليهنّ، هكذا قال في "الفتح".
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٤٤، كتاب "الزكاة" رقم (١٤٢٠).
[ ٣٩ / ٢٢٠ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه؛ قوله: "فلم ينكر عليهنّ" فيه نظر؛ إذ لا دليل على أنه - ﷺ - اطلع على ذَرْعهنّ للقصبة، حتّى يُنكر عليهنّ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: وأما ما رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة - ﵂ -؛ أنّ النبيّ - ﷺ - قال لهنّ: "ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعكنّ يدًا". فهو ضعيف جدًّا، ولو كان ثابتًا، لَمْ يَحْتَجْن بعد النبيّ - ﷺ - إلى ذرع أيديهن، كما سبق في رواية عمرة، عن عائشة - ﵂ -.
٦ - (ومنها): ما قاله المهلّب - ﵀ -: فيه دلالة على أنَّ الحكم للمعاني، لا للألفاظ؛ لأنّ النسوة فَهِمنَ من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. قال الحافظ: وما قاله لا يمكن اطّراده في جميع الأحوال. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قد تقدّم أن رواية البخاريّ - ﵀ - فيها إشكالٌ، ولفظها:
(١٤٢٠) - حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن فِراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة - ﵂ -؛ أن بعض أزواج النبيّ - ﷺ - قُلن للنبيّ - ﷺ -: أينا أسرع بك لحوقًا؟، قال: "أطولكن يدًا"، فأخذوا قصبة، يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعدُ، أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة.
قال في "الفتح": "وكانت أسرعنا" كذا وقع في "الصحيح" بغير تعيين، ووقع في "التاريخ الصغير" للبخاريّ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد: "فكانت سودة أسرعنا … إلخ"، وكذا أخرجه البيهقيّ في "الدلائل"، وابن حبّان في "صحيحه" من طريق العبّاس الدُّوريّ، عن موسى. وكذا وقع في رواية عفّان عند أحمد، وابن سعد، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر -يعني: الواقديّ -: هذا الحديث وَهَلَ في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لُحوقًا، وتوفّيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفّيت في خلافة معاوية، في شوّال سنة أربع وخمسين.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٤٤.
[ ٣٩ / ٢٢١ ]
وقال ابن بطّال: هذا الحديث سقط منه ذِكر زينب؛ لاتفاق أهل السير على أنَّ زينب أوّل من ماتت من أزواج النبيّ - ﷺ -؛ يعني: أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا … إلخ.
قال الحافظ: ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدّمة المصرّح فيها بأن الضمير لسودة.
قال: وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليّ الصدفيّ: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أوّل من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك، من روايته عن الواقديّ، قال: ويقوّيه رواية عائشة بنت طلحة.
وقال ابن الجوزيّ: هذا الحديث غلطٌ من بعض الرواة، والعجب من البخاريّ، كيف لَمْ يُنبّه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك الخطّابيّ؟ فإنه فسّره، وقال: لُحُوق سودة به من أعلام النبوّة. وكلّ هذا وَهَمٌ، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهنّ يدًا بالعطاء، كما رواه مسلم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بلفظ: "فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنَّها كانت تعمل، وتتصدّق". انتهى. وتلقّى مغلطاي كلام ابن الجوزيّ، فجزم به، ولم ينسبه له.
وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبيّ: يمكن أن يقال فيما رواه البخاريّ: المراد: الحاضرات من أزواجه، دون زينب، وكانت سودة أوّلهنّ موتًا.
قال الحافظ: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حمّاد، عند ابن حبّان: "أن نساء النبيّ - ﷺ - اجتمعن عنده، لَمْ تغادر منهنّ واحدة". ثمّ هو مع ذلك إنما يتأتّى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاريّ في "تاريخه" بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال؛ أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر - ﵁ -.
وجزم الذهبيّ في "التاريخ الكبير" بأنها ماتت في آخر خلافة عمر - ﵁ -.
وقال ابن سيّد الناس: إنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين -يعني: النوويّ - حيث قال: أجمع أهل السّيَر على أنَّ زينب أوّل من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما تقدّم.
[ ٣٩ / ٢٢٢ ]
ويمكن الجواب بأن النقل مقيّدٌ بأهل السِّير، فلا يرد نَقْل قول من خالفهم من أهل النقل، ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما قول الواقديّ الذي تقدّم، فلا يصحّ، وقد تقدّم عن ابن بطّال أن الضمير في قوله: "فكانت" لزينب، وذكرتُ ما يعكر عليه.
لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة؛ لكون غيرها لَمْ يتقدّم له ذِكرٌ، فلما لَمْ يطّلع على قصّة زينب، وكونها أوّل الأزواج لحوقًا به، جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عُيينة، عن فِرَاس، كما قرأت بخطّ ابن رشيد؛ أنه قرأه بخطّ أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عُيينة هذه، لكن روى يونس بن بُكير في "زيادات المغازي"، والبيهقيّ في "الدلائل" بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصّر زكريَّا في إسناده، فلم يذكر مسروقًا، ولا عائشة، ولفظه: "قُلن النسوة لرسول الله - ﷺ -: أيّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكنّ يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهنّ أطول يدًا، فلما توفّيت زينب عَلِمنَ أنَّها كانت أطولهنّ يدًا في الخير والصدقة".
قال: ويؤيّده أيضًا ما روى الحاكم في "المناقب" من "مستدركه" من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: "قال رسول الله - ﷺ - لأزواجه: أسرعكن لُحوقًا بي أطولكنّ يدًا، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - ﷺ - نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنّ النبيَّ - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب امرأةً صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل الله". قال الحاكم: على شرط مسلم. انتهى.
وهي رواية مفسّرةٌ، مبينةٌ، مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر نسب.
قال ابن رُشيد: والدليل على أنَّ عائشة لا تعني سودة قولها: "فعلمنا بعدُ"؛ إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقيّ، ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لَمْ يجد إلَّا
[ ٣٩ / ٢٢٣ ]
الإضمار، مع أنه يصلح أن يكون المعنى: فعلمنا بعدُ أن الْمُخْبَرَ عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع، ويبحث فلا يجد إلَّا زينب، فيتعيّن الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وقال الزين بن الْمُنَيِّر - ﵀ -: وجه الجمع أنّ قولها: "فعلمنا بعدُ" يُشعر إشعارًا قويًّا أنّهنّ حملن طول اليد على ظاهره، ثمّ علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أَوّلًا، وقد انحصر الثاني في زينب؛ للاتفاق على أنَّها أوّلهنّ موتًا، فتعيّن أن تكون هي المرادة، وكذلك بقيّة الضمائر بعد قوله: "فكانت"، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك. انتهى.
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا، أو اكتفاءً بشهرة القصّة لزينب، ويؤول الكلام بأنّ الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول الله - ﷺ - أنَّها أوّل من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة.
قال الحافظ - ﵀ -: الأول هو المعتمَد، وكأنّ هذا هو السرّ في كون البخاريّ حَذَف لفظ سودة من سياق الحديث لَمَّا أخرجه في "الصحيح"؛ لِعِلْمه بالوَهَم فيه، وأنّه لَمَّا ساقه في "التاريخ" بإثبات ذِكرها ذَكَر ما يرُدّ عليه من طريق الشعبيّ أيضًا عن عبد الرَّحمن بن أبزى، قال: "صلّيت مع عمر على أمّ المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أوّل نساء النبيّ - ﷺ - لحوقًا به". وقد تقدّم الكلام على تاريخ وفاتها في "كتاب الجنائز"، وأنّه سنة عشرين. وروى ابن سعد من طريق بزرة بنت رافع، قالت: "لَمّا خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجّبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشفت الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثمّ قالت: اللَّهُمَّ لا يُدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبيّ - ﷺ - لحوقًا به.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن، قال: "كانت زينب أوّل نساء النبيّ - ﷺ - لحوقًا به".
[ ٣٩ / ٢٢٤ ]
فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصُلُ من مجموعها أنّ في رواية أبي عوانة وَهَمًا.
وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه، مختصرًا، ولفظه: "فأخذن قصبةً يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال: أطولكنّ يدًا بالصدقة"، هذا لفظه عند ابن حبّان، من طريق الحسن بن مدركٍ عنه. ولفظه عند النسائيّ، عن أبي داود، وهو الحرّانيّ، عنه: "فأخذن قصبةً، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أسرعهنّ به لحوقًا، وكانت أطولهنَّ يدًا، فكان ذلك من كثرة الصدقة". وهذا السياق لا يَحْتَمِل التأويل، إلَّا أنه محمولٌ على ما تقدّم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصّة، والله أعلم. انتهى ما ذكره الحافظ - ﵀ - في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر أنّ في رواية أبي عوانة المذكورة في هذا الباب وَهَمًا، وأن الصواب أن التي لحقت بالنبيِّ - ﷺ - من أزواجه هي زينب بنت جحش - ﵂ -، وأما سودة - ﵂ - فإنما ذُكرت لطول يدها عند ذرع القصبة، وهو المعنى الحقيقيّ لطول اليد، لا لكونها أول من لحقت به - ﷺ -؛ لكثرة صدقتها، وهو المعنى المجازيّ لطول اليد المقصود هنا.
قال الحافظ السيوطيّ - ﵀ -: وعندي أنه وقع في رواية المصنّف -يعني: النسائيّ - تقديمٌ وتأخيرٌ، وسَقَطَ لفظة "زينب"، وأنّ أصل الكلام: "فأخذن قَصَبَة، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أطولهنّ يدًا - أي: حقيقة - وكانت أسرعهنّ لحوقًا به زينب، وكان ذلك من كثرة الصدقة"، فأسقط الراوي لفظة "زينب"، وقدّم الجملة الثانية على الجملة الأولى. انتهى كلام الحافظ السيوطيّ - ﵀ - في "شرحه على النسائيّ"، وهو تحقيقٌ حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٤١ - ٢٤٤، كتاب "الزكاة" رقم (١٤٢٠).
[ ٣٩ / ٢٢٥ ]