هي: أم أيمن مولاة النبيّ - ﷺ -، وحاضنته، قال أبو عمر: اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصْن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، وكان يقال لها: أم الظباء، وقال ابن أبي خيثمة: حَدَّثَنَا سليمان بن أبي شيخ، قال: أم أيمن اسمها بركة، وكانت لأم رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي".
وقال أبو نعيم: قيل: كانت لأخت خديجة، فوهبتها للنبيّ - ﷺ -، وقال ابن سعد: قالوا: كان ورثها من أبيه، فأَعتق رسول الله - ﷺ - أم أيمن حين تزوج خديجة، وتزوج عُبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن، فولدت له أيمن، فصحب النبيّ - ﷺ -، فاستُشهد يوم حُنين، وكان زيد بن حارثة لخديجة، فوهبته لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه، وزوّجه أم أيمن بعد النبوة، فولدت له أسامة.
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب قال: لمّا قُبض النبيّ بكت أم أيمن، فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على خبر السماء، وفيه: لمّا قُتل عمر بكت أم أيمن، فقيل لها: فقالت: اليوم وَهَى الإسلام.
وأخرج البخاريّ في تاريخه، ومسلم، وابن السكن، من طريق الزهريّ قال: كان من شأن أم أيمن أنَّها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، والد النبيّ - ﷺ -، وكانت من الحبشة، فلما وَلَدت آمنة رسول الله - ﷺ - بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كَبُر، ثم أنكحها زيد بن حارثة.
وأخرج أحمد، والبخاريّ، وابن سعد من طريق سليمان التيميّ عن أنس: أن الرجل كان يجعل للنبيّ - ﷺ - النخلات، حتى فُتحت عليه قريظة، والنضير، فجعل يردّ بعد ذلك، فكلمني أهلي أن أسأله الذي كانوا أعطوه، أو بعضه، وكان أعطاه لأم أيمن، فسألته، فأعطانيه، فجاءت أم أيمن، فجعلت تلوح بالثوب، وتقول: كلا والله لا يعطيكهنّ، وقد أعطانيهنّ، فقال النبيّ - ﷺ -: "لك كذا وكذا"، وتقول: كلا حتى أعطاها، حسبته قال: عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله.
[ ٣٩ / ٢٢٦ ]
وقال ابن سعد: أخبرنا أبو أمامة، عن جرير بن حازم، سمعت عثمان بن القاسم يقول: لمّا هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرَف، ودون الرَّوْحاء، فعَطِشَت، وليس معها ماء، وهي صائمة، فأجهدها العطش، فدُلّي عليها من السماء دلو من ماء، برشاء أبيض، فأخذته، فشربته، حتى رَوِيت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر، فما عَطِشت.
وأخرج ابن السكن بسند صحيح عن الزهريّ؛ أنَّها توفيت بعد رسول الله - ﷺ - بخمسة أشهر.
قال الحافظ: وهذا مرسلٌ، ويعارضه حديث طارق؛ أنَّها قالت بعد قَتْل عمر ما قالت، وهو موصول، فهو أقوى، واعتمده ابن منده وغيره، وزاد ابن منده بأنها ماتت بعد عمر بعشرين يومًا، وجمع ابن السكن بين القولين، بأن التي ذكرها الزهريّ هي مولاة النبيّ - ﷺ -، وأن التي ذكرها طارق بن شهاب هي مولاة أم حبيبة، بركة، وأن كلًّا منهما كان اسمها بركة، وتكنى أم أيمن، قال الحافظ: وهو مُحْتَمِلٌ على بُعْدٍ. انتهى من "الإصابة" باختصار (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٧] (٢٤٥٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ"، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا، أَو لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْه، وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ،
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ١٧١.
[ ٣٩ / ٢٢٧ ]
قاله يحيى بن معين [٧] (ت ١٦٥) أخرج له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك - ﵁ -، تقدّم قبل أربعة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من سليمان، والباقيان كوفيّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة سنة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -؛ أَنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ) بركة - ﵂ -، (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ)؛ أي: أعطته (إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ) أنس: (فَلَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم (أَصَادَفَتْهُ)؛ أي: وجدته - ﷺ - حال كونه (صَائِمًا، أَو لَمْ يُرِدْهُ) بضمّ أوله، من الإرادة؛ أي: أو صادفته، والحال أنه لا يريد ذلك الشراب، (فَجَعَلَتْ)؛ أي: شرعت، وأخذت (تَصْخَبُ عَلَيْهِ) بفتح أوله وثالثه - من باب فَرِحَ؛ أي: "ع، وترفع صوتها إنكارًا لإمساكه عن شرب الشراب، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قولي: من باب فَرِحَ هو الصواب، وأما قول بعض الشرّاح (^٢): إنه من باب ذَهَب، فغير صحيح، راجع كتب اللغة، تَرَ الصواب، والله تعالى أعلم.
وقال عياض - ﵀ - في "المشارق": "الصّخَب" بفتح الصاد، والخاء، وقيل أيضًا: بالسين مكان الصاد، وضَعّف هذا الخليل، ومعناه: اختلاط الأصوات، وارتفاعها. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٩.
(٢) راجع: شرح الشيخ الهرريّ ٢٣/ ٦١٧.
(٣) "مشارق الأنوار" ٢/ ٤٠.
[ ٣٩ / ٢٢٨ ]
وقال في "التاج": الصَّخَبُ مُحَرَّكَةً: الصِّيَاحُ، والْجَبَلَةُ، وشِدَّةُ الصَّوْت، واخْتِلَاطُه، ومِنْهُم مَنْ قَيَّدَه لِلْخصَامِ؛ كالسَّخَبِ بالسِّينِ المُهْمَلَة، وَهِيَ لُغَةٌ رَبَعِيَّةٌ قَبِيحَةٌ، وقد صَخِبَ كفَرِح يَصْخَبُ صَخَبًا، فهو صَخَّابٌ؛ كشَدَّادٍ، وصَخِبٌ، وصَخُوبٌ؛ كصَبُورٍ، وصَخْبَانُ بالفَتْح، كُلُّ ذَلِك بمَعْنَى شَدِيدِ الصَّخَب، كَثِيرِهِ. انتهى (^١).
(وَتَدَمَّرُ عَلَيْهِ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قتل، أو بفتح أوله وثانيه، وتشديد الميم، وأصله تتذمّر، فحُذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
قال عياضٌ - ﵀ - في "المشارق": هو بفتح التاء، والذال، وتشديد الميم؛ أي: تتغيظ، وتلوم، قال الأصمعي: إذا جعل الرجل يتكلم، ويتغضّب أثناء ذلك، قيل: سمعت له تذمُّرًا، وكان عند ابن الحذاء: "وتدمن"، وهو تصحيف، وكذلك لبعضهم عن العذري: "تدمري"، وليس بشيء. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "تذمر" بفتح التاء، وإسكان الذال المعجمة، وضم الميم، ويقال: "تَذَمَّرُ" بفتح التاء، والذال، والميم؛ أي: تتذمر، وتتكلم بالغضب، يقال: ذَمَرَ يَذمُرُ، كقتل يقتل: إذا غضب، وإذا تكلم بالغضب.
ومعنى الحديث: أن النبيّ - ﷺ - ردّ الشراب عليها، إما لصيام، وإما لغيره، فغضبت، وتكلمت بالإنكار، والغضب، وكانت تُدِلّ عليه - ﷺ -؛ لكونها حضنته، وربّته - ﷺ -، وجاء في الحديث: "أم أيمن أمي بعد أمي" (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -،
_________________
(١) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٦٥٧.
(٢) "مشارق الأنوار" ١/ ٢٧٠.
(٣) ضعيف؛ للانقطاع في سنده.
[ ٣٩ / ٢٢٩ ]
أخرجه هنا [١٨/ ٦٢٩٧] (٢٤٥٣)، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، بل لَمْ أجد أحدًا أخرجه من غيرهم، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل أم أيمن - ﵂ -، حيث كان - ﷺ - يُحبّها، ويزورها، وكانت هي تُدلّ عليه، كأنها أمه، حيث حضنته، وربّته.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من كمال التواضع، وحُسن العشرة، والتودّد إلى كل أحد شريفًا كان أو وضيعًا، فهو كما وصفه الله - ﷿ - في كتابه، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣ - (ومنها): بيان أن للضيف الامتناعَ من الطعام والشراب الذي يُحضره الْمُضيف؛ إذا كان له عذر، من صوم، أو غيره، من الأعذار.
٤ - (ومنها): مشروعيّة زيارة الرجال المرأة في بيتها إذا كان وراء حجاب، فإنه - ﷺ - كان يزورها، وكذا كان أبو بكر وعمر - ﵄ - يزورانها بعده - ﷺ -.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: كان النبي - ﷺ - يُكْرِم أم أيمن، ويبرها مَبَرَّة الأم، ويكثر زيارتها، وكان - ﷺ - عندها كالولد، ولذلك كانت تصخبُ عليه؛ أي: ترفع أيمن صوتها عليه، وتذمر؛ أي: تغضب وتضجر فِعْلَ الوالدة بولدها، وقال الأصمعيّ: تذمَّر الرجل: إذا تغضب، وتكلم أثناء ذلك، وقال غيره: تذمَّر الرجل: إذا لام نفسه.
قال: وزيارة النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر - ﵄ - لها دليل على فضلها، ومعرفتهم بحقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٨] (٢٤٥٤) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٦١.
[ ٣٩ / ٢٣٠ ]
بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ"، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاء، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاء، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ) القَيْسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، في حِفظه شيء، من صغار [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) بن مالك - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (- ﵁ - بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِعُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ -: (انْطَلِقْ بِنَا)؛ أي: اذهب بنا (إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ) - ﵂ - (نَزُورُهَا) جملة حاليّة؛ أي: حال كوننا زائرين لها، يقال: زَارَهُ زِيَارَةً، وزَوْرًا: قَصَده، فهو زَائِرٌ، وزَوْرٌ، وقوم زَوْرٌ، وزُوَّارٌ، مثلُ سافر وسَفْر، وسُفّار، ونسوة زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزَائِرَاتٌ، والمَزَارُ، يكون مصدرًا، وموضع الزِّيَارَة، والزِّيَارَةُ في العُرف: قَصْدُ المَزور؛ إكرامًا له واستئناسًا به، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَزُورُهَا)؛ أي: اقتداء به - ﷺ -، وإحياء لسُنَّته، وصلة لِمَا كان يُحبّ أن يصله، (فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ) أم أيمن - ﵂ - (فَقَالَا)؛
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٠.
[ ٣٩ / ٢٣١ ]
أي: أبو بكر وعمر - ﵄ -، (لَهَا)؛ أي: لأم أيمن: (مَا) استفهاميّة، (يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - ﷺ -)؛ المعنى: أن البكاء على الشخص إنما يكون عند فَقْده شيئًا مما يُحبه، ويفرح من أجله، ورسول الله - ﷺ - انتقل إلى الدار الآخرة التي هي خير له، وأحب إليه، كما قال - ﷿ -: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]، فكيف تبكين عليه؟ (فَقَالَتْ) أم أيمن - ﵂ -: (مَا أَبْكِي أَنْ) مصدريّة، (لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - ﷺ -)؛ المعنى: أني لا أبكي لعدم علمي بخيريّة ما عند الله تعالى لرسوله - ﷺ -، (وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: "أن" المشدّدة مفتوحة؛ لأنَّها معمولة لـ "أبكي" بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأنّ، أو من أجل أنّ؛ تعني: أن الوحي لمّا انقطع بعد رسول الله - ﷺ - عَمِل الناس بآرائهم، فاختلفت مذاهبهم، فوقع التنازع والفتن، وعَظُمت المصائب والمحن، ولذلك نَجَم بعده النفاق، وفشا الارتداد، والشقاق، ولولا أن الله تعالى تدارك الدِّين بثاني اثنين -يعني: أبا بكر - ﵁ - لَمَا بقي منه أثر ولا عين. انتهى (^١).
(فَهَيَّجَتْهُمَا)؛ أي: أثارت أبا بكر، وعمر - ﵄ - (عَلَى الْبُكَاء، فَجَعَلَا)؛ أي: شرعا (يَبْكِيَانِ مَعَهَا) لَمّا تذكّرا ما ذكرته أم أيمن رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٦٢٩٨] (٢٤٥٤)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٦٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٤٢٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٧١)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٢/ ٦٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٦٢.
[ ٣٩ / ٢٣٢ ]
١ - (منها): أن فيه زيارةَ الصالحين، وفضلها.
٢ - (ومنها): زيارة الصالح لمن هو دونه.
٣ - (ومنها): زيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره، ولأهل ودّ صديقه.
٤ - (ومنها): زيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة، وسماع كلامها، ولا سيّما المُتَجالّات.
٥ - (ومنها): استصحاب العالم والكبير صاحبًا له في الزيارة، والعيادة، ونحوهما.
٦ - (ومنها): البكاء حزنًا على فراق الصالحين، والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه، والله تعالى أعلم (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.