هي: أم سُليم بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية، وهي أم أنس خادم رسول الله - ﷺ - اشتهرت بكنيتها، واختُلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل: رُميثة، وقيل: مُليكة، وقيل: الغميصاء، أو الرميصاء، تزوجت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت أنسًا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك، وخرج إلى الشام، فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة.
روى أحمد في "مسنده" من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، وإسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أبا طلحة خطب أم سليم -يعني: قبل أن يسلم - فقالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلي، قلت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٠.
(٢) زادوا في النُّسخ هنا في الترجمة: "وبلال"، وليس هذا موضعه، فسيأتي له باب مستقلّ إن شاء الله تعالى.
[ ٣٩ / ٢٣٣ ]
أسلمت، فإني لا أريد منك صداقًا غيره، قال: حتى أنظر في أمري، فذهب، ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقالت: يا أنس زوِّج أبا طلحة، فزوّجها، ولهذا الحديث طرق متعددة. انتهى من الإصابة" باختصار (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: أم سليم هذه هي: ابنةُ مِلْحان بن زيد بن حرام من بني النجار، وهي: أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر، كانت أسلمت مع قومها، فغضب مالك لذلك، فخرج إلى الشام، فهلك هنالك كافرًا، وقيل: قتل، ثم خطبها بعده أبو طلحة، وهو على شِركه، فأَبَتْ حتى يُسْلِم، وقالت: لا أريد منه صداقًا إلَّا الإسلام، فأسلم، وتزوَّجها، وحَسُن إسلامه، فولدت له غلامًا كان قد أُعجب به، فمات صغيرًا، ويقال: إنه أبو عُمير صاحب النُّغير، وكان أبو طلحة غائبًا حين مات، فغطّته أم سليم، فجاء أبو طلحة، فسأل عنه، فكتمت موته، ثم إنها تصنَّعت له، فأصاب منها، ثم أعلمته بموته، فشقّ ذلك عليه، ثم إنه أتى النبيّ - ﷺ -، فأخبره، فدعا لهما النبيّ - ﷺ -، قال: "بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة، وولدت له عبد الله بن أبي طلحة، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلهم حُمِل عنه العلمُ، وإسحاق هو شيخ مالك رحمهما الله.
واختُلف في اسم أم سليم، فقيل: سهلة. وقيل: رملة. وقيل: مليكة. وهي الغُميصاء المذكورة في الحديث، ويقال: الرُّميصاء، وقيل: إن الرميصاء بالراء هي: أم حرام أختها، وخالة أنس، والغميصاء: مأخوذ من الغمص، وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض، يقال بالصاد والسين، والرمص - بالراء -: ما تجمَّد منه، قاله يعقوب وغيره.
وكانت أم سليم من عقلاء النساء، وفضلائهن، شهدت مع رسول الله - ﷺ - أُحدًا، وحنينًا، روت عن النبيّ - ﷺ - أحاديث، خرّج لها في "الصحيحين" أربعة أحاديث. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ٢٢٧ - ٢٢٩.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٦٣.
[ ٣٩ / ٢٣٤ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٩] (٢٤٥٥) - (حَدَّثَنَا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاء، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِه، إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو الحسن بن عليّ بن محمد الخلال، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِمِ) بن عبيد الله الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيءٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [١٣٢] وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة ٣٠/ ٦٦٧.
و"أَنَسُ" بن مالك - ﵁ - ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير شيخه، وفيه أنس - ﵁ - منه تقدّم القول فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: ابن أبي طلحة، وفي رواية عند ابن سعد: "أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة"، وعند الإسماعيليّ: "حَدَّثَنَا إسحاق" (عَنْ أنَسٍ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاء، إِلَّا عَلَى أَزوَاجِهِ) أمهات المؤمنين، (إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ) والدة أنس. قال القرطبيّ - ﵀ -: إنما كان النبيّ - ﷺ - لا يدخل على النساء؛ عملًا بما شرع من المنع من الخلوة بهنَّ، وليُقتدَى به في ذلك، ومخافة أن يقذف الشيطان في
[ ٣٩ / ٢٣٥ ]
قلب أحد من المسلمين شرًّا فيهلك، كما قال في حديث صفية المتقدِّم، ولئلا يجد المنافقون، وأهل الزيغ مقالًا؛ وإنما خصَّ أم سليم بالدُّخول عندها؛ لأنَّها كانت منه ذات محرمٍ بالرَّضاع كما تقدَّم، وليجبر قلبها من فَجْعتها بأخيها؛ إذ كان قد قُتِل معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أُحد، ولمَا عَلِم النبيُّ - ﷺ - من فضلها، كما دلَّ عليه رؤية النبيّ - ﷺ - إياها في الجَنَّة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وأظنه يوم أُحد" هذا غلط، والصواب: أنه شهد بدرًا، وأُحدًا، وإنما قُتل يوم بئر معونة، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا) قال الحميديّ: لعله أراد على الدوام، وإلا فقد تقدّم أنه كان يدخل على أم حرام - ﵂ -، وقال ابن التين: يريد أنه كان يُكثر الدخول على أم سليم، وإلا فقد دخل على أختها أم حرام، ولعلها - أي: أم سليم - كانت شقيقة المقتول، أو وَجَدت عليه أكثر من أم حرام.
وتعقّب الحافظ هذا، فقال: لا حاجة إلى هذا التأويل، فإن بيت أم حرام، وأم سليم واحد، ولا مانع أن تكون الأختان في بيت واحد كبير، لكل منهما فيه معزل، فنُسب تارة إلى هذه، وتارة إلى هذه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فإن بيت أم حرام، وأم سليم واحد" يحتاج إلى ثبوت هذا، وإلا فما في تأويل ابن التين لا يخفى حُسنه، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: قال له - ﷺ - قائل: لماذا تكثر الدخول على أم حرام؟ وهذا القائل لَمْ يُعرف، كما قال الحافظ - ﵀ - (^٣). (فَقَالَ) - ﷺ - جوابًا عن هذا السؤال: ("إِنِّي أَرْحَمُهَا)؛ أي: إنما أُكثر الدخول عليها؛ لأني أرحمها، ثم ذَكَر الباعث على رحمته الخاصّة لها، فقال: (قُتِلَ أَخُوهَا) هو حرام بن مِلْحان - ﵁ -، (مَعِي)؛ أي: مع عسكري، أو على أمري، وفي طاعتي، وليس المراد أنه قُتل في معركة كان فيها النبيّ - ﷺ -؛ لأنه قُتل في غزوة بئر معونة،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢) "الفتح" ٧/ ١١٣، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٤٤).
(٣) "الفتح" ٧/ ١١٣، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٤٤).
[ ٣٩ / ٢٣٦ ]
والنبيّ لَمْ يشهد بئر معونة، وإنما أمرهم بالذهاب إليها، وغَفَل القرطبيّ، فقال: قُتل أخوها معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أُحد، ولم يُصِبْ في ظنه، والله أعلم، قاله في "الفتح" (^١).
وقال الكرمانيّ: كيف صار قتل الأخ سببًا للدخول على الأجنية؟.
قلت: لَمْ تكن أجنبية، كانت خالة لرسول الله - ﷺ - من الرضاع، وقيل: من النَّسب، فالمحرمية كانت سببًا لجواز الدخول. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: قد قدَّمنا في "كتاب الجهاد" عند ذِكر أم حرام أخت أم سليم؛ أنهما كانتا خالتين لرسول الله - ﷺ - مَحْرَمين، إما من الرضاع، وإما من النسب، فتحلّ له الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصّةً، لا يدخل على غيرهما من النساء إلَّا أزواجه. انتهى (^٣).
[تنبيه]: قصّة قتل حرام بن مِلْحان أخي أم سليم وأم حرام - ﵂ - ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٤٠٩١) - حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس؛ أن النبيّ - ﷺ - بعث خالة أخًا لأم سليم، في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامرَ بن الطفيل، خَيَّر بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان، بألف، وألف، فطُعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غُدّة كغَدّة الْبَكْر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، هو ورجل أعرج، ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمّنوني أبلّغ رسالة رسول الله - ﷺ -، فجعل يحدثهم، وأومؤوا إلى رجل، فأتاه من خلفه، فطعنه - قال همام: أحسبه - حتى أنفذه بالرمح، قال: الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة، فلُحِق الرجل، فقُتلوا كلهم، غير الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: "إنا قد
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١١٣.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ١٣٨.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٠.
[ ٣٩ / ٢٣٧ ]
لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا"، فدعا النبيّ - ﷺ - عليهم ثلاثين صباحًا، على رِعْل، وذَكْوان، وبني لحيان، وعُصية الذين عصوا الله ورسوله - ﷺ -.
(٤٠٩٢) - حدّثني حِبّان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، قال: حدّثني ثمامة بن عبد الله بن أنس؛ أنه سمع أنس بن مالك - ﵁ - يقول: لمّا طُعِن حرام بن مِلْحان، وكان خالة يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه، ورأسه، ثم قال: فُزْتُ ورب الكعبة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٢٩٩] (٢٤٥٥)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٤٤)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٢/ ٦١)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ٤٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز دخول المَحْرَم على مَحْرمه، والخلوة بها.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى منع دخول الرجل إلى الأجنبية، وإن كان صالحًا، وقد تقدمت الأحاديث الصحيحة المشهورة في تحريم الخلوة بالأجنبية.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الرحمة، والتواضع، وملاطفة الضعفاء.
٤ - (ومنها): أن فيه صحةَ الاستثناء من الاستثناء، فإن قوله: "إلَّا على أزواجه" مستثنى من "النساء"، وقوله: "إلَّا أم سليم" مستثنى من "أزواجه"، قال النوويّ - ﵀ -: وقد رَتَّب عليه أصحابنا مسائل في الطلاق، والإقرار، ومثله في القرآن: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٥٨ - ٦٠].
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٤/ ١٥٠١ - ١٥٠٢.
[ ٣٩ / ٢٣٨ ]
٥ - (ومنها): استحباب حُسن العهد، والمحافظة على الودّ بتعاهد أهل الصديق، وأقاربه في حياته، أو بعد موته، والخلافة فيهم بخير، فإن النبيّ - ﷺ - كان يَجْبُر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قُتل معه، ففيه أنه - ﷺ - خَلَفه في أهله بخير بعد وفاته، وذلك من حُسن عهده - ﷺ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - لهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٠] (٢٤٥٦) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ السَّرِيِّ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذه الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ، أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عُمر كنية يحيى، صدُوقٌ، صَنَّف"المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه، البصريّ، سكن مكة، وكان واعظًا، ثقةٌ، متقنًا، طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] (ت ٥ أو ١٩٦) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ، عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حِفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أنه (قَالَ: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) قال القرطبيّ - ﵀ -: كان هذا الدخول في الجَنَّة من النبيّ - ﷺ - في النوم، كما قاله فيٍ حديث بلال المتقدِّم، ورؤياه حقٌّ، فهي - ﵂ - من أهل الجَنَّة. (فَسَمِعْتُ خَشْفَةً) بفتح الخاء، وسكون الشين المعجمتين: هي صوتُ المشي، ويقال: خشخشة، كما جاء في الرواية الأخرى، وأصل الخشخشة: صوت الشيء اليابس يحك
[ ٣٩ / ٢٣٩ ]
بعضه بعضًا، ويتراجع. (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا)؛ أي: الملائكة: (هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ). قال النوويّ - ﵀ -: "الغُميصاء" بضم الغين المعجمة، وبالصاد المهملة، ممدودة، ويقال لها: الرُّميصاء أيضًا، ويقال بالسين، قال ابن عبد البرّ: أم سُليم هي الرُّميصاء، والغُميصاء، والمشهور فيه الغين، وأختها أم حرام الرُّميصاء، ومعناهما متقارب، والرَّمَص، والْغَمَص: قَذًى يابسٌ، وغير يابس، يكون في أطراف العين، وهذه منقبة ظاهرة لأم سليم - ﵂ -. انتهى (^١).
وقوله: (أُمُّ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ") بدل، أو عطف بيان لـ "الغُميصاء"، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٣٠٠] (٢٤٥٦)، و(النسائيّ) في "فضائل الصحابة" (١/ ٨٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٦ و١٢٥ و٢٣٩ و٢٦٨) وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٨٤٨)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٣٩٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٩٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ٣١٧ و٣١٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٥٠٥)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ٤٣٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠١] (٢٤٥٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَج، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأةَ أَبِي طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلَالٌ").
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ١١.
[ ٣٩ / ٢٤٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ) بن عبد الوارث القرشيّ مولاهم البغداديّ، جار أحمد بن حنبل، صدوقٌ [١٠] (٢٣٦) (م د) تقدم في "النكاح" ٢٣/ ٣٥٤٥.
٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) - بضم الحاء المهملة، وموحّدتين - أبو الحسين الْعُكْليّ - بضم المهملة، وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في الحديث، فأكثر منه، وهو صدوقٌ، يخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (ر م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشون - بكسر الجيم، بعدها شين معجمة مضمومة (^١) - المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنِّف [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير - بالتصغير - التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابي - ﵄ -، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من عبد العزيز، وفيه جابر بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي - ﵄ -، من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين.
شرح الحديث:
عن (عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ)؛ أنه قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ)
_________________
(١) "الماجشون" لقب أبي سلمة، وتلقّب به أولاده أيضًا، هكذا أفاد في "الفتح"، وقال في "اللباب" ٣/ ١٤١: الماجشون: لقب أبي سلمة يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون؛ لحمرة خدّيه، وهذه لغة أهل المدينة، والماجشون: الورد. انتهى.
[ ٣٩ / ٢٤١ ]
قال في "الفتح": هكذا رواه الأكثر عن ابن الماجشون، ورواه صالح بن مالك عنه، عن حميد، عن أنس، أخرجه البغويّ في "فوائده"، فلعل لعبد العزيز فيه شيخين، ويؤيده اقتصاره في حديث حميد على قصة القصر فقط، وقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، من وجه آخر عن حميد كذلك. انتهى (^١).
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أُرِيتُ الْجَنَّةَ) بالبناء للمفعول، ولفظ البخاريّ: "رأيتني دخلت الجنّة"، وقوله: "رأيتني" بضم المثناة، والضمير للمتكلم، وهو من خصائص أفعال القلوب. (فَرَأَيْتُ امْرَأةَ أَبِي طَلْحَةَ) هي أم سليم، ولفظ البخاريّ: "فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة"، والرُّميصاء بالتصغير صفة لها؛ لِرَمَص كان بعينها، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل غير ذلك، وقيل: هو اسمها، ويقال فيه: بِالْغين المعجمة بدل الراء، وقيل: هو اسم أختها أم حرام، وقال أبو داود: هو اسم أخت أم سُليم من الرضاعة، وجوَّز ابن التين أن يكون المراد امرأة أخرى لأبي طلحة، قاله في "الفتح" (^٢).
(ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً) - بفتح المعجمتين، والفاء -؛ أي: حركة، وزنًا ومعنًى، ووقع لأحمد: "سمعت خشفًا"؛ يعني: صوتًا، قال أبو عبيد: الخشفة: الصوت ليس بالشديد، قيل: وأصله صوت دبيب الحية، ومعنى الحديث هنا: ما يُسمع من حِسّ وقع القدم. (أَمَامِي)؛ أي: قُدّامي، (فَإِذَا بِلَالٌ") "إذا" هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود بلال، وإنما أخبر بلالًا بذلك؛ ليطيب قلبه، ويداوم على العمل، ويرَغِّب غيره فيه.
قال العراقيّ - ﵀ - في "شرح التقريب": إن قيل: كيف رأى بلالًا أمامه، مع أنه أول من يدخلها؟.
قلنا: لَمْ يقل هنا إنه يدخلها قبله يوم القيامة، وإنما رآه أمامه منامًا، وأما الدخول حقيقة فهو أول داخل، وهذا الدخول المراد به سريان الروح حالة
_________________
(١) "الفتح" ٣٧٦، كتاب "الفضائل" رقم (٣٦٧٩).
(٢) "الفتح" ٣٧٦، كتاب "الفضائل" رقم (٣٦٧٩).
[ ٣٩ / ٢٤٢ ]
النوم، قال القاضي: ولا يجوز إجراؤه على ظاهره؛ إذ ليس لنبي من الأنبياء أن يسابقه، فكيف بأحد من أمته؟. انتهى (^١).
وقال المظهر - ﵀ -: هذا لا يدلُّ على تفضيل بلال على العشرة فضلًا عن النبيّ - ﷺ -، وإنما سبقه للخدمة.
وقال التوربشتيّ - ﵀ -: هذا شيء كوشف به من عالم الغيب في نومه، أو يقظته، وهو من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؛ أي: تعمل قبل ورود أمري عليك.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: ولا يناقضه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]؛ لِمَا أن المتقدم بين يدي الرجل خارج من صفة المتابع المنقاد؛ لأنَّ الآية واردة في النهي عما لا يُرضي اللهَ ورسوله - ﷺ -، كما يشهد له سبب النزول، والحديث ليس كذلك، ومن ثم قرّره على السبب الموجب للسبق، واستحمده لذلك. انتهى (^٢).
[تنبيه]: هذا الحديث ساقه البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" مطوّلًا، فقال:
(٣٤٧٦) - حَدَّثَنَا حجّاج بن مِنهال"، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن الماجشون، حَدَّثَنَا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "رأيتني دخلت الجَنَّة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفَةً، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر، فأردت أن أدخله، فأنظر إليه، فذكرت غَيْرتك"، فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٣٠١] (٢٤٥٧)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "فيض القدير" ٣/ ٥١٧.
(٢) "فيض القدير" ٣/ ٥١٨.
(٣) "صحيح البخاري" ٣/ ١٣٤٦.
[ ٣٩ / ٢٤٣ ]
"الفضائل" (٣٦٧٩) و"النكاح" (٥٢٢٦) و"التعبير" (٧٥٢٤)، و(النسائيّ) في "فضائل الصحابة" (٢٣ و٢٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٢٣٥ و١٢٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٩ و٣٧٢ و٣٨٩ - ٣٩٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٢٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٤٦٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٨٦)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٣٩٠)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٨٧٨)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.