هو: عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة، وفاء - ابن حبيب بن شَمْخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هُذيل، الْهُذَليّ، أبو عبد الرَّحمن، حليف بني زُهْرة، وكان أبوه حالَفَ عبد الحارث بن زهرة.
أمه أم عبد الله بنت ودّ بن سواءة، أسلمت، وصحبت.
أحد السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد بعدها، ولازم النبيّ - ﷺ -، وكان صاحب نعليه، وحدّث عن النبيّ - ﷺ - بالكثير، وعن عمر، وسعد بن معاذ.
وروى عنه ابناه: عبد الرَّحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، ومن الصحابة: العبادلة، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شريح، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأبو جحيفة، وأبوأمامة، وأبو الطفيل، ومن التابعين: علقمة، والأسود، ومسروق، والربيع بن خُثيم، وشُريح القاضي، وأبو وائل، وزيد بن وهب، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عمرو الشيبانيّ، وعَبيدة بن عمرو السلمانيّ، وعمرو بن ميمون، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وأبو عثمان النَّهْديّ، والحارث بن سُويد، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وآخرون.
وآخى النبيّ - ﷺ - بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، وقال له في أول الإسلام: "إنك لغلام مُعَلَّم"، وأخرج البغويّ من طريق القاسم بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا، وبسند صحيح عن ابن عباس، قال: آخى النبيّ - ﷺ - بين أنس وابن مسعود، وقال أبو نعيم: كان سادس من أسلم، وكان يقول: أخذت من في رسول الله - ﷺ - سبعين سورة، أخرجه البخاريّ، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة، ذكره ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، وقال النبيّ - ﷺ -: "مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا كما نزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد"، وكان يلزم رسول الله - ﷺ -، وَيحْمِل نعليه.
[ ٣٩ / ٢٦٧ ]
وقال البخاريّ: مات قبل قَتْل عمر، وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: مات سنة ثلاث، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، ذكره في "الإصابة" (^١).
وقال في "الفتح": هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه، وصَحِبت، فلذلك نُسب إليها أحيانًا، وكان هو من السابقين، وقد روى ابن حبان أنه كان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقَدِم في أواخر عمره المدينة، ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه، والآخذين عنه. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: يُكنى؛ أبا عبد الرَّحمن، وأمه؛ أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضًا، أسلم قديمًا، وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط، فمرَّ به رسول الله - ﷺ -، فقال: "يا غلام! هل من لبن؟ " قال: نعم! ولكني مؤتمَن. قال: "فهل من شاة حائل لَمْ يَنْزُ عليها الفحل؟ "، فأتيتهُ بشاة شَصُوص - أي: لا لبن لها - فمسح ضرعها، فنزل اللبن، فحلب في إناء، وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص"، فقلص، فقلت: يا رسول الله! علّمني من هذا القول، فقال: "رحمك الله! إنك غُلَيِّمٌ معلَّمٌ"، فأسلم، وضمَّه رسول الله - ﷺ - إليه، فكان يَلِجُ عليه، ويُلبسه نعله، ويمشي أمامه، ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له: "إذنك عليّ أن ترفع الحجابَ، وأن تسمع سِوَادي، حتى أنهاك"، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السِّرار، والسَّواد، والسِّواك، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة، ثم من مكة إلى المدينة، وصلَّى القبلتين، وشهد مع رسول الله - ﷺ - مشاهده كلها، وكان يُشَبَّهُ في هديه وسَمْته برسول الله - ﷺ -، وشهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة، وشهد له كبراء أصحاب رسول الله - ﷺ - بأنه مِن أعلمِهم بكتاب الله قراءةً وعلمًا، وفضائله كثيرة.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٢٣٤.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٧١، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (٣٧٥٩).
[ ٣٩ / ٢٦٨ ]
تُوُفّي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: بل صلَّى عليه عمَّار، وقيل: بل صلَّى عليه الزبير ليلًا بوصيّته، ولم يُعلم عثمان بذلك، فعاتب عثمان الزبير على ذلك، والله أعلم.
روى عن رسول الله - ﷺ - ثمانمئة حديث، وثمانية وأربعين حديثًا، أخرج له منها في "الصحيحين" مائة وعشرين حديثًا. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٥] (٢٤٥٩) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْوَليدُ بْنُ شُجَاعٍ، قَالَ سَهْلٌ وَمِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، إِلَى آخِرِ الآيَة، قَالَ لِي (^٢) رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنجاب - بكسر أوله، وسكون ثانية، ثم جيم، ثم موحّدة - ابن الحارث بن عبد الرَّحمن، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفاظ، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ) مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، صدوقُ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د ق) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٤ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدِ) بن سهل الْهَرَويُّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ - بفتح المهملة، والمثلثة - ويقال له: الأنباريّ - بنون، ثم موحّدة - أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلَّا أنه عَمِيَ، فصار يتلقَّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٠ - ٣٧١.
(٢) وفي نسخة: "قال رسول الله - ﷺ -".
[ ٣٩ / ٢٦٩ ]
٥ - (الْوَليدُ بْنُ شُجَاعِ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ، أبو هَمّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) على الصحيح (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٧٧/ ٤٠٢.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٣] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٧ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرعٌ، لكنه يُدَلِّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٨ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ، إلَّا أنه يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) وهو ابن خمسين، أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٩ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
١٠ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، تقدّمت ترجمته أول الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ - وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم، لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم وأدائه، حيث أخذ عنهم بالسماع، ثم فصّل حيث اختلف أخْذهم عن عليّ بن مُسهر، فسهل ومنجاب أخذا قراءةً، والباقون أخذوا سماعًا، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وفيه عبد الله مهملًا، وهو ابن مسعود، للقاعدة المشهورة أنه إذا كان الإسناد كوفيًّا، فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيًّا، فابن عمر، أو مكّيًّا، فابن الزبير، أو بَصْريًّا، فابن عبّاس، أو مصريًّا، وشاميًّا، فابن عمرو بن العاص - ﵃ -، وإلى هذا أشار السيوطيّ - ﵀ - في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَو جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْحَبْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
وقد تقدّم هذا، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٢٧٠ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التالية، وهي قوله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾)؛ أي: إثم، (﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾)؛ أي: فيما شَرِبوا من الخمر، وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - (^١): قوله تعالى: ﴿طَعِمُوا﴾ أصل هذه اللفظة في الأكل، يقال: طَعِم الطعام، وشَرِب الشراب، لكن قد تُجُوِّز في ذلك، فيقال: لَمْ أطعم خبزًا، ولا ماءً، ولا نومًا، قال الشاعر [من المتقارب]:
نَعَامًا بِوَجْرَةٍ (^٢) صُعْرِ الْخُدُو … دِ لَا تَطْعَمُ النَّوْمَ إِلَّا صِيَامَا
(﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾) الشرك، (﴿وَآمَنُوا﴾) بالله - ﷿ - (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بعد الإيمان، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر والميسر بعد التحريم، ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمهما، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سائر المحرّمات، أو الأولُ عن الشرك، والثاني عن المحرّمات، والثالث عن الشبهات. ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ إلى الناس، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ هكذا قال النسفيّ في "تفسيره" (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، فيه أربعة أقوال:
الأول: أنه ليس في ذِكر التقوى تكرار، والمعنى: اتقوا شُربها، وآمنوا بتحريمها، ومعنى الثاني: دام اتقاؤهم، وإيمانهم، والثالث على معنى الإحسان إلى الاتّقاء.
والثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شُربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمارهم، وأحسنوا العمل.
والثالث: اتقوا الشرك، وآمنوا بالله ورسوله، ومعنى الثاني: ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانًا، ومعنى الثالث: ثم اتقوا الصغائر، وأحسنوا؛ أي: تنفّلوا.
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٩٦.
(٢) "وجرة": موضع بين مكة والبصرة.
(٣) "تفسير النسفيّ" ١/ ٣٠١.
[ ٣٩ / ٢٧١ ]
وقال محمد بن جرير: الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمْر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث: الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى، وما قاله ابن جرير: أوضح، والله تعالى أعلم.
(قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي نسخة: "قال رسول الله - ﷺ -": ("قِيلَ لِي)؛ أي: قال لي قائل، جبريل - ﵇ - أو غيره: (أَنْتَ) يريد ابن مسعود - ﵁ -، (مِنْهُمْ")؛ أي: من هؤلاء الموصوفين بهذه الآية.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: "قيل لي: أنت منهم" الخطاب لابن مسعود - ﵁ -؛ أي: أوحي إليّ أنك يا ابن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه تزكية عظيمة، ودرجة رفيعة، قلَّ من ظَفِر بمثلها. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٣٠٥] (٢٤٥٩)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٥٣)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (١١١٥٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ٤٥٧ و٩/ ٢٩٦)، و(البزّار) في "مسنده" (٤/ ٣٢٥ و٤٣٢٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ١٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
٢ - (ومنها): ما قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية تناول المباح
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٩٦.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٧١ - ٣٧٢.
[ ٣٩ / ٢٧٢ ]
والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم، ومشرب، ومَنْكَح، وإن بُولِغَ فيه، وتُنُوهِيَ في ثَمَنه.
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ونظير قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وإن بولغ فيه … إلخ" هذا بشرط أن لا يدخل في الإسراف، وإلا حَرُم، فقد أخرج النسائيّ، وغيره عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كلوا، وتصدقوا، والبسوا، في غير إسراف، ولا مَخِيلة"، حديث صحيح، وعلَّقه البخاريّ بصيغة الجزم، فقد أباح الأكل والشرب، والتصدّق بشرط الخلوّ عن أمرين، وهما: الإسراف، والمخيلة؛ أي: الخيلاء، وهو التكبّر، ومعناه: أنه إذا لَمْ يَخْلُ عنهما، أو عن أحدهما فإنه لا يجوز، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أخرج البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، عن أنس - ﵁ -؛ أن الخمر التي أهريقت: الفَضِيخ، قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديًا، فنادي، فقال أبو طلحة: اخرُج، فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي: إلا إن الخمر قد حُرّمت، فقال لي: اذهب، فأهرقها، قال: فَجَرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفَضِيخ، فقال بعض القوم: قُتل قوم، وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ -: قال ابن عباس، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك: إنه لمّا نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا، وهو يشربها، ويأكل الميسر؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية. انتهى (^٢).
٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ - اللهُ: هذه الآية، وهذا الحديث -يعني: حديث البخاريّ المذكور - نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى، فنزلت:
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٩٦.
(٢) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٩٣.
[ ٣٩ / ٢٧٣ ]
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، ومَن فَعَل ما أبيح له حتى مات على فِعله لَمْ يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمّ، ولا أجر، ولا مدْح؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف، ولا يسأل عن حال من مات، والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غَفَل عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين تَوَهَّمَ مؤاخذةً ومعاقبةً لأجل شُرب الخمر المتقدم، فرفع الله ذلك التوهّم بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٦] (٢٤٦٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعِ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَن، فَكُنَّا حِينًا، وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ، وَلُزُومِهِمْ لَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قرين أحمد بن حنبل، ذَكَر أبو داود أنه تغيّر قبل موته بيسير [١٠] (٢٣٨) وله اثنتان وسبعون سنةً (خ م د، س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، أبو زكريّاء الكوفيّ، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظ فاضل، من كبار [٩] (٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٤ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٩٤.
[ ٣٩ / ٢٧٤ ]
- بسكون الميم - أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٥ - (أَبُوهُ) زكريا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بأخَرَة [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.
٦ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: عليّ الْهَمْدانيّ السَّبِيعي - بفتح المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخرة [٣] (ت ١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٧ - (الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن عبد الله النَّخَعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرَّحمن، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٨ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار - بفتح المهملة، وتشديد الضاد المعجمة - الأشعري الصحابي المشهور، أَمَّره عُمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من يحيى بن آدم، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق يوسف بن أبي إسحاق: "حدّثني الأسود، سمعت أبا موسى". (عَنْ أَبِيِ مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَدِمْتُ) بكسر الدال، وقوله: (أَنَا) أتى به ليعطف على الضمير المتّصل قوله: (وَأَخِي) لِضُعف العطف عليه بلا فاصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَو فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وفي رواية أبي بردة، عن أبي موسى في "المغازي": "بلغنا مخرج
[ ٣٩ / ٢٧٥ ]
النبيّ - ﷺ -، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بُرْدة، والآخر أبو رُهْم. . ." الحديث.
(مِنَ الْيَمَنِ)؛ أي: البلد المعروف، قال الفيّوميّ - ﵀ -: اليَمَنُ: إقليم معروفٌ، سُمِّي بذلك؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنِيُّ، على القياس، وَيمَانٍ بالألف، على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان:
أحدهما - وهو الأشهر -: تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووَجْهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضًا عن التثقيل، فلا يُثَقَّل؛ لئلا يُجْمَع بين العوض والمعوَّض عنه.
والثاني: التثقيل؛ لأنَّ الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهًا على جواز حذفها. انتهى (^١).
[تنبيه]: كان قدوم أبي موسى الأشعريّ على النبيّ - ﷺ - سنة سبع عند فتح خيبر لَمّا قَدِم جعفر بن أبي طالب، وقيل: إنه قَدِم عليه بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قَدِم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قَدِموا صُحْبته، قاله في "الفتح" (^٢).
(فَكُنَّا)؛ أي: مكثنا (حِينًا)؛ أي: زمانًا، قال الشافعيّ، وأصحابه، وغيرهم: الحين يقع على القطعة من الدهر، طالت أم قصرت، قاله النوويّ (^٣). (وَمَا نُرَى) بضمّ النون؛ أي: نظنّ، والجملة حاليّة. (ابْنَ مَسْعُودٍ)؛ أي: عبد الله، (وَأُمَّهُ) اسمها أم عبد بنت عبد وَدّ بن سواء بن قُريم بن صاهلة بن كاهل الْهُذليّة الصحابية، وأمها أيضًا هذليّة، وهي قيلة بنت الحارث بن زُهرة، قاله ابن عبد البرّ (^٤). (إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ الله - ﷺ -) قال القرطبيّ - ﵀ -: قول أبي موسى - ﵁ - هذا يدلّ على صحَّة ما ذكرنا من أن رسول الله - ﷺ - ضمَّ ابن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨٢.
(٢) "الفتح" ٩/ ٥٣٤، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٨٤).
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٤.
(٤) "تنبيه العلم" ص ٤١٤.
[ ٣٩ / ٢٧٦ ]
مسعود - ﵁ - إليه، واختصَّه بخدمته، وملازمته، وذلك لِمَا رأى من صلاحيته لقبول العلم، وتحصيله له، ولذلك قال له أول ما لقيه: "إنك غُلَيْمٌ مُعَلَّم"، وفي رواية أخرى: "لَقِنٌ مُفَهَّمٌ"؛ أي: أنت صالح؛ لَأَنْ تُعَلَّم فتَعْلم، وتُلَقَّنَ فتفهم، ولمّا رأى النبيّ - ﷺ - ذلك ضمَّه لنفسه، وجعله في عِداد أهل بيته، فلازمه حضرًا، وسفرًا، وليلًا، ونهارًا؛ ليتعلَّم منه، وينقل عنه. انتهى (^١).
ثم بيّن وجه ظنّهم ذلك، فقال: (مِنْ كَثْرَةِ دُخُولهِمْ) "من" تعليليَّة؛ أي: من أجل كثرة دخول ابن مسعود، وأمه على النبيّ - ﷺ -، و"الكثرة" بفتح الكاف، على الفصيح المشهور، وبه جاء القرآن، وحَكَى الجوهريّ وغيره كسرها (^٢). (وَلُزُومِهِمْ لَهُ)؛ أي: للنبيّ - ﷺ -، وفيه استعمال ضمير الجمع للاثنين، وهو فصيح، قال النوويّ - ﵀ -: جَمَعهما وهما اثنان هو وأمه؛ لأنَّ الاثنين يجوز جَمْعهما بالاتفاق، لكن الجمهور يقولون: أقلّ الجمع ثلاثة، فجَمْعُ الاثنين مجازٌ، وقالت طائفة: أقله اثنان، فجَمْعهما حقيقةٌ. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن أقلّ الجمع اثنان حقيقةً هو الصحيح؛ لأدلّة كثيرة، ومنها هذا الحديث، وأحاديث تقدّمت في هذا الكتاب، وقوله - ﷿ -: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وغيرها من النصوص الكثيرة، وقد حقّقت المسألة بأدلّتها في "التحفة المرضيّة" في الأصول، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٣٠٦ و٦٣٠٧ و٦٣٠٨] (٢٤٦٠)، و(البخاريّ) في "الفضائل" (٣٧٦٣) و"المغازي" (٤٣٨٤)، و(الترمذيّ) في
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٤.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٤ - ١٦.
[ ٣٩ / ٢٧٧ ]
"المناقب" (٣٨٠٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود، وأمه - ﵄ -، حيث ظن الوافدون أنهما من أهل البيت.
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على تخصّص ابن مسعود بملازمة النبيّ - ﷺ -، وتلقّيه القرآن، والسُّنَّة منه - ﷺ -.
٣ - (ومنها): ما قاله البيهقيّ - ﵀ -: وفي هذا كالدلالة على أنَّ كثرة الدخول في الدار، والتصرف فيها يُستدلّ بهما على المُلك، والله أعلم، قال الشافعيّ - ﵀ -: ومنها: ما سمعه، فيشهد بما أَثْبت سمعًا من الشهود عليه، مع إثبات بصر. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الأَسْوَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: لَقَدْ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَن، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ - بفتح السين المهملة - مولاهم، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، صدوقٌ، تُكُلِّم فيه للتشيّع [٩] (ت ٢٠٤) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٨.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (^٢) (ت ١٩٨) (خ م د س ق) تقدم في "الحج" ٧/ ٢٨٣٨.
_________________
(١) "سنن البيهقيّ الكبرى" ١٠/ ١٥٧.
(٢) هكذا قال في "التقريب" من السابعة، والظاهر أنه من الثامنة، كما تدلّ عليه طبقة أبيه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٢٧٨ ]
٤ - (أَبُوهُ) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي وقد نُسب لجدّه، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "الحج" ٧/ ٢٨٣٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٣٥٥٢) - حدّثني محمد بن العلاء، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، قال: حدّثني أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدّثنى الأسود بن يزيد، قال: سمعت أبا موسى الأشعريّ - ﵁ - يقول: قَدِمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ما نُرى إلَّا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبيّ - ﷺ -؛ لِمَا نَرَى من دخوله، ودخول أمه على النبيّ - ﷺ -. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَد، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَأنَا أُرَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. أَو مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَأنَا أُرَى) بضمّ الهمزة؛ أي: أظنّ.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٣٧٣.
[ ٣٩ / ٢٧٩ ]
وقوله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ)؛ أي: عبد الله بن مسعود من أهل بيت النبيّ - ﷺ -.
وقوله: (أَو مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا) "أو" هنا للشكّ من الراوي، و"ما" موصولة، "وذَكَر" بالبناء للفاعل، والظاهر: أن الفاعل ضمير أبي موسى، فالشك من أبي إسحاق، أو الضمير لأبي إسحاق، والشكّ من الثوريّ، والجملة صلة "ما"، بتقدير العائد؛ أي: الذي ذكره مما يُشبه هذا الكلام، وذلك مثلُ ما تقدّم في رواية زكريا بن أبي زائدة من قوله: "وما نُرى ابن مسعود، وأمه إلَّا من أهل البيت … إلخ"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(٨٢٦٣) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: أنا عبد الرَّحمن، قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن أبي موسى، قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، وأنا أرى أن عبد الله من أهل البيت. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٩] (٢٤٦١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَص، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَبَا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتُرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، ويَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قريبًا.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (أَبُو الأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة - بفتح النون، وسكون
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٥/ ٧٢.
[ ٣٩ / ٢٨٠ ]
المعجمة - الْجُشَميّ - بضم الجيم، وفتح المعجمة - الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] قُتل في ولاية الحجاج - ﵀ - على العراق (بخ م ٤) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابي الجليل، مات - ﵁ - قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ب ٢ ص ٤٥٨.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيِّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرت (أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ - ﵁ - (وَأَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ - ﵁ - (حِينَ مَاتَ) عبد الله (بْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ -، تقدّم أنه مات سنة (٣٢) على الصحيح، (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ) هذا القائل هو أبو مسعود - ﵁ -، كما تبيّنه الرواية التالية. (أَتُرَاهُ) بضمّ الهمزة؛ أي: أتظنّ ابن مسعود (تَرَكَ بَعْدَهُ)؛ أي: بعد موته، (مِثْلَهُ؟) في العِلم، والهدي، والسَّمت الصالح، (فَقَالَ) الآخر، وهو أبو موسى، كما في الرواية التالية أيضًا: (إِنْ قُلْتَ ذَاكَ)؛ أي: قلتَ: لَمْ يترك بعده مثله، فسببه ما يلي: (إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية بعدها، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
أي: إنه (كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يأذن له النبيّ - ﷺ - بالدخول عليه (إِذَا حُجِبْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا مُنِعنا نحن من الدخول عليه، (وَ) لكثرة ملازمته - ﷺ - حضرًا وسفرًا كان (يَشْهَدُ)؛ أي: يحضر عنده - ﷺ -، (إِذَا غِبْنَا) نحن بسبب أشغالنا.
قال الجامع عفا الله عنه: الغرض من هذا الكلام بيان فضل عبد الله بن مسعود، للسَّبْق المذكور، وهو أنه - ﷺ - كان يأذن له في الوقت الذي يُحجب عنه الناس، وذلك في الوقت الذي يكون فيه مشتغلًا بخاصّته، وكان هو ملازمًا له - ﷺ - في غالب أوقاته، فيحضر ما لا يحضره الآخرون، ويشهد ما يغيبون
[ ٣٩ / ٢٨١ ]
عنه، فيحفظ من العلم ما لا يحفظون، فبهذا فاق كثيرًا من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أثر أبي موسى، وأبي مسعود - ﷺ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٣٠٩ و٦٣١٠ و٣٦١١] (٢٤٦١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٨٩)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ١٢٨ و١٢٩)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٣٤٣ و٣/ ١٦٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ أَبِي الأَحْوَص، قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الله، وَهُمْ يَنْظُرُونَ في مُصْحَفٍ، فَقَامَ عَبْدُ الله، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ؛ مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أنزَلَ اللهُ مِنْ هَذَا الْقَائِم، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز) بن سِيَاه - بكسر المهملة، بعدها تحتانية خفيفة - الأسديّ الْحِمّاني الكوفيّ، ثقةٌ (^١) [٨].
رَوَى عن الأعمش، وليث بن أبي سُليم، ويوسف بن ميمون الصباغ.
وروى عنه أبو معاوية، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، ويحيى بن آدم، ويحيى بن عبد الحميد الْحِمّاني.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال أيضًا: كان أبي يتتبع
_________________
(١) هذا أَولى من قوله في "التقريب": صدوقٌ؛ لِمَا ستعرفه في ترجمته من توثيق الأئمة له، فتنبَّه.
[ ٣٩ / ٢٨٢ ]
حديث قطبة، وسليمان بن قرم، ويزيد بن عبد العزيز، ويقول: هؤلاء قوم ثقاتٌ، وهم أتمّ حديثًا من حديث شعبة، وسفيان، هم أصحاب ليث، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن قطبة ويزيد ابني عبد العزيز؟ فقال: قطبة أحلى، وقال الترمذيّ: هو ثقةٌ عند أهل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال البزار: صالحٌ، وليس بالحافظ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا برقم (٢٤٦١)، وحديث (٢٦٤٣): "ما من كتاب الله سورة. . ." الحديث، وحديث (٢٧٤٤): "لَلَّه أشدّ فرحًا بتوبة العبد. . ." الحديث.
٣ - (مَالكُ بْنُ الْحَارِثِ) السلميّ الرقيّ، ويقال: الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي الأحوص، وعلقمة بن قيس، وعبد الله بن ربيعة، وأبي وائل، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والأعمش، ومنصور، وعبد الملك بن ميسرة، وطلحة بن مصرّف، وجماعة.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال عمرو بن عليّ: مات سنة أربع وتسعين.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد" (^١) والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٤٦١)، وحديث (٢٧٦٠): "ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله - ﷿ -. . ." الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) قال الحافظ: وله رواية عن أبيه، عن أبي موسى، علّقها البخاريّ في "الصحيح" لأبي موسى. انتهى.
[ ٣٩ / ٢٨٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة؛ أنه (قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ) بضمّ الميم، أشهر من كسرها، قاله الفيّوميّ (^١)، وقال المجد: مثلّث الميم (^٢)، ولعلّهم كانوا يقابلون بعضه ببعض، أو يتدارسونه، والله تعالى أعلم، (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - من المجلس لبعض حاجته، وهذه الرواية تدلّ على أنَّ ابن مسعود - ﵁ - كان في ذلك الوقت حيث أثنى عليه أبو مسعود موجودًا، والرواية السابقة تدلّ على أنه كان بعد موته، ويمكن الجمع بأنه كان ذلك مرّتين، فمرّة أثنى عليه وهو حيّ، ومرّةً وهو ميت، والله تعالى أعلم (^٣).
(فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ - ﵁ -: (مَا) نافية، (أَعْلَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)؛ أي: من القرآن الكريم، (مِنْ هَذَا الْقَائِمِ) قال القاضي عياض - ﵀ -: يعني: ابن مسعود خصّه بما أنزل الله، وبعلم القرآن، ولا يقال: إنه أعلم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ على الجملة، وقد يكون أحد الرجلين أعلم من الآخر بالجملة، والأقلّ علمًا أعلم بباب من العلم، ألا تراه كيف قال عن نفسه في الحديث الآخر: "لقد عَلِم أصحاب رسول الله - ﷺ - أني أعلم بكتاب الله، وما من كتاب الله آية إلَّا أعلم فيمن نزلت، ولا سورة إلَّا أعلم حيث نزلت". انتهى (^٤).
(فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ - ﷺ - مبيّنًا سبب كون ابن مسعود - ﵁ - أعلم بكتاب الله - ﷿ -: (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، كـ "إلا"، (لَئِنْ) اللام هي الموطّئة للقَسَم؛ أي: والله لئن (قُلْتَ ذَاكَ)؛ أي: الذي قلته من كونه أعلم بما في كتاب الله، (لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، ويؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا)؛ يعني: أنه إنما حصل له هذا الفضل بسبب ملازمته النبيّ - ﷺ - ليلًا ونهارًا، وحضرًا وسفرًا.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٣٤.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٧٢٩.
(٣) راجع: "تكملة فتح الملهم" ٥/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٤) "إكمال المعلم" ٧/ ٤٨٩ - ٤٩٠.
[ ٣٩ / ٢٨٤ ]
والحديث من أفراد المصنّف وتقدّم تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - هُوَ ابْنُ مُوسَى - عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ أَبِي الأَحْوَص، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى، فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا مُوسَى (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ قُطْبَةَ أَتَمُّ، وَأَكْثَرُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطَّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (ت ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيع [٩] قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستُصغِر في سفيان الثوريّ (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى "نحوة" بطنٍ من الأزد، لا إلى علم النحو [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن معن بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، واسمه عبد الملك، وعنه ابنه إبراهيم، وابن ابنه يحيى بن إبراهيم بن محمد، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن سعيد بن الأصبهانيّ، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، وعلي بن سلم الطوسيّ، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس لي به عِلْمٌ، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، ولا بأس به عندي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ٣٩ / ٢٨٥ ]
قال البخاريّ، عن علي بن مسلم: مات سنة خمس ومائتين.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٤٦١)، وحديث (٢٧١٣): "اللَّهُمَّ رب السماوات والأرض. . ." الحديث.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن مَعْن بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عُبيدة المسعوديّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن الأعمش، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وعنه ابنه محمد، وابن المحاربيّ، وحسين بن ثابت، وأحمد بن يحيى الأحول، مشهور بكنيته، وقَلَّ أن يَرِد في الرواية إلَّا بها.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ابنه آنفًا.
٦ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ، لَمْ يُصِب من قال: في حديثه خللٌ [٢] مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٧/ ٣٧٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية شيبان النحويّ عن الأعمش ساقها يعقوب بن سفيان - ﵀ - في "المعرفة والتاريخ"، فقال:
حَدَّثَنَا عبيد الله، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص، قال: أتيت أبا موسى الأشعريّ، وعبد الله بن مسعود، وأبا مسعود الأنصاريّ، وهم ينظرون إلى مصحف، فتحدثثا ساعةً، ثم خرج عبد الله، فذهب، فقال أبو مسعود: والله ما أعلم النبيّ - ﷺ - ترك أحدًا أعلم بكتاب الله من هذا القائم. انتهى (^١).
وأما رواية أبي عبيدة عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ" ٢/ ٣١٦.
[ ٣٩ / ٢٨٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٢] (٢٤٦٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي (^١) أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ الله، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْه، قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْه، وَلَا يَعِيبُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه عبد الله مهملًا، وتقدّم أنه ابن مسعود - ﵁ -؛ لكون الإسناد كوفيًّا.
شرح الحديث:
(عَنْ شَقِيقِ) بن سلمة أبي وائل، قال في "الفتح": في رواية مسلم (^٢) والنسائيّ جميعًا: عن إسحاق، عن عبدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، وهو شقيق المذكور، وجاء عن الأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه النسائيّ عن
_________________
(١) وفي نسخة: "تأمرونني".
(٢) هكذا قال في "الفتح"، ولا يوجد فيما بين أيدينا من نُسخ مسلم هنا: "عن أبي وائل"، وإنما هو: عن شقيق، ولعل نسخة الحافظ فيها ذلك، فليُحوّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٢٨٧ ]
الحسن بن إسماعيل، عن عبدة بن سليمان، عنه، عن أبي إسحاق، عن هُبيرة بن يَرِيم، عن ابن مسعود، فإن كان محفوظًا احتَمَل أن يكون للأعمش فيه طريقان، وإلا فإسحاق، وهو ابن راهويه أتقن من الحسن بن إسماعيل، مع أن المحفوظ عن أبي إسحاق فيه ما أخرجه أحمد، وابن أبي داود، من طريق الثوريّ وإسرائيل وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن خُمَير -بالخاء المعجمة، مصغرًا- عن ابن مسعود، فحصل الشذوذ في رواية الحسن بن إسماعيل في موضعين. انتهى (^١).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁ -؛ (أنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]) قال النوويّ -﵀ -: فيه محذوف، وهو مختصر مما جاء في غير هذه الرواية، معناه: أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه، وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرّقوه، كما فعلوا بغيره، فامتَنَعَ، وقال لأصحابه: غُلُّوا مصاحفكم؛ أي: اكتموها، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ يعني: فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفًا، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته، وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله -ﷺ -؟ انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀ -: قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في مسلم مختصر، مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث، وبيانه في سياق آخر، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل، وهو شقيق، راوي الحديث في مسلم؛ قال: لمّا أُمر في المصاحف بما أُمر؛ يعني: أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمَع عليه الذي وجَّه منه النّسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصحابة -﵃ - أن بقاء تلك المصاحف يُدخل اللَّبس والاختلاف، ذكر ابن مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف، إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٢٥، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٠).
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٦.
[ ٣٩ / ٢٨٨ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟؛ على قراءة زيد بن ثابت؛ لقد أخذت القرآن من في رسول الله -ﷺ - بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يَلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبي من الصبيان، فتمام هذا الحديث يُظهر كلام عبد الله.
وقوله: "غُلُّوا مصاحفكم. . ." إلى آخره؛ أي: اكتموها، ولا تُسَلِّموها، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها، كما يفعل مَن غَلّ شيئًا، فإنه يأتي به يوم القيامة، ويحمله، وكان هذا رأيًا منه رآه، انفرد به عن الصحابة -﵃ -، ولم يوافقه أحد منهم عليه، فإنَّه كتم مصحفه، ولم يُظهره، ولم يَقْدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وتُرك مصحف عبد الله، وخُفِيَ إلى أن وُجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة المعزّ، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين، على ما سمعناه من بعض مشايخنا، فأُحرق. انتهى (^١).
(ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود -﵁ -: (عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُوني) وفي نسخة: "تأمرونني"، و"على قراءة" متعلّق بـ "أقرأ"، و"قراءة" مضاف، و"من" استفهامية مضاف إليها؛ أي: على قواءة أيِّ شخص تأمروني (أَنْ أَقْرَأَ؟) هذا إنكار منه على الناس الذين أمروه أن يقرأ بمصحف عثمان -﵁ -.
وقال القرطبيّ -﵀ -: قوله: "على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ " إنكار منه على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد، مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن، وإلى أَخْذه عن رسول الله -ﷺ -، فصَعُب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله -ﷺ -، ويقرأ بما قرأه زيد، أو غيره، فتمسَّك بمصحفه، وقراءته، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة -﵃ - من المصلحة التي هي من أعظم ما حَفِظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخلّ به، والتغيير بالزيادة والنقصان.
وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٣.
[ ٣٩ / ٢٨٩ ]
أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود -﵁ -: أن الصحابة -﵃ - لمّا عزموا على كَتْب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود، فكتبوه على لغة قريش، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لِحِفظ القرآن، ومِنْ أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنه -﵁ - كان هُذليًا كما تقدم، وكانت قراءته على لغتهم، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم، فلذلك لم يُدخلوه معهم، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
ثم علّل إنكاره بقوله: (فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -)؛ أي: أخذت القراءة من فيه - ﷺ - إلى فيّ مشافهةً، فكيف أتركها، وأقرأ بما لم آخذه منه؟ (بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً) قال الفيّوميّ -﵀ -: البِضْعٌ في العدد بالكسر، وبعض العرب يَفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب: من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تَثبت الهاء في بِضْعٍ مع المذكر، وتُحذف مع المؤنث؛ كالنَّيِّف، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَة وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البِضْع، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مبهمةٌ غير محدودة. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "لقد أخذت من في رسول الله -ﷺ - بضعًا وسبعين سورةً" زاد عاصم عن بدر، عن عبد الله: "وأخذت بقية القرآن عن أصحابه"، وعند إسحاق بن راهويه في روايته المذكورة في أوله: " ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ثم قال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، وقد قرأت على رسول الله -ﷺ -. . ." فذكر الحديث، وفي رواية النسائيّ، وأبي عوانة، وابن أبي داود، من طريق ابن شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: "خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر، فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ غُلُّوا مصاحفكم، وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله -ﷺ -؟ "، مثله. وفي رواية خُمير بن مالك
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٥٠ - ٥١.
[ ٣٩ / ٢٩٠ ]
المذكورة: بيان السبب في قول ابن مسعود هذا، ولفظه: "لمّا أُمر بالمصاحف أن تُغَيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود، فقال: "من استطاع. . ." وقال في آخره: "أفأترك ما أخذت من في رسول الله -ﷺ - … "، وفي رواية له: "فقال: إني غالّ مصحفي، فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل"، وعند الحاكم من طريق أبي ميسرة، قال: رُحت، فإذا أنا بالأشعريّ، وحذيفة، وابن مسعود، فقال ابن مسعود: والله لا أدفعه -يعني: مصحفه- أقرأني رسول الله -ﷺ -، فذَكَره. انتهى (^١).
(وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ - أنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ) قال القرطبيّ -﵀ -: يعني: أنه أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أعلم فيما أُنزلت"، وسَبَبُ ذلك ملازمته للنبيّ - ﷺ -، ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا؛ كما قدَّمنا، وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه، بدليل قول النبيّ -ﷺ -: "أقرؤكم أُبَيّ" (^٢)، والخطابُ للصحابة كلُّهم. انتهى (^٣).
وفي رواية البخاريّ: "والله لقد عَلِم أصحاب رسول الله -ﷺ - أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم"، قال في "الفتح": وقع في رواية عبدة، وأبي شهاب جميعًا عن الأعمش: "أني أعلمهم بكتاب الله" بحذف "من"، وزاد: "ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه"، وهذا لا ينفي إثبات "مِنْ"، فإنه نفى الأغلبية، ولم يَنْف المساواة.
وقوله: "وما أنا بخيرهم" يُستفاد منه أن الزيادة في صفة من صفات الفضل لا تقتضي الأفضلية المطلقة، فالأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية المطلقة، بل يَحْتَمِل أن يكون غيره أعلم منه بعلوم أخرى، فلهذا قال: "وما أنا بخيرهم". انتهى (^٤).
(وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ) هذا تأكيد لكونه أعلمَهم
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٢) رواه أحمد في "مسنده" ٣/ ١٨٤، والترمذيّ ٣٧٩٠، وابن ماجه ١٥٥.
(٣) "المفهم" ٦/ ٣٧٥.
(٤) "الفتح" ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٣٩ / ٢٩١ ]
بكتاب الله، وفيه شدّة حرصه على الاستزادة من العلم، فلو وجد أحدًا أعلم منه لرحل إليه، وأخذ منه.
(قَالَ شَقِيقٌ)؛ أي: ابن سلمة بالإسناد المذكور: (فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) "الْحَلَق" بفتح الحاء واللام، ويقال: بكسر الحاء وفتح اللام، قال القاضي: وقالها الحربيّ: بفتح الحاء، وإسكان اللام، وهو جمع حَلْقة بإسكان اللام، على المشهور، وحَكَى الجوهريّ وغيره فَتْحها أيضًا، واتفقوا على أن فَتْحها ضعيف، فعلى قول الحربيّ هو كتَمْر وتَمْرة، قاله النوويّ -﵀ - (^١).
(فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْه، وَلَا يعِيبُهُ) بفتح أوله ثلاثيًّا، من العيب، وفي رواية البخاريّ: "فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك"، قال في "العمدة": قوله؟ "رادًّا"؛ أي: عالِمًا يرُدّ الأقوال؛ لأن ردّ الأقوال لا يكون إلا للعلماء، وغرضه: أن أحدًا لم يردّ عليه هذا الكلام، بل سلموا إليه. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": يعني: أنه لم يسمع من يخالف ابن مسعود يقول غير ذلك، أو المراد: من يردّ قوله ذلك، وفي رواية أبي شهاب: "فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحدٌ يُنكر ما قال"، وهذا يُخَصِّص عموم قوله: "أصحاب محمد - ﷺ - بمن كان منهم بالكوفة".
ولا يعارض ذلك ما أخرجه ابن أبي داود، من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، فذكر نحو حديث الباب، وفيه: قال الزهريّ: فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله -ﷺ -؛ لأنه محمول على أن الذين كَرِهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة.
ويَحْتَمِل اختلاف الجهة، فالذي نَفَى شقيق أن أحدًا ردّه، أو عابه: وَصْف ابن مسعود بأنه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبته الزهريّ: ما يتعلق بأمره بِغَلِّ المصاحف، وكأن مراد ابن مسعود بغَلّ المصاحف كَتْمها، وإخفاؤها؛ لئلا تَخْرج، فتُعْدَم، وكأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان، ومن وافقه في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٦.
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ٢٥.
[ ٣٩ / ٢٩٢ ]
الاقتصار على قراءة واحدة، وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا يُنكر الاقتصار؛ لِمَا في عدمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءته هي التي يُعَوَّل عليها دون غيرها؛ لِمَا له من المزيّة في ذلك، مما ليس لغيره، كما يؤخذ ذلك من ظاهر كلامه، فلمّا فاته ذلك، ورأى أن الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجح عنده اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه، على أن ابن أبي داود ترجم: "باب رِضَى ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان"، لكن لم يورد ما يُصَرِّح بمطابقة ما ترجم به، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أثر عبد الله بن مسعود -﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٣١٢] (٢٤٦٢)، و(البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٠٠)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨) و"فضائل القرآن" (١/ ٧٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٧٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٦٩)، و(الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ٧٥)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود -﵁ - حيث كان أعلم الصحابة -﵁ - بكتاب الله -﷿ -.
٢ - (ومنها): جواز ذِكر الإنسان نفسه بالفضيلة، والعلم، ونحوه، للحاجة، وأما النهي عن تزكية النفس فإنما هو لمن زكَّاها ومَدَحها لغير حاجة، بل للفخر والإعجاب، وقد كثرت تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة، كدفع شرّ عنه بذلك، أو تحصيل مصلحة للناس، أو ترغيب في أخذ العلم عنه، أو نحو ذلك، فمن المصلحة: قول يوسف - ﷺ -: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ومِن دفع الشرّ: قول عثمان -﵁ - في وقت
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٠).
[ ٣٩ / ٢٩٣ ]
حِصاره: إنه جَهَّز جيش العسرة، وحفر بئر رُومة، ومن الترغيب: قول ابن مسعود -﵁ - هذا، وقول سهل بن سعد -﵁ -: "ما بقي أحدٌ أعلم بذلك مني"، وقول غيره: "على الخبير سقطتَ"، وأشباهه (^١).
٣ - (ومنها): أن قوله: "وما أنا بخيرهم"؛ يعني: ما أنا بأفضلهم؛ إذ العشرة المبشرون بالجنّة أفضل منه بالاتفاق.
٤ - (ومنها): أن زيادة العلم لا توجب الأفضلية؛ لأن كثرة الثواب لها أسباب أُخَر من التقوى، والإخلاص، وإعلاء كلمة الله -﷿ -، وغيرها، مع أن الأعلمية بكتاب الله تعالى لا تستلزم الأعلمية مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون غيره أعلم بالسُّنَّة.
٥ - (ومنها): استحباب الرحلة في طلب العلم، والذهاب إلى الفضلاء، حيث كانوا.
٦ - (ومنها): أن الصحابة -﵃ - لم ينكروا قول ابن مسعود -﵁ -: إنه أعلمهم، والمراد: أعلمهم بكتاب الله -﷿ -، كما صَرَّح به، فلا يلزم منه أن يكون أعلم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم -﵃ - بالسُّنَّة، ولا يلزم من ذلك أيضًا أن يكون أفضل منهم عند الله تعالى، فقد يكون واحد أعلم من آخر بباب من العلم، أو بنوع، والآخر أعلم من حيث الجملة، وقد يكون واحد أعلم من آخر، وذاك أفضل عند الله بزيادة تقواه، وخشيته، وورعه، وزهده، وطهارة قلبه، وغير ذلك، ولا شكّ أن الخلفاء الراشدين الأربعة -﵃ - كلٌّ منهم أفضل من ابن مسعود -﵁ - (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٣] (٢٤٦٣) - (حَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنَا قُطْبَةُ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٦ - ١٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٧.
[ ٣٩ / ٢٩٤ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح -بالتصغير - الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.
٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مُخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
والباقون ذُكروا قبل حديثين (^١).
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مسلم، عن مسرق، وفيه عبد الله بالإهمال، وقد سبق القول فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبيح، أبو الضحى الكوفيّ، وقع كذلك في رواية أبي حمزة، عن الأعمش، عند الإسماعيليّ، وفي طبقة مسلم هذان رجلان من أهل الكوفة، يقال لكل منهما: مسلم، أحدهما يقال له: الأعور، والآخر يقال له: الْبَطِين، فالأول هو مسلم بن كيسان، والثاني مسلم بن عمران، قال الحافظ: ولم أر لواحد منهما رواية عن مسروق، فإذا أُطلق مسلم عن مسروق عُرِف أنه هو أبو الضحى، ولو اشتركوا في أن الأعمش روى عن الثلاثة. انتهى (^٢).
(عَنْ مَسْرُوقِ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁ -، قال في "الفتح": في رواية قطبة، عن الأعمش، عند مسلم: "عن عبد الله بن مسعود". انتهى.
_________________
(١) [تنبيه]: وقع في هذا السند غلط في برنامج الحديث للكتب التسعة، حيث كتب هنا ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو غلط فاحش، والصواب أنه عبد الله بن مسعود، وأما ابن العاص فسيأتي في الحديث التالي، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(٢) "الفتح" ١١/ ٢٢٩، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٢).
[ ٣٩ / ٢٩٥ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، ولكن الموجود في النُّسخ التي بين أيدينا من "صحيح مسلم": "عن عبد الله"، فقط، ولعلّ نسخة الحافظ كما قال، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وفي رواية جرير، عن الأعمش، عند ابن أبي داود: "قال عبد الله لَمّا صُنِع بالمصاحف ما صنع: والله … إلخ". (مَا) نافية (مِنْ كِتَاب اللهِ) الجارّ والمجرور بيان مقدّم لقوله: (سُورَةٌ إِلَّا أنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ)؛ أَي: المكان الذي أُنزلت فيه، (وَمَا) نافية أيضًا، (مِنْ آيَةٍ) "من" زائدة للتوكيد، (إِلَّا أنا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ) "ما" موصولة؛ أي: في الأمر الذي أُنزلت من أجله، وفي رواية عند البخاريّ: "فيمن نزلت" أي: في الشخص الذي نزلت من أجله، (وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ) في رواية للبخاريّ: "تبلغنيه" (الابِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ) تقدم في الحديث الماضي بلفظ: "لرحلت إليه"، ولأبي عبيدة من طريق ابن سيرين: "نُبِّئت أن ابن مسعود قال: لو أعلم أحدًا تُبلغنيه الإبل، أحدثُ عهدًا بالعرضة الأخيرة مني لأتيته، أو قال: لتكلفت أن آتيه"، وكأنه احترز بقوله: "تبلغنيه الإبل" عمن لا يَصِل إليه على الرواحل، إما لكونه كان لا يركب البحر، فقيَّد بالبرّ، أو لأنه كان جازمًا بأنه لا أحد يفوقه في ذلك من البشر، فاحترز عن سكّان السماء.
وفي الحديث جواز ذِكر الإنسان نفسه بما فيه من الفضيلة بقدر الحاجة، ويُحْمَل ما ورد من ذمّ ذلك على من وقع ذلك منه فخرًا أو إعجابًا (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود -﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٣١٣] (٢٤٦٣)، و(البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٥٠٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٧٣)، و(البزّار) في
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٢٩، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٢).
[ ٣٩ / ٢٩٦ ]
"مسنده" (٥/ ٣٤٣)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٣٤٢)، و(الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ٧٥)، و(يعقوب بن سفيان) في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٣١٥)، و(الخطيب) في "الرحلة في طلب الحديث" (١/ ٩٥)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٣٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٤] (٢٤٦٤) - (حَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا نَأتِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ -وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: عِنْدَهُ - فَذَكرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَقَدْ ذَكرْتُمْ رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ -، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - يَقُولُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ -فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبيِ حُذَيْفَةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد -بالتصغير - ابن سعد بن سهم السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة، على الأصح بالطائف، على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ستّة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀ -، وهو مسلسلٌ بالكوفيين إلا الصحابيّ، فطائفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أي: ابن الأجدع؛ أنه (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بن العاص -﵄ - (فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ)، وقوله: (وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ يعني: شيخه الثاني محمد بن عبد الله بن نُمير، (عِنْدَهُ) بدل قول ابن أبي شيبة: "إليه"؛ أي:
[ ٣٩ / ٢٩٧ ]
"نتحدّث عنده"، (فَذَكَرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) -﵁ - (فَقَالَ) عبد الله بن عمرو -﵄ -: (لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلًا)؛ يعني: ابن مسعود، (لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ -) ثم بيّن الشيء الذي سمعه منه - ﷺ -، بقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺيَقُولُ) جملة "سمعت … إلخ" مستأنَفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا سمعت؟، فأجابهم بقوله: "سمعت رسول الله -ﷺ - يقول: ("خُذُوا الْقُرْآنَ)؛ أي: تعلّموه (مِنْ أَرْبَعَةٍ) قال العلماء: سببه أن هؤلاء أكثر ضبطًا لألفاظه، وأتقن لأدائه، وإن كان غيرهم أفقه في معانيه منهم، أو لأن هؤلاء الأربعة تفرّغوا لِأخذه منه - ﷺ - مشافهةً، وغيرهم اقتصروا على أَخْذ بعضهم من بعض، أو لأن هؤلاء تفرغوا لَأَن يؤخذ عنهم، أو أنه - ﷺ - أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته - ﷺ - مِن تقدّم هؤلاء الأربعة، وتمكّنهم، وأنهم أقعد من غيرهم في ذلك، فليؤخذ عنهم، ذَكَره النوويّ -﵀ - (^١).
وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أنه - ﷺ - أراد الإعلام بما يكون بعده؛ أي: أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك.
وتُعُقّب بأنهم لم ينفردوا، بل الذين مَهَروا في تجويد القرآن بعد العصر النبويّ أضعاف المذكورين، وقد قُتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبيّ -ﷺ - في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أُبَيّ، وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت، وانتهت إليه الرياسة في القراءة، وعاش بعدهم زمانًا طويلًا، فالظاهر أنه أَمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صَدَر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه، وأَزْيد منهم جماعة من الصحابة -﵃ -، وقد تقدم في غزوة بئر معونة أن الذين قُتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم: القراء، وكانوا سبعين رجلًا، قاله في "الفتح" (^٢).
وقوله: (مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) بدل من الجارّ والمجرور، وهو عبد الله بن مسعود، نُسب لأمه؛ لكونها أسلمت، فأحرزت الفضل، بخلاف أبيه، فقد مات
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٧ - ١٨.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٨.
[ ٣٩ / ٢٩٨ ]
كافرًا. (فَبَدَأَ) - ﷺ - (بِهِ)؛ أي: بابن مسعود قبل الثلاثة؛ تنويهًا بفضله، وإشادة برفعة درجته، (وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلِ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، وقال القرطبيّ -﵀ -: هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، يُكنى: أبا عبد الرحمن، قيل: بولد كان له كَبُر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك، ومات بالطاعون قبل أبيه بأيام، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزديّ البصريّ في "فتوح الشام" وغيره. وقال الواقديّ: إنه لم يولد لمعاذ قط، وقاله المدائنيّ. أسلم معاذ، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين، وشهد بدرًا، وجميع المشاهد، وولَّاه رسول الله -ﷺ - على عمل من أعمال اليمن، وخرج معه النبيّ -ﷺ - مودِّعًا ماشيًا، ومعاذ راكبًا، منعه من أن ينزل، وقال فيه - ﷺ -: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ". وقال: "إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة (^١) بحجر"، وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمة قانتًا لله، وقال: الأمة: هو الذي يعمّ الناس الخير، والقانت: هو المطيع لله -﷿ -، وكان عابدًا، مجتهدًا، وَرِعًا، محققًا، كان له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما: لم يشرب من بيت الأخرى، وماتتا بالطاعون في وقت واحد، فحَفَر لهما حفرة، فأسهم بينهما أيتهما تُقدَّم في القبر، وكان مجاب الدعوة؛ لمّا كان طاعون عمواس -وعمواس قرية من قرى الشام، وكأنها إنما نُسب الطاعون إليها؛ لأنَّه أول ما نزل فيها - فقال بعض الناس: هذا عذاب، فبلغ ذلك معاذًا فأنكر ذلك، وخطب فقال: أيها الناس! إن هذا الوجع رحمةُ ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم. اللَّهُمَّ آت آل معاذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى. فما أمسى حتى طُعِن ابنه عبد الرحمن، وماتت زوجتاه، ثم طُعِن من الغد مِن دَفْن وَلَده، فاشتد وجعه فمات منه، وذلك في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وسنُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، رُوي عنه من الحديث: مائة حديث، وسبعة وخمسون حديثًا، أخرج له منها في "الصحيحين" ستة أحاديث. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّمت ترجمة معاذ -﵁ - في "الإيمان" ٧/ ١٣٠، وإنما أعَدْتها لطول العهد بها، فتنبّه.
_________________
(١) "الرتوة": الرمية.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
[ ٣٩ / ٢٩٩ ]
(وَأُبيِّ بْنِ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ، سيّد القرّاء المتوفّى سنة (١٩ أو ٣٢) تقدّمت ترجمته في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦، وتأتي مناقبه في الباب التالي -إن شاء الله تعالى. (وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) وهو سالم بن معقل -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف -يكنى أبا عبد الله، كان من الفُرس، وكان عبدًا لثُبيتة -بضمّ الثاء المثلّثة، وفتح الباء الموحّدة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها تاءٌ - وقيل في اسمها غير ذلك، استُشهد باليمامة سنة اثنتي عشرة.
وقال القرطبيّ -﵀ -: هو سالم بن مَعْقِل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، يُكنى سالم أبا عبد الله، وكان من أهل فارس من اصطخر، وكان من فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبرائهم، وهو معدودٌ في المهاجرين؛ لأنَّه لمّا أعتقته مولاته زَوْج أبي حذيفة (^١)، وهي عمرة بنت يعار. وقيل: سلمى، وقيل غير ذلك، تولى أبا حذيفة فتبنَّاه أبو حذيفة، وهوأيضًا معدودٌ في الأنصار؛ لِعِتْق مولاته المذكورة له وهي أنصارية، وهو معدودٌ في القرَّاء، قيل: إنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة -﵃ -، فكان يؤمهم؛ لأنَّه كان أكثرهم قرانًا، وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب، شهد سالم بدرًا، وقُتل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة. فوُجد رأس أحدهما عند رِجْلَي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّمت ترجمة سالم هذا في "كتاب الرضاع" برقم [٧/ ٣٦٠٠] (١٤٥٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو -﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٢/ ٦٣١٤ و٦٣١٥ و٦٣١٦ و٦٣١٧ و٦٣١٨
_________________
(١) هذا فيه نظر، فإن مولاته ليست امرأة أبي حُذيفة، وإنما هي امراْة أخرى أنصاريّة اختُلف في اسمها، فقيل: ثُبيتة، وقيل غير ذلك، فتنبّه.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨.
[ ٣٩ / ٣٠٠ ]
و٦٣١٩] (٢٤٦٤)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٧٥٨ و٣٧٦٠ و٣٨٠٦ و٣٨٠٨) و"فضائل القرآن" (٤٩٩٩)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٥/ ٦٧٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٧ و٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٦/ ١٣٨)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١٠/ ٥١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٣ و١٧٥ و١٩٠ و١٩١)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٣٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٣٦ و٧١٢٢ و٧١٢٨)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل هؤلاء الصحابة الأربعة -﵃ -.
٢ - (ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأن من اعتنى بحفظه، ومعانيه يُرفع على غيره، وهذا هو الذي صرّح به في حديث عمر -﵁ -، فقد أخرج مسلم من طريق ابن شهاب، عن عامر بن واثلة؛ أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعُسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله -﷿ -، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم - ﷺ - قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين".
٣ - (ومنها): استحباب محبة من يكون ماهرًا في القرآن؛ لِشَرَفه ورفعة درجته به.
٤ - (ومنها): أن البداءة بالرَّجُل في الذِّكر على غيره في أمر اشتَرَك فيه مع غيره يدلّ على تقدّمه فيه، والله تعالى أعلم.
[٦٣١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرْنَا حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ - يَقُولُهُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ -فَبَدَأَ بِهِ - وَمِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ،
[ ٣٩ / ٣٠١ ]
وَمِنْ سَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ"، وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ قَوْلُهُ: يَقُولُهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (يَقُولُهُ) جملة في محل نَصْب على الحال من فاعل "سمعته".
وقوله: (سَمِعْتُهُ يَقُولُ … إلخ) جملة مستأنفة اسئنافًا بيانيًّا، كما تقدّم قريبًا.
وقوله: (مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) بفتحتين جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، فلا يقال: نفَرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ (^١).
وقال في "التاج": النَّفَرُ محرَّكةً: الناسُ كلُّهم، وقيل: النَّفَر، والرَّهْط: ما دونَ العشرةِ من الرِّجال. ومنهم من خَصَّص، فقال: الرِّجال دون النساء، وقال أبو العباس: النَّفَر، والرَّهْط، والقوم، هؤلاء معناهم الجمع، لا واحدَ لهم من لَفْظِهم، قال سيبويه: والنَّسَب إليه نفَرِيٌّ، كالنَفير كأَمير، جَمْعه أَنْفَار، كَسَبَب وأَسْباب، والنَّفَر: رَهْطُ الإنسان، وعَشيرتُه، وهو اسمُ جمعٍ يقعُ على جماعةٍ من الرجالِ خاصّةً ما بين الثلاثةِ إلى العَشرة. وقال الليث: يقال: هؤلاء عَشَرَةُ نَفَرٍ؛ أي: عَشَرَةُ رجال، ولا يقال: عِشرون نَفَرًا، ولا ما فوق العشرة. انتهى (^٢).
وقوله: (فَبَدَأَ بِهِ)؛ أي: بابن أم عبد: عبد الله بن مسعود، وهذا قاله عبد الله بن عمرو إشارة أنه يُحبّه حبًّا زائدًا على غيره، لكونه - ﷺ - بدأ بذكره قبل غيره، فإن هذا يدلّ على فضله.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٧.
(٢) "تاج العروس" ١/ ٣٥٥٩.
[ ٣٩ / ٣٠٢ ]
وقال القرطبيّ -﵀ -: قوله - ﷺ -: "فبدأ به" ليس فيه دليل على أنه أقرأ من أُبي، فإنَّه قد بيَّن - ﷺ - بالنص الجليّ أن أُبيًّا أقرأ منه، ومن غيره، فيَحْتَمِل أن يقال: إن الموجب لابتدائه اختصاصه به، وملازمته إياه، وحضوره في ذهنه، لا أنه أقرأ الأربعة، والله تعالى أعلم.
وهذا كله بناء على: أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَّة على المتأخر، وفيه نظر قد تقدَّم في "الطهارة"، وفي "الحج"، وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذّكر دون غيرهم ممن حَفِظ القرآن من الصحابة -﵁ -، وهم عدد كثير كما يأتي؛ لأنَّ هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن، وتعليمه دون غيرهم، ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم، أو العبادات، أو الجهاد، وغير ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من النبيّ -ﷺ -؛ لأنه عَلِم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآن بعده، وليؤخذ عنهم؛ فأحال عليهم لِمَا عَلِم من مآل أمرهم، كما قد أظهر الموجود من حالهم؛ إذ هم أئمة القرَّاء، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيد الفضلاء، والله أعلم. انتهى (^١).
وقوله: (وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ) "حرفٌ" خبر مقدّم عن قوله: "قوله"، وقوله: "لم يذكره زهير" جملة في محل رفع صفة لـ "حرفٌ"، وقوله: "يقوله " مقول القول محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.
والمعنى: أن شيخه الثاني، وهو زهير بن حرب خالف شيخيه الأول، والثالث بشيء تَرك ذِكره، وهو (قَوْلُهُ: يَقُولُهُ)؛ أي: ترك ذِكر هذه الجملة التي في قوله: "بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ - يَقُولُهُ".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٦] (. . .) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، وَوَكِيعٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَدَّمَ مُعَاذًا قَبْلَ أبَيٍّ، وَفي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ أُبَيٌّ قَبْلَ مُعَاذٍ).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٦.
[ ٣٩ / ٣٠٣ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها الترمذيّ -﵀ - في "جامعه"، فقال:
(٣٨١٠) - حدّثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -ﷺ -: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى (^١).
ورواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية ساقها ابن أبي شيبة في "مصنّفه"، فقال:
(٣٠١٢٧) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -ﷺ -: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِإسْنادِهِمْ، وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْرِب [١٠] (ت ٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠.
_________________
(١) "جامع الترمذي" ٥/ ٦٧٤.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ١٣٨.
[ ٣٩ / ٣٠٤ ]
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِإسْنَادِهِمْ) الضمير لرواة الأعمش المذكورين في الأسانيد الماضية، وهم: وكيعٌ، وجريرٌ، وأبو معاوية؛ أي: بإسناد الرواة عن الأعمش، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ) أراد بهذا أن ابن أبي عديّ، ومحمد بن جعفر اختلفا في ترتيب الأربعة المذكورين بالتقديم والتأخير، قلت: لكن لم يتبيّن لي اختلافهم في التنسيق المذكور؛ لأني لم أجد من ساق رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر -غندر - عن شعبة ساقها النسائيّ -﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(٨٠٠١) - أخبرنا بشر بن خالد، قال: أنا غندر، عن شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ -ﷺ - قال: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب". انتهى (^١).
وأما رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ - يَقُولُ: "اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٥/ ٩.
[ ٣٩ / ٣٠٥ ]
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
والباقون ذُكروا في الباب، و"إبراهيم" هو: ابن يزيد النخعيّ.
وقوله: (اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ)؛ أي: اطلبوا منهم أن يقرئوكم القرآن، فإنهم أحفظ، وأضبط له من غيرهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٩] (. . .) - (حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: بَدَأَ بِهَذَيْن، لَا أَدْرِي بِإَيِّهِمَا بَدَأَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا.
و"شُعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة لم أجد من ساقها، ولكن ساق النسائيّ في "الكبرى" هذه الرواية من رواية خالد بن الحارث الْهُجيمي عن شعبة، فقال:
(٧٩٩٦) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، عن شعبة، عن عمرو بن مُرّة، قال: سمعت إبراهيم يحدِّث عن مسروق، قال: ذُكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو، فقال: ذلك رجل لا أزال أحبه بعدما سمعت رسول الله -ﷺ - يقول: "استقرئوا من أربعة: عبد الله، وسالم مولى أبي حذيفة، قال شعبة: بدأ بهذين، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل"، قال: لا أدري بأيِّهما بدأ. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٥/ ٨.
[ ٣٩ / ٣٠٦ ]