هو: أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ، أبو المنذر، وأبو الطُّفيل، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، قال له النبيّ -ﷺ -: "لِيَهْنِك العلم أبا المنذر"، وقال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك"، وكان عمر يسمّيه سيد المسلمين، ويقول: أقرأ يا أُبَيّ. ويُرْوَى ذلك عن النبيّ -ﷺ - أيضًا، وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعدّه مسروق في الستة من أصحاب الفُتيا، قال الواقديّ: وهوأول من كتب للنبيّ - ﷺ -، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان ابن فلان، وكان رَبْعَةً أبيض اللحية، لا يغيّر شَيْبه.
وممن روى عنه من الصحابة: عمر، وكان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبوأيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صُرَد، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات أُبَيّ بن كعب سنة عشرين، أو تسع عشرة، وقال الواقديّ: ورأيت آل أُبَيّ وأصحابنا يقولون: مات سنة اثنتين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين، قال: وقد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقاويل، وقال ابن عبد البرّ: الأكثر على أنه في خلافة عمر، وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زِرَّ بن حُبيش لقيه في خلافة عثمان.
وروى البخاري في "تاريخه" عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأُبَيٍّ لمّا وقع الناس في أمر عثمان، فذكر القصة، وروى البغويّ عن الحسن في قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة، وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر، وقد قيل: إنه بقي إلى خلافة عثمان، وثبت عن أبي سعيد الخدريّ؛ أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه
[ ٣٩ / ٣٠٧ ]
الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: كفارات، فقال أُبَيّ بن كعب: يا رسول الله، وإن قلَّت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، فدعا أُبَيٌّ ألا يفارقه الوعك حتى يموت، وألا يَشغله عن حجّ، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مَسَّ إنسان جسده إلا وجد حرّه حتى مات، رواه أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبرانيّ من حديث أُبَيّ بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. انتهى من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀ -: جملةُ ما رُوي عنه عن رسول الله -ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، أخرجا له منها في "الصحيحين" ثلاثة عشر. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٠] (٢٤٦٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا يَقُولُ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ - أَرْبَعَة كلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زيدٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدوسي، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، يقال: وُلد أكمه، وهو رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٣ - (أنسُ) بن مالك -﵁ -، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀ -، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنس -﵁ - تقدّم القول فيه قريبًا.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٢٧.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٧٨.
[ ٣٩ / ٣٠٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا قتادة، قال: "سألت أنس بن مالك -﵁ -: مَنْ جَمَع القرآن على عهد النبيّ -ﷺ -؟. . ." (قَالَ) قتادة: (سَمِعْتُ أَنَسًا) -﵁ - (يَقُولُ)؛ أي: جوابًا لسؤال قتادة المذكورة آنفًا: (جَمَعَ الْقُرْآنَ)؛ أي: استظهره حفظًا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: زمانه، وحياته - ﷺ -، (أَرْبَعَةٌ) قال في "الفتح": وليس في هذا ما يعارض حديث عبد الله بن عمر -﵄ -: "استقرئوا القران من أربعة"، فذكر اثنين من الأربعة، ولم يذكر اثنين؛ لأنه إما أن يقال: لا يلزم من الأمر بأخذ القراءة عنهم أن يكونوا كلهم استظهروا جميعه، وإما أن لا يؤخذ بمفهوم حديث أنس؛ لأنه لا يلزم من قوله: جَمَعه أربعة أن لا يكون جَمَعه غيرهم، فلعله أراد أنه لم يقع جَمْعه لأربعة من قبيلة واحدة، إلا لهذه القبيلة، وهي الأنصار. انتهى (^١).
(كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ) في رواية الطبريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في أول الحديث: "افتخر الحيان: الأوس، والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: مَن اهتَزَّ له العرش، سعد بن معاذ، ومَن عُدِّلت شهادته شهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومَن غسلته الملائكة، حنظلة بن أبي عامر، ومَن حَمَته الدَّبْرُ، عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه غيرهم، فذكرهم".
قال الحافظ: رواية سعيد هذه صريحة في الحصر، وسعيد ثَبْت في قتادة، ويَحْتَمِل مع ذلك أن مراد أنس: لم يجمعه غيرهم؛ أي: من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يُرِدْ نفي ذلك عن المهاجرين، ثم في رواية سعيد أن ذلك من قول الخزرج، ولم يُفصح باسم قائل ذلك، لكن لمّا أورده أنس، ولم يتعقبه كان كأنه قائل به، ولا سيما، وهو من الخزرج. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الثالثة تحقيق القول في
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥١١، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٠).
(٢) "الفتح" ٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٣).
[ ٣٩ / ٣٠٩ ]
الجمع بين حديث أنس -﵁ - هذا وبين الأحاديث الأخرى التي تدلّ على أن الذين جمعوا القرآن أكثر من الأربعة المذكورين هنا -إن شاء الله تعالى -.
(مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) تقدّمت ترجمتهما في الباب الماضي. (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عوف بن غنم بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، وقيل غير ذلك في كنيته، استُصغر يوم بدر، ويقال: إنه شهد أُحُدًا، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلًا مع عمارة بن حزم، فأخذها النبيّ -ﷺ - منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: "يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: لا، ولكن القرآن مقدَّم"، وكتب الوحي للنبيّ - ﷺ -، وأمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عديّ، وقُتل أبوه يوم بُعاث، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثبت ذلك في "الصحيح"، وقال له أبو بكر: إنك شابّ عاقلٌ لا نتهمك، وروى البخاريّ تعليقًا، والبغوي، وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: أُتي بي النبيُّ - ﷺ - مَقْدمَه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورةً، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلَّم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبيّ قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس قال: قال النبيّ -ﷺ -: "أفرضكم زيد"، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه معلول، وروى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأُبَيّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت.
مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وقال أبو هريرة حين مات: اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا، ولمّا مات رثاه حسان بقوله [من الطويل]:
[ ٣٩ / ٣١٠ ]
فَمَنْ لَلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمْن لِلْمَعَانِي بَعْدَ زيدِ بْنِ ثَابِتِ (^١)
تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٣، وإنما أعدتها لطول العهد بها، فتنبّه.
(وَأَبُو زيدٍ) ذكر عليّ بن المدينيّ أن اسمه أوس، وعن يحيى بن معين: هو ثابت بن زيد، وقيل: هو سعد بن عبيد بن النعمان، وبذلك جزم الطبراني عن شيخه أبي بكر بن صدقة، قال: وهو الذي كان يقال له: القارئ، وكان على القادسية، واستُشهد بها، وهو والد عُمير بن سعد، وعن الواقديّ: هو قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام الأنصاريّ النجاريّ، قال الحافظ: ويرجحه قول أنس: أحد عمومتي، فإنه من قبيلة بني حرام. انتهى (^٢).
(قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسِ) -﵁ -: (مَنْ أَبُو زيدٍ؟ قَالَ) أنس: (أَحَدُ عُمُومَتي) وفي رواية للبخاريّ: "قال: ونحن ورِثناه"، قال في "الفتح": القائل: "ونحن ورثناه" هو أنس، وفي رواية عن أنس: "قال: مات أبو زيد، وكان بدريًّا، ولم يترك عَقِبًا، وقال أنس: نحن ورثناه".
قال الحافظ -﵀ -: وقوله: "أحد عمومتي" يردّ قول من سمى أبا زيد المذكور: سعد بن عبيد بن النعمان أحد بني عمرو بن عوف؛ لأن أنسًا خزرجيّ، وسعد بن عبيد أوسيّ، وإذا كان كذلك احتَمَل أن يكون سعد بن عبيد ممن جَمَع، ولم يَطَّلِع أنس على ذلك، وقد قال أبوأحمد العسكريّ: لم يجمعه من الأوس غيره، وقال محمد بن حبيب في "المحبر": سعد بن عبيد -ونَسَبه - كان أحد من جَمَع القرآن في عهد النبيّ -ﷺ -.
ووقع في رواية الشعبي المغايرة بين سعد بن عبيد، وبين أبي زيد، فإنه ذكرهما جميعًا، فدلّ على أنه غير المراد في حديث أنس، وقد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن: قيس بن أبي صعصعة، وهو خزرجيّ، ويكنى أبا زيد، وسعد بن المنذر بن أوس بن زهير، وهو خزرجيّ أيضًا، لكن لم أر التصريح بأنه يكنى أبا زيد، ثم وجدت عند أبي داود ما يرفع الإشكال من أصله، فإنه روى بإسناد على شرط البخاريّ إلى ثمامة، عن أنس أن أبا زيد الذي جمع
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٥٩٤.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥١٠، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٠).
[ ٣٩ / ٣١١ ]
القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: وكان رجلًا منّا من بني عديّ بن النجار أحد عمومتي، ومات ولم يَدَعْ عَقِبًا، ونحن ورثناه، قال ابن أبي داود: حدّثنا أنس بن خالد الأنصاريّ، قال: هو قيس بن السكن بن زعوراء، من بني عديّ بن النجار، قال ابن أبي داود: مات قريبًا من وفاة النبيّ -ﷺ -، فذهب عِلْمه، ولم يؤخذ عنه، وكان عقبيًّا بدريًّا. انتهى كلام الحافظ -﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسّ جدًّا، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٦٣٢٠ و٦٣٢١] (٢٤٦٥)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨١٠) و"فضائل القرآن" (٥٠٠٣ و٥٠٠٤)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٩٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٧٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٣٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣١٩٨ و٣٢٥٥)، و(البزّار) في "مسنده" (٢٨٠٢)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٥٠) و"الكبير" (٢/ ٢٦١)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٣٥٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في كلام أهل العلم في هذا الحديث:
قال القرطبيّ -﵀ -: قد استَشْكَل ظاهرَ هذا الحديث كثير من الناس، حتى ظنوا أنه مما يُطَرِّق الطعنَ والقدح في تواتر القرآن، وهذا إنما نشأ ممن يظنّ أن لهذا الحديث دليلَ خطاب؛ فإنَّه لا يتم له ذلك حتى يقول: إن تخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر يدلّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب قد سَلِم من ذلك، ومن يقول به، فأكثرهم يقول: إن أسماء الأعداد لا دليل خطاب لها، فإنَّها تجري مجرى الألقاب، والألقاب لا دليل خطاب لها
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٢٣٣، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٤).
[ ٣٩ / ٣١٢ ]
باتفاق أئمة أهل الأصول، ولا يُلتفت لقول الدقاق في ذلك، فإنَّه واضح الفساد كما بيَّنَّاه في الأصول، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضه منطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به، وهنا أمران هما أَولى منه -بالاتفاق -:
أحدهما: النقل الصحيح.
والثاني: ما يُعْلَم من ضرورة العادة.
فأمَّا النقل: فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعةً من أصحاب رسول الله -ﷺ - جمعوا القرآن على عهد رسول الله -ﷺ - منهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة. وقد سَمَّى أبو عبد الله المازري منهم خمسة عشر.
وقد تواترت الأخبار بأنه قُتل يوم اليمامة سبعون ممن جَمَع القرآن، وكان ذلك في سنة وفاة النبيّ -ﷺ - وأول سِنِي خلافة أبي بكر -﵁ -، وإذا قُتل في جيش واحد سبعون ممن جمع القرآن؛ فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم يقتلوا أكثر من أولئك أضعافًا، وإذا كان ذلك في جيش واحد! فانظر كم بقي في مدن الإسلام إذ ذاك، وفي عساكر أُخَر من الصحابة -﵃ - ممن جمع القرآن، فيظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -ﷺ - لا يُحصيهم أحد، ولا يضبطهم عدد.
وأما الثاني وهو العادة: وذلك أنها تقتضي أن يجتمع الكثير، والجم الغفير على حِفظه ونَقْله، وذلك أن القرآن على نظم عجيب، وأسلوب غريب، مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظامهم، مع ما تضمَّنه من العلوم، والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والقَصَص والأخبار، والتبشير والإنذار، والنبيّ - ﷺ - مع ذلك يُشيعه في الناس، ويشافه به البلغاء الأكياس، وما كان هذا سبيله فالعادة تقتضي أن تتوفر الدواعي على حفظ جميعه، والوقوف على ما تضمّنه من أنواع حِكَمه وبدائعه، ومحاسن آدابه وشرائعه، وتُحيل انفراد الآحاد بحفظه، كما تُحيل انفرادهم بنقله، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أن ذلك الحديث ليس له دليل خطاب.
[ ٣٩ / ٣١٣ ]
فإنْ قيل: فإذا لم يكن له دليل خطاب، فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة بالذِّكر دون غيرهم؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: أنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم؛ كالحال في ذِكر الألقاب.
وثانيها: لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم.
وثالثها: أن هؤلاء الأربعة قد اشتَهَروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم ممن يَحفظ جميعه.
ورابعها: لأن أنسًا سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم جمعوا القرآن، ولم يسمع مثل ذلك من غيرهم، وكلُّ ذلك مُحْتَمِلٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀ - وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم (^١).
وقال في "الفتح": وقد استنكره -يعني: هذا الحديث- جماعة من الأئمة، قال المازريّ: لا يلزم من قول أنس: لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأن التقدير: أنه لا يعلم أن سواهم جَمَعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك، مع كثرة الصحابة -﵃ -، وتفرّقهم في البلاد؟ وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يَكْمُل له جَمْع القرآن في عهد النبيّ -ﷺ -، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، قال: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا متمسَّك لهم فيه، فإنا لا نسلِّم حَمْله على ظاهره، سلّمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلّمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجمّ الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حَفِظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ، ولو على التوزيع كفى.
واستدلّ القرطبيّ على ذلك ببعض ما تقدم، من أنه قُتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقُتل في عهد النبيّ -ﷺ - ببئر معونة مثل هذا العدد، قال:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
[ ٣٩ / ٣١٤ ]
وإنما خص أنس الأربعة بالذكر؛ لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" أيضًا: وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة:
[أحدها]: أنه لا مفهوم له، فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جَمَعه.
[ثانيها]: المراد: لم يجمعه على جميع الوجوه، والقراءات التي نزل بها إلا أولئك.
[ثالثها]: لم يَجمع ما نُسخ منه بعد تلاوته، وما لم يُنسخ إلا أولئك، وهو قريب من الثاني.
[رابعها]: أن المراد بجمعه: تلقّيه من في رسول الله -ﷺ - لا بواسطة، بخلاف غيرهم، فيَحْتَمِل أن يكون تَلَقَّى بعضه بالواسطة.
[خامسها]: أنهم تَصَدَّوا لإلقائه، وتعليمه، فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عَرَف حالهم، فحَصَر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك، أو يكون السبب في خفائهم أنهم خافوا غائلة الرياء والعُجْب، وأَمِن ذلك من أظهره.
[سادسها]: المراد بالجمع: الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جَمَعه حفظًا عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب.
[سابعها]: المراد: أن أحدًا لم يُفصح بأنه جَمَعه بمعنى: أكمل حفظه في عهد رسول الله -ﷺ - إلا أولئك، بخلاف غيرهم، فلم يُفصح بذلك؛ لأن أحدًا منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله -ﷺ - حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه الآية الأخيرة، وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة، ممن جمع جميع القرآن قبلها، وإن كان قد حضرها من لم يَجمع غيرها الجمع البيّن.
[ثامنها]: أن المراد بجمعه: السمع والطاعة له، والعمل بموجبه، وقد أخرج أحمد في "الزهد" من طريق أبي الزاهرية؛ أن رجلًا أتى أبا الدرداء، فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللَّهُمَّ غَفْرًا، إنما جَمَع القرآن من سمع له، وأطاع.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٣٢، كتاب "فضائل القرآن".
[ ٣٩ / ٣١٥ ]
قال الحافظ: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلّف، ولا سيما الأخير، وقد أومأت قبل هذا إلى احتمال آخر، وهو أن المراد: إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين، من المهاجرين، ومن جاء بعدهم، ويَحْتَمِل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلّق غرضه بهم، ولا يخفى بُعْدُه.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أحسن الأجوبة حَمْل نفي أنس غير هؤلاء الأربعة على عِلمه، فإنه -﵁- علم يقينًا أن هؤلاء الأربعة جمعوه كلّه، بأن أخبره كلهم بذلك، ولم يكن لديه يقين بجمع غيرهم، فلذلك قال: لم يجمعه غيرهم، أو المراد: أنهم جمعوه كلّه في حياته - ﷺ -، كما يدلّ عليه قوله: "على عهد النبيّ -ﷺ-"، وغيرهم إنما جمعه بعد موته - ﷺ -.
والحاصل: أن النفي لعلمه، لا للواقع، فإن الواقع بخلافه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر -﵁- كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله -ﷺ-، فقد ثبت في "الصحيح" أنه بنى مسجدًا بفناء داره، فكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يُرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبيّ -ﷺ- وفراغ باله له، وهما بمكة، وكثرة ملازمة كل منهما للآخر، حتى قالت عائشة -﵂-: كان - ﷺ - يأتيهم بكرة وعشية، وقد "صحح مسلم" حديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، وصحّ أنه - ﷺ - أمر أبا بكر أن يؤم في مكانه لَمّا مرض، فيدل على أنه كان أقرأهم، وثبت عن عليّ -﵁- أنه جَمَع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيّ -ﷺ-، وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن عَمرو قال: جمعت القرآن، فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبيّ -ﷺ-، فقال: "اقرأه في شهر. . ." الحديث، أصله في "الصحيح"، وتقدم في الحديث الذي مضى ذِكر ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين.
وقد ذكر أبو عبيد القراء من أصحاب النبيّ -ﷺ-، فعَدّ من المهاجرين: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدًا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالمًا، وأبا
[ ٣٩ / ٣١٦ ]
هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ومن الثساء: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعد النبيّ -ﷺ-، فلا يَرِد على الحصر المذكور في حديث أنس.
وعَدّ ابن أبي داود في "كتاب الشريعة" من المهاجرين أيضًا: تميم بن أوس الداريّ، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذًا الذي يكنى أبا حليمة، ومُجَمِّع بن حارية، وفَضالة بن عبيد، ومسلمة بن مُخَلَّد، وغيرهم، وصَرَّح بأن بعضهم إنما جَمَعه بعد النبيّ -ﷺ-.
وممن جَمَعه أيضًا: أبو موسى الأشعريّ، ذكره أبو عمرو الدانيّ، وعَدَّ بعض المتأخرين من القراء: عمرو بن العاص، وسعد بن عباد، وأم ورقة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الذين جمعوا القرآن كلّه أكثر من الأربعة المذكورين، وقد عرفت تأويل قول أنس -﵁-: "لم يجمعه غيرهم" فيما أسلفته، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الخامسة): أخرج البخاريّ -﵀- من طريق عبد الله بن المثنّى، عن ثابت، وثُمامة كلاهما عن أنس -﵁- قال: مات النبيّ -ﷺ-، ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورِثناه.
قال في "الفتح": خالفت هذه الرواية روايةَ قتادة من وجهين:
أحدهما: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة، ثانيهما: ذِكر أبي الدرداء بدل أُبَيّ بن كعب، فأما الأول فقد تقدم الجواب عنه من عِدّة أوجه.
وأما الوجه الثاني من المخالفة: فقال الإسماعيلي: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بل الصحيح أحدهما، وجزم البيهقيّ بأن ذِكر أبي الدرداء وَهَمٌ، والصواب: أبَيّ بن كعب، وقال الداوديّ: لا أرى ذِكر أبي الدرداء محفوظًا.
قال الحافظ: وقد أشار البخاريّ إلى عدم الترجيح باستواء الطرفين،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٢٣١، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٤).
[ ٣٩ / ٣١٧ ]
فطريق قتادة على شرطه، وقد وافقه عليها ثمامة في إحدى الروايتين عنه، وطريق ثابت أيضًا على شرطه، وقد وافقه عليها أيضًا ثمامة في الرواية الأخرى، لكن مخرج الرواية عن ثابت وثمامة بموافقته قد وقع عن عبد الله بن المثنى، وفيه مقال، وإن كان عند البخاري مقبولًا، لكن لا تُعادل روايته رواية قتادة، ويرجح رواية قتادة حديث عُمر في ذِكر أُبَيّ بن كعب (^١)، وهو خاتمة أحاديث الباب (^٢)، ولعل البخاريّ أشار بإخراجه إلى ذلك؛ لتصريح عمر بترجيحه في القراءة على غيره.
ويَحْتَمِل أن يكون أنس حدّث بهذا الحديث في وقتين، فذَكره مرة أُبَيّ بن كعب، ومرة بدله أبا الدرداء.
وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظيّ قال: جمع القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاريّ، وإسناده حسن مع إرساله، وهو شاهد جيّد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء، وإن خالفه في العدد والمعدود.
ومن طريق الشعبيّ قال: جمع القرآن في عهد رسول الله -ﷺ- ستة، منهم أبو الدرداء، ومعاذ، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، وهؤلاء الأربعة هم الذين ذُكروا في رواية عبد الله بن المثنى، وإسناده صحيح، مع إرساله، فللَّه دَرّ البخاريّ ما أكثر اطلاعه.
وقد تبيّن بهذه الرواية المرسلة قوّة رواية عبد الله بن المثنى، وأن لروايته أصلًا، والله أعلم.
وقال الكرمانيّ: لعل السامع كان يعتقد أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا، وكان أبو الدرداء ممن جمع، فقال أنس ذلك ردًّا عليه، وأتى بصيغة الحصر ادّعاءً، ومبالغةً، ولا يلزم منه النفي عن غيرهم بطريق الحقيقة. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أي: حيث قال عمر -﵁-: "أُبيّ أقرؤنا".
(٢) أي: عند البخاريّ.
(٣) "الفتح" ٨/ ٢٣١، كتاب "فضائل القرآن" رقم (٥٠٠٤).
[ ٣٩ / ٣١٨ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢١] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثنَا هَمَّامٌ (^١)، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كلُّهُمْ مِنَ الأنصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الأنصَار، يُكْنَى أَبَا زيدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدِ) بن كُوسجان -بسين مهملة، ثم جيم- المروزيّ السِّنْجيّ - بكسر السين المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم- ثقةٌ صاحب حديث، رحّالٌ أديبٌ [١١] (٢٥٧ ت) (م ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٤/ ١٦٧٤.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيىى الْعَوْذيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٢] (٧٩٩) (^٢) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ لأُبَيٍّ: "إِن اللهَ -﷿- أَمَرَنِي أَنْ أقرَأَ عَلَيْكَ"، قَالَ: آللهُ سَمَّاني لَكَ؟ قَالَ: "اللهُ سَمَّاكَ لِي"، قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بفتح الهاء، وتشديد الدال، بعدها موحّدة، ويقال له: هُدْبة -بضم أوله، وسكون الدال- ابن خالد بن الأسود القَيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابد، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدثنا عمرو بن عاصم قال: قال همّام: حدثنا قتادة".
(٢) هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر، فتنبّه.
[ ٣٩ / ٣١٩ ]
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٨٨) من رباعيّات الكتاب، وهو مكرّر، فقد تقدّم في كتاب "صلاة المسافرين وقصرها" برقم [٤٠/ ١٨٦٤] (٧٩٩).
وقال النوويّ -﵀-: هذه الأسانيد الثلاثة، رواتها كلهم بصريون، وهذا من المستطرفات، أن يَجتمع ثلاثة أسانيد متصلة، مسلسلون بغير قصد، وقد سبق بيان مثله، وشعبة واسطيّ بصريٌّ، سبق بيانه مرات، وفي الطريق الثاني والثالث فائدة حسنة، وهي أن قتادة صرّح بالسماع من أنس، بخلاف الطريق الأول، وقتادة مدلّس، فينتفي أن يُخاف من تدليسه بتصريحه بالسماع، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات. انتهى (^١).
شرح الحديث:
قوله: (أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) وفي الرواية التالية: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) ".
وقوله: (قَالَ: وَسَمَّانِي؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أَوَ سمّاني؟ وفي الرواية المتقدّمة: "آلله سمّاني لك؟ " بهمزة الاستفهام؛ أي: هل نَصّ عليّ باسمي، أو قال لك: اقرأ على واحد من أصحابك، فاخترتني أنت؟ فلما قال له: "نعم" بَكَى.
قوله: (قَالَ) النبيّ -ﷺ-: ("نَعَمْ") سمّاك لي باسمك. (قَالَ) أنس: (فَبَكَى) أُبيّ -﵁-، إما فرَحًا وسُرُورًا بذلك، وإما خشوعًا وخوفًا من التقصير في شُكر تلك النعمة، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: أما بكاؤه فبكاء سرور، واستصغار لنفسه عن تأهيله لهذه النعمة، وإعطائه هذه المنزلة، والنعمةُ فيها من وجهين:
أحدهما: كونه منصوصًا عليه بعينه، ولهذا قال: "وسمّاني": معناه: نَصّ عليّ بعيني، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك؟ قال: بل سمّاك، فتزايدت النعمة.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٨٦.
(٢) "الفتح" ٧/ ١٥٨.
[ ٣٩ / ٣٢٠ ]
والثاني: قراءة النبيّ - ﷺ -، فإنها منقبة عظيمة له، لم يشاركه فيها أحد من الناس.
وقيل: إنما بكى خوفًا من تقصيره في شُكر هذه النعمة.
وأما تخصيص هذه السورة بالقراءة، فلأنها مع وَجازتها جامعة لأصول، وقواعد، ومهمات عظيمة، وكان الحال يقتضي الاختصار، وأما الحكمة في أمْره بالقراءة على أُبَيّ، فقال المازريّ، والقاضي: هي أن يتعلم أُبَيّ ألفاظه، وصيغة أدائه، ومواضع الوقوف، وصُنْع النَّغَمَ في نغمات القرآن، على أسلوب أَلِفه الشرع، وقدّره، بخلاف ما سواه من النغم المستعمَل في غيره، ولكل ضرب من النغم مخصوص في النفوس، فكانت القراءة عليه ليتعلم منه، وقيل: قرأ عليه؛ لِيَسُنّ عَرْض القرآن على حفاظه البارعين فيه المجيدين لأدائه، وليَسُنّ التواضع في أخْذ الإنسان القرآن وغيره من العلوم الشرعية من أهلها، وإن كانوا دونه في النَّسَب، والدين، والفضيلة، والمرتبة، والشهرة، وغير ذلك، ولينبّه الناس على فضيلة أُبَيّ في ذلك، ويحثّهم على الأخذ منه، وكان كذلك، فكان بَعد النبيّ -ﷺ- رأسًا، وإمامًا مقصودًا في ذلك، مشهورًا به، والله أعلم. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان فوائده بالرقم المذكور، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[٦٣٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأُبيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَبَكَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٠ - ٢١.
[ ٣٩ / ٣٢١ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٤] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيب، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لأُبَيٍّ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عَرَبيّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل رواية حديث محمد بن جعفر عن شعبة؛ يعني: أن رواية خالد بن الحارث عن شعبة مثل رواية محمد بن جعفر عنه.
[تنبيه]: قد قدّمت في "فضائل القرآن" أني لم أجد من ساق رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، والآن -ولله الحمد - قد وجدت النسائيّ -﵀- قد ساقها في "الكبرى"، فقال:
(٨٢٣٨) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: أنا خالد، قال: أنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: قال رسول الله -ﷺ- لأُبَيّ بن كعب: "إن الله -﷿ - أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، قال: وسمّاني؟ قال: "سمّاك، فبكى". انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٥/ ٦٦.
[ ٣٩ / ٣٢٢ ]