هو: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ، سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، ويكْنَى أبا عمرو، شهد بدرًا باتفاق، ورُمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حَكَم في بني قريظة، وأُجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات -﵁-، أخرج ذلك البخاريّ، وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لمّا خرجت جنازته: ما أخفّها؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "إن الملائكة حَمَلته"، وفي "الصحيحين" وغيرهما من طُرُق؛ أن النبيّ -ﷺ- قال: "اهتَزّ العرش لموت سعد بن معاذ"، وروى يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعَبّاد بن بشر، وذكر ابن إسحاق أنه لمّا أسلم على يد مصعب بن عمير، قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تُسْلموا، فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام.
وروى ابن إسحاق في قصة الخندق، عن عائشة، قالت: كنت في حِصْن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فمَرّ سعد بن معاذ، وهو يقول:
لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ … مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ
فقالت له أمه: الْحَقْ يا بُنيّ، فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد لوددت أن درع سعد أسبغ مما هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الذي رماه: خذها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقال: عَرَّق الله وجهك في النار، وابن العرقة اسمه حِبّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤيّ، والعرقة أمه، وقيل: إن الذي أصاب سعدًا أبو أسامة (^١) الْجُشَميّ.
ورَوَى البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ؛ أن بني قريظة لمّا نزلوا
_________________
(١) وفي بعض النسخ: "أبو أمامة"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٣٢٣ ]
على حُكم سعد، وجاء على حمار، فقال النبيّ -ﷺ-: "قوموا إلى سيدكم".
وأخرج ابن إسحاق بغير سند أن أم سعد لمّا مات قالت:
وَيْلُ أمِّ سَعْدِ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجِدّا
وَفَارِسًا مُعَدّا … سُدَّ بِهِ مَسَدَّا
فقال النبيُّ -ﷺ-: "كلُّ نادبة تكذب، إلا نادبة سعد".
وأخرجه الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: جعلت أم سعد تقول:
ويلُ أمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجِدَّا
فقال النبيُّ -ﷺ-: "لا تزيدي على هذا، كان والله ما علمتُ حازمًا، وفي أمر الله قويًّا" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وشهد بدرًا، وأُحدًا، ورُمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهرًا، ثم انتقَضَ جُرحه، فمات منه. تُوُفِّي في سنة خمس من الهجرة، وقد تقدَّم حديثه في حُكمه في بني قريظة، وقوله - ﷺ - للحاضرين من أصحابه: "قوموا إلى سيدكم"، وقالت عائشة -﵂-: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبيّ -ﷺ- من المسلمين أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعبَّاد بن بشر؛ تعني: من الأنصار، والله أعلم.
وقال ابن عباس: قال سعد بن معاذ: ثلاثة أنا فيهن رجل كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من المسلمين، ما سمعت من رسول الله -ﷺ- حديثًا إلا علمت أنه من الله، ولا دخلت في صلاة قط، فشغلت نفسي بغيرها حتى قضيتها، ولا كنت في جنازة قط، فحدَّثت نفسي بغير ما تقول، وما يُقال لها، حتى أنصرفَ عنها. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٥] (٢٤٦٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٣/ ٨٥.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٨٢.
[ ٣٩ / ٣٢٤ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَجَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: "اهتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ -بسين مهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنِّف شهيرٌ عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون (ع) تقدم في "المقدمة، ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقية فاضلٌ، وكان يدلِّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (أَبُو الزبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق إلا أنه يدلِّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ بْن عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ -بفتحتين- الصحابي ابن الصحابيّ، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره، وفيه جابر بن عبد الله -﵁- صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أنه قال: (أَخبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم المكيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وقوله: (وَجَنَازةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيدِيهِمْ) جملة حاليّة معترضة بين القول ومقوله، والمراد بالجنازة بكسر الجيم، وفتحها: السرير، قال الفيّوميّ -﵀-: جَنَزْتُ الشيءَ
[ ٣٩ / ٣٢٥ ]
أَجْنِزُهُ، من باب ضرب: سترتُهُ، ومنه اشتقاق الجنازة، وهي بالفتح، والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر: الميت نفسه، وبالفتح: السرير، ورَوَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت نفسه. انتهى (^١).
("اهْتَزَّ لَهَا)؛ أي: لأجل هذه الجنازة، (عَرْشُ الرَّحْمَنِ") قال القرطبيّ -﵀-: حَمَل بعض العلماء هذا الحديث على ظاهره، من الاهتزاز، والحركة، وقال: هذا ممكن؛ لأنَّ العرش جسم، وهو قابل للحركة والسُّكون، والقدرة صالحة، وكانت حركته عَلَمًا على فضله، وحَمَله آخرون على حَمَلة العرش، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاهتزاز منهم استبشارًا بقدوم روحه الطيبة، وفرحًا به، وحَمَله آخرون على تعظيم شأن وفاته، وتفخيمه على عادة العرب في تعظيمها الأشياء، والإغياء في ذلك، فيقولون: قامت القيامة لموت فلان، وأظلمت الأرض، وما شاكل ذلك، مِمَّا المقصود به التعظيم والتفخيم، لا التحقيق، وإليه صار الحربيّ، وكل هذا مُنزَّل على أن العرش هو المنسوب لله تعالى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وهو ظاهر قوله: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد".
وقد رُوي عن ابن عمر -﵁-؛ أن العرش هنا سرير الموت، قال القاضي: وكذلك جاء في حديث البراء في "الصحيح": "اهتز السَّرير"، وتأوله الهرويّ: فَرِح بحَمْله عليه. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: اخَتَلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش: تحرّكه فرحًا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار.
وقال المازريّ: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا يُنْكَر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام، يَقبل
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١١١.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
[ ٣٩ / ٣٢٦ ]
الحركة والسكون، قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك، إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته.
وقال آخرون: المراد: اهتزاز أهل العرش، وهم حَمَلَتُه، وغيرهم من الملائكة، فحُذف المضاف، والمراد بالاهتزاز: الاستبشار، والقبول، ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها.
وقال الحربيّ: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظَّم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة.
وقال جماعة: المراد: اهتزاز سرير الجنازة، وهو النعش، وهذا القول باطل، يرُدّه صريح هذه الروايات التي ذَكَرها مسلم: "اهتز لموته عرش الرحمن"، وإنما قال هؤلاء هذا التأويل؛ لكونهم لم تَبْلُغهم هذه الروايات التي في مسلم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا.
خلاصته: أن الحديث على ظاهره، وأن اهتزاز العرش: اضطرابه فرحًا بقدوم روح سعد -﵁- إليه، وأما تأويله كما قال بعضهم فغير صحيح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وأخرج البخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر -﵁-، سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: "اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ"، وعن الأعمش: حدّثنا أبو صالح، عن جابر، عن النبيّ -ﷺ-، مثله، فقال رجل لجابر: فإن البراء يقول: اهتز السرير، فقال: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "فقال رجل لجابر" لم أقف على اسمه.
قوله: "فإن البراء يقول: اهتز السرير"؛ أي: الذي حُمل عليه.
قوله: "إنه كان بين هذين الحيين"؛ أي: الأوس والخزرج.
قوله: "ضغائن" بالضاد، والغين المعجمتين: جمع ضغينة، وهي الحقد، قال الخطابيّ: إنما قال جابر ذلك؛ لأن سعدًا كان من الأوس، والبراء خزرجيّ، والخزرج لا تُقِرّ للأوس بفضل.
[ ٣٩ / ٣٢٧ ]
وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، وهو خطأ فاحش، فإن البراء أيضًا أوسي؛ لأنه ابن عازب بن الحارث بن عديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، يجتمع مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، والخزرج والد الحارث بن الخزرج، وليس هو الخزرج الذي يقابل الأوس، وإنما سُمّي على اسمه، نَعَم الذي من الخزرج الذين هم مقابل الأوس جابرٌ، وإنما قال جابر ذلك إظهارا للحقّ، واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء، كيف قال ذلك مع أنه أوسيّ؟ ثم قال: أنا وإن كنت خزرجيًّا، وكان بين الأوس والخزرج ما كان، لا يمنعني ذلك أن أقول الحقّ، فذكر الحديث، والعذر للبراء أنه لم يَقصد تغطية فضل سعد بن معاذ، وإنما فَهِم ذلك، فجزم به، هذا الذي يليق أن يُظَنّ به، وهو دالّ على عدم تعصبه، ولمّا جَزَم الخطابيّ بما تقدم احتاج هو ومن تبعه إلى الاعتذار عما صدر من جابر في حق البراء، وقالوا في ذلك ما مُحَصَّله: إن البراء معذور؛ لأنه لم يقل ذلك على سبيل العداوة لسعد، وإنما فَهِم شيئًا محتملًا، فحَمَل الحديث عليه، والعذر لجابر أنه ظن أن البراء أراد الغضّ من سعد، فساغ له أن ينتصر له، والله أعلم.
وقد أنكر ابن عمر ما أنكره البراء، فقال: إن العرش لا يهتزّ لأحد، ثم رجع عن ذلك، وجزم بأنه اهتزّ له عرش الرحمن، أخرج ذلك ابن حبان من طريق مجاهد عنه.
والمراد باهتزاز العرش: استبشاره، وسروره بقدوم روحه، يقال لكل من فَرِح بقدوم قادم عليه: اهتزّ له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات: إذا اخضرّت، وحسُنت.
ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم، بلفظ: "اهتزّ العرش فرحًا به"، لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب، فقال: اهتز العرش فرحًا بلقاء الله سعدًا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر: يعني: عرش سعد الذي حُمل عليه، وهذا من رواية عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال؛ لأنه ممن اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته أيضًا ما صححه الترمذيّ من حديث أنس، قال: لمّا حُملت جنازة
[ ٣٩ / ٣٢٨ ]
سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما أخفّ جنازته؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "إن الملائكة كانت تحمله".
قال الحاكم: الأحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرّجة في "الصحيحين"، وليس لمعارضها في الصحيح ذِكر. انتهى.
وقيل: المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث: "إن جبريل قال: من هذا الميت الذي فُتحت له أبواب السماء، واستبشر به أهلها؟ "، أخرجه الحاكم.
وقيل: هي علامة، نصبها الله لموت من يموت من أوليائه؛ لِيُشعِر ملائكته بفضله.
وقال الحربيّ: إذا عظّموا الأمر نسبوه إلى عظيم، كما يقولون: قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت الدنيا، ونحو ذلك، وفي هذه منقبة عظيمة لسعد.
وأما تأويل البراء على أنه أراد بالعرش السرير الذي حُمل عليه، فلا يستلزم ذلك فضلًا له؛ لأنه يَشْرَكه في ذلك كل ميت، إلا أن يريد: اهتز حملة السرير فرحًا بقدومه على ربه، فيتّجه.
ووقع لمالك نحو ما وقع لابن عمر أوّلًا، فذكر صاحب "العتبية" فيها أن مالكًا سئل عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدعو المرء أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور، قال أبو الوليد بن رشد في "شرح العتبية": إنما نهى مالك؛ لئلا يسبق إلى وَهَم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله، تبارك الله، وتنزّه عن مشابهة خلقه. انتهى مُلَخّصًا.
قال الحافظ: والذي يظهر أن مالكًا ما نهى عنه لهذا؛ إذ لو خَشِي من هذا لَمَا أسند في "الموطأ" حديث: "ينزل الله إلى سماء الدنيا"؛ لأنه أصرح في الحركة، من اهتزاز العرش، ومع ذلك فمعتقَد سلف الأئمة، وعلماء السُّنَّة من الخلف؛ أن الله منزَّه عن الحركة، والتحول، والحلول (^١)، ليس كمثله شيء.
_________________
(١) أما الحلول فلا شك أنه لا يقول به إلا الضالّون المبطلون، وأما الحركة والتحوّل =
[ ٣٩ / ٣٢٩ ]
ويَحْتَمِل الفَرْق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكفّ عن التحدث به، بخلاف حديث النزول، فإنه ثابت، فرواه، وَوَكَل أَمْره إلى فَهْم أولي العلم الذين يسمعون في القرآن: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ونحو ذلك، وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة -﵃ -، أو أكثر وثَبَت في "الصحيحين"، فلا معنى لإنكاره. انتهى، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٦٣٢٥ و٦٣٢٦] (٢٤٦٦)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٠٣)، و(الترمذيّ) في "جامعه" (٣٨٤٨)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٤٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٧٤٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٦)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٩٦٣)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٣٣٥ و٥٣٣٧ و٥٣٣٨ و٥٣٣٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٢٩ و٧٠٣١)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٨٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
_________________
(١) = فمما لم يَرِدْ في الكتاب والسُّنَّة، فلا ينبغي الجزم بنفيه، راجع ما كتبه البرّاك تعليقًا على كلام الحافظ هذا في: "الفتح" ٨/ ٥٠٤ - ٥٠٥، فقد أفاد وأجاد.
[ ٣٩ / ٣٣٠ ]
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ) -بسكون الواو- أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقية عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (أَبُو سُفْيَانُ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسألتيه، في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٧] (٢٤٦٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثنا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ، وَجِنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ - يَعْنِي: سَعْدًا -: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) أبو جعفر البغداديّ، ثقة يَهِم [١٠]، (ت ٢٣١) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في "الجهاد والسِّير" ٢٧/ ٤٦٠١.
[تنبيه]: قوله: (الرُّزِّيُّ) بضمّ الراء، وتشديد الزاي: نسبة إلى الرّزّ المعروف، ويقال له الأرزيّ أيضًا، قاله في "اللباب" (^١)، ولعله كان يتّجر بالرز، والله تعالى أعلم.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ) أبو نصر العجليّ مولاهم البصريّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في العباس، يقال: دلّسه عن ثور [٩] (ت ٤ أو ٢٠٦) (عخ م ٤) تقدم في "الجهاد والسِّير" ٢٧/ ٤٦٠١.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قنادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٢٤.
[ ٣٩ / ٣٣١ ]
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
وقوله: (وَجِنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ؛ يَعْني: سَعْدًا)؛ يعني: أنه - ﷺ - قال: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ"؛ أي: لجنازة سعد -﵁-، وجملة: "وجنازته موضوعة" حاليّة معترضة بين القول ومقوله، كما سبق نظيره؛ أي: والحال أن جنازة سعد -﵁- موضوعة بين يدي الناس.
وفي رواية ابن حبّان: أن النبيّ - ﷺ - قال -وجنازة سعد موضوعة -: "اهتَزّ لها عرش الرحمن"، فطفق المنافقون في جنازته، وقالوا: ما أخفها؟ فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ-، فقال: "إنما كانت تحمله الملائكة معهم" (^١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٦٣٢٧] (٢٤٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٣٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٣٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٣٤٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٨] (٢٤٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُّولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمُسُونَهَا (^٢)، وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَفَالَ: "أتعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا، وَأليَنُ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابي
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٥/ ٥٠٥.
(٢) وفي نسخة: "يمسّونها".
[ ٣٩ / ٣٣٢ ]
ابن صحابيّ، نزل الكوفة، استُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، إلا أبا إسحاق، والصحابيّ، فكوفيّان، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) -﵁- (يَقُولُ: أُهْدِيَتْ) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، وسيأتي في حديث أنس -﵁-؛ أن الذي أهداها له - ﷺ - هو أُكيدر دُومة الجندل. (لِرَسُول اللهِ - ﷺ - حُلَّةُ حَرِيرٍ) مرفوع على أنه نائب فاعل، وفي الرواية الآتية: "ثوب حرير"، وفي الأخرى: "جُبّة من سُندس"، وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "حلَّةُ حريرا"، كذا جاء في حديث البراء: "حلَّة" بالحاء المهملة، واللام، وفي حديث أنس: أن أُكَيْدر دومة الجندل أهدى لرسول الله -ﷺ- جُبَّة من سندس، وهذه أوْجَه، وأصوب؛ لأنَّ الحلة لا تكون عند العرب ثوبًا واحدًا؛ وإنما هي لباس ثوبين، يَحُلّ أحدهما على الآخر، وأن الثوب الفرد لا يُسمَّى حلة، وقد جاء في السِّير أنها قَبَاءٌ من ديباج، مخوَّص بالذهب، وقد تقدَّم الكلام على لُبس الحرير في اللباس. انتهى (^١).
(فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع، وأخذ (أَصْحَابُهُ) - ﷺ - (يَلْمُسُونَهَا) بضمّ الميم، وكَسْرها، يقال: لَمسه لَمْسًا، من بابي نصر، وضرب: إذا أفضى إليه بيده، وفي نسخة: "يمسّونها" بإسقاط اللام، (وَيَعْجَبُونَ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، (مِنْ لِينِهَا) بكسر اللام ضدّ الخشونة؛ أي: يتعجّبون من حُسنها، ولينها، ونعومتها؛ إذ لم يَسْبِق لهم عَهْد بمثلها.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٨٣.
[ ٣٩ / ٣٣٣ ]
(فَقَالَ) - ﷺ - خوفًا عليهم من أن يميلوا بذلك إلى الدنيا، ويستحسنوها في طباعهم، فزهّدهم عنها، ورغّبهم في الآخرة، حيث قال لهم: ("أتعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) قال الطيبيّ: مناديل جمع منديل، وهو الذي يُحمَل في اليد، وقال ابن الأعرابيّ وغيره: هو مشتقّ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من واحد، وقيل: من الندل، وهو الوسخ؛ لأنه يُندل به. انتهى.
وقال الفيّوميّ -﵀-: المِنْدِيلُ مذكّر، قاله ابن الأنباريّ، وجماعة، ولا يجوز التأنيث؛ لعدم العلامة في التصغير، والجمع، فإنه لا يقال: مُنَيْدِيلَةٌ، ولا منْدِيلاتٌ، ولا يوصف بالمؤنَّث، فلا يقال: مِنْدِيلٌ حسنة، فإنّ ذلك كله يدلّ على تأنيث الاسم، فإذا فُقدت علامة التأنيث مع كَوْنَها طارئة على الاسم، تعيَّن التَّذْكيرُ الذي هو الأصل، وتَمَنْدَلْتُ بِالمِنْدِيل، وتَنَدَّلْتُ: تمسّحت به، وحَذْف الميم أكثر، وأنكر الكسائيّ تَمَنْدَلْتُ بالميم، ويقال: هو مشتق من ندلت الشيءَ نَدْلًا، من باب قتل: إذا جذبته، أو أخرجته، ونقلته. انتهى (^١).
قال في "العمدة": تخصيص سعد به قيل: لأنه كان يُعجبه ذلك الجنس من الثوب، أو لأجل كون اللامسين المتعجبين من الأنصار، فقال: مناديل سيدكم خير منها.
وإنما ضَرَب المثل بالمناديل؛ لأنها ليست من عِلْية الثياب، بل هي تُبتذل في أنواع من المرافق، يُتمسح بها الأيدي، ويُنفض بها الغبار عن البَدَن، ويُعطى بها ما يُهْدَى، وتُتخذ لفائف للثياب، فصار سبيلها سبيل الخادم، وسبيل سائر الثياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها هكذا، فما ظنك بعِلْيتها؟. انتهى (^٢).
(فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا، وَأليَنُ") قال القرطبيّ -﵀-: هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد في الجنة؛ لأنَّ المناديل إنما هي مُمتهَنة متَّخذة لِمَسح الأيدي بها من الدَّنس والوسخ، وإذا كان هذا حال المنديل، فما ظنُّك بالعمامة والحلة؟! ولا يُظَنُّ طعام الجنة وشرابها فيهما ما يدنِّس يد المتناول، حتى يحتاج إلى منديل؛ فإنَّ هذا ظنّ من لا يعرف الجنة، ولا طعامها، ولا شرابها؛ إذ قد نَزّه الله الجنة عن ذلك كله، وإنما ذلك إخبارٌ بأن الله أعدَّ في الجنة كل ما كان
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٨.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٧.
[ ٣٩ / ٣٣٤ ]
يُحتاج إليه في الدُّنيا، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف، فأعدَّ فيها أمشاطًا، ومجامر، وأُلُوَّة، ومناديل، وأسواقًا، وغير ذلك مما تعارفناه في الدُّنيا، وإن لم نحتج له في الجنة؛ إتمامًا للنعمة، واكمالًا للمنَّة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ -﵀- في توجيه المناديل لأهل الجنّة كلام نفيسٌ جدًّا، وحاصله: أن الله جعل في الجنة كل ما كان كمالًا في الدنيا، وإن لم يكن لأهل الجنّة حاجة إلى ذلك؛ فالمناديل، والأمشاط، والمجامر كانت لأهل الدنيا من الكمالات، بحيث إنها تكون لأهل الشرف، من الملوك، وأهل الفضل، إلا أنهم في الدنيا يحتاجون إليها لِمَا يُصيبهم من الأوساخ، ونحوها، وأما أهل الجنة، فلا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يبصقون، ولا يمتخطون، وإنما هذه الأشياء مجرّد كمالات لهم. اللَّهُمَّ إنا نسألك الجنة، وما قرّب إليها من قول، أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما قرّب إليها من قول، أو عمل. آمين، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٦٣٢٨ و٦٣٢٩ و٦٣٣٠] (٢٤٦٨)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٤٩) و"مناقب الأنصار" (٣٨٠٢) و"اللباس" (٥٨٣٦) و"الأيمان والنذور" (٦٦٤٠)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٤٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٢)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٥٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٢٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٩٤ و٧/ ٣٧٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٩ و٣٠١ و٣٠٢) و"فضائل الصحابة" (١٤٨٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٠٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٣٥)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ٤٣٥)، و(الطبرانيّ) في
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٨٤.
[ ٣٩ / ٣٣٥ ]
"الكبير" (٦/ ١٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٢٧٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٤٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٧٣)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه إشارةً إلى عظيم منزلة سعد بن معاذ -﵁- في الجنّة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من حرير الدنيا؛ لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معدّ للوسخ، والامتهان، فغيره أفضل.
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات الجنّة لسعد -﵁-.
٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ قبول هديّة المشرك؛ لأنه يأتي أن الذي أهداها هو أُكيدر دومة، وهو نصرانيّ، وقد ترجم البخاريّ -﵀- في "كتاب الهبة" من "صحيحه": "باب قبول هديّة المشرك".
قال في "الفتح": قوله: "باب قبول الهدية من المشركين"؛ أي: جواز ذلك، وكأنه أشار إلى ضَعف الحديث الوارد في ردّ هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في "المغازي" عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم: أن عامر بن مالك الذي يُدْعَى مُلاعِب الأَسِنَّة، قدم على رسول الله -ﷺ-، وهو مشرك، فأهدى له، فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك. . ." الحديث، ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهريّ، ولا يصح، وفي الباب حديث عياض بن حمار، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، من طريق قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عياض، قال: أهديت للنبيّ - ﷺ - ناقة، فقال: "أسلمت؟ " قلت: لا، قال: "إني نُهيت عن زَبْد المشركين"، و"الزبد" - بفتح الزاي، وسكون الموحدة -الرِّفْدُ، صححه الترمذي، وابن خزيمة.
وأَورد البخاري في الباب عدة أحاديث، دالة على الجواز.
فجَمَع بينها الطبريّ بأن الامتناع فيما أُهدي له خاصة، والقبول فيما أُهدي للمسلمين، وتعقّبه الحافظ بأن من جملة أدلة الجواز، ما وقعت الهدية فيه له خاصة.
وجَمَع غيره بأن الامتناع في حقّ من يريد بهديته التودّد والموالاة،
[ ٣٩ / ٣٣٦ ]
والقبول في حقّ من يُرجى بذلك تأنيسه، وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول.
وقيل: يُحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والردّ على من كان من أهل الأوثان. وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه - ﷺ -.
ومنهم من ادَّعَى نَسخ المنع، بأحاديث القبول. ومنهم من عَكَس. وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة، فالنَّسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا التخصيص، ذَكَره في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٢٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِثَوْبِ حَرِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَني قَتَادَةُ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِ هَذَا، أَو بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) هو: أحمد بن عبدة بن موسى الضُبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. و"أبو داود" هو: سليمان بن داود الطيالسيّ.
وقوله: (فذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي داود، ويَحْتَمِل أن يكون ضمير أحمد بن عبدة، بل هو الظاهر بدليل ما بعده، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أبي داود، عن شعبة هذه ساقها ابن حبّان في "صحيحه"، فقال:
(٧٠٣٦) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدّثنا أبو داود، حدّثنا شعبة، قال: أخبرنا
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٥١، كتاب "الهبة" رقم (٢٦١٥).
[ ٣٩ / ٣٣٧ ]
أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: أُتي رسول الله - ﷺ - بثوب حرير، فجعلوا يلمسونه، ويتعجبون من لِيْنه، قال رسول الله - ﷺ -: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة ألْيَن من هذا، أو خيرٌ من هذا"، قال شعبة: وحدّثني قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، عن النبيّ - ﷺ - بمثل هذا. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيث، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، كَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ -بفتح المهملة، والمثناة- أبو جعفر البصريّ، صدوق [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود، وقيل: ابن خالد بن هُدبة بن عتبة الأزديّ الثوبانيّ القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخو هُدْبة، أكبر منه، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن شعبة، والثوريّ، والمسعوديّ، وابن أخي الزهريّ، وغيرهم.
ورَوى عنه أخوه، ومسدد، وعليّ بن المدينيّ، والفلاس، وبندار، وأبو موسى، وأبو الأشعث العجليّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ما علمت إلا خيرًا، وروى العقيلي في "الضعفاء" عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أمية بن خالد، فلم أره يحمده في الحديث، قال: إنما كان يحدِّث مِن حِفْظه، لا يُخرج كتابًا، وما أبدى العقيلي فيه غير حديث واحد وَصَله، وأرسله غيره، وذكره أبو العرب في الضعفاء، فلم يصنع شيئًا.
وقال عبيد الله بن جرير بن جبلة: مات سنة (٢)، وقال البخاريّ، وابن حبان: مات سنة (٢٥١)، كذا قال ابن حبان في "الثقات"، قاله في "تهذيب التهذيب".
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٥/ ٥٠٨.
[ ٣٩ / ٣٣٨ ]
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٤٦٨)، وحديث (٢٦٠٤): "اذهب، وادع لي معاوية. . ." الحديث.
و"شُعبة" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: بالإسناد الماضي، وهو أبو داود عن شعبة.
وقوله: (بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا … إلخ)؛ أي: بإسنادَي شعبة الماضيين، وهما شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء - ﵁ -، وشعبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ -.
[تنبيه]: رواية أُميّة بن خالد عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣١] (٢٤٦٩) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِن مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀ -، وأنه مسلسل بالبصريين من شيبان، والباقيان بغداديّان.
[ ٣٩ / ٣٣٩ ]
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيِّ؛ أنه (حَدَّثنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: أن الأمر والشأن (أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، وقد بُيّن المهدي في الرواية التالية أنه أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَل، و"أُكيدر" بضم الهمزة، وفتح الكاف، وبعدها ياء التصغير: تصغير أكدر، والكدرة لون بين السواد والبياض، وهو الأغبر، وهو أُكيدر بن عبد الملك الكنديّ، صَاحِبِ دُومَةَ، بفتح الدال، وضمّها، وأنكر ابن دُريد الفتح، وقال: أهل اللغة يقولونه بالضمِّ، والمحدّثون بالفتح، وهو خطأ، وقال: و"دُومةُ الجندل": مجتمعه، ومستداره، وهو من بلاد الشام، قرب تبوك، كان أُكيدر ملكها، وكان خالد بن الوليد، قد أسره في غزوة تبوك، وسلبه قباءً من ديباج، مُخَوَّصًا بالذهب، فأمّنه النبيّ - ﷺ -، وردّه إلى موضعه، وضرب عليه الجزية، قاله القرطبيّ -﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": و"أكيدر دومة": هو أكيدر تصغير أكدر، ودومة بضم المهملة، وسكون الواو: بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك، بها نخل، وزرع، وحصن على عشر مراحل من المدينة، وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن - بالجيم والنون - ابن أعباء بن الحارث بن معاوية، يُنسب إلى كندة، وكان نصرانيًّا، وكان النبيّ - ﷺ -، أرسل إليه خالد بن الوليد في سَرِيّة، فأسَره، وقتل أخاه حسان، وقَدِم به المدينة، فصالحه النبيّ - ﷺ - على الجزية، وأطلقه، ذكر ابن إسحاق قصته مطولة في "المغازي". ورَوَى أبو يعلى بإسناد قويّ، من حديث قيس بن النعمان: أنه لَمّا قَدِم أخرج قباء من ديباج، منسوجًا بالذهب، فرَدّه النبيّ - ﷺ - عليه، ثم إنه وجد في نفسه مِن ردّ هديته، فرجع به، فقال له النبيّ - ﷺ -: "ادفعه إلى عمر. . ." الحديث. وفي حديث علي عند مسلم: "أن أكيدر دومة أهدى للنبيّ - ﷺ - ثوب حرير، فأعطاه عليًّا، فقال: شقِّقه خُمُرًا بين الفواطم". انتهى من "الفتح" ببعض تصرّف (^٢).
وقال النوويّ -﵀ -: "وأما أُكيدر" -فهو بضم الهمزة، وفتح الكاف- وهو
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٨٤.
(٢) "الفتح"، كتاب "الهبة" ٥/ ٥٥٢.
[ ٣٩ / ٣٤٠ ]
أُكيدر بن عبد الملك الكنديّ، قال الخطيب البغداديّ في كتابه "المبهمات": كان نصرانيًّا، ثم أسلم، قال: وقيل: بل مات نصرانيًّا. وقال ابن منده، وأبو نُعيم الأصبهانيّ في كتابيهما في معرفة الصحابة: إن أُكيدرًا هذا أسلم، وأهدى إلى رسول الله - ﷺ - حلّة سيراء. قال ابن الأثير في كتابه "معرفة الصحابة": أما الهديّة، والمصالحة، فصحيحان، وأما الإسلام فغلط، قال: لأنه لم يُسلم بلا خلاف بين أهل السِّير، ومن مال: أسلم فقد أخطأ خطأ فاحشًا، قال: وكان أكيدر نصرانيًّا، فلما صالحه النبيّ - ﷺ - عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم حاصره خالد بن الوليد في زمان أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، فقتله مشركًا نصرانيًّا -يعني: لِنَقْضِه العهد- قال: وذكر البلاذري أنه قدم على رسول الله - ﷺ -، وعاد إلى دومة، فلما توفّي رسول الله - ﷺ - ارتدّ أكيدر، فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله. وعلى هذا القول لا ينبغي عدّه في الصحابة. هذا كلام ابن الأثير (^١).
(جُبَّةٌ مِن سُنْدُسٍ) قال في "المشارق": الجبة: ما قُطع من الثياب، وخِيط (^٢)، والسندس: ما رَقّ من الحرير، والديباج، والإستبرق: ما غَلُظ منه (^٣)، وقال ابن الأثير: السندس: ما رَقّ من الديباج، ورَفع، وقال الداوديّ: السندس رقيق الديباج، والإستبرق غليظه، وقال ابن التين: الإستبرق أفضل من السندس؛ لأنه غليظ الديباج، وكلُّ ما غَلُظ من الحرير كان أفضل من رقيقه. انتهى (^٤).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ"، وفي رواية: "حلّة حرير"، وفي رواية: "ثوب حرير"، وفي أخرى: "جُبّة"، قال القاضي: رواية الجبّة بالجيم والباء؛ لأنه كان ثوبًا واحدًا، كما صُرّح به في الرواية الأخرى، والأكثرون يقولون: "الحلّة" لا تكون إلا ثوبين، يحلّ أحدهما على الآخر، فلا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٤/ ٥٠.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٨٤، و"مشارق الأنوار" ١/ ١٣٧.
(٣) "عمدة القاري" ٨/ ٧.
(٤) "عمدة القاري" ١٣/ ١٧٠.
[ ٣٩ / ٣٤١ ]
يصحّ الحلّة هنا. وأما من يقول: الحلّة ثوب واحدٌ جديدٌ، قريب العهد بحلّه من طيّه، فيصحّ، وقد جاء في "كتب السِّير" أنها قَباء. انتهى (^١).
(وَكَانَ) - ﷺ - (يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ) هكذا رواية شيبان عن قتادة: "وكان ينهى عن الحرير"، وخالفه سعيد بن أبي عروبة عنه، فقال: "قبل أن يحرّم الحرير"، وفي لفظ: "قبل أن ينهى عن الحرير"، أخرجه البيهقيّ، وصحّحه ابن حبّان، ورجّحه البيهقيّ على رواية شيبان، فقد أخرجه ابن حبّان من طريق محمد بن سواء، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ "أن أُكيدر دومةَ أهدى إلى رسول الله - ﷺ - جُبّة سُندس، فَلَبِسها، وذلك قبل أن يُحرَّم الحرير، فتعجّب الناس من حُسنها. . ." الحديث.
وأخرجه البيهقيّ من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أن أكيدر دومة أهدى إلى النبيّ - ﷺ - جبة -قال سعيد -: أحسبه قال: سندس، قال: وذلك قبل أن يُنْهَى عن الحرير، قال: فلبسها، فعَجِب الناس منها. . ." الحديث.
قال البيهقيّ: أخرجاه في "الصحيح" من وجه آخر، عن قتادة، دون اللفظة التي أَتَى بها سعيد بن أبي عروبة، أن ذلك قبل أن يُنْهَى عن الحرير، وهي أشبه بالصحة من رواية من روى: "وكان ينهى عن الحرير"، وقد قال البخاريّ: وقال سعيد: عن قتادة، عن أنس، أن أكيدر دُومة أهدى إلى النبيّ - ﷺ - في هدية المشركين، إلا أنه لم يَسُق مَتْنه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن رواية سعيد بن أبي عروبة بلفظ: "قبل أن ينهى عن الحرير" هي المحفوظة دون لفظ: "وكان ينهى عن الحرير"؛ لكون سعيد أثبت من شيبان، بل هو أثبت الناس في قتادة، وقد تابعه عمر بن عامر، كما سيأتي في الرواية التالية، ولأن قوله: "فلبسها" ينافي قوله: "وكان ينهى عن الحرير"؛ لأنه لا يلبسها بعد النهي عنها.
والحاصل: أن الصحيح قوله: "قبل أن ينهى عن الحرير"، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" ٣/ ٢٧٤.
[ ٣٩ / ٣٤٢ ]
(فَعَجِبَ) بكسر الجيم، (النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ) - ﷺ -: ("وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) جمع مِنْديل -بكسر الميم- في المفرد، وهو الذي يُحمل في اليد، وقال في "العمدة": المنادل: جمع مِنديل، وهو الذي يُحمَل في اليد، مشتقّ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من يد إلى يد، وقيل: الندل: الوسخ، وفيه إشارة إلى منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه الجبة؛ لأن المناديل في الثياب أدناها؛ لأنه معدّ للوسخ، والامتهان، فغيره أفضل منه، وقيل: في قوله: "مناديل سعد" ضَرَب المثال بالمناديل التي يُمسح بها الأيدي، ويُنفض بها الغبار، ويُتخذ لِفافةً لجيِّد الثياب، فكانت كالخادم، والثياب كالمخدوم، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه الثياب - أعني جبة السندس - دلّ على عِظَم عطايا الرب -ﷻ-، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
[فإن قلت]: ما وجه تخصيص سعد به؟.
[قلت]: لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب لونًا، ونحوه، أو كان الوقت يقتضي استمالة سعد، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار، فقال: منديل سيدكم خير منها، أو كان سعد يُحبّ ذلك الجنس من الثياب، وقال صاحب "الاستيعاب": رُوي أن جبريل -﵇- نزل في جنازته معتجرًا بعمامة من استبرق. انتهى (^١).
(فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا")؛ أي: إن هذا في الدنيا قد أُعدّ لِلُبس الملوك، ومع ذلك لا يساوي مناديل سعد في الآخرة التي أُعدّت لإزالة الوسخ، وتنظيف الأيدي، فأيّ نسبة بين الدنيا والآخرة؟ فلا ينبغي للمرء الرغبة في الدنيا، وعن الآخرة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٦٣٣١ و٦٣٣٢] (٢٤٦٩)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٣/ ١٧٠.
[ ٣٩ / ٣٤٣ ]
"الهبة" (٢٦١٥ و٢٦١٦) و"بدء الخلق" (٣٢٤٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٣٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٤٢٣)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٦١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٣٧ و٧٠٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٧٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٢] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - (^١) حُلَّةً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: "وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَالِمُ بْنُ نُوحٍ) بن أبي عطاء البصريّ، أبو سعيد العطار، صدوق له أوهام [٩] مات بعد المائتين (بخ م دت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٥/ ١٥٣٢.
٢ - (عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السلميّ البصريّ قاضيها، صدوق له أوهام [٦] (ت ١٣٥) وقيل: بعدها (م س) تقدم في "الصيام" ٩/ ٢٥٥٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عُمر بن عامر.
[تنبيه]: رواية عمر بن عامر عن قتادة هذه ساقها النسائيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(٩٦١٤) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس، أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله - ﷺ - جُبّة سُندس، فَلَبِسها رسول الله - ﷺ - فتعجَّب الناس منها، فقال: "أتعجبون من هذه؟ فوالذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها"، وأهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله تكرهها، وألبسها؟ قال: يا عمر، إني إنما أرسلت بها إليك لِتَبعث بهاِ وجهًا، تُصيب بها"، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير. انتهى.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) وفي نسخة: "أهدى إلى رسول الله - ﷺ -".
[ ٣٩ / ٣٤٤ ]