هو: أبو ذَرّ الغفاريّ الصحابيّ الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلَف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جُنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل: بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، إلا في السكن، ويقال: إنه أخو عمرو بن عبسة لأمه، وقع في رواية لابن ماجه: أن النبيّ - ﷺ - قال لأبي ذر: يا جنيدب بالتصغير، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في "الصحيحين" على صفتين بينهما اختلاف ظاهر.
وقال الآجريّ عن أبي داود: لم يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه بهم، وكان يوازي ابن مسعود في العلم.
وكانت وفاته بالرَّبَذَة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود، في قصة رُويت بسند لا بأس به، وقال المدائني: إنه صلى عليه ابن مسعود بالربذة، ثم قَدِم المدينة، فمات بعده بقليل. انتهى مختصرًا من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: أبو ذرّ الغفاريّ، اسمه جندب -على الأصح، والأكثر- ابن جُنادة بن قيس بن عمرو بن مُليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، هو من كبار الصحابة - ﵃ -، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها، حتى قَدِم على النبيّ - ﷺ - عام الحديبية، بعد أن مضت بدر، وأُحد، والخندق، ويدل على كيفية إسلامه، وتفصيل أحواله: حديثه المذكور في مسلم، وكان قد غَلَب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فَضَل عن الحاجة كنز، وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبيّ - ﷺ -، فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأقدمه عثمان المدينة، فقدِمها، فزهد أبو ذر
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٧/ ١٢٥.
[ ٣٩ / ٣٦٦ ]
في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة، فأَذِن له، وقد كان رسول الله - ﷺ - أَذِن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين، على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في رَكْب، ولم يوجد له شيء يُكفّن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غَزْل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفّنه أحدٌ وَليَ شيئًا من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف.
روى عن رسول الله - ﷺ - مائتي حديث، وواحدًا وثمانين حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" ثلاثة وثلاثون حديثًا. انتهى (^١).
وتقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٣٩] (٢٤٧٣) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا كِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنيْسٌ، وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا، حَتى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ (^٢)، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ لِمَنْ؟ قَالَ: لله، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فَاكفِنِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٢) وفي نسخة: "فأتى الكاهن".
[ ٣٩ / ٣٦٧ ]
لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاء، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ (^١)، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟ فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ، وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ (^٢) عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى، قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ (^٣) قَوْلهِمَا، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَة، غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَان، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا (^٤)، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا هَابِطَان، قَالَ: "مَا لَكُمَا؟ "، قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَستَارِهَا، قَالَ: "مَا قَالَ لَكُمَا؟ "، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاَتهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَياهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: "وَعَلَيكَ وَرَحْمَةُ اللهِ"، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أنتَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِه، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِه، فَقُلْتُ فِي
_________________
(١) وفي نسخة: "على أقراء الشعراء".
(٢) وفي نسخة: "إذ ضرب الله على أسمختهم".
(٣) وفي نسخة: "على".
(٤) وفي نسخة: "من أنصارنا".
[ ٣٩ / ٣٦٨ ]
نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِه، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ قَالَ: "مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟ "، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ، قَالَ: "فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: "إِنَّهَا مُبَارَكَة، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِف، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ كَبَرْتُ مَا كَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ وُجَّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟، عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ، ويَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟، فَأتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْه، فَاَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزدِيُّ) هو: هُدبة بن خالد، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٢.
[ ٣٩ / ٣٦٩ ]
و"أَبُو ذَرٍّ - ﵁ -" تقدّم أول الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، كما سبق قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ) الغفاريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ - ﵁ -: (خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ) بدل، أو عطف بيان، وهو بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء: نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قاله في "اللباب" (^١). (وَكَانُوا)؛ أي: قومهم، (يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ)؛ أي: يستبيحونه، ويفعلون فيه ما يفعلون في الأشهر غير الحُرُم، والظاهر: أن المراد جنس الشهر الحرام، فيشمل الأربعة، وهي ذُو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب، وَيحتَمِل أن يريد بعضها، والأربعة هي أنزل الله تعالى فيها قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
قال الإمام ابن كثير -﵀-: قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فهذا مما كانت العرب في الجاهلية تحرّمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم، يقال لهم: البَسْل، كانوا يحرّمون من السنة ثمانية أشهر؛ تعمّقًا، وتشديدأ، والأربعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فإنما أضافه إلى مضر ليبيّن صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرَّم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبيّن - ﷺ - أنه رجب مضر، لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعةً، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحد فَرْد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرّم قبل شهر الحج شهرًا، وهو ذو
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٣٨٧.
[ ٣٩ / ٣٧٠ ]
القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرّم بعده شهرًا آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحَوْل؛ لأجل زيارة البيت، والاعتمار به لمن يَقْدَم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره، ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا. انتهى كلام ابن كثير -﵀- بتصرّف يسير (^١).
(فَخَرَجْتُ أَنَا) أتى به؛ لِيُمْكنه عَطْف ما بعده على ضمير الرفع المتّصل من غير ضعف، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَو فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَأَخِي أُنَيْسُ) بن جُنادة بن سفيان بن عُبيد بن حرام بن غِفار الغفاريّ، أخو أبي ذرّ، وكان أكبر منه، تأتي قصّته في الحديث. (وَأُمُّنَا) هي رملة بن الوقيعة، كما في "الإصابة". (فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا) لم يُعرف اسمه، (فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ)؛ أي: عشيرته الذين يجاورونه، (فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ)؛ أي: زوجتك، (خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ) يريدون: أنه يتعرّض لزوجته بالفاحشة. (فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا) بنون، ثم ثاء مثلّثة؛ أي: أشاع، وأفشى، يقال: نثوت الخبرَ نثوًا من باب قتل: أظهرته، والنثا وزانُ الحصى: إظهار القبيح، والحسَن، قاله الفيّوميّ (^٢).
وقال في "المشارق": قوله: "فنثا علينا الذي قيل": نثا؛ أي: أخبر بتقديم النون في الخير والشرّ، والثناء بتقديم الثاء ممدودًا في الخير وحده. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فنثا علينا"؛ أي: أظهر لنا بالقول، وإنما يقال: النثى -بتقديم النون، والقصر- في الشرّ، والكلام القبيح، وإذا قَدَّمْتَ الثاء، ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل. انتهى (^٤).
(عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ) من اتّهام أنيس بأهله، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٢/ ٣٥٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٣.
(٣) "مشارق الأنوار" ٢/ ٤.
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٩٢.
[ ٣٩ / ٣٧١ ]
مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ)؛ أي: إحسانك علينا، (فَقَدْ كَدَّرْتَهُ)؛ أي: أذهبت صفاءه، وأفسدته بما ذَكَرته من اتّهامك أنيسًا بما هو بريء منه، (وَلَا جِمَاعَ لَكَ) بكسر الجيم؛ أي: لا اجتماع بيننا وبينك يبقى بعدما أسأت إلينا بسوء الظنّ فينا، (فِيمَا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعِه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد اليوم. (فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا) بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: هي القطعة من الإبل، وتُطلق أيضًا على القطعة من الغنم، قال النوويّ، وقال الفيّومي: الصِّرْمَةُ بالكسر: القطعة من الإبل، ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصَغَّر على صُرَيْمَةٍ، والجَمْع صِرَمٌ، مثل سِدرة وسِدَرٍ، والصِّرْمَةُ: القطعة من السحاب، والصِّرْمُ: الطائفة المجتمعة من القوم، ينزلون بإبلهم ناحيةً من الماء، والجمعُ: أَصْرَائم، مثلُ حِمْلِ وأَحْمَالٍ. انتهى (^١).
والمعنى: طلبنا إبلنا حتى نركب عليها، ونَحْمل متاعنا؛ لنغادر ذلك المكان.
(فَاحْتَمَلْنَا)؛ أي: حَمَلنا أمتعتنا (عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك الصِّرْم، (وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي) لعله فَعَل ذلك ندمًا على ما فعل بأضيافه، أو حزنًا على فراقهم. (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من ذلك المكان، (حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ)؛ أي: بمكان قريب من مكة، قال الفيّوميّ: حَضْرة الشيء: فناؤه، وقُربه (^٢). (فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا) قال أبو عبيد وغيره في شرح هذا: المنافرة: وهي المفاخرة، والمحاكمة، فيَفْخَر كل واحد من الرجلين على الآخر، ثم يتحاكمان إلى رجل؛ ليحكم أيهما خير، وأعزّ نفرًا؟ وكانت منافرة أنيس هذه المفاخرة في الشعر أيهما أشعر؟ كما بيَّنه في الرواية الأخرى.
وقال النوويّ: معناه: تراهَنَ هو وآخر أيهما أفضل، وكان الرهن صِرْمة ذا، وصِرْمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحَكَم بأن أُنيسًا أفضل، وهو معنى قوله: "فخَيَّر أنيسًا"؛ أي: جعله الخيارَ، والأفضلَ. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٣٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٤٠.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٧.
[ ٣٩ / ٣٧٢ ]
وقال القرطبيّ: قوله: "فنافر أُنَيْس"؛ أي: التزم أن من قُضي له بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يُحَكِّما رجلًا بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب، يقال: نَفَره، يَنفِرُه، وَينفُره نفرًا: إذا غلب عليه. انتهى (^١).
(فَأَتَيَا الْكَاهِنَ) قال المجد -﵀-: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَر، وكَرُمَ، كَهانَةً بالفتح، وتَكَهَّنَ تَكَهُّنًا: قَضَى له بالغَيْب، فهو كاهِنٌ، جَمْعه: كَهَنَةٌ، وكُهَّانٌ، وحِرْفتُه: الكِهانَةُ بالكسر. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنة؛ كشِقٍّ، وسَطِيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجنّ، ورَئيًّا يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها على مواقعها، من كلام مَن يساله، أو فِعله، أو حاله، وهذا يخصونه باسم العرّاف؛ كالذي يَدّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما. انتهى (^٣).
(فَخَيَّرَ أُنَيْسًا)؛ أي: فقمله، وحَكَم بأنه خَيْر من منافره، وغالب له. (فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا) وهو الذي أخذه من مُنافره.
(قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ -: (وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِثَلَاثِ سِنِينَ) وفي رواية ابن عون الآتية: "سنتين"، ولا تَخالُف بينهما؛ إذ يُجمع بأنه كان سنتين وزيادة، فمن قال: "سنتين" ألغى الكسر، ومن قال: "ثلاث سنين" جَبَر الكسر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: هذا إلهام للقلوب الطاهرة، ومقتضى العقول السَّليمة؛ فإنَّها تُوفَّق للصواب، وتُلْهَم للرشد (^٤).
قال عبد الله بن الصامت: (قُلْتُ: لِمَنْ؟)؛ أي: لمن صلّيت؟ (قَالَ)
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٢.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١٥٨٥.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٤/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٩٢.
[ ٣٩ / ٣٧٣ ]
أبو ذرّ: (للهِ) -﷿- (قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء، أصله: تتوجّه بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(قَالَ) أبو ذرّ: (أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي)؛ أي: لا أخصّ جهة معيّنة أتوجّه إليها، بل إلى الجهة التي يوجهني الله تعالى إليها. (أُصَلِّي عِشَاءً)؛ أي: صلاتها، (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) الظاهر أن "كان" هنا تامّة، و"من" زائدة على قول من يرى زيادتها في الإثبات، و"آخر الليل" مرفوع على الفاعليّة؛ أي: أصلي من أول العشاء، وأواصل صلاتي إلى أن يجيء آخر الليل.
والمراد: أن أبا ذرّ - ﵁ - كان يصليّ قبل أن يؤمن بالنبيّ - ﷺ -، وقد أخرج ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي معشر قال: "كان أبو ذرّ يتألّه في الجاهلية، ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام" (^١)، والظاهر: أن صلاته كانت تختلف عن الصلاة المشروعة في الإسلام.
(أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ) قال القرطبيّ -﷿-: الرواية في "أُلقيت" بضم الهمزة، وكَسْر القاف؛ مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، والْخِفَاء بكسر الخاء والمدّ: هو الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء، أو ثوب، فذلك الغطاء خِفَاءٌ، ويُجمع على أَخْفِية، قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء: كساء يُطْرَح على السقاء. انتهى (^٢).
والمراد: أنه كان يصلّي من الليل طويلًا، حتى إذا كان آخر الليل اضطجع على فراشه، ونام كأنه كساء (^٣).
وقال النوويّ: قوله: "كأني خِفاء"، هو بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الفاء، وبالمدّ، وهو الكساء، وجَمْعه أَخْفية، ككساء وأكسية، قال القاضي: ورواه بعضهم عن ابن ماهان: "جُفَاء" بجيم مضمومة، وهو غُثاء السيل، والصواب المعروف هو الأول. انتهى (^٤).
(حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ)؛ أي: حتى تطلع الشمس، وظهر عليّ حرّها.
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٤/ ٢٢٢.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٩٣.
(٣) راجع: "التكملة" ٥/ ٢١٣.
(٤) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٨.
[ ٣٩ / ٣٧٤ ]
(فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ) الظاهر: أن أنيسًا قال هذا عندما كانوا مقيمين بموضع قريب من مكة. (فَاكْفِنِي)؛ أي: قُمْ بالأمر الذي أقوم به هنا. (فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر عن الرجوع، (ثُمَّ جَاءَ) قال أبو ذرّ (فَقُلْتُ) له: (مَا صَنَعْتَ؟) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء صنعت؟ (قَالَ) أنيس: (لَقِيتُ رَجُلًا) يريد النبيّ - ﷺ -، (بمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ)؛ أي: على التوحيد، ونفي الأضداد، والأنداد، (يَزْعُمُ)؛ أَي: يقول، وإنما عبّر بزعم؛ لكونه غير مسلم وقتئذ، (أَنَّ اللهَ) تعالى (أَرْسَلَهُ) قال أبو ذرّ: (قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟) في شأنه، هل استجابوا له، أو خالفوه، وعادوه؟ (قَالَ) أنيس: (يَقُولُونَ) هو (شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ)؛ أي: قال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ساحر، (وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ) الذين يميّزون الشعر وغيره. (قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَة، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشّعْرِ) وفي نسخة: "أقراء الشعراء"، والأقراء: بالفتح: جمع قَرْء بفتح القاف، وسكون الراء، وهو في اللغة: القافية، وأقراء الشعر: أنواعه، وأنحاؤه، كما في "القاموس"، والمراد: إني قارنت بين قوله، وبين أنواع الشعر.
وقال القرطبيّ: قوله: "على أقراء الشعر" قال ابن قتيبة: يريد أنواعه، وطُرقه، واحدها: قَرْء، فيقال: هذا الشعر على قَرْء هذا.
وقال أيضًا: "على أقراء الشعر" كذا الرواية الصحيحة: أقراء بالراء، جَمْع قَرْءٍ على ما تقدم، وقئده العذريّ: أقواء بالواو، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة، قال القاضي: لا وجه له. انتهى (^١).
(فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ) مراده: أني تيقّنت بأن ما يقوله رسول الله - ﷺ - ليس شعرًا، وكذلك لا يستطيع أحد غيري أن يجعله شعرًا (^٢).
وقال القرطبيّ: قوله: "فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر" هكذا الرواية عند جميع الشيوخ "بعدي" بالباء بواحدة، والعين المهملة بمعنى غيري،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٢) راجع: "التكملة" ٥/ ٢١٤.
[ ٣٩ / ٣٧٥ ]
يقال: ما فعل هذا أحد بعدك؛ أي: غيرك، كما يقال ذلك في "دُون"، وهو كثيرٌ فيها.
ومعنى الكلام: أنه لمّا اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قَطَع بأنه لا يصح لأحد أن يقول: إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخ: يَقْرِي بفتح الياء، قال القاضي: وهو جيّد، وأحسن منه: يُقْرِي، بضمها، وهو مِمَّا تقدَّم، يقال: أقرأت في الشعر، وهذا الشعر على قَرْء هذا، وقرؤه؛ أي: قافيته، وجَمْعها: أقراء، وفي بعض النُّسخ أيضًا: "على لسان أحد يُعْزَى إلى شعر"؛ أي: يُنسب إليه، ويوصف به، وللروايات كلها وجه. انتهى (^١).
(وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ) في قوله: إن الله أرسله، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في قولهم: شاعر، كاهن، ساحر.
(قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ -: (قُلْتُ: فَاكْفِنِي)؛ أي: كن أنت قائمًا بما قمت به أنا، (حَتَّى أَذْهَبَ) إلى مكة (فَأَنْظُرَ) حال هذا الرسول، وصِدْقه في دعواه، فأتّبعه على دينه. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ)؛ يعني: نظرت إلى أضعفهم، فسألته؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبًا، وفي رواية ابن ماهان: "فتضيّفت" بالياء، وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا (^٢).
(فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟) اسم فاعل من صبأ من دين إلى دين يَصْبَأُ مهموزًا بفتحتين: إذا خرج، فهو صَابِي، ثم جُعِل هذا اللقب عَلَمًا على طائفة من الكفار، يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتُنسب إلى النصرانية في الظاهر، وهم الصَّابِئَةُ، والصَّابِئُونَ، ويَدَّعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، ويجوز التخفيف، فيقال: الصَّابُونُ، وقرأ به نافعٌ، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٣).
والمراد هنا: هو النبيّ - ﷺ -؛ لأن العرب كانت تسميه - ﷺ - الصابئَ؛ لأنه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويُسمّون من يدخل في دين الإسلام مَصْبُوًّا؛
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٨.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
[ ٣٩ / ٣٧٦ ]
لأنهم كانوا لا يهمزون، فأبدلوا من الهمزة واوًا، ويُسمّون المسلمين الصُّباة، بغير همز، كأنه جَمْع الصابي غير مهموز، كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، قاله في "اللسان" (^١).
(فَأَشَار إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟) بالنصب على الإغراء؛ يعني: أن الرجل بدلًا من أن يدلّني على رسول الله - ﷺ -، دعا الناس إليّ، وأغراهم على أن يُلحقوا بي ضررًا قائلًا: الصابئ؛ أي: الزموه، واضربوه، ويَحْتَمل أن يكون "الصابئ" منصوبًا على المفعوليّة لفعل مقدّر مع أداة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أتَذْكُر الصابئ؟.
(فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي)؛ أي: أهل مكة، (بِكُلِّ مَدَرَةٍ) واحدة المَدَرُ، مثل قَصَبة وقَصَب، وهو التراب المتلبد، قال الأزهريّ: المَدَرُ: قِطَع الطين، وبعضهم يقول: الطين العِلْك الذي لا يخالطه رَمْلٌ، والعرب تسمي القرية مَدَرَةً؛ لأن بنيانها غالبًا من المدر، وفلان سَيّدُ مَدرَتهِ؛ أي: قريته، قاله الفيّوميّ (^٢).
(وَعَظْمٍ) معروف، جَمْعه: عِظامٌ، وأعظُمٌ، مثلُ سَهْمٍ، وسِهام، وأسهُم، (حَتَّى خَرَرْتُ) من باب ضرب، ونصر؛ أي: سقطت، حال كوني (مَغْشِيًّا عَلَيَّ)؛ أي: مغمًى عليّ، يقال: غُشي عليه كعُني غَشْيًا، وغَشَيانًا: أُغمي، فهو مغشيّ عليه، والاسم: الْغَشْيةُ، قاله المجد (^٣)، وقال الفيّوميّ: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِي عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل؛ الغَشْيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. انتهى (^٤).
(قَالَ) أبو ذرّ: (فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ)؛ أي: قُمت حين قُمت (كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ) بضمّ النون، والصاد، ويجوز تسكين الصاد، وهو الصنم والحجر
_________________
(١) "لسان العرب" لابن منظور ١/ ١٠٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٦.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٩٥٠.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ٣٩ / ٣٧٧ ]
الذي كانت الجاهليّة تنصبه للعبادة، وتذبح عنده، فيحمرّ بالدم، شبّه أبو ذرّ - ﵁ - نفسه بالنصب الأحمر؛ لتلوّثه بالدماء التي سالت من بدنه بسبب ضربهم إياه بالحجرة والمدرة، والعظم.
وقال القرطبيّ: أي: قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحدُ الأنصاب، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها، فتحمرّ بالدماء.
وقال النوويّ: قوله: "كأني نصب أحمر"؛ يعني: من كثرة الدماء التي سالت مِن ضَرْبهم له، والنصب: الصنم والحجر، كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمر بالدم، وهو بضم الصاد، وإسكانها، وجمعه أنصاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (^١).
(قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ) اسم للبئر المعروفة بمكة، ولا تنصرف؛ للتأنيث، والعلميّة، قال ابن فارس: هو من قولهم: زممت الناقةَ: إذا جعلت لها زمامًا تحبسها به، وذلك أن جبريل -﵇- لَمّا هَمَز الأرض بمقاديم جناحه، ففاض الماء زَمّتها هاجر، فسُمِّيت: زمزم (^٢).
وقال ابن الأثير: هي البئر المعروفة بمكة، قيل: سُمّيت بها؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمازم، وزمزم، وقيل: هو اسم عَلَم لها. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": سميت زمزم؛ لكثرتها، يقال: ماء زمزم؛ أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام، وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد: إنما سُمّيت زمزم؛ لأنها مشتقة من الْهَزْمة، والهزمة: الْغَمْز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهيّ بإسناد صحيح عنه، وقيل: لحركتها، قاله الحربيّ، وقيل: لأنها زُمَّت بالميزان؛ لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا. انتهى (^٤).
وقال في "التاج": وماء زمزم، كجَعْفَر، وعُلابِط؛ أي: كثير، قال أيضًا: زَمَّم، كبَقَّم، وزمزم، كجعفر، وزُمازِم مثلُ عُلابِط: بئر عند الكعبة، قال ابن بَرّيّ: لزمزم اثنا عشر اسمًا: زمزم، مكنومة، مضنونة، شُباعة سُقيا، الزواء،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٨.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٩٣.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ٣١٣.
(٤) "الفتح" ٣/ ٤٩٣.
[ ٣٩ / ٣٧٨ ]
رَكْضة جبريل، هَزْمة جبريل، شِفاء سُقْم، طعام طُعْم، حَفِيرة عبد المطلب، قال المرتضى: وقد جَمَعت أسماءها في نُبذة لطيفة، فجاءت على ما يَنيف على ستين اسمًا، مما استخرجتها من كتب الحديث، واللغة. انتهى (^١).
(فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ) بكسر الموحّدة؛ أي: مكثتُ، قال المجد: اللَّبْثُ، ويُضَمُّ، واللَّبَثُ مُحَرَّكَةً: المُكْثُ، لَبِثَ كَسَمِعَ، وهو نادرٌ؛ لأنّ المصدرَ من فَعِلَ بالكسرِ قِياسُهُ بالتَّحْريك؛ إذا لم يَتَعَدَّ. انتهى باختصار (^٢). (يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاِثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ يعني: خمسة عشر يومًا بلياليها، (مَا) نافية، (كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ)؛ يعني: أنه يستغني بشربها عن الطعام، (فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، يقال: سَمِنَ يَسْمَنُ، من باب تَعِب، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه، وشحمه، ويتعدى بالهمزة، وبالتضعيف، قاله الفيّوميّ (^٣).
(حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي) بضم العين المهملة، وفتح الكاف: جَمْع عُكْنة، بضمّ، فسكون، مثل غُرْفَة وغُرِف، والعُكْنَةُ: الطيّ في البطن، من السمن، وربما جُمع على أَعْكَان، وتَعَكَّنَ البطن: صار ذا عُكَنٍ (^٤).
(وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة: هي من الأمعاء معروفة، وهي مؤنّثة، وقال الفرّاء: تُذكّر، وتؤنّث، ويجوز التخفيف بفتحِ الكاف، وكسرها، مع سكون الباء، والجمع أكباد، وكُبُود قليلًا (^٥). (سُخْفةَ جُوعٍ) بفتح السين المهملة، وضمّها، وإسكان الخاء المعجمة، وهي رِقّة الجوع، وضَعفه، وهُزاله، قال الأصمعيّ: السخفة: الخفّة، ولا أحسب قولهم: سخيف إلا منه (^٦). (قَالَ) أبو ذرّ: (فَبَيْنَا) تقدّم أن أصلها "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وهي تضاف إلى الجملة بعدها، وتحتاج إلى جواب، وهو هنا قوله: "إذا ضُرب … إلخ". (أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ)؛
_________________
(١) "تاج العروس" ١/ ٧٧٤٨.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٢٢٤.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٠.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٤.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٣ بزيادة يسيرة من "القاموس".
(٦) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٨ - ٢٩، و"المفهم" ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ ٣٩ / ٣٧٩ ]
أي: مقمرة طلع قمرها، (إِضْحِيَانَ) بكسر الهمزة، والحاء، وإسكان الضاد المعجمة بينهما، وهي المضيئة، ويقال: ليلة إضحيان، وإضحيانة، وضَحْياء، ويوم ضَحْيان. انتهى.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "في ليلة قمراء إضْحِيان" القمراء: المقمرة، وهي التي يكون فيها قمر، ويُسمَّى الهلالُ قمرًا من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدرًا، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر، وإضحيان -بكسر الهمزة، والضاد المعجمة-: معناه كثيرٌ ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال: ليلة إضحيانٌ، وإضحيانةٌ، وضَحيانة: إذا كانت مضيئة. انتهى (^١).
(إِذْ ضُرِبَ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: "إذ ضرب الله" (عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ، وهو جمع سِماخ، وهو الْخَرْق الذي في الأُذُن، يفضي إلى الرأس، يقال: صِماخ بالصاد، وسِماخ بالسين، والصاد أفصح، وأشهر، والمراد بأصمختهم هنا: آذانهم؛ أي: ناموا، قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أنمناهم. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "ضُرب على أصمختهم "؛ أي: ناموا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾؛ أي: أنمناهم. الأصمخة: جمع صماخ، وهو خُرق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله: بالسين.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "أخطأ من قاله بالسين" فيه نظر، بل هذا هو الخطا، فإن السين لغة ثابتة، كما تقدّم في كلام النوويّ، وقد أثْبَتَه في "القاموس"، وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ) قال النوويّ: هكذا هو في معظم النسخ بالياء، وفي بعضها: "وامرأتان" بالألف، والأول منصوب بفعل
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٩.
[ ٣٩ / ٣٨٠ ]
محذوف؛ أي: ورأيت امرأتين (تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ) هما: صنمان، وقد تقدَّم ذِكرهما في "كتاب الحج"، وقد رَوَى ابن أبي نجيح: أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة حجَّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام، فأُخرجا منه، قاله القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال ياقوت الحمويّ: إساف بكسر الهمؤة، وآخره فاء، وإساف ونائلة صنمان كانا بمكة، قال ابن إسحاق: هما مسخان، وهما إساف بن بغاء، ونائلة بنت ذئب، وقيل: إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهيل، وإنهما زنيا في الكعبة، فمُسخا حجرين، فنُصبا عند الكعبة، وقيل: نصب أحدهما على الصفا، والآخر على المروة؛ ليُعْتَبر بهما، فَقَدُم الأمر، فأمر عمرو بن لُحَيّ الخزاعي بعبادتهما، ثم حوّلهما قصيّ، فجعل أحدهما بلصق البيت، وجعل الآخر بزمزم، وكان ينحر عندهما، وكانت الجاهلية تتمسح بهما.
وعن ابن عباس: أن إسافًا رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى، ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها بأرض اليمن، فأقبلا حاجين، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس، وخلوةً في البيت ففَجَر بها في البيت، فمُسخا، فأصبحوا، فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما، فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعدُ من العوب. انتهى (^٢).
(قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى) أراد أبو ذرّ - ﵁ - بهذا الكلام تعييرًا لهما على عبادة الصمنين، ودعائهما دون الله تعالى.
(فَالَ) أبو ذرّ: (فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا) وفي بعض النسخ: "على قولهما"، فتكون "على" بمعنى "عن"؛ أي: لم تمتنعا عن دعائهما إساف ونائلة.
وقال النوويّ: أي: ما انتهتا عن قولهما، بل دامتا عليه، ووقع في أكثر النسخ: "فما تناهتا على قولهما"، وهو صحيح أيضًا، وتقديره: ما تناهتا من الدوام على قولهما. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٥.
(٢) "معجم البلدان" لياقوت الحمويّ ١/ ١٧٠.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٩.
[ ٣٩ / ٣٨١ ]
(قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ) الهنُ، والهنة: بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفَرْج والذَّكَر، فقال لهما: ذَكَرٌ مِثْل الخشبة في الفرج، وأراد بذلك سبّ إساف ونائلة، وغيظ الكفار بذلك.
وقوله: (غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي)؛ أي: سببت إسافًا ونائلة بالكلام الصريح، لا بالكناية، و"أكني" بفتح الهمزة، من كنى ثلاثيًّا، من باب رمى، وبضمها من أكنى، وبضمها مع تشديد النون من كنّى بالتشديد، قال المجد -﵀-: كَنَى به عن كذا يَكْنِي، وَيكْنُو كِنايَةً: تَكَلَّمَ بما يُسْتَدَلُّ به عليه، أو أن تَتَكَلَّمَ بشيءٍ، وأنْتَ تُرِيدُ غيرَهُ، أو بِلَفْظٍ يُجاذِبُه جانِبَا حَقيقةٍ ومَجازٍ، وزيدًا أبا عَمْرٍو، وبه كُنْيَةً، بالكسر، والضم: سَمَّاهُ به، كأَكْناهُ، وكَنَّاهُ. انتهى (^١).
(فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ)؛ أي: تدعوان بالويل، وترفعان بذلك أصواتهما، وتقولان: يا ويلنا، (وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا) بفتح الهمزة: جَمْع نفر، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، وفي نسخة: "من أنصارنا"، وهو أوضح، والمراد: لو كان أحد من أنصارنا لأغاثنا، وانتصر لنا.
وقال القرطبيّ -﵀-: "لو كان أحدٌ من أنفارنا"؛ أي: من قومنا، وهو جَمْع نفر، والنَّفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف؛ أي: لنصرنا عليك، ونحوه. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: الولولة: الدعاء بالويل، والأنفار: جمع نفر، أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، ورواه بعضهم: "أنصارنا"، وهو بمعناه، وتقديره: لو كان هنا أحد من أنصارنا لانتصر لنا. انتهى (^٣).
(قَالَ) أبو ذرّ: (فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (وَهُمَا هَابِطَانِ)؛ أي: نازلان إلى البيت، (قَالَ) - ﷺ - للمرأتين: ("مَا لَكُمَا؟ ")؛ أي: أيُّ شيء أزعجكما، وجعلكما تولولان؟ (قَالَتَا: الصَّابِئُ)؛ أي: الخارج عن دين قومه، يُهمز، ولا يُهمز، وقد قُرئ بهما (^٤). (بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا)؛ أي:
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ١٧١٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٩٦.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٩.
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٩٦.
[ ٣٩ / ٣٨٢ ]
متعلّق في ذلك المكان، ويريدان أبا ذرّ - ﵁ -. (قَالَ) - ﷺ -: ("مَا قَالَ لَكُمَا؟ "، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ)؛ أي: كلمة عظيمة، حتى يكون الفم يضيق عنها؛ لِعِظَمها.
وقال النوويّ: أي: عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء الذي يملأ الشيء، ولا يسع غيره، وقيل: معناه: لا يمكن ذِكرها، وحكايتها، كأنها تسدّ فم حاكيها، وتملؤه؛ لاستعظامها. انتهى (^١).
(وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) إلى البيت (حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ) الأسود؛ فيه أن ابتداء الطواف منه. (وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ) أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، (ثُمَّ صَلَّى) ركعتي الطواف، فيه مشروعيّتهما. (فَلَمَّا قَضَى صَلَاَتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام) قال القرطبيّ -﵀-: يعني به: السلام عليك يا رسول الله! وظاهره أنه أُلهم النُّطق بتلك التحية؛ إذ لم يكن سمعها قبل ذلك، وعِلْمه بكونه أوّل من حيّاه يَحْتَمِل أن يكون إلهامًا، ويَحْتَمِل أن يكون عَلِمه بعد ذلك بالاستقراء، ثم أَخبر عنه، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
(قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ") قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النُّسخ: "وعليك" من غير ذِكر السلام، وفيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا قال في ردّ السلام: "وعليك" يجزئه؛ لأن العطف يقتضي كونه جوابًا، والمشهور من أحواله - ﷺ -، وأحوال السلف ردّ السلام بكماله، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله، أو: ورحمته وبركاته، وسبق إيضاحه في بابه. انتهى (^٣).
(ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: ("مَنْ أَنْتَ؟ "، قَالَ) أبو ذرّ: (قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ)؛ أي: أنا رجل من قبيلة غفار. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَهْوَى بِيَدِهِ)؛ أي: مدّ يده - ﷺ -، يقال: أهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأت إليه، قاله الفيّوميّ (^٤). (فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ) - ﷺ -، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ: فِي نَفْسِي)؛ أي: سرًّا من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٩ - ٢٣٠.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٩٦.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٢٣٠.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.
[ ٣٩ / ٣٨٣ ]
غير أن أُظهره، (كَرِهَ) بكسر الراء، يقال: كَرِهه، كسَمِعه، كَرْهًا بالفتح، ويُضمّ، وكراهَةً، وكراهيةً بالتخفيف، ومكرَهَةً، وتُضمّ راؤه، وتكرّهه: ضدّ أحبّه (^١). (أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ) قبيلتِه؛ لأنها معروفة بقطع الطريق، وقد وقع ذلك صريحًا فيما أخرجه ابن سعد في "طبقاته" من طريق الواقديّ من غير هذا السياق، وفيه: "فسأله النبيّ - ﷺ -: ممن أنت؟ فقال: من بني غفار، قال: فعجب النبيّ - ﷺ -، أنهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ - ﷺ - يرفع بصره فيه، ويصوِّبه تعجبًا من ذلك؛ لِمَا كان يَعْلَم منهم، ثم قال: إن الله يهدي من يشاء" (^٢).
وقد روى الواقديّ أيضًا: أن أبا ذرّ نفسه كان يقطع الطريق، فروى عن خُفَاف بن إيما بن رَحَضَة قال: "كان أبو ذرّ رجلًا يصيب الطريق، وكان شجاعًا يتفرد وحده يقطع الطريق، ويُغِير على الصِّرْم في عَماية الصبح على ظهر فرسه، أو على قدميه، كأنه السبع، فيطرُق الحيّ، ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبيّ - ﷺ -، وهو يومئذ بمكة، يدعو مختفيًا، فأقبل يسأل عنه، حتى أتاه في منزلة. . ." الحديث (^٣).
(فَذَهَبْتُ)؛ أي: شرعتُ (آخُذُ بِيَدِهِ) - ﷺ - (فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ)؛ أي: دفعني صاحبه أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، يقال: قَدَعه بالدال المهملة، كقطعه، وأقدعه: إذا كفّه، ومنعه.
وقال القرطبيّ -﵀-: "فَقَدَعَنِي صاحبه"؛ أي: كفَّني، ومنعني، يقال: قَدَعْتُ الرَّجَل، وأقْدَعتُه: إذا كففته، ومنه قول الحسن: اقْدَعُوا هذه الأنفس، فإنَّها طُلَعَةٌ، وهو بالدال المهملة. انتهى (^٤).
(وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي)؛ يعني: أن صاحبه أبا بكر - ﵁ - كان أعلم بشأن النبيّ - ﷺ -، وحاله من أبي ذرّ - ﵁ -، فلذلك مَنَعه لِعِلمه أنه - ﷺ - لا يُحبّ ذلك، (ثُمَّ رَفَعَ) - ﷺ - (رَأْسَهُ) إلى أبي ذرّ: (ثُمَّ قَالَ: "مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟ ")؛ أي: في
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١١٢٨ بزيادة من "المصباح".
(٢) "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٤/ ٢٢٣.
(٣) "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٤/ ٢٢٢.
(٤) "المفهم" ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
[ ٣٩ / ٣٨٤ ]
مكة، (قَالَ) أبو ذرّ (قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ أي: خمسة عشر يومًا بليالها، (قَالَ: "فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ) بضمّ، ففتح، وهو مضاف إلى (بَطْنِي) والعُكَن هي طاقات لحم البطن، والمراد بتكسّرها: انثناؤها وانطواؤها؛ يعني: انكسرت تلك العُكَن بسبب السِّمَن، (وَمَما) نافية، (أَجِدُ عَلَى كبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ)؛ أي: ضَعفه، وهُزاله. (قَالَ) - ﷺ -: ("إِنَّهَا)؛ أي: زمزم، (مُبَارَكَة) قال القرطبيّ -﵀-: أي: إنها تَظهَر بركتها على من صحَّ صِدقه، وحَسُنَت فيها نيّته، كما قد رَوَى العقيليّ أبو جعفر من حديث أبي الزبير، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ - قال: "ماء زمزم لِمَا شُرِب له"، فينبغي أن يُتبرّك بها، وتُحَسَّن النية في شُربها، ويُحْمَل من مائها، فقد روى الترمذيّ عن عائشة - ﵂ -: أنها كانت تَحْمِل من ماء زمزم، وتُخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يحمله، قال الترمذيّ: حديث حسن غريب (^١).
(إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم") بضمّ الطاء، وسكون العين المهملتين؛ أي: تُشبع شاربها، كما يُشبعه الطعام.
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "إنها طعام طعم" أي: يُشبَع منها، ويُرَدُّ الجوع، الرواية فيه: "طعامُ طعم" بالإضافة، والطعام: اسم لما يُتَطَعَّم، فكأنه قال: طعام إشباع، أو طعامٌ يُشبع، فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابن شميل، فإنه قال: يقال: إن هذا لطعامُ طُعمٍ؛ أي: يُطْعِم مَنْ أكَله؛ أي: يَشبَع منه الإنسان، وما يُطْعِم أكلُ هذا الطعام؛ أي ما يُشبع منه، غير أنه قد قال الجوهريّ: الطُّعْمُ بالضم: الطعام، وبالفتح: ما يُشتهَى منه، قال: قال أبو خراش [من الطويل]:
أُرَدُّ شُجَاعَ البَطنِ لَوْ تَعْلَمينه … ويُؤثَرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالطُّعمِ
وأَغْتَبِقُ الْمَاءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي … إذا الزَّادُ أَمْسَى للمُزَلَّج ذَا طَعْمِ
قال: فأراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يُشتهى.
قلت (^٢): وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى؛ فإنَّه يكون
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٨.
(٢) القائل: القرطبيّ -﵀-.
[ ٣٩ / ٣٨٥ ]
كقولك: طعامُ طعام، ولا يصحُّ؛ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه؛ وإنَّما يستقيم معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل، ويحصل من قولهما: أن طُعْمًا يُستعمل بمعنى الاسم، كما قاله الجوهريّ، وبمعنى الصفة، كما قاله ابن شميل، والله تعالى أعلم.
وقد روى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - في زمزم: "إنها مباركةٌ، وهي طعام طعم، وشفاء سُقم": أي: طعام من جوع، وشفاء من سُقْم. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ: "إنها طعام طُعْم"، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم: "وشِفاء سُقْم" (^٢).
قال: وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: "ماء زمزم لِمَا شُرب له" (^٣)، رجاله موثَّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله، ووَصْله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، ورجاله ثقات، إلا عبد الله بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات، كلاهما عن أبي الزبير بن سعيد، عن جابر.
ووقع في "فوائد ابن المقرئ" من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رَسْم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال، إلا أن سُويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خَلَط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك، عن ابن المؤمل، وقد جمعت في ذلك جزءًا، والله أعلم. انتهى (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٢) حديث صحيح.
(٣) حديث صحيح، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألبانيّ -﵀- في "الصحيحة" ٢/ ٥٤٣ وأورد ما أخرجه البيهقيّ: "كان يَحمل ماء زمزم في الأداوي والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى، ويَسقيهم"، ثم قال: صحيح، وله شاهد، ثم ذكر ذلك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٤) "الفتح" ٣/ ٤٩٣.
[ ٣٩ / ٣٨٦ ]
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدِّيق - ﵁ -: (يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِه)؛ أي: إطعامه الطعام (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: في هذه الليلة، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِف، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا)؛ أي: بمكة، (ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ)؛ أي: بقِيتُ ما بقيت بهذه الحالة، وقد تقدّم أن "غَبَر" من الأضداد، قال الفيّوميّ -﵀-: غَبَر غُبُورًا، من باب قَعَد: بقي، وقد يُستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُبُورًا: مكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. انتهى (^١).
(ثُمَّ أتيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ -: ("إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك -﵀- في "الكافية":
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى"
(قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أُريت جهتها بالوحي، (ذَاتُ نَخْلٍ) صفة لـ "أرض"، (لَا أُرَاهَا) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: لا أظنّ تلك الأرض (إِلَّا يَثْرِبَ)؛ يعني: المدينة؛ والمعنى: أنه - ﷺ - أُري دار هجرته أرضًا ذات نخل من غير أن تُسمّى له في الوحي، ولكنه فَهِمَ أنه أرض يثرب، وهذا اسمها الجاهليّ، قال في "المشارق": يثرب: اسم مدينة النبيّ - ﷺ - بثاء مثلّثة، وراء مكسورة، وقد غَيّر النبيّ - ﷺ - ذلك، فسمّاها طابة، وطَيْبة، كراهةً لِمَا في يثرب من التثريب، وقيل: سُمّيت يثرب بأرض بها، تُسَمَّى كذلك المدينة بناحية منها. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ: ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ، من باب ضرب: عَتَبَ، ولام، وبالمضارع بياء الغائب سُمِّي رجل من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبيّ - ﷺ -، فسُميت المدينة باسمه، قاله السهيليّ. انتهى (^٣).
وقال النوويّ: "لا أراها إلا يثرب" وهذا كان قبل تسمية المدينة طابة، وطيبة، وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن تسميتها يثرب، أو أنه سمّاها
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٢.
(٢) "مشارق الأنوار" ٢/ ٣٠٦.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٥.
[ ٣٩ / ٣٨٧ ]
باسم معروف عند الناس حينئذ. انتهى (^١).
(فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغ عَنِّي قَوْمَكَ؟)؛ أي: هل ترجع إلى قومك، وتدعوهم إلى الإيمان بي، واتباع ما جئت به؟؛ لأنه لا داعي في إقامتك بمكة، والمسلمون مضطهدون فيها، فهل تغتنم هذا الوقت بحمل رسالة الإسلام إليهم؟ (عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ)؛ أي: بسبب دعوتك، (وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ")؛ أي: يعطيك أجر دعوتهم، يقال: أَجَره الله أَجْرًا، من باب قَتَلَ، ومن باب ضَرَب لغة بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه (^٢).
وهذا الحديث يفسّره، ويوضّحه حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"، رواه مسلم.
قال أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا) أخاه، (فَقَالَ) أنيس: (مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ) النبيّ - ﷺ - بما جاء به من عند الله تعالى. (قَالَ) أُنيس: (مَا) نافية، (بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ)؛ أي: ما أكره دينك الذي جئت به من عند النبيّ - ﷺ -؛ لأن رغب إذا تعدّى بـ "عن" يكون بمعنى عدم إرادة الشيء، وإذا تعدّى بـ "في" يكون بمعنى إرادة الشيء، قال الفيّوميّ -﵀-: رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغْبًا، بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى، بفتح الراء، وضمّها، ورَغْبَاءُ، بالفتح، والمدّ، ورَغِبْتَ، عنه: إذا لم تُرِدْه. انتهى (^٣).
(فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا) تقدّم أنها رملة بنت الوقيعة، (فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا)؛ أي: لا أكرهه، بل أدخل فيه، (فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا) مبالغة الحمل؛ أي: حملنا، أنفسنا، وأمتعتنا، وكلّ ما كان معنا على إبلنا، ثم سافرنا.
وأخرج ابن سعد من طريق الواقديّ: أن أبا ذرّ "جاء إلى النبيّ - ﷺ -،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٨١.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٣١.
[ ٣٩ / ٣٨٨ ]
فقال: يا رسول الله أما قريش فلا أَدَعُهم، حتى أثار منهم، ضربوني، فخرج، حتى أقام بعُسفان، وكلما أقبلت عِير لقريش يحملون الطعام يُنَفِّر بهم على ثنية غزال، فتلقي أحمالها، فجمعوا الحنط، قال: يقول أبو ذرّ لقومه: لا يمس أحدٌ حبة، حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون الغرائر" (^١).
(حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا) بدل، أو عطف بيان، (فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ) معطوف على مقدّر؛ أي: دعوتها إلى الإسلام، فأسلم نصفهم، (وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ) "إيماء" بكسر الهمزة في المشهور ممدودًا، وحَكَى القاضي فتح الهمزة أيضًا، وأشار إلى ترجيحه، قال النوويّ: وليس براجح، و"رَحَضَة" بِراء، وحاء مهملة، وضاد معجمة مفتوحات.
قال في "الإصابة": إيماء بن رَحَصَة بن خربة بن خُفاف بن حارثة بن غِفار، قديم الإسلام، قال ابن المدينيّ: له صحبة، قال: وقد روى حنظلة الأسلميّ عن خفاف بن إيماء بن رَحَضة حديث القنوت، وقال بعضهم: عن إيماء بن رحضة، ثم ذكر قصّة مسلم هنا، وقوله: "وكان يؤمّهم إيماء بن رحضة الغفاريّ"، قال: ولكن ذكر أحمد في هذا الحديث الاختلاف على رواية سليمان بن المغيرة، هل هو خُفاف بن إيماء، أوأبوه إيماء بن رحضة؟ وعلى هذا فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدم على إسلام أبيه، والله أعلم.
وذَكَر الزبير بن بكار من حديث حكيم بن حزام أن إيماء بن رحضة حضر بدرًا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك، وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبًا من الحديبية، وهذا يعارض رواية مسلم، وقال ابن سعد: كان سكن غَيقة من ناحية السُّقْيَا، ويأوي إلى المدينة. انتهى (^٢).
(وَكَانَ) إيماء بن رَحَضَة (سَيِّدَهُمْ)؛ أي: سيّد قبيلة غفار، (وَقَالَ نِصْفُهُمْ) الباقي: (إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ)؛ أي: قبيلة أسلم
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ١٦٩.
[ ٣٩ / ٣٨٩ ]
-بفتح الهمزة، وسكون السين، وفتح اللام - بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في "اللباب" (^١). (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا) يعنون غِفارًا، (نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ)؛ أي: على دين الإسلام الذي جئت به من عند الله تعالى. (فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ") قال القرطبيّ -﵀-: إنما دعا النبيّ - ﷺ - لهاتين القبيلتين؛ لأنَّهما أسلمتا طوعًا، من غير قتال، ولا إكراه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين من المغفرة، والمسالمة لهما، وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق، وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الاْولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - عنه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٦٣٣٩ و٦٣٤٠ و٦٣٤١] (٢٤٧٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" مختصرًا (٤٥٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٧٤) وفي "فضائل الصحابة" (٢٤٧٣)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ٢١٩ - ٢٢٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٧٣) و"الأوسط" (٣/ ١٠٨) وفي "الأحاديث الطوال" (٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٣٣)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ١٥٧ - ١٥٨) و"دلائل النبوّة" (١٩٧)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٣٤١)، وفوائده تأتي في شرح رواية ابن عبّاس - ﵄ - التالية - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ بَعْدَ
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٥٨.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٩٩.
[ ٣٩ / ٣٩٠ ]
قَوْلِهِ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي، حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ، وَتَجَهَّمُوا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدْ شَنِفُوا لَهُ) بشين معجمة مفتوحة، ثم نون مكسورة، ثم فاء؛ أي: أبغضوه، ويقال: رجلٌ شَنِفٌ، مثالُ حَذِرٍ؛ أي: شانئٌ مُبْغِضٌ، قاله النوويّ (^١).
وقال المجد: شَنِف له، كفرِحَ: أبغضه، وتنكّره، فهو شَنِف، والشانف: المعرِض، وإنه لمشانف عنّا بأنفه: رافع. انتهى.
وقوله: (وَتَجَهَّموا)؛ أي: قابلوه بوجوه غليظة كريهة، من الجهم، وهو الوجه الغليظ السَّمِجُ، وجَهَمه، من باب منه، وسَمِع، وتجهّمه، وتجهّم له: إذا استقبله بوجه كريه، والمراد: أن أُنيسًا لمّا أَذِن لأبي ذرّ - ﵄ - في الذهاب إلى مكة حذّره من أهلها؛ لأنه لمّا ذهب إليها أوّلًا رأى في وجوه أهلها غلظةً، وكراهية للنبيّ - ﷺ -، وأصحابه - ﵃ -، ولمن يستخبر عن شأنهم، فأشار على أبي ذرّ بأن يكون منهم على حذر؛ لئلا يصيبوه بأذاهم.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "إنهم قد شَنِفُوا له، وتَجَهَّمُوا"؛ أي: أبغضوه، وعبسوا في وجهه، والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه: إذا كان غليظه، منعقده؛ كأنه يُعَبِّس وجهه لكل أحد. انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية النضر بن شُميل عن سليمان بن المغيرة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣١ - ٣٢.
(٢) "المفهم" ٦/ ٣٩٩.
[ ٣٩ / ٣٩١ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤١] (. . .) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَني ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أنبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِي اللهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَة، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّان، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ (^١) حَتَّى غَلَبَهُ، قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَطَافَ بِالْبَيْت، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَام، قَالَ: فَأَتيْتُهُ، فَإِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام، قَالَ: قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَنْ أنتَ؟ "، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَقَالَ: "مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتْحِفْنِي (^٢) بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِي) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ … إلخ) تقدّم وجه الجمع بينه وبين رواية ثلاث سنين قبل حديث.
وقوله: (فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء والجيم، وفي بعض النسخ: "تُوَجِّهُ"
_________________
(١) وفي نسخة: "يمدحه، ويُثني عليه حتى".
(٢) وفي نسخة: "ألحقني".
[ ٣٩ / ٣٩٢ ]
بضمّ التاء، وكسر الجيم، وكلاهما صحيح، قاله النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: "تُوجِّه" بالضبط الثاني، مضارع وَجَّهَ، بتشديد الجيم، وهو بمعنى توَجّه، يقال: وَجَّهُتُ إليك توجيهًا: بمعنى توجّهت، قاله في "القاموس" (^٢).
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) فاعل "اقتصّ" ضمير ابن عون.
وقوله: (فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ)؛ أي: تحاكما.
وقوله: (فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ) قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فلم يزل أخي أُنَيْس يمدحه حتى غلبه" كذا في رواية السِّجْزيّ وغيره، وهي واضحة؛ أي: لم يزل يُنشد شعرًا يقتضي المدح، حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر، وأنه أشعر منه، وكأنّ هذا الكاهن كان شاعرًا، فقضى بينهما بذلك، وفي رواية الْعُذْريّ: "فلم يزل أخي أنَيْس يمدحه، ويثني عليه" مكان: "حتى غلبه". قال: "فأخذنا صِرْمَته، فضَمَمْناها إلى صرمتنا"، والرواية الأُولى أَولى؛ لأنَّها أفادت معنى مناسبًا به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ صِرْمته؛ لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة؛ ولأن قوله: "ويثني عليه" مكرر؛ لأنَّه قد فُهم ذلك من قوله: "يمدحه"، فحَمْلُ الكلام على فائدة جديدة أَولى.
وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبيّن أن أخاه أُنَيْسًا كان شاعرًا مُفْلِقًا مُجيدًا، بحيث يُحكَم له بغلبة الشعراء، ومن كان هكذا عَلِم أنه عالم بالشعر، وأنواعه، فلما كان كذلك، وسمع القرآن، علم قطعًا أنه ليس بشعر، ولذلك قال: لقد وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر، ولا أنه - ﷺ - شاعر، فكان ذلك تكذيبًا لمن زَعَمه من جهَّال الكفار، ومن المعاندين الفجَّار.
قال القرطبيّ: وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت، وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد، واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه، وذلك: أن في حديث ابن الصامت: أن أبا ذر لقي
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٣٨٤.
[ ٣٩ / ٣٩٣ ]
النبيّ - ﷺ - أول ما لقيه ليلًا، وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة، ولا زاد له؛ وإنَّما اغتذى بماء زمزم، وفي حديث ابن عباس: أنه كان له قِربة، وزاد، وأن عليًّا - ﵁ - أضافه ثلاث ليال، ثم أدخله على النبيّ - ﷺ - في بيته، فأسلم، ثم خرج، فصرخ بكلمتي الإسلام، وكل واحد من السندين صحيح، فالله أعلم أيُّ المتنين الواقع، ويَحْتَمِل أن يقال: إن أبا ذرّ لمّا لقي النبيّ - ﷺ - حول الكعبة، وأسلم، لم يعلم به إذ ذاك عليّ؛ إذ لم يكن معهم، ثم إن أبا ذرّ بقي متسترًا بحاله، إلى أن استتبعه عليّ، ثم أدخله على النبيّ - ﷺ -، فجدَّد إسلامه، فظن الراوي: أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا الاحتمال بُعد، والله أعلم بحقيقة ذلك، قال: ولم أر من الشارحين لهذا الحديث من تنبَّه لهذا التعارض، ولا لهذا التأويل. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ولم أر من الشارحين … إلخ" بل قد تعرّضوا للجمع بين الحديثين، وسيأتي ما قاله الحافظ -﵀- عند شرح حديث ابن عبّاس - ﵄ - التالي -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا) الصرمة بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصغّر على صُرَيمة، والجمع صِرَمٌ، مثلُ سِدْرة، وسِدَر (^١).
وقوله: (مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ) لا تعارض بينه وبين ما سبق: "ثلاثين بين يوم وليلة"؛ لأن التقدير: خمس عشرة ليلة بأيامها.
وقوله: (أَتْحِفْنِي (^٢) بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ)؛ أي: خُصّني بها، وأكرمني بذلك، قال أهل اللغة: التحفة بإسكان الحاء، وفتحها: هو ما يُكرم به الإنسان، والفعل منه أتحفه، قاله النوويّ (^٣).
ووقع في بعض النسخ: "ألحقني" بدل "أتحفني"، والظاهر أنه مصحّف منه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٣٩.
(٢) وفي نسخة: "ألحقني".
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٢.
[ ٣٩ / ٣٩٤ ]
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن حميد بن هلال هذه ساقها البزّار -﵀- في "مسنده" بسند المصنّف، فقال:
(٣٩٤٦) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا ابن أبي عديّ، عن ابن عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: قال لي: يا ابن أخي صليت قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - ثلاث سنين، قال: قلت: فأين كنت توجه؟ قال: كنت أتوجه حيث وجَّهني الله، كنت أقوم من الليل ما شاء الله، فإذا كان من آخر الليل أَلقيت نفسي، كأني خِفَاء، وكنا مع خالنا، فقال له إنسان: إن أنيسًا يَخلُفُك في أهلك، قال: فقال له أخي أنيس: يا خالاه، أما ما صنعت من معروفك، فقد والله كدّرته، وأما نحن فلا نساكنك ببلد أنت به، قال: وكنا مع أمنا في صرمتنا، فنافر أخي أنيس رجلًا بصرمتنا، فتنافر إلى رجل من الكهان، ولم يزل أنيس يمدحه حتى غلبه، فأخذ صرمته، فضمَّها إلى صرمتنا، وانطلق أخي أنيس إلى مكة، فقال: لقد رأيت بها رجلًا إنه لأشبه الناس بك، يقال له: الصابئ، قال: قلت: حتى أذهب، فأنظر، قال: فأتيت مكة، فدنوت من إنسان، فقلت: أين هذا الذي يقال له: الصابئ؟ قال: فرفع صوته، وقال: صابي، صابي؟ قال: فرُميت، حتى تُركت كاني كذا، كلمة ذكرها ابن أبي عديّ، فانطلقت، فكنت بين مكة وأستارها، فخرجت ذات ليلة، فإذا أنا بامرأتين، تطوفان، تدعوان إسافًا ونائلة، قال: قلت: زوِّجوا إحداهما الأخرى، فقالتا: صابي، صابي، قال: قلت: أنا هَنٌ مثل خشبة في هَنِ، غير أني ما أكني، قال: فانطلقتا، فإذا هما بالنبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، مقبلين من أسفل مكة، فقالتا: هذا صابي بين الكعبة وأستارها، فجاء النبيّ - ﷺ -، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام، قال: فأتيته، قال: فإني أول الناس حيّاه بتحية الإسلام، قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله - ﷺ -، قال: "وعليك، من أنت؟ "، قلت: أنا من بني غفار، قال: فقال: "بيده كذا على وجهه"، قال: قلت: كره القومَ الذين انتميت إليهم، فذهبت أقول بيده، قال: فقال صاحبه بيده دون يدي، وكان أعلم مني، قال: فرفع يده، فقال: "منذ كم أنت ها هنا؟ " قال: قلت: منذ خمس عشرة، قال: "فما كان طعامك؟ " قلت: شراب زمزم، وما وجدت على كبدي سُخفة جوع، ولقد
[ ٣٩ / ٣٩٥ ]
تكسرت عُكَن بطني، قال: "أمَا إنه طعام طُعْم، وشفاء سُقْم"، قال: فقال أبو بكر: متِّعني بضيافة الليلة، قال: فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة، فقبض لي قبضات من زبيب، قال: وقال لي رسول الله - ﷺ -: "إنه قد ذُكر لي أرض بها نخل، فإذا بلغك أنّا قد أتيناها، فأُتِنا"، قال: فرجعت إلى أهلي، فقال أنيس: ما صنعت؟ قلت: بايعت رسول الله - ﷺ -، وأسلمت، فقال: ما بي رغبة عن دينك، أو ما بي عن دينك من رغبة، فأسلم أخي، وقالت أمي: ما بي عن دينكما من رغبة، فأسلمت، وأسلم ناس من قومنا، وقال الشطر الآخر: حتى أتلقى رسول الله - ﷺ -، فنشترط لأنفسنا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤٢] (٢٤٧٤) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ -وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيث، وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَكَّةَ، قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي، فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاء، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِني، فَانْطَلَقَ الآخَرُ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِه، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاق، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْر، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى أَدْرَكَهُ -يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ، فَرَآهُ عَلِيٌّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قُرَيْبَتَهُ، وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِد، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَرَى النَّبِيَّ - ﷺ - حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِه، فَمَرَّ بِهِ عَلِيُّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ، فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:
_________________
(١) "مسند البزار" ٩/ ٣٦٧ - ٣٦٩.
[ ٣٩ / ٣٩٦ ]
أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا أَصْبَحْتَ، فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِه، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي"، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فنادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيْه، فَقَالَ: ويلَكُمْ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ كِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ (^١) إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْه، فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) "عَرْعَرة" -بمهملات - الساميّ - بالمهملة - البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تَكَلَّم أحمد في بعض سماعه [١٠] (ت ٢٣١) (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩٤.
[تنبيه]: قوله: (السَّامِيُّ) بسين مهملة: نسبة إلى سامة بن لؤيّ بن غالب، قاله في "اللباب" (^٢).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) أبو سعيد البصريّ الناقد الجِهْبِذ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ) الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو سعيد البصريّ القَسّام القصير، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٧/ ١٥٦٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "تجارتكم".
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٩٥.
[ ٣٩ / ٣٩٧ ]
٥ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - نصر بن عمران بن عِصام الضُّبعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف، وهوأحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة - ﵃ - (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بصري، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، ثم بغداديّ، وفيه ابن عبّاس - ﵄ -، ذو المناقب الجمّة، دعا له رسول الله - ﷺ - بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر - ﵁ -: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشرة منا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، روى (١٦٩٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -؛ أنه (قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبا ذَرٍّ) هو جندب، وقيل: بريد بن جُنادة -بضم الجيم، والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام - بالمهملتين - ابن غِفار، وغِفار من بني كنانة، قاله في "الفتح" (^١)، وتقدّم ذِكر الخلاف في اسمه، واسم أبيه في أول الباب.
(مَبْعَثُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَكَّةَ)؛ أي: بَعْثه، وإرساله إلى الناس، فالمبعث مصدر ميميّ لِبَعَث. (قَالَ لأَخِيهِ) تقدّم أنه أُنيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي)؛ أي: وادي مكة، وفي أول رواية أبي قتيبة عند البخاريّ: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلًا من غفار، وهذا السياق يقتضي أن ابن عباس تلقّاه من أبي ذر - ﵁ -.
قال في "الفتح": وقد أخرج مسلم قصة إسلام أبي ذرّ من طريق عبد الله بن
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨٢، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
[ ٣٩ / ٣٩٨ ]
الصامت عنه، وفيها مغايرة كثيرة لسياق ابن عباس، ولكن الجمع بينهما ممكن، ثم ساق قطعة من أوله إلى قوله: "لقد سمعت كلام الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم عليها، والله إنه لصادق".
ثم قال: وهذا الفصل في الظاهر مغاير لقوله في حديث ابن الصامت: "إن أبا ذر قال لأخيه: ما شفيتني"، ويُمكن الجمع بأنه كان أراد منه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه، وأخباره، فلم يأته إلا بمجمل (^١).
(فَاعْلَمْ لِي)؛ أي: لأجلي، (عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ) منصوب بقوله: "اعلم".
(الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاء، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ) "من" للتبعيض؛ أي: اسمع بعض قوله؛ يعني: أنه يكفيه أن يسمع بعضه؛ لأنه يتبيّن به الصادق من الكاذب. (ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الآخَرُ)؛ أي: أنيس، وفي رواية للبخاريّ: "فانطلق الأخ"، وفي رواية الكشميهني: "فانطلق الآخر"، قال عياض: وقع عند بعضهم: "فانطلق الأخ الآخر"، والصواب الاقتصار على أحدهما؛ لأنه لا يُعرف لأبي ذرّ إلا أخ واحد، وهو أنيس. انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "فانطلق الآخر" هكذا هو في أكثر النُّسخ، وفي بعضها: "الأخ"، بدل "الآخر"، وهو هو، فكلاهما صحيح. انتهى (^٢).
(حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال، (مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ)؛ أي: من قول النبيّ - ﷺ -، (ثُمَّ رَجَعَ) أُنيس (إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأْيْتُهُ)؛ يعني: النبيّ - ﷺ -، (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ)؛ أي: بالأخلاق الحسان، وقوله: (وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ) كذا في هذه الرواية، بنصب "كلامًا"، وهو منصوب بالعطف على الضمير المنصوب، وفيه إشكال؛ لأن الكلام لا يُرَى، ويجاب عنه بأنه من قبيل قوله:
عَلَفْتُهَا تبنًا وماء باردًا … حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
وفيه الوجهان: الإضمار؛ أي: وَسَقَيْتها، أو ضَمَّن العَلْف معنى الإعطاء، وهنا يمكن أن يقال: التقدير: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعته يقول كلامًا
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨٢، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٣.
[ ٣٩ / ٣٩٩ ]
ما هو بالشعر، أو ضَمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، ووقع في رواية أبي قتيبة: "رأيته يأمر بالخير، وينهى عن الشرّ"، ولا إشكال فيها، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": [فإن قلت]: الكلام لا يُرَى.
[قلت]: فيه وجهان: الإضمار، والمجاز، من قبيل قوله:
عَلَفْتُهَا تبنًا وماء باردًا
أما الإضمار فهو: سَقَيْتُها ماءً، وأما المجاز فهو أنّ "عَلَفتها" بمعنى أعطيتها، وأما هاهنا فالإضمار هو أن يقدّر: وسمعته يقول كلامًا، وأما المجاز فهو أن يُضمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، فالتقدير: وأخذت عنه كلامًا ما هو بالشعر. انتهى (^١).
(فَقَالَ) أبو ذرّ لأخيه أُنيس - ﵄ -: (مَا) نافية، (شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ)؛ أي: ما أتيتني بالتفاصيل التي كنت أحبّ أن أعرفها.
وقال النوويّ: قوله: "فيما أردت" كذا في جميع نُسخ مسلم: "فيما" بـ "في"، وفي رواية البخاريّ: "مما" بالميم، وهو أجود؛ أي: ما بلّغتني غرضي، وأزلت عني هَمَّ كشف هذا الأمر. انتهى (^٢).
(فَتَزَوَّدَ)؛ أي: أخذ زاد، وهو طعام المسافر المتّخذ لسفره، والجمع أزواد. (وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ) بفتح الشين المعجمة: القربة البالية، وقوله: (فِيهَا مَاءٌ) جملة في محل نصب صفة لـ "شنّةً".
هذه الرواية صريحة في أن أبا ذرّ - ﵁ - كان معه زاد حين سافر إلى مكة، وقد مرّ في رواية عبد الله بن الصامت أنه لم يكن له طعام إلا ماء زمزم مدّة ثلاثين يومًا.
ويُمكن الجمع بينهما بأنه كان معه زاد في ابتداء سفره إلى مكة، ولكنه فنِي بعد وصوله إليها، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجدَ) الحرام (فَالْتَمَسَ)؛ أي: طلب (النَّبِيَّ - ﷺ -، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ)؛ أي: لأنه عَرَف أن قومه يؤذون من يقصده، أو يؤذونه بسبب قَصْد من يقصده، أو لكراهتهم في ظهور أمره لا يَدلّون من يسأل
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٧/ ٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٣.
[ ٣٩ / ٤٠٠ ]
عنه عليه، أو يمنعونه من الاجتماع به، أو يَخْدَعونه حتى يرجع عنه. (حَتَّى أَدْرَكَهُ)؛ أي: أبا ذرّ، وقوله: (يَعْني: اللَّيْلَ) ملحق من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم.
(فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام أبو ذرّ في المسجد، (فَرَآه عَلِيٌّ)؛ أي: ابن أبي طالب - ﵁ -، وهذا يدلّ على أن قصة أبي ذرّ وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ أن يستقل بمخاطبة الغريب، ويضيفه، فإن الأصح في سنّ علي حين المبعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وهذا الخبر يقوِّي القول الصحيح في سنّه.
(فَعَرَفَ أنَّهُ غَرِيبٌ)؛ أي: حيث اضطجع في محل لا يضطجع فيه أهل البلد، (فَلَمَّا رَآهُ تَبعَهُ)؛ أي: بعد استتباع عليّ له، ففي رواية للبخاريّ: "فمرّ بي عليّ، فقال: كَانّ الرجل غريبٌ؟ قال: قلت: نعم، قال: فانطلِقْ إلى المنزل، قال: فانطلقت معه". (فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح، (ثُمَّ احْتَمَلَ)؛ أي: حَمَل (قُرَيْبَتَهُ) بضمّ القاف تصغير قِربة، وفي بعض النُّسخ: "قِرْبته" بالتكبير، وهي الشنّة المذكورة قبله. (وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) الحرام، وهذا يدلّ على أن أبا ذرّ كان معه زاد إلى ذلك الوقت، فيعارضه ما تقدّم من رواية عبد الله بن الصامت الماضي، لكن يُمكن الجمع أيضًا بحمل قوله: "وزاده" على حذف مضاف، وعاء زادِه الذي نفِد.
وحاصله: أنه لم يَرْم الشنّة والقربة بعد نفاد ما فيهما من الماء والطعام، بل أخَذهما؛ ليستعملهما بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
(فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ) قال الفيوميّ -﵀-: ظَلَّ يفعل كذا يَظَلُّ، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى (^١).
(وَلَا يَرَى النَّبِيَّ - ﷺ - حَتَّى أَمْسَى)؛ أي: دخل في المساء، (فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ)؛ أي: محل نومه من المسجد، (فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ) - ﵁ - (فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ) وفي بعض النُّسخ: "آن"، وهما لغتان؛ أي: ما حان، وقرُب، وفي
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٦.
[ ٣٩ / ٤٠١ ]
بعض النسخ: "أما" بزيادة همزة الاستفهام، وهي مرادة في الرواية الأولى، ولكن حُذفت، وهو جائز، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وفي رواية للبخاريّ: "أما نال للرجل"؛ أي: أما حان، يقال: نال له، بمعنى آن له، قال في "الفتح": ويُروَى: "أما آن" بمد الهمزة، و"أَنَّى" بالقصر، وبفتح النون، وكلها بمعنى. انتهى (^٢).
وقوله: " (أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ) ببناء الفعل للفاعل، والمصدر المؤوّل فاعل "أنى"؛ أي: ما قرُب للرجل علمُ منزلة، ومكانه؟.
وقال في "الفتح": قوله: "أن يعلم منزلة"؛ أي: مقصده، ويَحْتَمِل أن يكون عليّ أشار بذلك إلى دعوته إلى بيته لضيافته ثانيًا، وتكون إضافة المنزل إليه مجازية؛ لكونه قد نزل به مرةً، ويؤيد الأول قول أبي ذرّ في جوابه: "قلت: لا". انتهى.
(فَأقامَهُ)؛ أي: أمر عليّ أبا ذرّ بالقيام من مكانه؛ ليذهب به إلى بيته؛ ليضيفه، (فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ) "كان" هنا تامّة بمعنى جاء، و"يوم الثالث" مرفوع على الفاعليّة، والإضافة فيه كقولهم: مسجد الجامع، فإن التقدير فيه: مسجد المكان الجامع، فالجامع صفة للمكان، لا للمسجد، وكذلك التقدير في يوم الثالث؛ أي: يوم الزمن الثالث. (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما فعل في اليومين الماضيين من إقامته من مكانه، ثم الذهاب به إلى بيته، وتقديم الضيافة له، (فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ) - ﵁ - (مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ) عليّ (لَهُ)؛ أي: لأبي ذرّ: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟) مكة (قَالَ) أبو ذرّ: (إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا) تأكيد لِمَا قبله، فإن الميثاق هو العهد. (لَتُرْشِدَنِّي)؛ أي: تدلّني على ما أبحث عنه، (فَعَلْتُ)؛ أي: حدّثتك بما سألت. (فَفَعَلَ)؛ أي: فأعطاه عليّ العهد والميثاق على ذلك، (فَأَخْبَرَهُ) بأن سبب قدومه مكة أنه سمع بمبعث النبيّ - ﷺ -، فأراد أن يلقاه، وفي رواية عند البخاريّ: "فأخبرته"، وفيه التفات. (فَقَالَ) عليّ - ﵁ -:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٣ - ٣٤.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥٨٤، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
[ ٣٩ / ٤٠٢ ]
(فَإِنَّهُ حَقٌّ)؛ أي: فإن الذي تبحث عنه حقّ، وليس بباطل، (وَهُوَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أرسله الله بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. (فَإذَا أَصْبَحْتَ)؛ أي: دخلت في وقت الصباح (فَاتَّبِعْنِي) بتشديد التاء، من الاتّباع، ويروى: "فاتبعني" ثلاثيًّا. (فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ) الظاهر أنه أراد البول، وفي رواية للبخاريّ: "كأني أصلح نعلي"، ويُحمل على أنه فعلهما جميعًا. (فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي)؛ يعني: إن لم أقف في الطريق، أو وقفت، ثم مضيت بعد حصول الأمن من الخوف، فاتبعني (حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي)؛ أي: محل دخولي، وهو المكان الذي فيه النبيّ - ﷺ -. (فَفَعَلَ) أبو ذرّ ما أمره به عليّ - ﵄ -، وهو ما بيّنه بقوله: (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب حال كونه (يَقْفُوهُ)؛ أي: يتبع عليًّا، (حَتَّى دَخَلَ) عليٌّ (عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَدَخَلَ) أبو ذرّ (مَعَهُ) قال الداوديّ: فيه الدخول بدخول المتقدّم، وكأن هذا قبل آية الاستئذان، وتعقبه ابن التين، فقال: لا تؤخذ الأحكام من مثل هذا، قال الحافظ: وفي كلام كل منهما من النظر ما لا يخفى (^١).
(فَسَمِعَ) أبو ذرّ (مِنْ قَوْلِهِ) - ﷺ -، (وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ)؛ أي: في المحلّ الذي سمع من قوله فيه.
وقال في "الفتح": قوله: "فسمع من قوله، وأسلم مكانه" كأنه كان يعرف علامات النبيّ - ﷺ -، فلمّا تحققها لم يتردد في الإسلام، هكذا في هذه الرواية، ومقتضاها أن التقاء أبي ذرّ بالنبيّ - ﷺ - كان بدلالة عليّ، وفي رواية عبد الله بن الصامت: "أن أبا ذرّ لقي النبيّ - ﷺ - وأبا بكر في الطواف بالليل، قال: فلما قضى صلاته قلت: السلام عليك يا رسول الله - ﷺ - ورحمة الله وبركاته، قال: فكنت أول من حيّاه بالسلام، قال: من أين أنت؟ قلت: من بني غفار، قال: فوضع يده على جبهته، فقلت: كَرِه أن انتميت إلى غفار … ". فذكر الحديث في شأن زمزم، وأنه استغنى بها عن الطعام والشراب ثلاثين من بين يوم وليلة، وفيه: "فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله - ﷺ - في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف. . ." الحديث، وأكثره مغاير لِمَا في حديث ابن عباس هذا عن أبي ذرّ.
_________________
(١) "الفتح" ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
[ ٣٩ / ٤٠٣ ]
ويمكن التوفيق بينهما بأنه لقيه أوّلًا مع عليّ، ثم لقيه في الطواف، أو بالعكس، وحَفِظ كل منهما عنه ما لم يحفظ الآخر، كما في رواية عبد الله بن الصامت من الزيادة ما ذكرناه، ففي رواية ابن عباس أيضًا من الزيادة قصته مع عليّ، وقصته مع العباس، وغير ذلك.
وقال القرطبيّ: في التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد، ولا سيما إن في حديث عبد الله بن الصامت: أن أبا ذرّ أقام ثلاثين لا زاد له، وفي حديث ابن عباس: أنه كان معه زاد، وقِربة ماء، إلى غير ذلك.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث ابن عباس ما تزوّده لَمّا خرج من قومه، ففرغ لمّا أقام بمكة، والقربة التي كانت معه، كان فيها الماء حال السفر، فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها، ولم يطرحها، ويؤيده أنه وقع في رواية أبي قتيبة: "فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. . ." الحديث (^١).
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ) بني غفار، (فَأَخْبِرْهُمْ) بالإسلام، وشرائعه التي تعلّمتها منّي، (حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي")؛ أي: شأني وحالي من النصر، والفتح، وانتشار الدعوة، وفي رواية البخاريّ: "اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك، فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل"، وتقدّم في رواية عبد الله بن الصامت: "إنه قد وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل، فهل أنت مبلّغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك؟ "، فذكر قصة إسلام أخيه أنيس، وأمه، وأنهم توجهوا إلى قومهم غفار، فأسلم نصفهم … الحديث (^٢).
(فَقَالَ) أبو ذرّ - ﵁ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد لأَصْرُخَنَّ بِهَا) بضمّ الخاء المعجمة؛ أي: لأصيحنّ بكلمة التوحيد، أراد أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، قال في "العمدة": وضُبط في بعض النّسخ: "لأُصَرّحَنّ" بالحاء المهملة، من التصريح (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
(٢) "الفتح" ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
(٣) "عمدة القاري" ١٧/ ٤.
[ ٣٩ / ٤٠٤ ]
وقال في "الفتح": قوله: "لأصرخن بها "؛ أي: بكلمة التوحيد، والمراد: أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، وكأنه فَهِم أن أمر النبيّ - ﷺ - له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوةً على ذلك، ولهذا أقرّه النبيّ - ﷺ - على ذلك.
ويؤخذ منه جواز قول الحقّ عند من تُخشَى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزًا، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه.
(بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ أي: بينهم، يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكْسَر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظَهْرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
(فَخَرَجَ) أبو ذرّ من عند النبيّ - ﷺ - (حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ) الحرام، (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَثَارَ الْقَوْمُ)؛ أي: هاجوا، وقاموا إليه، يقال: ثَارَ الغُبارُ يَثُورُ ثَوْرًا، وثُؤُورًا، على فُعُول، وثَوَرَانًا: هاج، ومنه قيل للفتنة: ثَارَتْ، وأَثَارَهَا العَدُوّ، وثَارَ الغضب: احتَدّ، وثَارَ إلى الشرّ نَهَض (^٢).
وفي رواية البخاريّ: "فقالوا: قوموا إلى هذا الصابي" -بالياء الليّنة - فقاموا، وكانوا يُسَمُّون من أسلم صابيًا؛ لأنه من صبا يصبو: إذا انتقل من شيء إلى شيء.
(فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ)؛ أي: ألقوه على الأرض، وفي رواية البخاريّ: "فضربوه حتى أوجعوه"، وفي رواية: "فضُربت لأموت"؛ أي: ضُربت ضربًا لا يبالي مَن ضربني أن لو أموت منه.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٨٧.
[ ٣٩ / ٤٠٥ ]
(فَأَتَى الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب - ﵁ -، (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) قال في "المشارق": كذا للكافّة، وعند العذريّ: "فكَبَّ"، وهو خطأ، والأول الصواب. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: كَبَبْتُ الإناءَ كَبًّا، من باب قتل: قلبته على رأسه، وكَبَبْتُ زيدًا كَبًّا أيضًا: ألقيته على وجهه، فأكَبَّ هو بالألف، وهو من النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيها، وقَصَر رباعيها، وفي التنزيل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، وأَكَبَّ على كذا بالألف: لازمه. انتهى (^٢).
وقال المجد: كبّه: قَلَبه، وصَرَعه، كأكبّه، وكبكبه، فأكبَّ، وهو لازم متعدّ، وأكبّ عليه: أقبل، ولزم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن أكبّ يتعدّى ويلزم، خلاف ما قاله الفيّوميّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) العبّاس: (ويلَكُمْ)؛ أي: ألزمكم الله الويل، وهو شدّة العذاب، أو واد في جهنّم. (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ) وفي بعض النُّسخ: "تجارتكم"، (إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ)؛ أي: خلّصه من أذاهم، (ثُمَّ عَادَ) أبو ذرّ (مِنَ الْغَدِ)؛ أي: اليوم الثاني، (بِمِثْلِهَا)؛ أي: الكلمة التي قالها بالأمس، وهي كلمة التوحيد، (وَثَارُوا إِلَيْه، فَضَرَبُوهُ، فَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه)؛ أي: خلّصه منهم.
قال في "الفتح" ما حاصله: الحديث يدلّ على تقدم إسلام أبي ذرّ، لكن الظاهر أن ذلك كان بعد المبعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ - ﵁ -، ومن قوله أيضًا في رواية عبد الله بن الصامت: "إني وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل"، فإن ذلك يُشعر بأن وقوع ذلك كان قرب الهجرة، والله أعلم. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "مشارق الأنوار" ١/ ٣٣٤.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٣.
(٣) "الفتح" ٨/ ٥٨٢ - ٥٨٦، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨٦١).
[ ٣٩ / ٤٠٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ برواية ابن عبّاس - ﵃ - هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: ظاهر سياق الشيخين أن هذا الحديث من مسند ابن عبّاس - ﵄ -، لكن الحقّ أنه من مسند أبي ذرّ - ﵁ -، وذلك لأمرين:
أحدهما: أن في رواية أبي قتيبة عند البخاريّ ما نصّه: "قال لنا ابن عبّاس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلًا من غفار .. . ." الحديث، فهذا صريح في كون ابن عبّاس أخذه عن أبي ذر - ﵁ -.
والثاني: أن ابن عبّاس - ﵄ - لم يحضر قصّة إسلام أبي ذرّ؛ لأن إسلامه كان في أوائل المبعث، روي عنه أنه قال: "كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة، وأنا الرابع"، ووُلد ابن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنين، فلم يحضرها قطعًا، وكلّ من أخبر عن قصّة لم يشهدها، فإنه مرسل، كما قال السيوطيّ في "ألفيّة الحديث":
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعَا حَوَى
فدلّ على أنه أخَذه عن أبي ذرّ - ﵁ -، ولذلك جعلته من مسند أبي ذرّ - ﵁ -.
ومن الغريب أن الحافظ المزّيّ: جعله في "تحفة الأشراف" من مسنديهما، فذكره في ترجمة ابن عبّاس - ﵄ - (٥/ ٢٦٣) وفي ترجمة أبي ذرّ - ﵁ - (٩/ ١٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٦٣٤٢] (٢٤٧٤)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٥٢٢) و"فضائل الصحابة" (٣٨٦١)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ٢٢٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير) (١٢/ ٢٢٦) و"الأوسط" (٣/ ١٠٨) وفي "الأحاديث الطوال" (٥)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ١٥٩) و"دلائل النبوّة" (١٩٧)، و(البزّار) في "مسنده) (٩/ ٣٣٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٣٨٢)، و(ابن عساكر) في "تاريخه" (٦٦/ ١٨٢)، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٤٠٧ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي ذرّ الغِفاريّ - ﵁ -.
٢ - (ومنها): بيان تقدم إسلام أبي ذرّ - ﵁ -، ولكن الظاهر أنه بعد البعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ - ﵁ - من مخاطبته لأبي ذرّ، وتضيّفه إياه، والأصح أن سنّه حين البعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، فظهر من ذلك أن إسلام أبي ذرّ بعد البعث بمدة بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ ما فعله (^١).
٣ - (ومنها): بيان ما أنعم الله تعالى على أبي ذرّ - ﵁ - من هدايته إلى التوحيد، ودين الإسلام، قبل أن يأتي الإسلام، ويعرفه، فكان يصلّي لله تعالى، ويُنكر عبادة الأصنام.
٤ - (ومنها): أن العاقل الموفّق لا يزال يبحث عن الحقّ، ويجتهد في الوصول إليه، ولا يقتصر بما لديه من الهدى، فقد أمر أبو ذرّ أخاه - ﵄ - بالذهاب إلى مكة، واستبيان الأمر، ثم لمّا لم يُقنعه ما أتى به، سافر بنفسه إليها، حتى وجد طَلِبته، وحصّل بُغيته، وقضى نَهْمته.
٥ - (ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأنه من عند الله تعالى، فقد شهد له أخو أبي ذرّ - ﵁ - الشاعر بأنه لا يُشبه كلام الكهّان، ولا قول الشعراء، بل هو من عند الله تعالى، وكان كفّار قريش يعلمون ذلك، ولكنهم معاندون للحقّ، كما وصفهم الله تعالى بذلك، حيث قال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]،
وقال أيضًا: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٣ - ١٤].
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو ذرّ - ﵁ - من الصلابة في الدين، حيث إنه أظهر ما أمره - ﷺ - بإخفائه، لكنه قال: "لأخرجنّ بها بين أظهرهم"، فصرخ بها في مجتمعهم، فقاموا عليه بكلّ ما يستطيعون، فلم يتراجع عما عزم عليه.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٧.
[ ٣٩ / ٤٠٨ ]
٧ - (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، وأنها مباركة، وطعام طُعم، وشفاء سُقم، يجد ذلك مَن صَدَق إيمانه، وتمّ إيقانه، اللَّهُمَّ اجعلنا من الصادقين.
٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصدّيق - ﵁ - من الكرم والسخاء حيث أخذ أبا ذرّ إلى بيته، وأضافه بزبيب الطائف، ومثله عليّ - ﵁ -.
٩ - (ومنها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة حيث أري النبيّ - ﷺ - دار هجرته أرضًا ذات نخل، قبل أن يهاجر إليها.
١٠ - (ومنها): أن فيه دلالةً على حُسْن تأتّى العباس - ﵁ -، وجودة فطنته، حيث توصَّل إلى تخليص أبي ذرّ - ﵁ - من أيدي المشركين بتخويفهم من قومه أن يقاصُّوهم بأن يقطعوا طُرُق متجرهم، وكان عيشهم من التجارة، فلذلك بادروا إلى الكفّ عنه.
١١ - (ومنها): بيان فضل قبيلة غفار، حيث أسلموا دون أيّ تردّد حين دعاهم أبو ذرّ - ﵁ -، فأسلم نصفهم، ووعد الباقون أن يُسْلموا بوصوله - ﷺ - إلى المدينة، فوَفَوا بذلك.
١٢ - (ومنها): بيان فضل قبيلة أسلم، حيث اقتدوا بغفار، فقالوا: "إخواننا نُسلم على الذي أسلموا عليه"، فاسلموا، ولذا قال - ﷺ -: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله"، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.