هو: عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ الأمويّ، أمير المؤمنين، أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، يَجتمع مع النبيّ -ﷺ- في عبد مناف، وعَدَد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبيّ -ﷺ- من حيث العدد في درجة عفّان، كما وقع لعمر سواءً، وُلد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين.
أسلم قديمًا، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلّفًا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به، فأسلم على يده فيما بلغني الزبير، وطلحة، وعثمان.
_________________
(١) "جامع الترمذيّ" ٥/ ٢٧٩.
[ ٣٨ / ٥١٦ ]
وزَوَّج النبيُّ -ﷺ- ابنته رقية من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوّجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين.
وجاء ممن أوجه متواترة أن رسول الله -ﷺ- بشّره بالجنة، وعدّه من أهل الجَنَّة، وشَهِد له بالشهادة.
وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لمَّا أنْ حصروه انتشد الصحابة في أشياء، منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبيّ -ﷺ- عنه تحت الشجرة لمَّا أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة، وغير ذلك.
وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رقية، وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتَب له النبيّ -ﷺ- بسهمه، وأجْره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- كان بَعَثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: "هذه عن عثمان"، وقال ابن مسعود لمّا بويع: بايَعْنا خَيْرنا، ولم نَأْلُ، وقال عليّ: كان عثمان أوْصَلَنا للرحم، وكذا قالت عائشة لمّا بلغها قتله: قتلوه، وإنه لَأوصَلُهم للرحم، وأتقاهم للرب.
وكان سبب قَتْله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَن حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن العريكة، كثير الإحسان والحِلْم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصو يشكون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي شرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب، ولا أَذِن، فقالوا: سلِّمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمة، فغضبوا، وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعَظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان.
[ ٣٨ / ٥١٧ ]
وروى البخاريّ في قصة قَتْل عمر أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلًا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرَّحمن بن عوف، فاختار عثمان، فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّةَ المحرّم سنة أربع وعشرين.
وقال ابن إسحاق: قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر.
وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب، كان عثمان اشتراه، فوسَّع به البقيع، وقُتل، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور، وقيل: دون ذلك، وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، يُكنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له، وأشهر كُنَاه: أبو عمرو، ولُقِّب بذي النُّورين؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- زوَّجه ابنتيه: رُقَيّة، وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، وقال -ﷺ-: "لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له"، أسلم قديمًا قبل دخول النبيّ -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة، ولمّا خرج رسول الله -ﷺ- إلى بدر خلّفه على ابنته رُقية يمرّضها، وضرب له رسول الله -ﷺ- بسهمه، وأجْره، فكان كمن شهدها، وقيل: كان هو في نفسه مريضًا بالْجُدَريّ، وبايع عنه رسول الله -ﷺ- بيده في يده في بيعة الرضوان، وقال: "هذه لعثمان"، وكان النبيّ -ﷺ- قد وجّهه إلى أهل مكة؛ ليكلمهم في أن يُخلُّوا بين النبيّ -ﷺ- وبين العمرة، فأُرجف بأن قريشًا قتلته، فبايع النبيّ -ﷺ- أصحابه بسبب ذلك. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٤٥٩، بزيادة يسيرة من "الفتح" ٨/ ٣٩٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ٣٨ / ٥١٨ ]
وقال القرطبيّ أيضًا: وتفصيل كيفية قَتْله، وما جرى لهم (^١) معه مذكور في التواريخ، وجملة الأمر أن قومًا من أهل مصرِ وغيرهم غلب عليهم الجهل، والهوي، والتعصب، فنَقَموا عليه أمورًا، أكثرها كَذِب، وسائرها له فيها أوجهٌ من المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خَلْعه، ولا قَتْله، فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يومًا، وهو في كل ذلك يعظهم، ويذكّرهم بحقوقه، ويتنصل مما نسبوه إليه، ويعتذر منه، ويصرح بالتوبة، ويحتج عليهم بحجج صحيحة، لا مَخْلَص لهم عنها، ولا جواب عليها، لكن أعْمَتْهم الأهواء ليغلب القضاء، فدخلوا عليه، وقتلوه مظلومًا، كما شَهِد له النبيّ -ﷺ-، وجماعة أهل السُّنَّة، وأُلقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام، لم يقدر أحدٌ على دفنه، حتى جاء جماعة بالليل خفية، وحملوه على لوح، وصلّوا عليه، ودُفن في موضع من البقيع، يسمى: "حش كوكب"، وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مرّ فيه يقول: يُدفن فيك رجل صالح، فكان هو المدفون فيه، وعُمِّي قبره؛ لئلا يُعرف، وقد نَسَب أهلُ الشام قَتْله إلى علي -﵁-، وهي نسبة كذب، وباطل، فقد صحَّ عنه أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في الدار، ولمّا بلغة ذلك قال لِقَتَلته: تبًا لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دِين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعَنْت على قتله، ولا أمرت، ولا رضيت، لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه، وقد كان عثمان منعهم من ذلك.
وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق، على ما قاله أبو عثمان النَّهْديّ، قال ابن إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر بن الخطاب -﵁-، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من مُتوفَّى رسول الله -ﷺ-، وقال الواقدي: قُتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة؛ يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة، قال ابن إسحاق: وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة، إلا
_________________
(١) أي: للخوارج الذين خرجوا عليه.
[ ٣٨ / ٥١٩ ]
أيامًا اختُلِف فيها حَسَب ما بيَّناه، وقد كان انتهى من الفضل، والعلم، والعبادة إلى الغاية القصوي، كان يصوم الدهر، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر.
وروى الترمذي، عن ابن عمر -﵄- قال: كنا نقول ورسول الله -ﷺ- حيّ: أبو بكر، وعمر، وعثمان. وقال فيه: حديثٌ صحيحٌ حسن.
وقد شَهِد له رسول الله -ﷺ- بأنه شهيد، ومن أهل الجنة، وقَتَلَته مخطئون قطعًا، وقد قَدِموا على ما قَدِمُوا عليه. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٩] (٢٤٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ، أَو سَاقَيْه، فَاستَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَسَوَّى ثِيَابَهُ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ: ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ- فَدَخَلَ، فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِه، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ، فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ؟ فَقَالَ: "أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السعديّ، أبو الحسن المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
[ ٣٨ / ٥٢٠ ]
٣ - (إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن حويطب (^١)، وقد ينسب إليه، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (خ م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٥٤/ ١٩٣٤.
٥ - (عَطَاءُ) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت ٩٢)، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقةٌ فاضلٌ أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر، وفيه عائشة -﵄- من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين -﵂- (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُضْطَجِعًا) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، اسم فاعل، من اضطجع، يقال: ضَجَعْتُ ضَجَعًا، من باب نَفَعَ، وضُجُوعًا: وضَعْتُ جنبي بالأرض، وأَضْجَعْتُ بالألف لغة، فأنا ضَاجِعٌ، ومُضْجعٌ، ويقال: اضطجع، واضَّجَعَ: إذا وضع جَنْبه بالأرض أيضًا، وأصله اضتجع، بوزن افْتَعَل، لكن من العرب من يقلب التاء طاء، ويُظهرها عند الضاد، فيقول: اضطجع، ومنهم من يقلب التاء ضادًا، ويُدغمها في الضاد؛ تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَعَ
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُويطب.
[ ٣٨ / ٥٢١ ]
بطاء مشدّدة؛ لأنّ الضاد لا تدغم في الطاء؛ فإن الضاد أقوى منها، والحرف لا يدغم في أضعف منه، وما ورد من ذلك شاذّ، لا يقاس عليه، أفاده الفيّوميّ -﵀- (^١).
وفي الرواية التالية: "وهو مضطجع على فراشه، لابسٌ مِرْطَ عائشة".
(فِي بَيْتِي) حال كونه (كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ) تقدّم أن فيه أربع لغات: فتح الفاء، وكسر الخاء، وإسكانها، مع فتح الفاء، وكسرها، وكسرهما معًا؛ للإتباع، وقوله: (أَوْ سَاقَيْهِ) "أو" هنا للشّكّ من الراوي، هل قال بلفظ الفخد، أو الساقي. (فَاسْتَأْذَنَ)؛ أي: طلب الإذن بالدخول على النبيّ -ﷺ-، (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَأَذِنَ) -ﷺ- (لَهُ)؛ أي: لأبي بكر، وقوله: (وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه -ﷺ- كائن على حالته المذكورة، من كَشْف فخذيه، أو ساقيه، (فَتَحَدَّثَ) أبو بكر معه -ﷺ-، وفي الرواية التالية: "فقضى إليه حاجته، ثمّ انصرف". (ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁- (فَأَذِنَ) -ﷺ- (لَهُ)؛ أي: لعمر (وَهُوَ كَذَلِكَ)؛ أي: والحال أنه -ﷺ- على حالته المذكورة، (فَتَحَدَّثَ)، وفي الرواية التالية: "فقضى إليه حاجته، ثمّ انصرف". (ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ) بن عفّان -﵁- (فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) قال الفيّوميّ ﵀-: الجُلُوسُ غير القعود، فإن الجُلُوسَ هو الانتقال من سفل إلى علوّ، والقعود هو الانتقال من علوّ إلى سفل، فعلى الأول يقال لمن هو نائم، أو ساجد: اجْلِسْ، وعلى الثاني يقال لمن هو قائم: اقْعُدْ، وقد يكون جَلَسَ بمعنى قَعَدَ، يقال: جَلَسَ متربعًا، وقَعَدَ متربعًا، وقد يفارقه، ومنه جَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَلَ وتمكن؛ إذ لا يسمى هذا قعودًا، فإن الرجل حينئذ يكون معتمدًا على أعضائه الأربع، ويقال: جَلَسَ متكئًا، ولا يقال: قَعَدَ متكئًا، بمعنى الاعتماد على أحد الجانبين.
وقال الفارابيّ، وجماعة: الجُلُوسُ نقيض القيام، فهو أعمّ من القعود، وقد يُستعملان بمعنى الكون والحصول، فيكونان بمعنى واحدٍ، ومنه يقال: جَلَسَ متربعًا، وجَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَلَ، وتَمَكَّن. انتهى (^٢).
(وَسَوَّى ثِيَابَهُ) بتشديد الواو؛ أي: عدّلها، وفي الرواية التالية: "قال
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٣٥٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٠٥.
[ ٣٨ / ٥٢٢ ]
عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك".
ثم اعترض بين المتعاطفين بتفسير بعض الرواة للمراد من الحديث، فقال: (قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن أبي حرملة مفسّرًا للحديث حسب ما رآه، (وَلَا أَقُولُ: ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) اسم الإشارة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور؛ يعني: أن دخول هؤلاء الثلاثة على النبيّ -ﷺ- ليس في يوم واحد، وإنما هو في أيام متعدّدة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن أبي حرملة، محْتَمِل، لا مجزوم به؛ إذ يَحْتَمِل أن يكون في يوم واحد؛ إذ لا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَدَخَلَ) معطوف على "فاستأذن"، وما قبله جملة معترضة، (فَتَحَدَّثَ)، وفي الرواية التالية عن عثمان: "فقضيتُ إليه حاجتي، ثم انصرفتُ".
(فَلَمَّا خَرَجَ) عثمان -﵁- (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- متعجبّة من فِعل النبيّ -ﷺ-، ومستفسرةً ذلك، (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) -﵁- (فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: "تهتش" بالتاء بعد الهاء، وفي بعض النسخ الطارئة بحذفها، وكذا ذكره القاضي، وعلى هذا فالهاء مفتوحة، يقال: هَشّ يَهَشّ، كشَمَّ يَشَمّ، وأما الهشّ الذي هو خَبْط الورق من الشجر، فيقال منه: هَشّ يَهُشّ، بضمّها، قال الله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية [طه: ١٨]، قال أهل اللغة: الهشاشة، والبشاشة، بمعنى طلاقة الوجه، وحُسْن اللقاء. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: "فلم تهتشَّ له" يُروَى: تهتش بالتاء باثنتين من فوقها، ويروى بحذفها، وفتح الهاء، وهو من الهشاشة، وهي الخفّة، والاهتزاز، والنشاط عند لقاء من يفرح بلقائه، يقال: هشَّ، وبشَّ، وتبشبش: كلها بمعنى.
(وَلَمْ تُبَالِهِ)؛ أي: لم تَكْتَرِث به، وتَحْتفل لدخوله، وقال القرطبيّ: لم تباله؛ أي: لم تعتني بأمره، وأصله من البال، وهو الاحتفال بالشيء، والاعتناء به، والفكر فيه، يقول: جعلته من بالي وفكري، وهو المعبَّر عنه في الرواية
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٣٨ / ٥٢٣ ]
الأخرى بقولها: "لم أرك فَزِعت له"؛ أي: لم تُقْبِل عليه، ولم تتفرغ له. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ -﵀-: قولهم: لا أُبَالِيه، وَلا أُبَالِي بِهِ؛ أي: لا أهتمّ به، ولا أكترث له، ولَمْ أُبَالِ، ولَمْ أَبلْ؛ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أُبَالِيهِ بَالَةً، والأصل باليةً، مثل عافاه معافاةً وعافيةً، قالوا: ولا تُستعمل إلا مع الجَحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى لا أُبَالِي: لا أبادر إهمالًا له، وقال أبو زيد: مَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالاةً، والاسم البِلاءُ، وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحَدِّث به نفسك. انتهى (^٢).
(ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ) -﵁- (فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ) -﵁- (فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيتَ)؛ أي: عدّلت (ثِيَابَكَ؟)؛ أي: فما سبب ذلك؟ (فَقَالَ) -ﷺ- مبيّنًا السبب: ("أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ") قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الرواية: "أستحي" بياء واحدة في كل واحدة منهما، قال أهل اللغة: يقال: استحيى يستحيي، بياءين، واستحى يستحي، بياء واحدة، لغتان، الأُولى أفصح، وأشهر، وبها جاء القرآن. انتهى (^٣).
وقال الفيّوميّ -﵀-: حَيِيَ منه حَيَاءً بالفتح، والمدّ، فهو حَيِيٌّ، على فَعِيل، واسْتَحْيَا منه، وهو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه، وبالحرف، فيقال: اسْتَحْيَيْتُ منه، واسْتَحْيَيْتُهُ، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٦٢.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٩.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ١٦٠.
[ ٣٨ / ٥٢٤ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٦١٨٩] (٢٤٠١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٤٠٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٦٧) وفي "فضائل الصحابة" (٧٦٠)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٥٦٥)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١/ ٢١١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٠٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤٨١٥)، و(اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة" (٧/ ١٣٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٠٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عثمان بن عفّان -﵁-، حيث كان كثير الحياء، بحيث إن الملائكة تستحيي منه، قال النوويّ -﵀-: فيه فضيلة ظاهرة لعثمان -﵁-، وجلالته عند الملائكة. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان أن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة، فينبغي للمسلم أن يتحلّى به، وقد قال -ﷺ-: "الحياء خير كلّه"، وفي لفظ: "الحياء لا يأتي إلا بخير".
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: وفي بقاء النبيّ -ﷺ- منكشف الفخذ حتى اطّلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أن الفخذ ليس بعورة، وقد تقدَّم الكلام فيه. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: هذا الحديث مما يحتج به المالكية، وغيرهم، ممن يقول: ليست الفخذ عورةً، ولا حجة فيه؛ لأنه مشكوك في المكشوف، هل هو الساقان، أم الفخذان؟ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ. انتهى (^٣).
قال المناويّ: لا يعارض هذا الحديث حديث جرهد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- مَرَّ به، وهو كاشف عن فخذه، فقال النبيّ -ﷺ-: "غَطِّ فخذك، فإنها من العورة"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن (^٤)؛ لاحتمال أن المراد بكشف
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٩.
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٦٣.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٨.
(٤) "جامع الترمذيّ" ٥/ ١١١.
[ ٣٨ / ٥٢٥ ]
فخذه أنه كان مجردًا عن الثوب الذي يخرج به للناس، وليس عليه إلا ثوب مهنة، وذلك هو اللائق بكمال حيائه -ﷺ-، وقد استدلّ بهذا الحديث البخاريّ وغيره على أن الفخذ ليست بعورة، واعترضه الإسماعيليّ بأنه لا تصريح فيه بعدم الحائل، ولا يقال: الأصل عدمه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح في المسألة ما قاله البخاريّ -﵀- في "صحيحه": "حديث أنس أسند (^٢)، وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرج من اختلافهم"؛ يعني: أن الأَولى العمل بحديث جرهد المذكور، فإنه صريح في كون الفخذ عورةً، خروجًا من الخلاف، وإن كان حديث أنس الذي دلّ على أن الفخذ ليست بعورة أقوى سندًا، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز تدلّل العالم والفاضل بحضرة من يُدِلّ عليه من فضلاء أصحابه، واستحباب تَرْك ذلك إذا حضر غريب، أو صاحب يستحي منه، قاله النوويّ (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: وفيه دليلٌ على جواز معاشرة كل واحد من الأصحاب بحَسَب حاله، ألا ترى انبساطه، واسترساله مع العُمَرَين -﵄- على الحالة التي كان عليها مع أهله، لم يُغيِّر منها شيئًا، ثم إنه لمّا دخل عثمان -﵁- غيَّر تلك التي كان عليها، فغطى فخذيه، وتهيَّأ له، ثم لمّا سُئل عن ذلك، قال: "إن عثمان رجل حييّ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يَبْلُغ إليَّ في حاجته"، وفي الرواية الأخرى: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟! "؛ أي: حياء التوقير والإجلال، وتلك منقبة عظيمة، وخصوصيَّة شريفة ليست لغيره، أعْرَض قَتَلَةُ عثمان -﵁- عنها، ولم يُعرِّجوا عليها. انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "فيض القدير على الجامع الصغير" للمناويّ ٤/ ٤٠٤.
(٢) أراد البخاريّ بحديث أنس ما أخرجه في "صحيحه"، مطوّلًا، وفيه: "فأجرى نبيّ الله -ﷺ- في زُقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبيّ الله -ﷺ-، ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني انظر إلى بياض فخذ نبيّ الله -ﷺ- … " الحديث.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٨.
(٤) "المفهم" ٦/ ٢٦٣.
[ ٣٨ / ٥٢٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٠] (٢٤٠٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاص، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَعُثْمَانَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِه، لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَال، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْه، فَجَلَسَ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: "اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ"، فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -﵄- كمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَال، أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) بن سعيد بن العاص بن أمية القرشيّ الأمويّ، ويقال: أبو الحارث المدني، أخو عمرو الأشدق، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعثمان، ومعاوية، وعائشة.
وروى عنه أشرس بن عبيد مولى أبيه، والربيع بن سَبْرة، والزهريّ.
قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال الزبير بن بكار: أمه العالية بنت سلمة بن يزيد بن مشجعة، وكان عبد الملك بن مروان حين قَتل أخاه عمرو بن سعيد الأشدق سيَّره إلى المدينة، فلَحِق بابن الزبير، ثم آمنه عبد الملك بعد قتل ابن الزبير، وقال ابن عساكر: بلغني أن عبد الملك كان يقول: ما رأيت أفضل من يحيى بن سعيد، وذكره معاوية بن صالح عن ابن معين في تابعي أهل المدينة، ومحدِّثيهم، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثّقه يعقوب بن سفيان.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[ ٣٨ / ٥٢٧ ]
٢ - (سَعِيدُ يْنُ الْعَاصِ) بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، قُتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبيّ -ﷺ- تسع سنين، وذُكِر في الصحابة، وَوَلي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، مات سنة ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك.
روى عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعائشة -﵃-.
وعنه: ابناه عمر ويحيى، ومولاه كعب، وغيرهم.
قال معاوية: لكل قوم كريم، وكريمنا سعيد، وقال أيضًا: أقيمت عربية القرآن على لسان سعيد؛ لأنه كان أشبههم برسول الله -ﷺ-. وقال ابن عبد البر: كان من أشراف قريش، وهوأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان.
مات سنة (٥٨ هـ) ودُفن بالبقيع.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائي، وابن ماجه في "التفسير"، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث (^١).
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ) "الْمِرْطُ" -بكسر الميم-: كساء من صوف، وقال الخليل: كساء من صوف، أو كتان، أو غيره، وقال ابن الأعرابيّ، وأبو زيد: هو الإزار، قاله النوويّ ﵀ (^٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الْمِرْط": كساء من صوف، أو خَزّ، يُؤتزر به، وتتلفّع المرأة به، والجمع: مُرُوطٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُولٍ. انتهى (^٣).
وقولفه: (وَقَالَ لِعَائِشَةَ: "اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ" هو كناية عن كمال التستّر، وعدم بروز شيء من بدنها.
وقولها: (لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -﵄- كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟)؛ أي: اهتممت لهما، واحتفلت بدخولهما، قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: "فزعت" بالزاي، والعين المهملة، وكذا حكاه القاضي عن رواية
_________________
(١) راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٦ - ٢٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٩.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٩.
[ ٣٨ / ٥٢٨ ]
الأكثرين، قال وضَبَطه بعضهم: "فَرَغت" بالراء، والغين المعجمة، وهو قريب من معنى الأول. انتهى (^١).
وقوله: (رَجُلٌ حَيِيٌّ) بفتح، فكسر: فَعِيلٌ بمعنى فاعل؛ أي: كثير الحياء، لا يُفصح بسبب حيائه بحاجته إليّ.
وقوله: (وَإِنِّي خَشِيتُ) بفتح الخاء، وكشر الشين المعجمتين، من باب رَضِي.
وقوله: (إِنْ أَذِنْتُ لَهُ) بكسر الذال المعجمة، من باب تَعِبَ.
وقوله: (أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ)؛ يعني: أني إن أَذِنت له في تلك الحال أخاف أن يرجع حياءً مني عندما يراني على تلك الهيئة، ولا يَعْرِض عليّ حاجته؛ لغلبة الحياء عليه.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْد بْنُ حُمَيْدٍ، كلُّهُمْ عَنْ يَعْقُوبَ ئنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاص، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ استَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) فاعل "ذَكَر" ضمير صالح بن كيسان.
[تنبيه]: وواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده"، عن شيخ المصنّف عمرو الناقد، فقال:
(٤٨١٨) - حدّثنا عمرو بن محمد، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٦٩.
[ ٣٨ / ٥٢٩ ]
عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أخبرني يحيى بن سعيد بن العاص، أن سعيد بن العاص أخبره، أن عثمان وعائشة حدّثاه، أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله -ﷺ-، وهو مضطجع على فراشه، لابسٌ مِرْط عائشة، فأَذِن لأبي بكر، وهو كذلك، قال: فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، وقال عثمان: ثم استأذن عمر، فأَذِن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال: فقالت عائشة: لم أَرَكَ فَزِعت لأبي بكر وعمر كما فَزِعت لعثمان، فقال رسول الله -ﷺ-: "إن عثمان رجل حَييٌّ، خَشِيت إن أذنت له، وأنا على تلك الحال، أن لا يبلغ في حاجته". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٢] (٢٤٠٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي حَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَة، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، يَرْكُزُ بِعُودٍ مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّين، إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ: "افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، قَالَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: "افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: "افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة، عَلَى بَلْوَى تَكُونُ"، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَفَتَحْتُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، قَالَ: وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا، أَوِ اللهُ الْمُسْتَعَانُ) (^٢).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزَّمِن، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
_________________
(١) "مسند أبي يعلى" ٨/ ٢٤٢.
(٢) وفي نسخة: "اللهمّ صبرًا، والله المستعان".
[ ٣٨ / ٥٣٠ ]
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ) -بغين معجمة، وثاء مثلثة- الراسبيّ، أو الزهرانيّ البصريّ، ثقةٌ، ورُمي بالإرجاء [٦] (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) -بفتح النون وسكون الهاء- هو: عبد الرحمن بن مَلّ -بلام ثقيلة، والميم مثلثة- مشهور بكنيته، مخضرمٌ ثقةٌ، ثبتٌ، عابدٌ، من كبار [٢] مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة- الصحابي المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.