هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشيّ الهاشميّ، أبو العباس، ابن عمّ رسول الله - ﷺ - أمه أم الفضل، لبابة بنت الحارث الهلالية، وُلد وبنو هاشم بالشِّعْب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس، والأول أثبت، وهو يقارب ما في "الصحيحين" عنه: "أقبلت، وأنا راكب على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، والنبيّ - ﷺ - يصلي بمنى إلى غير جدار. . ." الحديث، وفي "الصحيح" عن ابن عباس: "قُبِض النبيّ - ﷺ -، وأنا خَتين"، وفي رواية: "وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك"، وفي طريق أخرى: "قُبض وأنا ابن عشر سنين"، وهذا محمول على إلغاء الكسر.
وروى الترمذيّ من طريق ليث، عن أبي جهضم، عن ابن عباس؛ أنه رأى جبرائيل -﵇- مرتين.
وفي "الصحيح" عنه: "أن النبيّ - ﷺ - ضمّه إليه، وقال: اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة"، وكان يقال له: حبر العرب، ويقال: إن الذي لقّبه بذلك جرجير ملِك المغرب، وكان قد غزا مع عبد الله بن أبي سرح إفريقية، فتكلم مع جرجير،
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٤/ ١٥٨٣.
[ ٣٩ / ٤٢٨ ]
فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في "الأخبار المنثورة" له.
وقال الواقديّ: لا خلاف عند أئمتنا أنه وُلد بالشِّعب حين حَصَرت قريشٌ بني هاشم، وإنه كان له عند موت النبيّ - ﷺ - ثلاث عشرة سنةً.
وروى أبو الحسن المدائني عن سُحيم بن حفص، عن أبي بكرة قال: قَدِم علينا ابن عباس البصرة، وما في العرب مثله جسمًا وعلمًا وثيابًا وجمالًا وكمالًا.
قال ابن يونس: غزا إفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين، وقال ابن منده: كان أبيض طويلًا مُشَرَّبًا صفرة، جسيمًا، وَسِيمًا، صَبيح الوجه، له وَفْرة، يخضب بالحناء.
وساق الزبير بن بكّار بسند له إلى موسى بن عقبة، عن مجاهد أن ابن عباس مات بالطائف، فصلى عليه ابن الحنفية، فجاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فما خرج منها، فلما سُوِّي عليه التراب قال ابن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الأمة.
وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عبد الله بن يامين، أخبرني أبي، أنه لمّا مُرّ بجنازة عبد الله بن عباس جاء طائر أبيض، يقال له الغرنوق، فدخل في النعش، فلم يُرَ بعدُ، وأخرج ابن سعد، من طريق يعلى بن عطاء، عن بجير بن عبد الله قال: لمَّا خرج نعش ابن عباس جاء طائر أبيض، عظيم من قِبَل وَجّ حتى خالط أكفانه، فلم يُدر أين ذهب؟ فكانوا يَرَوْن أنه عِلمه.
وقال الحسن بن عرفة في "جزئه": حدّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: مات ابن عباس بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر أبيض، لم يُرَ على خِلقته، فدخل في نعشه، ولم يُرَ خارجًا منه، فلما دُفِن تُليت هذه الآية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] إلى آخر السورة.
وفي وفاته أقوال: سنة خمس وستين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وهو الصحيح في قول الجمهور.
وقال المدائنيّ عن حفص بن ميمون، عن أبيه: تُوُفِّي عبد الله بن عباس
[ ٣٩ / ٤٢٩ ]
في الطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل بين النعش والسرير، فلمّا وُضع في قبره سمعنا تاليًا يتلو: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ الآية، واتفقوا على أنه مات بالطائف سنة ثمان وستين، واختلفوا في سنّه، فقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: ابن أربع، والأول هو الأقوى، ذَكَره في "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم، يُكنى: أبا العباس. وُلد في الشِّعب، وبنو هاشم محصورون فيه، قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختُلِف في سِنِّه، يوم موت النبيّ - ﷺ -، فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه سعيد بن جبير عنه، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير؛ لأنَّه أخرجه من مكة، وتُوُفِّي ابن عباس، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة، وضَرب على قبره فسطاطًا (^٢)، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبيّ - ﷺ - مرتين، ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود - ﵁ - فيه: نِعم تُرجمان القرآن ابن عباس، وكان عمر - ﵁ - يقول: فتى الكهول، لسان سَؤول، وقلب عَقول، وقال مسروق: كنتُ إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس، وكان يُسمى البحر: لغزارة علمه، والحبر: لاتساع حفظه، ونفوذ فهمه، وكان عمر - ﵁ - يقرّبه، ويُدنيه؛ لجودة فهمه، وحسن تأتِّيه.
وجملة ما رَوَى عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وستمئة وستين (^٣)، أُخرج
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ١٤١ - ١٥١.
(٢) قال الجامع: هذا ما أظنه صحيحًا؛ لأن ابن الحنفيّة كان من أهل العلم، وضَرْب الفسطاط على القبر مُحْدَث، ليس من الشريعة، بل هو مخالف لِمَا جاء به النبيّ - ﷺ -، فليُتنبّه.
(٣) ذُكر أن لابن عبّاس - ﵄ - في "مسند بقيّ بن مخلد" (١٦٩٦) حديثًا.
[ ٣٩ / ٤٣٠ ]
له في "الصحيحين" مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤٨] (٢٤٧٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْر، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ "، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: قَالُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
[تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: قوله: "وأبو بكر بن النضر" هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: "أبو بكر بن النضر"، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة "صحيح مسلم"، وفي نسخة العذريّ: "أبو بكر بن أبي النضر"، قال: وكلاهما صحيح، هو أبو بكر بن النضر بن أبي النضر هاشم بن القاسم، سماه الحاكم "أحمد"، وسمّاه الكلاباذي "محمدًا"، هذا ما ذكره القاضي، وقال النوويّ: وممن قال اسمه أحمد: عبد الله بن أحمد الدَّورقيّ، وقال السرّاج: سألته عن اسمه، فقال: اسمي كنيتي، وهذا هو الأشهر، ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه "الكنى" غيره، والمشهور فيه أبو بكر بن أبي النضر. انتهى (^٢).
٣ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبُهُ قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في المقدمة" ٦/ ٣٦.
٤ - (وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ) أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوق، في حديثه عن منصور لِينٌ [٧] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ٩٩٩.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٥٥ - ٤٠٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٧.
[ ٣٩ / ٤٣١ ]
[تنبيه]: قوله: (الْيَشْكُرِيُّ) بفتح الياء، وسكون الشين، وضمّ الكاف، بعدها راء: نسبة إلى يشكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة، وهو أخو بكر وتغلب ابني وائل، وقيل: هو يشكر بن بكر بن وائل، وهو أصحّ، قاله ابن الكلبيّ، وأبو عبيدة، والمبرد (^١).
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ، كثير الحديث [٤] (ت ١٢٦) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في "الصيام" ٢١/ ٢٦٦٢.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - حبر الأمة، وبحرها، وقد سبق القول فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَن وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ الْيَشْكُرِيِّ)، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزيدَ) المكيِّ، لا يُعرف اسم أبيه، (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أتى الْخَلَاءَ) وفي رواية البخاريّ: "دخل الخلاء"، و"الخلاء" بالمدّ: حقيقته المكان الخالي، ثم استعمل في المكان المعدّ لقضاء الحاجة مجازًا، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال الفيّوميّ -﵀-: الخلاء بالمدّ مثلُ الفضاء، والْخَلَاءُ أيضًا: الْمُتوضَّأُ. انتهى (^٣).
(فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو؛ أي: ماءً ليتوضّأ به، وقيل: يَحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نَظَر، قاله في "الفتح" (^٤). (فَلَمَّا خَرَجَ) من الخلاء (قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ ") "من" استفهاميَّة؛ أي: أي شخص وضع هذا الماء؛ (فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ)؛ أي: ابن حرب شيخه الأول، (قَالُوا)؛ أي: الناس
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٣/ ٤١٣.
(٢) "الفتح" ١/ ٤٢٣.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٨١.
(٤) "الفتح" ١/ ٤٢٣، كتاب "الوضوء" رقم (١٤٣).
[ ٣٩ / ٤٣٢ ]
الحاضرون عند السؤال، وفي رواية أحمد، وابن حبان من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس فيها عندها؛ ليرى صلاة النبيّ - ﷺ -، كما سبق في موضعه.
وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس في قيامه خلف النبيّ - ﷺ - في صلاة الليل، وفيه: "فقال لي: ما بالك أجعلك حِذائي، فتَخْلُفني؟ فقلت: أوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك، وأنت رسول الله - ﷺ -؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا" (^١).
(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: ابن النضر شيخه الثاني، (قُلْتُ) ففيه أن جواب السؤال لابن عبّاس، وقوله: (ابْنُ عَبَّاسٍ) فاعل لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال؛ أي: وَضَعه ابن عبّاس، وعلى رواية "قلت" يكون فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: "أنا". (قَالَ) - ﷺ -: ("اللَّهُمَّ فَفهْهُ") زاد في رواية البخاريّ: "في الدين"، وفي رواية للبخاريّ: "اللَّهُمَّ علّمه الكتاب"، والمراد بالكتاب: القرآن؛ لأن العُرف الشرعيّ عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعمّ من حِفظه، والتفهم فيه.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "اللَّهُمَّ فقهه" هنا انتهى حديث مسلم، وقال البخاري: "اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين"، وفي رواية قال: "ضمّني رسول الله - ﷺ -، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الكتاب"، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات: "اللهُمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل"، قال: وفي حديث آخر: "اللَّهُمَّ بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين"، وفي حديث آخر: "اللَّهُمَّ زده علمًا، وفقهًا"، قال: وكلها حديث صحيح. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": ووقع في رواية مسدّد: "الحكمة" بدل "الكتاب"، وذَكَر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرُق كلها، عن خالد الحذّاء، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن البخاريّ أخرجه أيضًا من حديث وُهيب، عن خالد بلفظ: "الكتاب" أيضًا، فيُحْمَل على أن المراد بالحكمة أيضًا: القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٤٢٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٠٦.
[ ٣٩ / ٤٣٣ ]
وللنسائيّ، والترمذيّ من طريق عطاء، عن ابن عباس، "قال: دعا لي رسول الله - ﷺ - أن أوتي الحكمة مرتين"، فيَحْتَمِل تعدّد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السُّنَّة، ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد التي قدّمناها عند الشيخين: "اللَّهُمَّ فقّهه في الدين"، لكن لم يقع عند مسلم: "في الدين".
وذكر الحميديّ في الجمع أن أبا مسعود ذَكَره في "أطراف الصحيحين" بلفظ: "اللَّهُمَّ فقّهه في الدّين، وعلمه التأويل"، قال الحميديّ: وهذه الزيادة ليست في "الصحيحين".
قال الحافظ: وهو كما قال، نَعَم هي في رواية سعيد بن جبير التي قدّمناها عند أحمد، وابن حبان، والطبرانيّ، ورواها ابن سعد من وجه آخر، عن عكرمة مرسلًا.
وأخرج البغويّ في "معجم الصحابة" من طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر: "كان عمر يدعو ابن عباس، وبقرّبه، وبقول: إني رأيت رسول الله - ﷺ - دعاك يومًا، فمسح رأسك، وقال: اللَّهُمَّ فقّهه في الدِّين، وعلّمه التأويل".
[تنبيه]: ووقع في بعض نُسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، عن خالد الحذاء، في حديث الباب، بلفظ: "اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة، وتأويل الكتاب"، وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذيّ، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، قال الحافظ: وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر، عن طاوس، عن ابن عباس: "قال: دعاني رسول الله - ﷺ -، فمسح على ناصيتي، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب"، وقد رواه أحمد عن هشيم، عن خالد، في حديث الباب، بلفظ: "مسح على رأسي"، قاله في "الفتح" (^١).
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: هذه اللفظة اشتَهَرت على الألسنة: "اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين، وعلّمه التأويل" حتى نَسَبها بعضهم لـ "الصحيحين"، ولم يُصِب، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ، من طريق ابن
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب "العلم" رقم (٧٥).
[ ٣٩ / ٤٣٤ ]
خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعند الطبراني من وجهين آخرين، وأوله في هذا "الصحيح" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس دون قوله: "وعلّمه التأويل"، وأخرجها البزار، من طريق شعيب بن بشر، عن عكرمة، بلفظ: "اللَّهُمَّ علِّمه تأويل القرآن"، وعند أحمد من وجه آخر، عن عكرمة: "اللَّهُمَّ أعط ابن عباس الحكمة، وعلّمه التأويل". انتهى (^١).
[تنبيه آخر]: اختَلَف الشرّاح في المراد بالحكمة هنا، فقيل: القرآن كما تقدم، وقيل: العمل به، وقيل: السُّنَّة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سُرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذَكَرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس: الفهم في القرآن، قاله في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٦٣٤٨] (٢٤٧٧)، و(البخاريّ) في "العلم" (٧٥) و"الوضوء" (١٤٣) و"فضائل الصحابة" (٣٧٥٦) و"الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة" (٧٢٧٠)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٢٣)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٦٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٥١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٤ و٢٦٩ و٣٥٩) وفي "فضائل الصحابة" (١٨٣٥ و١٨٨٣ و١٩٢٣)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ٢٣٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٥٣ و٧٠٥٤ و٧٠٥٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٥٨٨ و١١٥٣١)، و(يعقوب بن
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧، كتاب "فضائل أصحاب النبيّ - ﷺ -" رقم (٣٧٥٦).
(٢) "الفتح" ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب "العلم" رقم (٧٥).
[ ٣٩ / ٤٣٥ ]
سفيان) في "المعرفة" (١/ ٥١٨)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٣٦٥)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٦١٥)، و(الضياء) في "المختارة" (١٠/ ١٦٩ و١٧٠ و٢٢٢ و٢٢٣)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (١/ ٢٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حبر الأمة، وبحرها، عبد الله بن عبّاس - ﵄ -.
٢ - (ومنها): أن هذه الدعوة مما تَحقَّق إجابة النبيّ - ﷺ - فيها؛ لِمَا عُلم من حال ابن عباس في معرفة التفسير، والفقه في الدين - ﵁ - (^١)، فقد كان ابن عباس - ﵄ - من أعلم الصحابة - ﵃ - بتفسير القرآن، وروى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وروى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقيّ في "تاريخه" عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد - ﷺ -، وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن.
وروى يعقوب أيضًا بإسناد صحيح عن أبي وائل، قال: قرأ ابن عباس "سورة النور"، ثم جعل يفسّرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من وجه آخر بلفظ: "سورة البقرة"، وزاد أنه كان على الموسم؛ يعني: سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسله لَمّا حُصِر، ذَكَره في "الفتح" (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات، فاشتهرت علومه، وفضائله، وعمَّت خيراته، وفواضله، فارتحل طلاب العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوَّلوا على نَظَره، ورأيه.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب "العلم" رقم (٧٥).
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧، كتاب "فضائل أصحاب النبيّ - ﷺ -" رقم (٣٧٥٦).
[ ٣٩ / ٤٣٦ ]
قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يَطلب العلم.
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر.
وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسُّنَّة، ولا أجلّ رأيًا، ولا أثقب نظرًا من ابن عباس - ﵄ -، ولقد كان عمر - ﵁ - يُعِدّه للمعضِلات، مع اجتهاد عمر، ونَظَره للمسلمين، وكان قد عَمِي في آخر عمره، فأنشد في ذلك [من البسيط]:
إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنيَّ نُورَهُمَا … فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ … وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيفِ مَأْثُورُ
ورُوي أن طائرًا أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه: عِلْمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل، وقال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حُمِل، فما رؤي خارجًا منه، وفضائله أكثر من أن تحصى. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): بيان فضل العلم، والحضّ على تعلّمه، وعلى حفظ القرآن، والدعاء بذلك.
٤ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر، والتعرّض لنيل دعواتهم؛ لأن ابن عبّاس - ﵄ - حصل له ذلك الفضل بسبب خدمة النبيّ - ﷺ -.
٥ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن عَمِل عملًا خيرًا مع الإنسان.
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن نبغ من طلاب العلم؛ حضًّا له، وترغيبًا لغيره، كي يقتدوا به في النبوغ، والفطنة.
٧ - جواز ضمّ الطفل محبّةً وشفقةً، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
[ ٣٩ / ٤٣٧ ]