هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام بن جُندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار، أبو حمزة الأنصاريّ الخزرجيّ خادم رسول الله - ﷺ -، وأحد المكثرين من الرواية عنه، صح عنه أنه قال: قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأن أمه أم سليم أتت به النبيّ - ﷺ - لَمّا قَدِم، فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقَبِله، وأن النبيّ - ﷺ - كناه أبا حمزة بِبَقْلة كان يجتنبها، ومازحه النبيّ - ﷺ -، فقال له: "يا ذا الأذنين"، وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: خرج أنس مع رسول الله - ﷺ - إلى بدر، وهو غلام يخدمه، أخبرني أبي، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشَهِدت بدرًا؟ قال: وأين أغيب عن بدر، لا أُمّ لك؟
قال الحافظ: وإنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنّ من يقاتل.
وقال الترمذيّ: حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، عن أبي خَلْدة، قلت: لأبي العالية: أسمع أنس من النبيّ - ﷺ -؟، قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبيّ - ﷺ -، وكان له بستان يَحْمِل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان، ويجيء منه ريح المسك، وكانت إقامته بعد النبيّ - ﷺ - بالمدينة، ثم شَهِد الفتوح، ثم قَطَن البصرة، ومات بها.
قال عليّ بن المدينيّ: كان آخر الصحابة موتًا بالبصرة، وقال البخاريّ: حدّثنا موسى، حدّثنا إسحاق بن عثمان، سألت موسى بن أنس، كم غزا أنس مع النبيّ - ﷺ -؟ قال: ثماني غزوات.
وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة، عن أبيه، قال: قال لي ثابت البنانيّ: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله - ﷺ -، فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدُفن، وهي تحت لسانه.
وقال معتمر، عن أبيه: سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري.
[ ٣٩ / ٤٥٥ ]
قال جرير بن حارم: قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين، أخرجه ابن شاهين، وقال سعيد بن عُفير، والهيثم بن عديّ، ومعتمر بن سليمان: مات سنة إحدى وتسعين، وقال ابن شاهين: حدّثنا عثمان بن أحمد، حدّثنا حنبل، حدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن حميد مثله، وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة.
وقال ابن سعد عن الواقديّ، عن عبد الله بن زيد بن الهذلي: إنه حضر أنس بن مالك سنة اثنتين وتسعين، وقال أبو نعيم الكوفيّ: مات سنة ثلاث وتسعين، وفيها أرّخه المدائنيّ، وخليفة، وزاد: وله مائة وثلاث سنين، وحَكَى ابن شاهين عن يحيى بن بكير، أنه مات، وله مائة سنة وسنة، قال: وقيل: مائة وسبع سنين، ورواه البغويّ عن عمر بن شَبّة، عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ كذلك.
قال الطبرانيّ: حدّثنا جعفر الفريابيّ، حدّثنا إبراهيم بن عثمان المصِّيصيّ، حدّثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أنس، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادْعُ الله لأنس، فقال: "اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه"، قال أنس: فلقد دفنت من صلبي، سوى ولد ولدي، مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لَتُثمر في السنة مرتين.
وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: جاءت بي أم سليم إلى النبيّ - ﷺ -، وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له، فقال النبيّ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأدخله الجنة"، قال: قد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة.
وقال جعفر أيضًا عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عَطِشت أرضنا، قال: فقام أنس، فتوضأ، وخرج إلى البريّة، وصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب تلتئم، قال: ثم مطرف حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرًا، وذلك في الصيف.
وقال عليّ بن الجعد عن شعبة، عن ثابت، قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من ابن أم لسُليم؛ يعني: أنسًا.
[ ٣٩ / ٤٥٦ ]
ورَوَى الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق عبيد بن عمرو الأصبحيّ، عن أبي هريرة، أخبرني أنس بن مالك؛ أن النبيّ - ﷺ - كان يشير في الصلاة، وقال: لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: "حدّثنا ابن عون، عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر لَمّا استُخلِف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية، فدخل عليه عمر، فاستشاره، فقال: ابعثه، فإنه لبيب، كاتب، قال: فبعثه، ومناقب أنس - ﵁ - وفضائله كثيرة جدًّا. انتهى من الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زبد النَّجاريّ، خادم رسول الله - ﷺ -، يُكنى: أبا حمزة، يُرْوَى عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ببقلة كنت أجتنيها، وأمه: أم سليم بنت ملحان، كان سِنُّ أنس لمّا قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة عشر سنين، وقيل: ثماني سنين، وتُوُفّي رسول الله - ﷺ -، وأنس ابن عشرين سنة، وشهد بدرًا، وتُوُفّي في قصره بالطّفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وما أعلم أحدًا ممن مات بعده ممن رأى رسول الله - ﷺ - إلا أبا الطفيل.
واختُلف في سنّ أنس يوم تُوُفّي، فقيل: مائة سنة إلا سنة واحدة، ويقال: إنه وُلد له ثمانون ولدًا؛ منهم: ثمانية وسبعون ذكرًا، وابنتان، وتُوُفّي قبله من وَلَدِه لصلبه، وولَدِ وَلَدِه نحو المئة؛ وكلُّ ذلك من تعميره، وكثرة نسله ببركة دعوة النبيّ - ﷺ -، كما يأتي في "صحيح مسلم".
وجملة ما رَوَى عن رسول الله - ﷺ - من الحديث: ألفا حديث، ومئتا حديث، وستة وثمانون حديثًا، أخرجا له في "الصحيحين" ثلاثمئة حديث، وثمانية عشر حديثًا.
[تنبيه]: في الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكنى: أبا أُمية القشيريّ، وقيل: الكعبيّ، وكعب أخو قشير، ولم يُسند عن النبيّ - ﷺ - سوى
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ١٢٨.
[ ٣٩ / ٤٥٧ ]
قوله: "إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة" (^١)، وقيل: روى ثلاثة أحاديث، لم يقع له في "الصحيحين" منها شيءٌ (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٢] (٢٤٨٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ أنَسٌ، ادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: "اللهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
وكلّهم تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، ومسلسلٌ بالتحديث والسماع، غير موضع، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أمه.
شرح الحديث:
(عَنْ أنَسٍ) وفي رواية هشام بن زيد التالية: "سمعت أنس بن مالك"، (عَنْ أُمِّ سُلَيْم) - بضم السين المهملة، وفتح اللام - واسمها الغُميصاء، وقيل: الرُّميصاء، وَقيل غير ذلك، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى.
[تنبيه]: ظاهر رواية مسلم هذه أن هذا الحديث من مسند أم سُليم، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وكذا هو عند الترمذيّ، والإسماعيليّ، وأحمد في "مسنده".
وأخرجه مسلم في الرواية التالية من رواية أبي داود الطيالسيّ بلفظ:
_________________
(١) حديث حسن رواه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذيّ (٧١٣)، والنسائيّ (٤/ ١٨٠ - ١٨٢)، وابن ماجه (١٦٦٧).
(٢) "المفهم" ٦/ ٤١٠ - ٤١١.
[ ٣٩ / ٤٥٨ ]
"سمعت أنسًا يقول: قالت أمّ سُليم"، وكذا في رواية عند البخاريّ، وفي رواية له: "عن أنس: قال: قالت أمي"، وكذا هو عند الإسماعيليّ.
قال الحافظ ﵀: وهذا الاختلاف لا يضرّ، فإن أنسًا - ﵁ - حضر ذلك، بدليل رواية مسلم الآتية في الباب من رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: "قال: جاءت بني أمي أم سليم إلى رسول الله - ﷺ -. . ." الحديث. انتهى (^١).
(أَنَّهَا قَالَتْ) لهذا الحديث مبدأ، وذلك ما أخرجه البخاريّ في "الصوم"، فقال:
(١٩٨٢) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثني خالد - هو ابن الحارث - حدّثنا حميد، عن أنس - ﵁ - دخل النبيّ - ﷺ - على أم سليم، فأتته بتمر وسَمْن، قال: "أعيدوا سَمْنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم"، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأمّ سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيصةً، قال: "ما هي؟ " قال: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة، ولا دنيا إلا دعا لي به، قال: "اللَّهُمَّ ارزقه مالًا، وولدًا، وبارك له"، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدّثتني ابنتي أمينة أنه دُفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة (^٢).
(يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ) مبتدأ، وفي الرواية الآتية: "خويدمك"، بالتصغير، وقوله: (أَنَسٌ) بدل، أو عطف بيان لـ "خادمك"، وقوله: (ادْعُ اللهَ لَهُ) خبر المبتدأ، وفيه وقوع الخبر جملة إنشائيّةً، وفيه خلاف، والصحيح جوازه، كما حقّقه الخضريّ في "حاشيته" على "الخلاصة" (^٣). (فَقَالَ) - ﷺ -: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ) قال الفيّوميّ ﵀: المَالُ: معروف، ويُذكَّر، ويؤنَّث، وهو المَالُ، وهي المَالُ، ويقال: مَالَ الرجلُ يَمَالُ مَالًا: إذا كَثُر ماله، فهو مَالٌ، وامرأة مَالَةٌ، وتَمَوَّلَ: اتخذ مالًا، ومَوَّلَهُ غيره، وقال الأزهريّ: تَمَوَّلَ مَالًا: اتخذه قِنْيَةً،
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٤١٤ - ٤١٥، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٧٨).
(٢) "صحيح البخاريّ" ٢/ ٦٩٩.
(٣) راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ١/ ٩٢.
[ ٣٩ / ٤٥٩ ]
فقول الفقهاء: ما يُتَمَوَّلُ؛ أي: ما يُعَدّ مالًا في العُرف، والمَالُ عند أهل البادية النعم. انتهى (^١).
وقال المجد ﵀: المالُ: ما مَلَكْتَه من كل شيءٍ، جَمْعه: أمْوالٌ، ومُلْتَ تَمالُ، ومِلْتَ، وتَمَوَّلتَ، واسْتَمَلْتَ: كثُر مالُكَ، ومَوَّلَهُ غيرُهُ، ورجُلٌ مالٌ، ومَيِّلٌ، ومَوِّلٌ: كثيرُه، وهم مالَةٌ، وما بينَ، وهي مالَةٌ، جَمْعه: مالَةٌ أيضًا، ومالاتٌ، ومُلْتُه بالضم: أعْطَيْتُه المالَ، كأمَلْتُه. انتهى (^٢).
(وَوَلَدَهُ) بفتح الواو واللام، أو بضمّ، فسكون: يُطلق على الواحد، وعلى أكثر منه، قال الفيّوميّ ﵀: الوَلَدُ بفتحتين: كلُّ ما ولده شيءٌ، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكَّر، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ، وزان قُفْلٍ لغةٌ فيه، وقيس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَدٍ. انتهى (^٣).
(وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)، وفي الرواية الآتية: "وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ"، بإفراد الضمير بتأويله بالمذكور، ولأحمد: "فيهم"، وهو ظاهر، وفي رواية ثابت الآتية عند مسلم: "فدعا لي بكل خير، وكان آخر ما دعا لي أن قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه"، ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال، والولد، من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره، ووقع في الرواية الآتية من طريق الجعد عن أنس: "فدعا لي بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة"، ولم يبيّنها، وهي المغفرة، كما بيَّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه، عن أنس: "قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (^٤).
زاد في الرواية الآتية: "قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ"، وفي رواية للبخاريّ: "فإني لَمِن أكثر
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٦.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١٣٦٨.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧١.
(٤) "الفتح" ١٤/ ٤١٠، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٧٨).
[ ٣٩ / ٤٦٠ ]
الأنصار مالًا، وحدّثتني ابنتي امينة أنه دُفن لِصُلبي مَقْدَم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة".
وقوله: "فإني لمن أكثر الأنصار مالًا"، زاد أحمد في رواية ابن أبي عديّ: "وذَكر أنه لا يملك ذهبًا ولا فضةً، غير خاتمه"؛ يعني: أن ماله كان من غير النقدين، وفي رواية ثابت عند أحمد: "قال أنس: وما أصبح رجل من الأنصار أكثر مني مالًا، قال: يا ثابت، وما أملك صفراء، ولا بيضاء، إلا خاتمي".
وللترمذيّ من طريق أبي خَلْدة: قال أبو العالية: "كان لأنس بستان يَحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك"، ولأبي نعيم في "الحلية" من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس قال: وأن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها.
وقوله: "وحدّثتني ابنتي أُمينة" بالنون تصغير آمنة، "أنه دُفِن لصلبي"؛ أي: مِن وَلَدِه دون أسباطه، وأحفاده.
وقوله: "مَقْدَم الحجاج البصرة" بالنصب على نزع الخافض؛ أي: من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قَدِمها الحجاج، ووقع ذلك صريحًا في رواية ابن أبي عديّ، ولفظه: وذَكَر أن ابنته الكبرى أُمينة أخبرته أنه دُفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين، وعُمُر أنس حينئذ نيف وثمانون سنةً، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث، ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين، وقد قارب المائة.
وقوله: "بضع وعشرون ومائة" في رواية ابن أبي عديّ: "نَيِّفٌ على عشرين ومائة"، وفي رواية الأنصاريّ، عن حميد عند البيهقيّ في "الدلائل": "تسع وعشرون ومائة"، وهو عند الخطيب في "رواية الآباء عن الأبناء" من هذا الوجه بلفظ: "ثلاث وعشرون ومائة"، وفي رواية حفصة بنت سيرين: "ولقد دفنت من صلبي سوى وَلَدِ وَلَدِي خمسة وعشرين ومائة"، وفي "الحلية" أيضًا من طريق عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس: "قال: دَفنت مائة لا سِقْطًا، ولا وَلَد وَلَد".
قال الحافظ ﵀: ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع
[ ٣٩ / ٤٦١ ]
والنيف، وفي ذِكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد، فإن هذا القَدْر هو الذي مات منهم، وأما الذين بَقُوا، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس الآتية عند مسلم: "وإن ولدي، وولد ولدي، ليتعادّون على نحو المائة"، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١).
وأخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" عن أنس قال: قالت أم سليم، وهي أم أنس: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: "اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل حياته، واغفر له".
فأما كثرة أولاده فقد مرّ آنفًا، وأما طول عمره، فقد ثبت في "الصحيح" أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين، فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمَد، وأكثر ما قيل في سنة: إنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعًا وتسعين سنةً (^٢).
[فائدة]: قال ابن قتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذَكَر لِصُلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك عن أم سُليم - ﵄ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٦٣٥٢ و٦٣٥٣ و٦٣٥٤] (٢٤٨٠)، و(البخاريّ) في "الدعوات" (٦٣٣٤ و٦٣٤٤ و٦٣٧٨ و٦٣٧٩ و٦٣٨٠ و٦٣٨١)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٢٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٣٠)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٧٥ و٣٧٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٧٧ و٧١٧٨ و٧١٨٦)، و(أبو يعلى) في
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٤١٠ - ٤١١، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٧٨).
(٢) "الفتح" ١٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٤٤).
(٣) "الفتح" ١٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٤٤).
[ ٣٩ / ٤٦٢ ]
"مسنده" (٣٢٣٨ و٣٢٣٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ٣٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٧٧)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٤/ ٢٣٤ و٢٣٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أنس بن مالك ﵀، حيث إنه وُفّق لخدمة النبيّ - ﷺ -، فنال دعوته المباركة.
٢ - (ومنها): بيان فضل أم سُليم - ﵂ - حيث إنه - ﷺ - كان يُحبّها، ويزورها في بيتها، وأجاب سؤالها لابنها أنس أن يدعو له.
٣ - (ومنها): أنه عَلَمٌ من أعلام نبوّته - ﷺ - في إجابة دعائه.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يفضّل الغني على الفقير، ومن قال بتفضيل الفقير، أجاب عن هذا بأن هذا قد دعا له النبيّ - ﷺ - بأن يبارك له فيه، ومتى بورك فيه لم يكن فيه فتنة، ولم يحصل بسببه ضرر، ولا تقصير في حقّ، ولا غير ذلك من الآفات التي تتطرق إلى سائر الأغنياء، بخلاف غيره، قاله النوويّ ﵀ (^٢).
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفيه هذا الأدب البديع، وهو أنه إذا دعا بشيء له تعلّق بالدنيا، ينبغي أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه، والصيانة، ونحوهما، وكان أنس وولده رحمة وخيرًا ونفعًا بلا ضرر بسبب دعاء رسول الله - ﷺ -.
٦ - (ومنها): جواز التصغير على معنى التلطف، لا التحقير، فقد قالت أم سُليم: "خُويدمك أنس".
٧ - (ومنها): تُحْفة الزائر بما حضر، بغير تكلف، حيث إنه - ﷺ - لمّا دخل على أم سُليم أتته بتمر، وسمن.
٨ - (ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يشقّ ذلك على المهدي، فقد قال - ﷺ - لأم سُليم: "أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم".
_________________
(١) المراد: فوائد الحديث بجميع سياقاته، لا خصوص السياق الذي ساقه المصنّف هنا، بل الروايات التي أشرنا لها في الشرح داخلة فيه.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٣٩.
[ ٣٩ / ٤٦٣ ]
٩ - (ومنها): أن أخْذ من رُدّت عليه هديّته لها ليس من العَوْد في الهبة.
١٠ - (ومنها): أن فيه حفظَ الطعام، وترك التفريط فيه.
١١ - (ومنها): جبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له، ومشروعية الدعاء عقب الصلاة، فإنه - ﷺ - صلى غير المكتوبة، ثم دعا لأم سليم، وأهل بيتها.
١٢ - (ومنها): تقديم الصلاة أمام طلب الحاجة.
١٣ - (ومنها): الدعاء بخير الدنيا والآخرة.
١٤ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ.
١٥ - (ومنها): بيان أن فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص.
١٦ - (ومنها): استحباب زيارة الإمام بعض رعيته، ودخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يَقُل في طرق هذه القصة: إن أبا طلحة كان حاضرًا.
١٧ - (ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال، حيث آثرت أم سليم ولدها أنسًا بطلب دعاء النبيّ - ﷺ -.
١٨ - (ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لِمَا يحصل من المصيبة بموتهم، والصبر على ذلك من الثواب.
١٩ - (ومنها): أن فيه التحدثَ بنِعَم الله تعالى، وبمعجزات النبيّ - ﷺ -؛ لِمَا في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة، دون غيره.
٢٠ - (ومنها): أن فيه التأريخَ بالأمر الشهير، ولا يتوقف ذلك على صلاح المؤرَّخ به، حيث أرّخ أنس - ﵁ - بقدوم الحَجاج البصرة.
٢١ - (ومنها): جواز ذكر البضع فيما زاد على عقد العشر؛ خلافًا لمن قَصَره على ما قبل العشرين (^١).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٤١١ - ٤١٢، كتاب "الصوم" رقم (١٩٨٢).
[ ٣٩ / ٤٦٤ ]
٢٢ - (ومنها): ما قاله الداوديّ: هذا الحديث يدلّ على بطلان الحديث الذي ورد: "اللَّهُمَّ من آمن بي، وصدّق ما جئت به، فأقلل له من المال والولد. . ." الحديث، قال: وكيف يصح ذلك، وهو - ﷺ - يحض على النكاح والتماس الولد؟.
قال الحافظ: لا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معًا، لكن يعكُر عليه حديث الباب، فيقال: كيف دعا لأنس، وهو خادمه بما كرهه لغيره؟
ويَحْتَمِل أن يكون مع دعائه له بذلك قَرَنه بأن لا يناله من قِبَل ذلك ضررٌ؛ لأن المعنى في كراهية اجتماع كثرة المال والولد إنما هو لِمَا يُخشَى من ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا يؤمَن معها الهلكة. انتهى (^١).
٢٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: قوله - ﷺ -: "اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده" يدلُّ على إباحة الاستكثار من المال والأولاد، والعيال، لكن إذا لم يشغل ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، لكن لمَّا كانت سلامة الدِّين مع ذلك بادرة، والفتن والآفات غالبة، تعيَّن التقلُّل من ذلك، والفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبيّ - ﷺ - لأنس - ﵁ - بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى: أن الله تعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية [الأنفال: ٢٨]، وصدَّر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون الأموال والأولاد إلا فتنة؛ يعني: في الغالب، ثم قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ووَجْه عداوتهما: أن محبَّتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالها بما غلب عليها من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان، ويعم الخسران، فأيُّ عداوةٍ أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار، ويورثك عقوبة النار؟! ولذلك قال تعالى، وهو أصدق القائلين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٣٤).
[ ٣٩ / ٤٦٥ ]
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]، وقال أرباب القلوب والفهوم: ما يشغلك من أهل ومال، فهو عليك مشؤوم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ الله، خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي داود؛ أي: ذكر أبو داود عن شعبة نحو رواية محمد بن جعفر عنه.
[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة هذه ساقها أبو داود نفسه في "مسنده"، فقال:
(١٩٨٧) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: قالت أم سليم: يا رسول الله، ادع الله له - تعني: أنسًا - قال: "اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما رزقته". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الحيض" ٦/ ٧١٤.
والباقون تقدموا في السند الماضي.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤١٢.
(٢) "مسند الطيالسيّ" ١/ ٢٦٧.
[ ٣٩ / ٤٦٦ ]
[تنبيه]: رواية شعبة عن هشام بن زيد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٥] (٢٤٨١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ الله، خُويدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُلَيْمَانُ) بن المغيرة القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"هاشم بن القاسم" هو: أبو النضر البغداديّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا)، وقوله: (وَمَا هُوَ) "ما" نافية، و"هو" ضمير شأن، مبتدأ خبره قوله: "إلا أنا. . . . إلخ"؛ أي: ما الحال والشأن (إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي) أم سُليم، (وَأُمُّ حَرَامٍ) بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصاريّة، صحابيّة مشهورة، ماتت في خلافة عثمان - ﵄ -، قال أبو عمر بن عبد البرّ: لا أقف لها على اسم صحيح. انتهى (^١). تقدّمت ترجمتها في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٩/ ١٥٠٢.
وقوله: (خَالَتِي) بدل من أمّ حرام، (فَقَالَتْ أُمِّي) أم سُليم: (يَا رَسُولَ الله، خُوَيْدِمُكَ) بالتصغير، ففيه جواز التصغير، وهو مبتدأ، خبره قوله: (ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ) أنس: (فَدَعَا) - ﷺ - (لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ) "أن" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل اسم "كان"، وخبرها "في آخر ما دعا".
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ١٨٩.
[ ٣٩ / ٤٦٧ ]
("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ")؛ أي: فيما رزقته من المال، والولد، فإفراد الضمير منه أنه ذَكر اثنين، بتأويله بالمذكور، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب المساجد ومواضع الصلاة" برقم [٤٩/ ١٥٠٢] (٦٦٠) وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٦] (. . .) - (حَدَّثَني أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِسحَاقُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَدْ أَزَّرَتْني بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِه، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، هَدَا أُنيْسٌ ابْني أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ"، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد الثَّقَفيّ، أبو مَعْن البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من أفراد المصَنّف، تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
[تنبيه]: قوله: "الرَّقَاشيّ" بفتح الراء، وتخفيف القاف: نسبة إلى امرأة اسمها رَقَاش بنت قيس، كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في "اللباب" (^١).
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص الْجُرَشيّ اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٣ - (عِكْرِمَةُ) بن عَمّار العجليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٤ - (إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٣٣.
[ ٣٩ / ٤٦٨ ]
و"أنس - ﵁ -" ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن عمّه، فأنس - ﵁ - عمّ إسحاق، وفيه أنس - ﵁ - تقدّم القول فيه قريبًا.
شرح الحديث:
عَنْ إِسْحَاقَ بن عبد الله بن أبي طلحة؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ) بن مالك - ﵁ - (قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي) الباء للتعدية؛ أي: أحضرتني معها، قال الفيّوميّ ﵀: جَاءَ زيد يَجِيءُ مَجِيئًا: حضر، ويُستعمل متعديًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: جِئْتُ شيئًا حَسَنًا: إذا فعلتَهُ، وجِئْتُ زيدًا: إذا أتيت إليه، وجِئْتُ به: إذا أحضرته معك، وقد يقال: جِئْتُ إليه على معنى ذهبت إليه، وجَاءَ الغيثُ: نزل، وجَاءَ أمر السلطان: بلغ، وجِئْتُ من البلد، ومن القوم؛ أي: من عندهم. انتهى (^١).
وقوله: (أُمُّ أَنَسٍ) بدل، أو عطف بيان لـ "أمي"، (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، وقوله: (وَقَدْ أَزَّرَتْنِي) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنها قد أزّرتني بتشديد الزاي؛ أي: جعلتني متّزرًا (بِنِصْفِ خِمَارِهَا) بكسر الخاء، وتخفيف الميم: ثوبٌ تُغطّي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثلُ كِتاب وكُتُب (^٢). (وَرَدَّتْنِي)؛ أي: جعلتني أرتدي (بِنِصْفِهِ)؛ أي: بنصف الخمار، والمعنى: أنها ألبسته خمارها بحيث قام الخمار مقام الثوبين، فصار نصفه على أسفل الجسم كالإزار، وجعلت النصف الباقي على أعلى الجسم، فصار كالرداء، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا أُنَيْسٌ) بضمّ الهمزة تصغير أنس تصغيرَ تلطّف، واسترحام. (ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ) بضمّ الدال، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، (فَادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ) - ﷺ -: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ"، قَالَ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١١٦.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٨١.
[ ٣٩ / ٤٦٩ ]
أَنَسٌ) - ﵁ -: (فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ) أخرج الترمذيّ عن أبي خَلْدة (^١)، قال: "قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبيّ - ﷺ -؟ قال: خَدَمه عشر سنين، ودعا له النبيّ - ﷺ -، وكان له بستان يَحمِل في السنة الفاكهة مرّتين، وكان فيها رَيحان كان يجيء منها ريح المسك"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن (^٢).
(وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ) بضم الدال المشدّدة؛ أي: يتجاوزون، وقال في "المشارق": يتفاعلون من العدد. انتهى (^٣)، وقال في "التاج": يقال: هُم يَتَعَادُّونَ، وَيتَعَدَّدُون على أَلْفٍ؛ أي: يَزِيدُون عليه في العَدَد، وقيل: يَتَعَدَّدُون عليه: يَزِيدُون عليه في العَدَد، وَيتعادُّونَ: إذا اشتركوا فيما يُعادُّ به بعضهم بعضًا من المكارمِ. انتهى (^٤).
(عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ) وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" عن أنس أنه دَفَن من أولاده قبل مَقْدَم الحَجاج بن يوسف البصرة مائة وعشرين، قاله النوويّ (^٥).
ولفظ البخاريّ: "وحدّثتني ابنتي أُمينة أنه دُفن لِصُلبي مَقْدَم حجاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة. انتهى (^٦).
[تنبيه]: قال في "المشارق": قوله في حديث أنس: "وردّتني ببعضه" اختُلف في تأويله، فقيل: معناه: صَرَفت جوعي، وأعطتني من بعض الطعام ما ردّه، والهاء هنا عائدة على الطعام، وقيل: بل الهاء عائدة على الخمار الذي لَفّت فيه الطعام، ثم غَطّت أنسًا ببعضه، وجعلته له كالرداء، وهذا أكثر التأويل، وأشبهه، وقد رواه أيضًا البخاريّ: "لاثتني ببعضه"، وهذا يصحح هذا التأويل، وذكر مسلم في الفضائل: "أزّرتني بنصف خمارها، وردّتني بنصفه"، وكله يَعْضِد التأويل الثاني، ويصححه. انتهى (^٧).
قال الجامع عفا الله عنه: التأويل الأول مما ذكره لا يصحّ هنا، بل هو
_________________
(١) قال الترمذيّ ﵀: أبو خلدة اسمه خالد بن دينار، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد أدرك أبو خلدة أنس بن مالك، وروى عنه. انتهى.
(٢) "جامع الترمذيّ" ٥/ ٦٨٣.
(٣) "مشارق الأنوار" ٢/ ٦٩.
(٤) "تاج العروس" ١/ ٢١٠٩.
(٥) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤١.
(٦) "صحيح البخاريّ " ٢/ ٦٩٩.
(٧) "مشارق الأنوار" ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ٣٩ / ٤٧٠ ]
باطلٌ، والصواب التأويل الثاني، وأن المرد بقوله: "وردّتني"؛ أي: جعلته لي كالرداء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٦٣٥٥ و٦٣٥٦ و٦٣٥٧] (٢٤٨١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩٤ و٢٤٨)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٥٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٧٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ٣٠١ و٣٠٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٢٨)، و(الأصفهانيّ) في "دلائل النبوّة" (١/ ٨٥ و٨٨)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٧/ ١٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٣ - ٥٤) و"دلائل النبوّة" (٦/ ١٩٤)، و(ابن عساكر) في "تاريخه" (٩/ ٣٤٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ - عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَمِعَتْ أُمِّي أمّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أُنَيْسٌ، فَدَعَا لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٣ - (الْجَعْدُ أَبُو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار اليشكريّ الصيرفيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (خ م دت س) تقدم في "الإيمان" ٦٢/ ٣٤٥.
و"أنس بن مالك - ﵁ -" ذُكر قبله.
[ ٣٩ / ٤٧١ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ﵀ (^١)، وهو (٤٩٠) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ الْجَعْدِ) بن دينار، وقوله: (أَبِي عُثْمَانَ) بالجر بدل، أو عطف بيان لـ "الجعد". (قَالَ) الجعد: (حَدَّثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (قَالَ: مَرَّ) بفتحِ الميم، وتشديد الراء؛ أي: اجتاز (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بمكان قريب من بيتنا، (فسَمِعَتْ أُمِّي)، وقوله: (أُمُّ سُلَيْمٍ) بدل، أو عطف بيان لـ "أمي"، (صَوْتَهُ)؛ أي: صوت النبيّ - ﷺ -، (فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي) متعلّق بمحذوف؛ أي: أَفديك بأبي وأمّي، أو أنت مَفْديّ بأبي وأمّي (يَا رَسُولَ اللهِ أُنَيْسٌ) بتصغير التلطّف، والاسترحام، (فَدَعَا لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا) الظاهر أنه أراد بهما كثرة ماله وولده، (وَأنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ) لم يُبيّنها في هذه الرواية، وهي المغفرة، كما بيَّنها سِنَان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه، عن أنس: "قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٦٣٥٧] (٢٤٨١)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٢٨٢٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢/ ٢٩١)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٣٧٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٨] (٢٤٨٢) - حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثنا بَهْزٌ، حَدَّثنا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا أَلْعَبُ
_________________
(١) فقول الشيخ الهرريّ في "شرحه": من خماسيّاته غلط، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ٥/ ٤١٠، كتاب "الصوم" رقم (١٩٨٢).
[ ٣٩ / ٤٧٢ ]
مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَدًا، قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ (^١) أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بن نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ، أبو بكر البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س) تقدم في "الطهارة" ١٦/ ٦٠٧.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ) بن سلمة البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وفيه ثابت الْبُنانيّ ألزم الناس لأنس، يقال: لزمه أربعين سنة، وفيه أنس - ﵁ - تقدّم القول فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) بن مالك - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: أَتَى عَلَيَّ)؛ أي: جاءني (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)، وقوله: (وَأَنَا أَلْعَبُ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أني ألعب (مَعَ الْغِلْمَانِ) بكسر الغين المعجمة، وسكون اللام: جَمْع كثرة لغُلام بالضم، وهو الابن الصغير، وجَمْع القلّة غِلْمة، بكسر، فسكون، ويُطلق الغُلامُ على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ مجازًا باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر غلامة بالهاء للجارية، قال:
يُهَانُ لَهَا الغُلامَةُ والغُلامُ
_________________
(١) وفي نسخة: "بها".
[ ٣٩ / ٤٧٣ ]
قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذَكَرًا: غُلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غُلامٌ، وهو فاشٍ في كلامهم. انتهى (^١).
(قَالَ) أنس: (فَسَلَّمَ) - ﷺ - (عَلَيْنَا)؛ أي: على الغلمان، (فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ)؛ أي: تأخّرت (عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ) إليها (قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء منعك من قضاء حاجتي، والمجيء إليّ؟ وفي رواية لأحمد، وابن سعد، من طريق حميد، عن أنس: "فأرسلني في رسالة، فقالت أم سليم: ما حبسك؟ " (قُلْتُ: بَعَثَنِي) من باب فتح؛ أي: أرسلني (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحَاجَةٍ، قَالَتْ) أم سليم: (مَا حَاجَتُهُ؟)؛ أي: أيُّ شيء حاجته - ﷺ -؟ (قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ) بكسر السين المهملة، وتشديد الراء: هو: ما يُكْتَمُ، وهو خلاف الإعلان، والجمع: الأَسْرَارُ، وأَسْرَرْتُ الحديثَ إِسْرَارًا: أخفيته، يتعدى بنفسه، وأما قوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، فالمفعول محذوف، والتقدير: تُسِرُّون إليهم أخبارَ النبيّ - ﷺ - بسبب المودة التي بينكم وبينهم، مثلُ قوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، ويجوز أن تكون "المودة" مفعولَهُ، والباء زائدة للتأكيد، مثلُ أخذت الخطامَ، وأخذت به، وعلى هذا فيقال: أَسَرَّ الفاتحةَ، وبالفاتحة، قال الصغانيّ: أَسْرَرْتُ المودة، وبالمودة، ودخول الباء حَمْلًا على نقيضه، والشيء يُحمَل على النقيض، كما يُحْمَل على النظير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية [الإسراء: ١١٠]، وأَسْرَرْتُهُ: أظهرته، فهو من الأضداد، وأَسْرَرْتُهُ: نَسَبْته إلى السِّرِّ، قاله الفيّوميّ ﵀ (^٢).
(قَالَتْ) أم سليم: (لَا) ناهية، (تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَدًا) حذّرته، وإن كان حذِرًا؛ للتأكيد عليه، وفي رواية حميد عن أنس: "فقالت: احفظ سرّ رسول الله - ﷺ -". (قَالَ أَنَسٌ) - ﵁ -: (وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ) (^٣)؛ أي: بذلك السرّ (أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ) قال بعض العلماء: كأن هذا السرّ كان يختصّ بنساء
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٢.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٣) يوجد في هامش بعض النسخ بلفظ: "بها" بالتأنيث، والظاهر أنه تصحيف، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٤٧٤ ]
النبيّ - ﷺ -، وإلا فلو كان من العلم ما وَسِع أنسًا كتمانه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٦٣٥٨ و٦٣٥٩] (٢٤٨٢)، و(البخاريّ) في "الاستئذان" (٦٢٨٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٩ و٢١٩ و٢٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أنس بن مالك - ﵁ -، حيث كان محافظًا لسرّ رسول الله - ﷺ -.
٢ - (ومنها): بيان فضل أم سُليم - ﵄ - ورجاحة عقلها، وحصافة رأيها، حيث حثّت ابنها على محافظة سرّ النبيّ - ﷺ -، وأكّدت عليه.
٣ - (ومنها): بيان شدّة حبّ أنس - ﵁ - لتلميذه ثابت، حيث قال له: "والله لو حدّثت به أحدًا لحدّثتك يا ثابت".
٤ - (ومنها): بيان وجوب المحافظة على السرّ، وقال ابن بطال: الذي عليه أهل العلم أن السرّ لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرّة، وأكثرهم يقول: إنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته، إلا أن يكون عليه فيه غضاضة.
قال الحافظ: الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح، وقد يُستحب ذِكره، ولو كرهه صاحب السرّ، كأن يكون فيه تزكية له، من كرامة، أو منقبة، أو نحو ذلك، وإلى ما يُكره مطلقًا، وقد يَحرُم، وهو الذي أشار إليه ابن بطال، وقد يجب، كأن يكون فيه ما يجب ذِكره، كحقٍّ عليه، كان يُعذَر بترك القيام به، فيرجى بَعده إذا ذُكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أنه وردت أحاديث في حفظ السرّ:
منها: حديث الباب.
[ ٣٩ / ٤٧٥ ]
ومنها: حديث أنس - ﵁ -: "احفظ سرّي، تكن مؤمنًا"، أخرجه أبو يعلى، والخرائطيّ، وفيه عليّ بن زيد، وهو صدوقٌ، كثير الأوهام، وقد أخرج أصله الترمذيّ، وحسّنه، ولكن لم يَسُق هذا المتن، بل ذكر بعض الحديث، ثم قال: وفي الحديث طُول.
ومنها: حديثُ: "إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة، فلا يحل لأحد أن يُفشي على صاحبه ما يَكْرَه"، أخرجه عبد الرزاق، من مرسل أبي بكر بن حزم.
ومنها: ما أخرجه القُضاعيّ في "مسند الشهاب" من حديث عليّ - ﵁ - مرفوعًا: "المجالس بالأمانة"، وسنده ضعيف، ولأبي داود من حديث جابر - ﵁ - مثله، وزاد: "إلا ثلاثة مجالس: ما سُفك فيه دم حرام، أو فَرْجٌ حرام، أو اقتُطِع فيه مالٌ بغير حقّ".
ومنها: حديث جابر - ﵁ - رَفَعه: "إذا حدّث الرجل بالحديث، ثم التَفَتَ فهي أمانة"، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذيّ، وله شاهد من حديث أنس - ﵁ - عند أبي يعلى، ذَكَره في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٥٩] (. . .) - (حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْل، حَدَّثنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، وَلَقَدْ سَأَلتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثّقَفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ) هو: محمد بن الفضل السدوسيّ، أبو النعمان البصريّ، لقبه عارمٌ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيَّر في آخر عمره، من صغار [٩] (ت ٣ أو ٢٢٤) (ع) تقدم في "الحج" ٢٨/ ٣٠١٣.
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٢٨٩).
[ ٣٩ / ٤٧٦ ]
٣ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
و"أنس بن مالك - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعدما أسرّ بالبناء على الضمّ؛ لِقَطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعدما أسرّ إليّ، ولفظ البخاريّ: "بعده" بذكر المضاف إليه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.