هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، ثم النجاريّ، شاعر رسول الله -ﷺ-، وأمه الفريعة -بالفاء، والعين المهملة، مصغرًا- بنت خالد بن حبيش بن لوذان خزرجية أيضًا، أدركت الإسلام، فأسلمت، وبايعت، وقيل:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤١٥.
[ ٣٩ / ٥٠٦ ]
هي أخت خالد، لا ابنته، يكنى أبا الوليد، وهي الأشهر، وأبا المضرب، وأبا الحسام، وأبا عبد الرحمن.
رَوَى عن النَّبيّ -ﷺ- أحاديث، وروى عنه سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وآخرون.
قال أبو عبيدة: فُضِّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبيّ -ﷺ- في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، وكان مع ذلك جَبَانًا، وفي "الصحيحين" من طريق سعيد بن المسيِّب قال: مَرّ عمر بحسّان في المسجد، وهو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك … الحديث.
وأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: مَرّ عمر على حسان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فقال: أفي مسجد رسول الله -ﷺ- تنشد الشعر؟ فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك.
وقال أبو داود: حدّثنا لُوَيْن (^١)، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن عائشة -﵂-؛ أن النبيّ -ﷺ- كان يضع لحسّان المنبر في المسجد، يقوم عليه قائمًا، يهجو الذين كانوا يهجون النبيّ -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: "إن روح القدس مع حسان، ما دام ينافح عن رسول الله -ﷺ-".
وروى ابن إسحاق في "المغازي" قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء، والصبيان، فمرّ بنا رجل يهوديّ، فجعل يُطيف بالحصن، فقالت له صفية: إن هذا اليهوديّ لا آمنه أن يدلّ على عوراتنا، فأنزل إليه، فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، أخذت عمودًا، ونزلت من الحصن، حتى قتلت اليهوديّ، فقالت: يا حسان انزل، فاسلُبه، فقال: ما لي بسلبه من حاجة.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أنكر كثير من العلماء هذه الحكاية في جبن
_________________
(١) لَقَبُ محمد بن سعيد المصّيصيّ.
[ ٣٩ / ٥٠٧ ]
حسّان -﵁-، وما أحقها بالإنكار، ومما يبطلها ما قام به حسّان -﵁- من هجو قريش بقصائده المتتالية، وما ردّوا عليه في ذلك، فلم يذكروه بالجبن أصلًا، فلو كان موصوفًا به لَمَا تركوا طعنه به، بل هو أَولى ما يُطعن به الشخص في مثل ذلك، فالحقّ أن هذه الحكاية غير صحيحة، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
مات حسان قبل الأربعين، في قول خليفة، وقيل: سنة أربعين، وقيل: خمسين، وقيل: أربع وخمسين، وهو قول ابن هشام، حكاه عنه ابن الْبَرْقيّ، وزاد: وهو ابن عشرين ومائة سنة، أو نحوها.
وذكر ابن إسحاق أن النبيّ -ﷺ- قَدِمَ المدينة، ولحسّان ستون سنة.
قال الحافظ: فلعل هذا يكون على قول من قال: إنه مات سنة أربعين، بلغ مائة، أو دونها، أو في سنة خمسين، مائة وعشرة، أو سنة أربع وخمسين، مائة وأربع عشرة، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل: عاش مائة وأربع سنين، جزم به ابن أبي خيثمة، عن المدائنيّ، وقال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين، وفي الإسلام ستين، ومات وهو ابن عشرين ومائة. انتهى من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: حسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري، يكنى: أبا الوليد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا الحسام، ويقال له: شاعر رسول الله -ﷺ-، رُوي عن عائشة -﵂-؛ أنها وصفت رسول الله -ﷺ-، فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت [من الطويل]:
متى يبْدُ في الدَّاجي الْبَهِيمِ جَبِينُه … يَلُحْ مِثلَ مِصباحِ الدُّجَى المُتَوَقِّدِ
فمَن كانَ أَو مَن قَد يَكُونُ كَأَحْمَدٍ … نِظَامٌ لِحَقٍّ أَوْ نَكالٌ لِمُلْحِدِ
قال أبو عبيدة: فَضَل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبيّ -ﷺ- في النبوَّة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقال أيضًا: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر: حسان بن ثابت. وقال أبو عبيدة، وأبو عمرو بن العلاء: حسان أشعر أهل الحضر. وقال الأصمعيّ:
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٦٢ - ٦٤.
[ ٣٩ / ٥٠٨ ]
حسان أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليِّنة! فقال الأصمعيّ: نُسبت له، وليست له، ولا تصح عنه. ورُوي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط، وقيل لحسان: لانَ شِعرُك، أو هَرِمَ شعرك في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب؛ يعني: أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط، والتزين في الكذب، والإسلام قد منع ذلك، فقلّما يجود شعر من يتقي الكذب.
وتُوفي حسان قبل الأربعين في خلافة عليّ -﵁-، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مئة وعشرين سنة، منها: ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجدُّه، وأدرك النابغة الذُّبيانيّ، والأعشى، وأنشدهما من شعره، فكلاهما استجاد شعره، وقال: إنك شاعر. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٤] (٢٤٨٥) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْن أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ، وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ "، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في السند الماضي.
٣ - (ابنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤١٧ - ٤١٨.
[ ٣٩ / ٥٠٩ ]
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم أيضًا قبل أربعة أبواب.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.
٦ - (سَعِيدُ) بن الْمُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثّمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وأن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، كما أشار إليه السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أَو أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنّ
عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ) بن المسيّب، هكذا رواية ابن عيينة عن سعيد، عن الزهريّ، عن أبي هريرة، وهي عند البخاريّ في "بدء الخلق"، وتابعه معمر في الرواية التالية عند مسلم، وإبراهيم بن سعد، وإسماعيل بن أميّة، عند النسائيّ، ورواه البخاريّ في "الصلاة" من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أنه سمع حسّان بن ثابت، وتابعه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، أخرجه النسائيّ، قال في "الفتح": وهذا من الاختلاف الذي لا يضرّ؛ لأن الزهريّ من أصحاب الحديث، فالراجح أنه عنده عنهما معًا، فكان يحدّث به تارةً عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطني على الشيخين، لكنه لم يذكره، فليُستدرك عليه.
قال: وفي الإسناد نَظَر من وجه آخر، وهو على شرط التتبع أيضًا، وذلك
[ ٣٩ / ٥١٠ ]
أن لفظ رواية سعيد بن المسيِّب: "مَرّ عمرُ في المسجد، وحسان ينشد، فقال: كنت أُنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله … " الحديث، ورواية سعيد لهذه القصة عندهم مرسلة؛ لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكنه يُحْمَل على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ، أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى، فحضر ذلك سعيد، ويقويه سياق حديث الباب -يعني: حديث البخاريّ- فإن فيه أن أبا سلمة سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يُدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنه أصغر من سعيد، فدلّ على تعدد الاستشهاد، ويجوز أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة، واستشهاده به، إنما وقع متأخرًا؛ لأن "ثُمّ" لا تدلّ على الفورية، والأصل عدم التعدد، وغايته أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنه المرفوع، وهو موصول بلا تردد، والله أعلم. انتهى (^١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (مَرَّ بحَسَّانَ) بن ثابت -﵁-، وقوله: (وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "حسّان"، و"يُنشد" بضمّ أوله، من الإنشاد، يقال: أنشد الشعرَ: إذا قرأه. (فَلَحَظَ إِلَيْهِ) بفتح الحاء المهملة، يقال: لَحَظَه، كسمِعه، وإليه لَحْظًا، ولَحَظانًا محرّكةً: إذا نظر بمؤخِّر عينيه، وهو أشدّ التفاتًا من الشَّزْر، قاله المجد -﵀- (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فلحظ إليه"؛ أي: أومأ إليه بعينيه أن اسكت، وهذا يدلُّ على أن عمر -﵁- كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط، أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقد اختُلف في ذلك، فمِن مانع مطلقًا، ومن مجيز مطلقًا، والأَولى التفصيل، وهو أن يُنظر إلى الشعر، فإنْ كان مِمَّا يقتضي الثناء على الله تعالى، أو على رسوله -ﷺ-، أو الذبَّ عنهما، كما كان شعر حسان،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، كتاب "الصلاة" رقم (٤٥٣).
(٢) "القاموس المحيط" ص ١١٦٨.
[ ٣٩ / ٥١١ ]
أو يتضمن الحضَّ على الخير، فهو حسن في المساجد، وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يَجُز؛ لأنَّ الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش، والكذب، والتزيين بالباطل، ولو سَلِم من ذلك فأقل ما فيه اللغو، والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية [النور: ٣٦]، ولقوله -ﷺ-: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن" (^١)، وقد تقدَّم هذا المعنى. انتهى (^٢).
(فَقَالَ) حسّان: (قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ) وقوله: (وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وأراد به النبيّ -ﷺ-. (ثُمَّ الْتَفَتَ) حسّان (إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ)؛ أي: أسألك بالله رافعًا نشيدتي؛ أي: صوتي، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشُدك، من باب نصر: ذَكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مقسِمًا عليك، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٣).
وقال في "العمدة": قوله: أنشدك اللهَ بفتح الهمزة، وضم الشين، معناه: سألتك بالله، قال الجوهريّ: نشدت فلانًا أنشده نَشْدًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله، كأنَّك ذكّرته إياه، فنَشَدَ؛ أي: تذكَّر، وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللهَ، وأنشدك الله، وبالله، وناشدتك الله؛ أي: سألتك، وأقسمت عليك، ونشدته نِشدةً، ونِشدانًا، ومناشدةً، وتَعْدِيته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة دعوتُ، حيث قالوا: نشدتك الله، وبالله، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى ذكرت، وأما أنشدتك بالله، فخطأ. انتهى (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم وغيره بلفظ: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. . ." الحديث، وأما بلفظ: "إن هذه المساجد. . ." قال القرطبيّ: لا أظنه ثابتًا، وإنما الثابت ما ذكرته، وكذا ثبت في مسلم وغيره بلفظ: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى. . ." الحديث، ولعلّه التبس على القرطبيّ أحدهما بالآخر، فليُتنبّه.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤١٨.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٥.
(٤) "عمدة القاري" ٤/ ٢١٨.
[ ٣٩ / ٥١٢ ]
(أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "أجِبْ عَنِّي) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "يا حسّان أجب عن رسول الله -ﷺ-"، والمراد بالإجابة: الردّ على الكفار الذين هجوا رسول الله -ﷺ- وأصحابه.
وقال في "العمدة": قوله: "أجب عن رسول الله -ﷺ-"، وفي رواية سعيد: "أجب عني"، ومعنى الأول: أجب الكفار عن جهة رسول الله -ﷺ-، ولفظ "جهة" مقدَّر، ويجوز أن يضمَّن "أجب" معنى ادفع، والمعنى: ادفع عن رسول الله -ﷺ-، ويَحْتَمِل أن يكون الأصل رواية سعيد، وهي: "أجب عني"، ثم نقل حسان ذلك بالمعنى، وزاد فيه لفظة: "رسول الله -ﷺ-"؛ تعظيمًا له، ويَحْتَمِل أن تكون تلك لفظة رسول الله -ﷺ- بعينه؛ لأجل المهابة، وتقويةً لداعي المأمور، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وكما يقول الخليفة: أمير المؤمنين يرسم لك؛ لأن فيه تعظيمًا له، وتقويةً للمأمور، ومهابةً، بخلاف قوله: أنا أرسم، والمراد بالإجابة: الردّ على الكفار الذين هَجَوا رسول الله -ﷺ-. انتهى (^١).
وفي التِّرمذيّ من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو الكفار". (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ)؛ أي: قوّه، والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ الآية [الذاريات: ٤٧]؛ أي: بقوة. (بِرُوحِ الْقُدُسِ") المراد به جبريل -﵇ - بدليل حديث البراء -﵁- عند البخاريّ بلفظ: "وجبريل معك"؛ أي: بالإلهام، والتذكير، والمعونة، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال في "العمدة": قوله: "اللَّهُمَّ أيّده" هذا دعاء من رسول الله -ﷺ- لحسان، دعا له بالتأييد، وهو القوّة على الكفار.
وقوله: "بروح القدس" الباء فيه تتعلق بقوله: "أيده"، والمراد بروح القدس هنا: جبريل -﵇ -، يدل عليه ما رواه البخاريّ أيضًا من حديث البراء -﵁- بلفظ: "وجبريل معك"، والقدس بضم القاف، والدال: بمعنى
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢١٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٩٨ - ١٩٩ بزيادة من "المفهم" ٦/ ٤٢١.
[ ٣٩ / ٥١٣ ]
الطُّهر، وسُمّي جبريل بذلك؛ لأنه خُلق من الطُّهر، وقال كعب: القدس الرب -﷿-، ومعنى روح القدس: روح الله، وإنما سُمّي بالروح؛ لأنه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيى به الأرواح، وقيل: معنى القدس: البركة، ومن أسماء الله تعالى: القُدُّوس؛ أي: الطّاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه: الأرض المقدسة، وبيت المقدس؛ لأنه الموضع الذي يُتقدس فيه؛ أي: يُتطهر فيه من الذنوب. انتهى (^١).
(قَالَ) أبو هريرة -﵁-: (اللَّهُمَّ نَعَمْ)؛ أي: سمعته -ﷺ- يقول ذلك، وإنما أتى أبو هريرة -﵁- بقوله: "اللَّهُمَّ" تأكيدًا لكلامه، كأنه يستشهد الله تعالى على صِدْق شهادته، كأنه يقول: اللَّهُمَّ اشهد على صدق ما شهدته لحسان -﵁-، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حسّان، وأبي هريرة -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٦٤ و٦٣٦٥ و٦٣٦٦] (٢٤٨٥)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٥٣) و"بدء الخلق" (٣٢١٢) و"الأدب" (٦١٥٢)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٢/ ٤٨) و"عمل اليوم والليلة" (١٧١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٠٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٢٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧١٦ و٢٠٥٠٩ و٢٠٥١٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٠٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥٣)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ٢٩٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٨ و١٠/ ٣٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٤٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حسان بن ثابت -﵁-، حيث دعا له النَّبيّ -ﷺ- بتأييده بروح القدس.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢١٨.
[ ٣٩ / ٥١٤ ]
٢ - (ومنها): أن الإمام ينبغي له الإنكار إذا رأى من أتباعه ما ظنّ أنه مُنكَر حتى يظهر له عدم كونه منكرًا.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يُثبت دعواه بالإشهاد عليه تأكيدًا، وإن كان لا يُتّهم.
٤ - (ومنها): جواز الانتصار من الكفار، وهجوهم، قال العلماء: ينبغي أن لا يُبدأ المشركون بالسبّ والهجاء؛ مخافةً من سبِّهم الإسلام، وأهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨]، ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفُحْش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة؛ كابتدائهم به، فيكافَؤون، كما فعل النبيّ -ﷺ-.
٥ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن قال شعرًا ينصر به الإسلام، أو يمدح النبيّ -ﷺ-، أو القرآن، أو يثني على الله تعالى، مثل قصّة حسان -﵁-.
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على أن الشعر الحقّ لا يحرَّم في المسجد، وإنما يحرَّم فيه ما فيه الخناء، والزور، والكلام الساقط، يدلّ عليه ما رواه الترمذيّ مصححًا من حديث عائشة -﵂-: "كان رسول الله -ﷺ- ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، ويهجو الكفار" (^١).
وأما ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والترمذيُّ، وحسّنه، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: "نَهَى رسول الله -ﷺ- عن تناشد الأشعار في المساجد"، وإسناده صحيح إلى عمرو، فمن يصحح نسخته يصححه، وفي المعنى عدة أحاديث، لكن في أسانيدها مقال، فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يُحْمَل النهي على تناشد أشعار الجاهلية، والمبطلين، والمأذون فيه ما سَلِم من ذلك، وقيل: المنهيّ عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد، حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الملك البونيّ، فأعمل أحاديث النهي، وادّعَى النسخ في حديث الإذن، ولم يُوافَق على ذلك، حكاه ابن التين عنه، قاله في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢١٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٩٩، كتاب "الصلاة" رقم (٤٥٣).
[ ٣٩ / ٥١٥ ]
٧ - (ومنها): ما قاله في "العمدة": وقد اختَلَف العلماء أيضًا في جواز إنشاد الشعر مطلقًا، فقال الشعبيّ، وعامر بن سعد البجليّ، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيِّب، والقاسم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا نَكْب عِرْض أحد من المسلمين، ولا فُحْش.
وقال مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعيّ، وسالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، وعمرو بن شعيب: تُكره رواية الشعر، وإنشاده، واحتجوا في ذلك بحديث عمر بن الخطاب، عن رسول الله -ﷺ- قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا"، ورواه ابن أبي شيبة، والبزار، والطحاويّ، وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، عن النبيّ -ﷺ- قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه، خير من أن يمتلئ شعرًا"، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وأخرجه البخاريّ، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- نحو رواية ابن أبي شيبة، وأخرجه مسلم أيضًا، عن أبي هريرة، نحو روايته عن سعد، وأخرجه أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ، وأخرجه الطحاويّ أيضًا عن عوف بن مالك، عن النبيّ -ﷺ-، وأخرجه الطبرانيّ أيضًا عن أبي الدرداء، عن النبيّ -ﷺ-.
وأجاب الأولون عن هذا، وقالوا: إنما هذه الأحاديث وردت على خاصّ من الشعر، وهو أن يكون فيه فُحْش، وخناء، وقال البيهقيّ عن الشعبيّ: المراد به الشعر الذي هُجي به النبيّ -ﷺ-، وقال أبو عبيدة: الذي فيه عندي غير ذلك؛ لأن ما هُجي به رسول الله -ﷺ- لو كان شطر بيت لكان كفرًا، ولكن وَجْهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن، والذِّكر، قيل: فيما قاله أبو عبيدة نَظَر؛ لأن الذين هَجَوا النبيّ -ﷺ- كانوا كفارًا، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر من غير هجو، غاية ما في الباب: قد زاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، والذي قاله الشعبي أوْجَه.
وقال الطحاويّ: قال قوم: لو كان أُريدَ بذلك ما هُجي به رسول الله -ﷺ- من الشعر لم يكن لذكِر الامتلاء معنى؛ لأن قليل ذلك وكثيرة كفر، ولكن ذِكر الامتلاء يدلّ على معنى في الامتلاء، ليس فيما دونه، قالوا: فهو عندنا على
[ ٣٩ / ٥١٦ ]
الشعر الذي يملأ الجوف، فلا يكون فيه قرآن، ولا تسبيح، ولا غيره، فأما من كان في جوفه القرآن، والشعر مع ذلك، فليس ممن امتلأ جوفه شعرًا، فهو خارج من قول رسول الله -ﷺ-: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه خير له من أن يمتلئ شعرًا".
وقال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لَعِب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله.
قال العينيّ: أشار بذلك إلى النَّسخ، ولم يوافقه أحد على ذلك.
وقوله: "قيحًا" نُصِب على التمييز، وهو الصديد الذي يسيل من الدُّمّل والجرح.
وقوله: "يَرِيه" من الوَرْي، وهو الداء، يقال: ورى يوري، فهو موري: إذا أصاب جوفه الداء، وقال الجوهريّ: وروى القيح جوفه يريه وريًا: أكله، وقال قوم: معناه: حتى يصيب رِئتيه، قلت: فيه نظر. انتهى كلام العينيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ- لحسان: "أجب عني، اللَّهُمَّ أيده بروح القدس" إنما قال ذلك؛ لأنَّ نفرًا من قريش كانوا يهجون النبيّ -ﷺ- وأصحابه -﵃-، منهم: عبد الله بن الزَّبَعْرَى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، فقيل لعليّ: اهج عنا القوم الذين يهجوننا، فقال: إن أَذِن لي رسول الله -ﷺ- فعلت، فأُعلم بذلك رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: "إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك"، ثم قال: "ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله -ﷺ- أن ينصروه بألسنتهم؟ " فقال حسان: أنا لها، وأخذ طرف لسانه، وقال: والله ما يسرُّني به مِقوَلٌ (^٢) ما بين بصرى وصنعاء، وكان طويل اللسان، يضرب بلسانه أرنبةَ أنفه من طوله، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، فقال رسول الله -ﷺ-: "كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجوأبا سفيان، وهو ابن عمي؟ "، فقال: والله
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢١٩.
(٢) "المِقول": اللسان.
[ ٣٩ / ٥١٧ ]
لأسلنَّك منهم كما تُسَلّ الشعرة من العجين، فقال: "ائت أبا بكر، فإنَّه أعلم بأنساب القوم منك"، فكان يمضي لأبي بكر لِيَقِفه على أنسابهم، وكان يقول: كُفَّ عن فلان، وفلانة، واذكر فلانًا، وفلانة، فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعت قريشٌ شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، فقال حسان -﵁-[من الطويل]:
أَبلِغ أَبا سُفيَانَ أنَّ مُحمْدًا … هَوَ الغُضنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ
ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ … فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ (^١)
وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم … بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ
وَمَن وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنْهُمُ … كِرَامٌ وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ
وَلَستَ كَعَبَّاس وَلا كَابنِ أُمِّهِ … وَلكِن لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَندُ
وإن امْرَءًا كَانَتَ سُمَيَّةُ أُمَّهُ … وسَمرَاءُ مَغمُوزٌ إذا بُلِغَ الجَهدُ
وَأنتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ … كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ
الأفنان: الأغصان، واحدها: فنن. والوغد: الدنيء من الرجال، والمَحتِد: الأصل. ودونك: ظرف قُصد به الإغراء، والمغرى به محذوف تقديره: فدونك محتدك فالصق به، والعرب تغري بـ "عليك" و"إليك" و"دونك". وسنام المجد: أرْفَعُه، والمجد: الشرف. قال أبو عمر: بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهي: أم أبي طالب، وعبد الله، والزبير، بني عبد المطلب.
وقوله: "ومن ولدت أبناء زهرة منهم"؛ يعني: حمزة وصفية، أمهما: هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس: هو ابن عبد المطلب، وابن أمه: شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نسيبة: امرأة من النمر بن قاسط. وسميَّة: أم أبي سفيان، وسمراء: أم أبيه. واللؤم: اسم للبخل، ودناءة الأفعال والآباء. والمغموز: المعيب المطعون فيه، والهجين: من كانت أمه دنية، والمقرف: من كان أبوه دنيًّا. ونيط: أُلصق وعُلِّق، والقَدَح: يعني به: قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وَقْر البعير؛ لأنَّه لا يُحفل به. ومنه
_________________
(١) "القُرْد" بضمّ، فسكون: جمعه قِردان: دُويبّة، كما في "القاموس".
[ ٣٩ / ٥١٨ ]
الحديث: "لا تجعلوني كقدح الراكب" (^١). انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ حَسَّانَ قَالَ فِي حَلْقَةٍ، فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهري هذه ساقها عبد الرزّاق -﵀- في "مصنّفه"، فقال:
(٢٠٥٠٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب؛ أن حسان بن ثابت كان في حلقة فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "أجب عني أيدك الله بروح القدس"؟ فقال: "اللَّهُمَّ نعم". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِميُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ، يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، هَلْ سَمِعْتَ
_________________
(١) ضعيف. رواه عبد بن حميد، والبزّار، وغيرهما، وفي سنده موسى بن عُبيدة الربذيّ ضعيف.
(٢) "مصنف عبد الرزاق" ١١/ ٢٦٧.
[ ٣٩ / ٥١٩ ]
النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الحمصيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] مات سنة أربع وتسعين، أوأربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ)؛ أي: يطلب منه الشهادة، ومحل الجملة النصب على الحال من حسان.
[فإن قيل]: لا بدّ في الشهادة من نِصَاب، فكيف ثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة -﵁- فقط؟.
[أجيب]: بأن هذه رواية حكم شرعيّ، ويكتفى فيها عدل واحد، وأطلق الشهادة على سبيل التجوز؛ لأنه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد، كما بُيِّن ذلك في موضعه، قاله في "العمدة" (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٧] (٢٤٨٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ: ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ (^٢) رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: "اهْجُهُمْ، أَو هَاجِهِمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ").
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢١٨.
(٢) وفي نسخة: "يقول: سمعت".
[ ٣٩ / ٥٢٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدَّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ) بن الحارث بن عبديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، استُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى عديّ، وهو والبراء -﵁- كوفيّان.
[فائدة]: قوله: "وهو ابن ثابت"، إنما لم يقل: "عديّ بن ثابت"، بل زاد لفظ: "وهو" إشارةً إلى القاعدة المشهورة عند المحدّثين، وهي التي ذكرها النوويّ -﵀- في "تقريبه"، فقال مع "شرحه": ليس له أن يزيد في نَسَب غير شيخه، من رجال الإسناد، أو صِفَته مُدرِجًا ذلك، حيث اقتصر شيخه على بعضه، إلا أن يميّزه، فيقول مثلًا: هو ابن فلان الفلانيّ؛ أو يعني: ابن فلان، ونحوه، فيجوز، فَعَلَ ذلك أحمد، وغيره، فإن ذَكر شيخه نَسَب شيخه بتمامه في أول حديث، ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه، أو بعض نَسَبه، فقد حَكَى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الحديث الأول، مستوفيًا نَسَب شيخ شيخه، وحُكي عن بعضهم أن الأَولى فيه أيضًا أن يقول: يعني: بن فلان، وحُكي عن علي ابن المدينيّ وغيره؛ كشيخه أبي بكر الأصبهاني الحافظ أنه يقول: حدّثني شيخي أن فلان ابن فلان حدّثه، وحُكي عن بعضهم أنه يقول: أنا فلان، هو ابن فلان، واستحبه؛ أي: هذا الأخير الخطيب؛ لأن لفظ "أَنّ" استعملهما قوم في الإجازة، قال ابن الصلاح: وكلّه جائزٌ، والأَولى أن يقول: هو ابن فلان؛ أو يعني: ابن فلان،
[ ٣٩ / ٥٢١ ]
ثم قوله: "أن فلان ابن فلان"، ثم أن يذكره بكماله، من غير فصل. انتهى (^١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَو وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَو بـ "أَنَّ" أَو بِـ "هُو" … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ-) تقدَّم نكتة زيادة "وهو" آنفًا، فلا تغفل.
(قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ابْنَ عَازِبٍ) -﵄- (قَالَ) وفي نسخة: "يقول": (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) -﵁- ("اهْجُهُمْ) أمْر من هجا يهجو هَجْوًا، وهو نقيض المدح، وقال ابن الجوزيّ: الهجاء ذِكر المعايب (^٢). (أَو هَاجِهِمْ) شكّ من الراوي، من المهاجاة، ومعناه جازهم بهجوهم، بالشك، قاله في "العمدة" (^٣)، وقاله في "الفتح": والثاني أخصّ من الأول؛ يعني: أن المهاجاة أخصّ من الهجو؛ لأنه بمقابلة هجوهم، بخلاف الهجو، فهو أعمّ. (وَجِبْرِيلُ مَعَكَ")؛ يعني: يؤيدك، ويعينك عليه.
وقال في "العمدة": قوله: "اهجُهم" أمْر من الهجو، وهو خلاف المدح، يقال: هَجَوته هَجْوًا، وهِجاءً، وتهجاء: وقع فيه بالشِّعر، وسبّه، وعابه، وقوله: "أو هاجهم" شك من الراوي، وهو أمر من المهاجاة، من باب المفاعلة الدالّ على الاشتراك في الهجو، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المشركين، بدلالة القرينة، والواو في: "وجبريل معك" للحال. انتهى (^٤).
[تنبيه]: بيَّن البخاريّ -﵀ - في روايته وقت أمر النبيّ -ﷺ- حسان بالهجو، فقال بعد إخراجه عن طريق شعبة، عن عديّ بلفظ مسلم ما نصّه: وزاد إبراهيم بن طهمان، عن الشيبانيّ، عن عديّ بن ثابت، عن البراء بن عازب،
_________________
(١) "تقريب النواوي" مع شرحه "تدريب الراوي" ٢/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) "غريب الحديث لابن الجوزيّ" ٢/ ٤٩١.
(٣) "عمدة القاري" ١٥/ ١٣٤.
(٤) "عمدة القاري" ١٧/ ١٩٣ بزيادة من "المصباح" ٢/ ٦٣٥.
[ ٣٩ / ٥٢٢ ]
قال: قال رسول الله -ﷺ- يوم قُريظة لحسّان بن ثابت: "اهجُ المشركين، فإن جبريل معك". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "وزاد إبراهيم بن طهمان" وَصَله النسائيّ، وإسناده على شرط البخاريّ، وأبو إسحاق هو الشيبانيّ، واسمه سليمان، وزيادته في هذا الحديث معيِّنة أن الأمر له بذلك وقع يوم قريظة، ووقع في حديث جابر -﵁- عند ابن مردويه: "لمّا كان يومُ الأحزاب، ورَدَّهم الله بغيظهم، قال النبيّ -ﷺ-: من يحمي أعراض المسلمين؟ فقام كعب، وابن رواحة، وحسان، فقال لحسان: اهجُهم أنت، فإنه سيعينك عليهم روح القدس"، فهذا يؤيد زيادة الشيباني المذكورة، فإن يوم بني قريظة مسبَّب عن يوم الأحزاب، والله أعلم، ولا مانع أن يتعدد وقوع الأمر له بذلك. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٦٧ و٦٣٦٨] (٢٤٨٦)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢١٣) و"المغازي" (٤١٢٣ و٤١٢٤) و"الأدب" (٦١٥٣)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٩٩ و٣٠٢)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٥٥٦)، و(الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (٢٦٧٧)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ٢٩٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ٤١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٣٧ و٢٣٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٢٢٠، كتاب "المغازي" رقم (٤١٢٣ و٤١٢٤).
[ ٣٩ / ٥٢٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ الحافظ الشهير، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و"أبو بكر بن نافع" هو: محمد بن أحمد بن نافع، و"غُندر" هو: محمد بن جعفر المذكور في السند الثاني، و"عبد الرحمن" في الموضعين هو: ابن مهديّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ … إلخ) هكذا النُّسخ بضمير الجمع مع أن المذكور اثنان، وهما عبد الرحمن بن مهديّ، وغُندر، وإطلاق ضمير الجماعة على الاثنين صحيح على مذهب من يقول: إن أقلّ الجمع اثنان، وقد تقدّم أنه المذهب المختار، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] بعد قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وغير ذلك، وأما تغليط الرواية مع صحة الوجه، كما سلكه بعض الشرّاح (^١)، فممَّا لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة، ساقها أحمد -﵀- في "مسنده" مقرونًا ببهز، فقال:
(١٤٥٦) - حدّثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدّث؛ أن رسول الله -ﷺ- قال لحسان بن ثابت: "هاجهم، أو اهجهم، وجبريل معك". انتهى (^٢).
وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٩] (٢٤٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ، فَإنَّهُ كانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-).
_________________
(١) هو: الشيخ الهرري. راجع: "شرحه" ٢٤/ ٧٥.
(٢) "فضائل الصحابة لابن حنبل" ٢/ ٨٠٨.
[ ٣٩ / ٥٢٤ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبل ثلاثة أبواب، و"أبو بكر بن أبي شيبة" هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"أبو كريب" هو: محمد بن العلاء، و"أبو أسامة" هو: حمّاد بن أسامة.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، وأن شيخه أبا كريب من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ (أَنَّ حَسانَ بْنَ ثَابِتٍ) -﵁- (كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ) بتشديد الثاء المثلّثة: من التكثير؛ أي: أكثر في الطعن (عَلَى عَائِشَةَ) -﵂- في قصّة الإفك على ما هو المشهور، وسيأتي ما فيه. (فَسَبَبْتُهُ)؛ أي: شتمته، وعيّرته بذلك، (فَقَالَتْ) عائشة -﵂-: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء بنت أبي بكر الصدّيق -﵃-، (دَعْهُ)؛ أي: اترك سبّه، (فَإِنَّهُ) الفاء تعليليّة؛ لأنه (كَانَ يُنَافِحُ)؛ أي: يدافع، ويناضل، قال في "العمدة": قوله: "كان ينافح" بكسر الفاء، بعدها حاء مهملة، ومعناه: يدافع، يقال: نافحت عن فلان؛ أي: خاصمت عنه، ويقال: نَفَحت الدابة: إذا رمحت بحوافرها، ونَفَحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد، وأصل النفح بالمهملة: الضرب، وقيل للعطاء: نفحٌ، كأنّ الْمُعْطِيَ يضرب السائل به. انتهى (^١).
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٩٥.
[ ٣٩ / ٥٢٥ ]
وقال في "الفتح": قوله: "كان ينافح" بكسر الفاء، بعدها مهملة، ومعناها: يدافع، أو يرامي، قال الكشميهنيّ في رواية أبي ذرّ عنه: نَفَحَت الدابةُ: إذا رَمَحت بحوافرها، ونفحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد، وأصل النفح بالمهملة: الضرب، وقيل للعطاء: نفحٌ، كأن المعطي يضرب السائل به، ووقع في رواية أبي سلمة الآتية، قالت عائشة: فسمعت النبيّ -ﷺ- يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله، ورسوله"، قالت: وسمعته يقول: "هجاهم حسان، فشَفَى، واشْتَفَى". انتهى (^١).
(عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) متعلّقٌ بـ "ينافح"، وقد أخرج الشيخان في أثناء حديث الإفك من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، قال عروة: كانت عائشة تَكْرَه أن يُسَبَّ عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٦٩ و٦٣٧٠] (٢٤٨٧)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٥٣١) و"المغازي" (٤١٤٥) و"الأدب" (٦١٥٠) وفي "الأدب المفرد" (١/ ٢٩٩)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٥٥٥)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حسّان بن ثابت -﵁- حيث كان ينافح عن رسول الله -ﷺ-، ويَفديه بنفسه، ووالديه.
٢ - (ومنها): بيان فضل المنافحة عن النبيّ -ﷺ-، بجميع ما يملكه الشخص، من لسان، أو يد، أو عِرض، أو مال، أو غير ذلك؛ لأنه -ﷺ- أَولى
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٥٤.
[ ٣٩ / ٥٢٦ ]
بالمؤمنين من أنفسهم، كما قال الله -﷿-: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦].
٣ - (ومنها): بيان فضل عائشة -﵂-، حيث إنها تركت ما بَلَغها عن حسّان في قصّة الإفك من أجل أنه كان ينافح عن النبيّ -ﷺ-، وذلك من كمال عقلها، ورجاحة فهمها، حيث آثرت على عِرضها عِرض النبيّ -ﷺ- عملًا بمقتضى الآية المذكورة، وهكذا ينبغي للمسلم إذا ناله شيء في سبيل الدفاع عن النبيّ -ﷺ-، وعن الإسلام، يصبر، ويحتسب على الله -﷾-، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"هشام بن عروة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:
(٣٣٣٨) - حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: استأذن حسان النبيّ -ﷺ- في هجاء المشركين، قال: "كيف بنسبي؟ "، فقال حسان: لأسلنّكّ منهم، كما تُسَلّ الشعرة من الْعَجِين، وعن أبيه قال: ذهبت أسبّ حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبّه، فإنه كان ينافح عن النبيّ -ﷺ-. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧١] (٢٤٨٨) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٢٩٩.
[ ٣٩ / ٥٢٧ ]
عَلَى عَائِشَةَ، وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا، يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ [من الطويل]:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَي مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ، يَدْخُلُ عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية [النور: ١١]، فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ إِنَّهُ كَانَ (^١) يُنَافِحُ، أَو يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ الفرائضيّ، أبو محمد البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح العطار الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمداني الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و"محمد بن جعفر" هو: غُندر، و"سليمان" هو: ابن مِهْران الأعمش.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين، غير عائشة -﵂-، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وفيه عائشة -﵂- تقدّم القول فيها قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) -﵂-، وقوله: (وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من "عائشة"، وكذا الجملتان
_________________
(١) وفي نسخة: "فقالت: إنه كان".
[ ٣٩ / ٥٢٨ ]
بعده، وفي رواية للبخاريّ: "دخل حسّان بن ثابت على عائشة، فشبّب"، وفي رواية له: "جاء حسّان بن ثابت يستأذن عليها". وفي رواية مؤمل عن سفيان، عند الإسماعيليّ: "كنت عند عائشة، فدخل حسان، فأَمَرت، فأُلقيت له وسادةٌ، فلما خرج قلت: أتأذنين لهذا؟ ". (يُنْشِدُهَا شِعْرًا) بضمّ حرف المضارعة، من الإنشاد، وهو قراءة الشعر. (يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ) بالشين المعجمة، من التشبيب، وهو ذِكر الشاعر ما يتعلق بالغزَل (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "يُشبّب" بمعجمة، وموحدتين، الأولى ثقيلة؛ أي: تغزّل، يقال: شَبَّب الشاعر بفلانة؛ أي: عَرَّض بحبها، وذَكَر حُسْنها، والمراد: ترقيق الشِّعر بذِكر النساء، وقد يُطلق على إنشاد الشعر، وإنشائه، ولو لم يكن فيه غزل، كما وقع في حديث أم معبد: "فلما سَمِع حسان شعر الهاتِف، شبَّب يجاريه، أخَذَ في نَظْم جوابه" (^٢).
(فَقَالَ: حَصَانٌ) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي حصانٌ، وهو بفتح الحاء؛ أي: عفيفة، تمتنع من الرجال، قاله في "العمدة".
وقال القرطبيّ -﵀-: "حَصَان": عفيفة، وقد تقدّم القول في وجوه الإحصان. و"رَزَان": كاملة الوقار، والعقل. يقال: رَزُن (^٣) الرجل رزانة، فهو رزين: إذا كان وقورًا، وامرأة رزان. و"غرثى": من الغرث، وهو الجوع، يقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى؛ كعطشان وعطشى. و"الغوافل" جمع تكسير غافلة؛ يعني: أنهن غافلات عما رُمين به من الفاحشة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣]، ويعني حسان بهذا البيت: أن عائشة -﵂- في غاية العفة، والنزاهة عن أن تُزنَّ بريبة؛ أي: تُتَّهم بها. ثم وَصَفها بكمال العقل والوقار، والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة، وشبَّهها بالغرثى؛ لأنَّ بعض الغوافل قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها، وهي: حمنة بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها، بأن تقابلها
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٧/ ٢١٢.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٤٤٠، كتاب "التفسير" رقم (٤٧٥٦).
(٣) ككرم.
[ ٣٩ / ٥٢٩ ]
بما يؤذيها، لكن حَجَزها عن ذلك دينها، وعقلها، وورعها. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "حصان" بفتح المهملة، قال السهيليّ: هذا الوزن يكثر في أوصاف المؤنث، وفي الأعلام منها، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى، وحصان من الحصين، والتحصين، يراد به الامتناع على الرجال، ومِنْ نَظَرهم إليها. انتهى (^٢).
(رَزَانٌ) بفتح الراء، وتخفيف الزاي؛ أي: صاحبة وقار، وقيل: يقال: امرأة رزان: إذا كانت رزينة في مجلسها، والرَّزان والثَّقَال بمعنى واحد، وهي قليلة الحركة، وكلاهما على وزن فَعَال، بفتح الفاء، وهو يكثر في أوصاف المؤنث، وفي الأعلام (^٣). (مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ) بضم التاء المثناة من فوقُ، وفتح الزاي، وتشديد النون؛ أي: ما تُتَّهم، وما تُرمى بريبة، يقال: أزننت الرجلَ: إذا اتهمته برِيبة، والرِّيبة بكسر الراء: التهمة. (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وبالثاء المثلثة؛ أي: جائعة؛ يعني: أنها لا تغتاب الناس؛ إذ لو كانت مغتابة لكانت آكلة من لحم أخيها، فتكون شبعانة، لا جوعانة، ويقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى، ويقال: وتصبح غرثى؛ أي: خميصة البطن، قاله في "العمدة" (^٤).
وقال في "الفتح": وقوله: "غرثى" بفتح المعجمة، وسكون الراء، ثم مثلثة؛ أي: خميصة البطن؛ أي: لا تغتاب أحدًا، وهي استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. انتهى.
(مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ)؛ أي: العفيفات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣] جعلهن الله تعالى غافلات؛ لأن الذي رُمين به من الشرّ لم يَهْمُمن به قطّ، ولا خَطَر على قلوبهنّ، فهنّ في غفلة عنه، وهذا أبلغُ ما يكون من الوصف بالعفاف (^٥).
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٢١ - ٤٢٢.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٤٤٠، كتاب "التفسير" رقم (٤٧٥٦).
(٣) "عمدة القاري" ١٧/ ٢١٢.
(٤) "عمدة القاري" ١٧/ ٢١٢.
(٥) "عمدة القاري" ١٧/ ٢١٢.
[ ٣٩ / ٥٣٠ ]
وقال في "الفتح": قوله: "رزان" من الرزانة، يراد به قلّة الحركة، و"تُزَنّ" بضم أوله، ثم زاي، ثم نون ثقيلة؛ أي: ترمَى، و"الغوافل" جمع غافلة، وهي العفيفة الغافلة عن الشرّ، والمراد: تبرئتها من اغتياب الناس بأكل لحومهم من الغيبة، ومناسبة تسمية الغيبة بأكل اللحم أن اللحم سترٌ على العظم، فكأن المغتاب يكشف ما على من اغتابه مِنْ سِتر.
وزاد ابن هشام في "السيرة" في هذا الشعر [من الطويل]:
عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ … كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللهُ خِيمَهًا … وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
وفيه عن ابن إسحاق:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي … لِآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ
وزاد فيه الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق:
حَلِيلَةُ خَيْرِ الْخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا … نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ
رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللهُ حُرَّةً … مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرِ ذَاتِ الْغَوِائِلِ
و"الخيم" بكسر المعجمة، وسكون التحتانية: الأصل الثابت، وأصله من الْخِيمة، يقال: خام يخيم: إذا أقام بالمكان. انتهى (^١).
(فَقَالَتْ لَهُ)؛ أي: لحسّان -﵁-، (عَائِشَةُ) -﵂-: (لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ) فيه إشارة إلى أنه اغتاب عائشة -﵂- حين وقعت قصة الإفك، وقد عَمِي في آخر عمره.
وقال القرطبيّ -﵀-: قول عائشة -﵂- لحسان -﵁-: "لكنك لست كذلك"؛ تعني: أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهر هذا الحديث: أن حسان كان ممن تكلم بالإفك، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه: أن الذين تكلموا بالإفك: مسطح، وحسان، وحمنة، وعبد الله بن أُبيِّ ابن سلول، غير أنه قد حَكَى أبو عمر: أن عائشة -﵂- قد برَّأت حسَّان من الفرية، وقالت: إنه لم يقل شيئًا، وقد أنكر حسان أن يكون قال من ذلك شيئًا
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٤١، كتاب "التفسير" رقم (٤٧٥٦).
[ ٣٩ / ٥٣١ ]
في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال:
فَإِنْ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ … فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِليَّ أَنَامِلِي
فيَحْتَمِل أن يقال: إن حسان؛ يعني: أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحًا، ويكون قد عرَّض بذلك، وأومأ إليه، فنُسب ذلك إليه، فالله أعلم.
وقد اختَلَف الناس فيه، هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جُلِد الحدَّ أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول ببراءة حسّان -﵁- هو الأرجح، كما سيأتي.
وقال في "الفتح" (^٢): قوله: "فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك" ذَكَر ابن هشام عن أبي عبيدة أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة، فقالت: حصان رزان … البيت، فقالت عائشة: لكن أبوها، وهو بتخفيف النون، فإن كان محفوظًا أمكن تعدد القصة، ويكون قوله في بعض طرق رواية مسروق: "يشبب ببنت له" بالنون، لا بالتحتانية، ويكون نَظْم حسان في بنته، لا في عائشة، وإنما تمثَّل به، لكن بقية الأبيات ظاهرة في أنها في عائشة، وهذا البيت في قصيدة لحسان يقول فيها:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِقٍ … بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قِيلُ امْرِئٍ مُتَمَاحِلِ
قال في "التكملة": قولها: "لكنك لست كذلك" ظاهره أن حسّان بن ثابت -﵁- كان قد تكلّم فيمن تكلّم في عائشة -﵂-، وهو الظاهر من قولها:
"أيّ عذاب أشدّ من العمى؟ "، ولكن يُشكل عليه أن حسّان -﵁- قد أنكر في أبياته المذكورة أن يكون تكلّم في عائشة -﵂- ما لا ينبغي، وخاصّةً قوله:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … البيتين، فإنه صرّح بأنه لم يقذف عائشة -﵂- أبدًا، وإنما نَسب بعض الناس إليه أقوالًا لم يقلها، وهو اللائق به -﵁-.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٢٢.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٤٤١، كتاب "التفسير" رقم (٤٧٥٦).
[ ٣٩ / ٥٣٢ ]
ويَحْتَمِل أن تكون نسبة هذه الأقوال إليه صارت مشهورةً بين الناس بما يصعب ردّها، وتأثّرت عائشة -﵂- بهذه الشهرة، وقد نسب بعضهم إليه أبياتًا تدلّ على أنه كان من جملة القاذفين، وهي:
لَقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الَّذِي كَانَ أَهْلَهُ … وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ
تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْب زَوْجَ نَبِيِّهِمْ … وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيم فَأَتْرَحُوا
لكن ذكر السهيليّ في "الروض الأنف" (٤/ ٢٤) أن البيت الأَول من هذه الأبيات يروى على خلاف هذا، وهو:
لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ … وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ
وعلى هذا الأساس مال السهيليّ -﵀- إلى أن حسّان -﵁- لم يخُض في قذف عائشة -﵂والله -﷾- أعلم- ولو ثبت منه القذف، فإنه تاب من ذلك توبةً نصوحًا، فلا ملامة عليه بعد ذلك. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما مال إليه السهيليّ -﵀-، من تبرئة حسّان -﵁- من القذف المذكور هو الصواب؛ لأن كلامه في قصيدته المذكورة صريح في ذلك، وبعد إنكاره فلا مجال لإلصاق ذلك به، وأما تأثّر عائشة -﵂- فيكون مما اشتهر على ألسنة الناس مِنْ قَذْفه لها، فتأمل بالإمعان، تَسْلَم من الخذلان، والله تعالى المستعان.
(قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لعائشة -﵂-: (لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ)؛ أي: لحسّان (يَدْخُلُ عَلَيْكِ) جملة في محلّ نصب على الحال، ولفظ البخاريّ: "لِمَ تأذنين له أن يدخل عليك"، فـ "أن" فيه مصدريّة، ويَحتمل ما هنا أن يكون بتقديرها أيضًا، وقوله: (وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]) جملة في محلّ نصب على الحال، وفي رواية: "تَدَعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ "، قال في "الفتح": وهذا مُشْكِل؛ لأن ظاهره أن المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هو حسان بن ثابت، وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أُبَيّ، وهو المعتمَد، وقد وقع في رواية أبي حذيفة، عن سفيان الثوريّ، عند أبي نعيم
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ٣٩ / ٥٣٣ ]
في "المستخرج": "وهو ممن تولى كِبْره"، فهذه الرواية أخفّ إشكالًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: تُحمل الرواية هنا بأن نقول: إنه ممن شملته الآية حيث كان منهم، إن ثبت منه ذلك، فلا إشكال، ولله الحمد.
وقال صاحب "التكملة": لعلّ مسروقًا لم يُرد أن حسّان -﵁- هو الذي تولى كبره، أو هو ممن تولّى كبره، ولكنه ذكر الآية لمجرّد الإشارة إلى قصّة الإفك، ولبيان أن الله تعالى أنزل في القرآن مذمّة هؤلاء الذين تعاطوا القذف، سواء كانوا ممن اختلقوا هذه القصّة، أو ممن صدّقوها بدون تحقيق، وإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ وإن كان المقصود به عبد الله بن أُبيّ، ولكن حسّان كان في زَعْم مسروق ممن صدّقه، ولم يكذّبه في ذلك، فلذلك تلا هذه الآية في معرض ذِكر حسّان -﵁-. انتهى (^٢).
(فَقَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى) زاد في رواية أبي حذيفة: "وإقامة الحدود"؛ أي: إنه أصابه بسبب قوله العذاب، وهو العمى، وإقامة الحدّ عليه، وهما من جملة العذاب.
وفي رواية للبخاريّ: "فقالت: أوَ ليس قد أصابه عذاب عظيم؟ "، قال سفيان: تعني: ذهاب بصره.
ثم بيّنت سبب مسامحتها له، وإن كان حصل منه ما حصل، فقال: (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع التعليل؛ أي: لأنه (كَانَ يُنَافِحُ) وفي نسخة: "فقالت: إنه كان ينافح"؛ أي: يدافع، وقوله: (أَو يُهَاجِي) "أو" للشكّ من الراوي؛ أي: يقابل هجاء المشركين بهجائه دفاعًا (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)، فلذا أسامحه، وآذن له في الدخول عليّ.
وقال صاحب "التكملة": فيه رعاية عظيمة من قِبَل عائشة -﵂- لعلاقة حسّان -﵁- برسول الله -ﷺ- بالرغم من أنها كانت تزعم أنه من جملة القاذفين
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٤٠، كتاب "التفسير" رقم (٤٧٥٦).
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ١٤٥.
[ ٣٩ / ٥٣٤ ]
لها، وكان من مقتضاه أن تظلّ ساخطة عليه، ولكنها آثرت علاقته به -ﷺ- على عواطفها الشخصيّة. انتهى (^١). والله تعالى أعلم.
وقال ابن كثير في "تفسيره": ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يَجمعه، ويستوشيه، ويذيعه، ويشيعه، ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؛ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ قبّحه الله، ولعنه، وهو الذي تقدم النّصّ عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد، وغير واحد، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في "صحيح البخاريّ" ما قد يدل على إيراد ذلك لَمَا كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل، ومناقب، ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبّ عن رسول الله -ﷺ- بشعره، وهو الذي قال له رسول الله -ﷺ-: "هاجهم، وجبريل معك"، وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال: كنت عند عائشة -﵂-، فدخل حسان بن ثابت، فأمَرَتْ، فأُلقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك، وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا، يدخل عليك، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؟، قالت: وأي عذاب أشدّ من العمى؟ وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله -ﷺ-.
وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا يمتدحها به، فقال:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لَحُومِ الْغَوَافِلِ
فقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك.
وقال ابن جرير: حدّثنا الحسن بن قزعة، حدّثنا سلمة بن علقمة، حدّثنا داود، عن عامر، عن عائشة؛ أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثّلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ١٤٦.
[ ٣٩ / ٥٣٥ ]
هَجَوْتُ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْجَزَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لَعِرْضِ مُحَمِّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
أَتَشْتِمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ … فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ … وَبَحْرِي لَا تُكِدِّرُهُ الدِّلَاءُ
فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوًا؟، قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؟ قالت: أليس قد ذهب بصره؟، وكُنِع (^١) بالسيف؟؛ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطَّل السُّلَميّ حين بلغة عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف، وكاد أن يقتله. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٢] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: قَالَتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ).
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٣] (٢٤٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: "كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ "، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ، كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِير، فَقَالَ حَسَّانُ [من الطويل]:
وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … بَنُو بِنْتِ (^٣) مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ
_________________
(١) أي: ضُرب.
(٢) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٣) وفي نسخة: "بنو ابنة".
[ ٣٩ / ٥٣٦ ]
قَصِيدَتَهُ هَذِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر الإمام النيسابوريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله ثلاثٌ وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخه، فكوفيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ والابن عن أبيه، عن خالته.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ) بن ثابت -﵁-: (يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ) بن الحارث بن عبد المطّلب، ابن عمّ النبيّ -ﷺ-؛ أي: في هجوه، وفي الرواية التالية: "اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ"، وسبب هذا الاستئذان مُبَيَّن في رواية أبي سلمة، عن عائشة الآتية بعد حديث: "قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "اهجوا المشركين، فإنَّه أشدّ عليهم من رَشْق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فهجاهم. . ." الحديث.
ورَوَى أحمد من حديث كعب بن مالك، قال: قال لنا رسول الله -ﷺ-: "اهجوا المشركين بالشِّعر، فإن المؤمن يجاهد بنفسه، وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما تنضحونهم بالنبل".
وروى أحمد، والبزار، من حديث عمار بن ياسر، قال: لَمّا هجانا المشركون، قال لنا رسول الله -ﷺ-: "قولوا لهم كما يقولون لكم".
(قَالَ) -ﷺ-: ("كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ ")؛ أي: كيف تهجوه، مع اجتماعي معه في القرابة؟، ولفظ البخاريّ: "كيف بنسبي فيهم"؛ أي: كيف تهجو قريشًا، مع اجتماعي معهم، في نسب واحد، وفي هذا إشارة إلى أن معظم طرق الهجو
[ ٣٩ / ٥٣٧ ]
العضّ بالآباء (^١). (قَالَ) حسّان -﵁-: (وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) هو الله -﷾-، (لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ)؛ أي: لأُخَلِّصن نَسَبك من نَسَبهم، بحيث يختص الهجو بهم دونك، وفي رواية أبي سلمة الآتية: "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي"، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ"، (كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم؛ أي: العجين، كما قال في الرواية الأخرى، ومعناه: لأتلطفنّ في تخليص نسبك مِنْ هجوه، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا سُلّت من العجين لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لو سُلّت من شيء صَلْب، فإنها ربما انقطعت، فبقيت منها فيه بقية، قاله النوويّ (^٢).
وقال في "المشارق": يريد بالخمير: العجينَ المختمر؛ يعني: لأتلطفنّ في تخليص نسبك، حتى لا يعمّه الهجو، ويقضي عليه، كما يُتلطف في إخراج الشعرة من العجين؛ لئلا تنقطع فتبقى فيه. انتهى (^٣).
وفي رواية البخاريّ: "كما تسلّ الشعرة من العين"، قال في "الفتح": أشار بذلك إلى أن الشعرة إذا أُخرجت من العجين، لا يتعلق بها منه شيء؛ لنعومتها، بخلاف ما إذا سُلّت من العسل مثلًا، فإنها قد يَعْلَق بها منه شيء، وأما إذا سُلّت من الخبز، فإنها قد تنقطع قبل أن تخلص. انتهى (^٤).
(فَقَالَ حَسَّانُ) -﵁-: (وَإِنَّ سَنَامَ)؛ أي: أعلى (الْمَجْدِ)؛ أي: الشرف، (مِنْ آلِ هَاشِمِ بَنُو بِنْتِ) وفي نسخة: "ابنةِ" (مَخْزُومٍ) قال النوويّ -﵀-: وبعد هذا بيتٌ لم يَذكره مسلم، وبذِكره تتم الفائدة والمراد، وهو:
وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْهُمُو … كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ
المراد ببنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أم عبد الله، والزبير، وأبي طالب، ومراده بأبي سفيان هذا المذكور المهجوّ:
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٨٤، كتاب "المناقب" رقم (٣٥٣١).
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٨.
(٣) "مشارق الأنوار" ١/ ٢٤٠.
(٤) "الفتح" ٨/ ١٨٤، كتاب "المناقب" رقم (٣٥٣١).
[ ٣٩ / ٥٣٨ ]
أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عمّ النبيّ -ﷺ-، وكان يؤذي النبيّ -ﷺ- والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم، وحسن إسلامه.
وقوله: "ولدت أبناء زُهرة منهم" مراده: هالة بنت وهب بن عبد مناف، أم حمزة، وصفية. وأما قوله: (وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ) فهو سبّ لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والدة أبي سفيان هذا، هي سُمَيّة بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله: "ولم يَقْرَب عجائزك المجد".
وقوله: (قَصِيدَتَهُ هَذِهِ) بالنصب مقول "فقال حسّان"؛ أي: قال قصيدته التي من جملتها هذا البيت، و"هذه" بدل، أو عطف بيان لـ "قصيدته"، وتلك القصيِدة (^١) قوله [من الطويل]:
لقَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ أَنَّ ابْنَ هَاشِمٍ … هُوَ الغُضنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ
ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ … فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ (^٢)
وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم … بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ
وَمَا وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنْكُمُ … كَرِيمًا وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ
وَلَستَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابنِ أُمِّهِ … وَلكِن هَجِينٌ لَيْسَ يُورَى لَكَ زَندُ
وَأنتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ … كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ
وإِنِ امْرَءًا كَانَت سُمَيَّةُ أُمَّهُ … وسَمرَاءُ مَغْلُوبٌ إذا بُلِغَ الجَهدُ
راجع لهذه القصيدة، وشرحها ديوان حسّان بن ثابت مع شرحه للبرقوقي (ص ١٥٩ - ١٦١). ذَكَره في "التكملة" (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) تقدمت هذه القصيدة مع بعض المخالفة قريبًا.
(٢) "القُرْد" بضمّ، فسكون: جمعه قِردان: دُويّبة، كما في "القاموس".
(٣) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٣٩ / ٥٣٩ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٧٣ و٦٣٧٤] (٢٤٨٩)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٥٣١) و"المغازي" (٤١٤٥) و"الأدب" (٦١٥٠) وفي "الأدب المفرد" (٨٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٦٩٦)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٥٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٨٧ و٧١٤٥)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ٢٩٧)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، و(الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (٢/ ٦٢٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ٣٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٣٤١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٣٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَت: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَالَ بَدَلَ الْخَمِيرِ: الْعَجِينِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وقد ذُكر الإسناد نفسه قبل ثلاثة أحاديث، والظاهر أن هذه الرواية مكرّرة، كما يتبيّن من التنبيه التالي، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية عبدة عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:
(٣٣٣٨) - حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: استأذن حسان النبيّ -ﷺ- في هجاء المشركين، قال: "كيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسلنّك منهم، كما تُسَلّ الشعرة من الْعَجين. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٥] (٢٤٩٠) - (حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٢٩٩.
[ ٣٩ / ٥٤٠ ]
غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْل"، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: "اهْجُهُمْ"، فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ، فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْه، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِه، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ بلِسَانِي فَريَ الأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا تَعْجَلْ، فَإنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بَأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي"، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِين، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولهِ"، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى، وَاشْتَفَى"، قَالَ حَسَّانُ [من الطويل]:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ (^١) عَنْهُ … وَعِنْدَ الله فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا (^٢) … رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ (^٣) وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ
يُبَارِينَ (^٤) الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ … يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ
وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا … هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ
_________________
(١) وفي نسخة: "وأجبت".
(٢) وفي نسخة: "برًّا حنيفًا".
(٣) وفي نسخة: "ووالدتي".
(٤) وفي نسخة: "ينازعن".
[ ٣٩ / ٥٤١ ]
لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ (^١) مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَو هِجَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ)
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، قال الحافظ: لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختَلَط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٦ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- ابن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ (^٢)، وروايته عن أنس مرسلة [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥.
٧ - (مُحَمَّدُ بْن إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "يلاقي كلَّ يوم".
(٢) هذا أَولى من قوله في "التقريب": لا بأس به. راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب".
[ ٣٩ / ٥٤٢ ]
والباقيان ذُكرا في الباب، و"أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ" هو: ابن عوف.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من تُساعيّات المصنّف -﵀-، وهو من أنزل الأسانيد له، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من عُمارة، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠).
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا) وقع في "المفهم": "اهج قريشًا"، فقال القرطبيّ: قوله: "اهج قريشًا" هكذا وقع في بعض النُّسخ: "اهج" على أنه أمْر لواحد، ولم يتقدَّم له ذِكر، فكأنه أمْر لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب: "اهجوا" بضمير الجماعة، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء. انتهى (^١).
(فَإِنَّهُ)؛ أي: إن الهجو (أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ") بفتح الراء، وهو الرمي بها، وأما الرِّشق بالكسر، فهو اسم للنبل التي تُرمَى دَفعةً واحدةً، وفي بعض النسخ: "من رَشْق النبل".
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فإنَّه أشدُّ عليها من رَشْق بالنبل" الضمير في "إنه" عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه: "اهجوا قريشًا". وفي "عليها": لقريش، ورشق -بفتح الراء-: وهو الرَّمي، ففيه دليل: على أن الكافر لا حرمة لِعِرضه، كما أنه لا حرمة لماله، ولا لدمه، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل. انتهى (^٢).
(فَأَرْسَلَ) -ﷺ- (إِلَى) عبد الله (بْنِ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، شَهِد بدرًا، واستُشهِد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى سنة ثمان، تقدّمت ترجمته في "الجنائز" ١٠/ ٢١٦١، له ذِكر عند مسلم دون رواية. (فَقَالَ) -ﷺ- لابن رواحة:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٢٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٢٣.
[ ٣٩ / ٥٤٣ ]
(اهْجُهُمْ)؛ أي: المشركين، (فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ) بضمّ أوله، من الإرضاء؛ أي: لم يرضِه -ﷺ- هجو ابن رواحة حيث لم يبلغ ما أراده من النكاية، (فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكِ) بن أَبِي كَعَب الأنصاريّ السَّلَميّ -بالفتح- الصحابيّ المدنيّ المشهور، وهوأحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، مات في خلافة عليّ -﵁-، تقدّمت ترجمته في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٣/ ١٦٥٩.
(ثُمَّ أَرْسَلَ) -ﷺ- (إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) -﵁- (فَلَمَّا دَخَلَ) حسّان (عَلَيْهِ) -ﷺ- (قَالَ حَسَّانُ) -﵁-: (قَدْ آنَ)؛ أي: حان وقَرُب (لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ) قال العلماء: المراد بذنَبه هنا لسانه، فشبَّه نفسه بالأسد في انتقامه، وبطشه، إذا اغتاظ، وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه، كما فعل حسان بلسانه، حين أدلعه، فجعل يحركه، فشبَّه نفسه بالأسد، ولسانه بذنبه، قاله النوويّ -﵀- (^١). وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "قد آن لكم أن ترسلوا … إلخ" هذا من حسان مَدْح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب، فحَمِي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبيّ -ﷺ-، واحتدّ لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش، فتصوّره، وأحس أنه قد أُعينَ على ذلك ببركة دعوة النبيّ -ﷺ-، فقال تلك الكلمات، مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبيّ -ﷺ-، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك، وتنزّل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال؛ فإنَّهم يمدحون أنفسهم، ويذكرون مآثرهم، ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش، وشجاعة النفس، وقوة العقل، والصَّبر، وإظهار كل ذلك للعدو، وإغلاظ عليهم، وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار: يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب، ولا إنكار. انتهى (^٢).
(ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ)؛ أي: أخرجه عن الشفتين، وحرّكه، كأنه يُعِدّه لإنشاء الهجو، يقال: دَلَعَ لسانَهُ، وأدلعه، ودَلَعَ اللسانُ بنفسه، قاله النوويّ.
وقال المجد: دَلَعَ لسانَهُ، كمَنَعَ: أخرجه، كأدلعه، فَدَلَع هو، كمَنَعَ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٩.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٢٤.
[ ٣٩ / ٥٤٤ ]
ونَصَرَ دَلْعًا، ودُلُوعًا. انتهى (^١).
(فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ)؛ أي: لسانه خارجِ فمه، (فَقَالَ) حسّان: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ) هو الله -﷿-، (لأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فرْيَ الأَدِيمِ)؛ أي: لأمزّقنّ أعراضهم تمزيق الجلد، قاله النوويّ (^٢).
وقال القرطبيّ: قوله: "لأفرينَّهم بلساني فَرْيَ الأديم"؛ أي: لأمزقنّهم بالهجو، كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ؛ فإنَّه يُقطع خفافًا ونعالًا، وغير ذلك، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبيّ -ﷺ- وأصحابه -﵃-، وإقرار الكل عليه: دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجُبن، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشًا وغيرهم من خيار العرب، ويهاجونه، فلم يعيِّره أحد منهم بالجُبن، ولا نسبه إليه، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار، وقيل: إن حسَّان أصابه الجُبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف؛ فكأنه اختل في إدراكه، والله تعالى أعلم. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت الإنكار على هذه الحكاية، وما أحقّها بذلك، فحسان -﵁- كان من الشجعان، فلو كان جبانًا لَمَا ترك المشركون طَعْنه به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا تَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعِبَ، (فَإنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصديق -﵁- (أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي")؛ أي: يفصلهم، ويُخرجهم عنهم، حتى لا يعمّهم الهجو. (فَأَتَاهُ)؛ أي: أبا بكر -﵁-، (حَسَّانُ) -﵁- (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ) من باب نصر، من السّلّ؛ أي: لآخذنّك، ولأُخرجنّك (مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ)؛ أي: والمعنى: لأتلطفَنّ في تخليص نسبك في هجوهم، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا استُلّت من العجين لا يبقى منها شيء (^٤)، (قَالَتْ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٤٤٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٩.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٤) "الديباج على مسلم" ٥/ ٤٥٧.
[ ٣٩ / ٥٤٥ ]
عَائِشَةُ) -﵂-: (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ)؛ أي: جبريل -﵇- لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ)؛ أي: يقوّيك، وينصرك بالإلهام، والتذكير، والمعونة، (مَا نَافَحْتَ) "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدَّة منافحتك، والمنافحة: المخاصمة، والمجادلة، وأصلها: الدَّفع، يقال: نفحت الناقة الحالب برجلها؛ أي: دفعته، ونفحه بسيفه؛ أي: ضربه به من بعيد (^١).
(عَنِ اللهِ) -﷾ - (وَرَسُولِهِ") -ﷺ-. (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "هَجَاهُمْ)؛ أي: قريشًا، (حَسَّانُ، فَشَفَى، وَاشْتَفَى")؛ أي: شفى المؤمنين، واشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار، ومزّقها، ونافح عن الإسلام والمسلمين، وقال القرطبيّ -﵀-: أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه؛ أي: أصاب منهم بثأره شفاء. انتهى (^٢).
(قَالَ حَسَّانُ) -﵁- في إنشائه قصيدته لهجوهم:
(هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْجَزَاءُ)
(هَجَوْتَ) خطاب لأبي سفيان بن الحارث (مُحَمَّدًا) -ﷺ- (فَأَجَبْتُ) (^٣) وفي نسخة: "وأجبت" (عَنْهُ، وَعِنْدَ اللهِ) تعالى (فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)؛ لأنه من الجهاد في سبيل الله تعالى، قال القرطبيّ -﵀-: وروي أن النبيّ -ﷺ- لما أنشده هذا البيت قال له: "جزاؤك عند الله الجنة" (^٤).
(هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا (^٥) … رَسُولَ اللهَ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ)
البرُّ: التَّقي، والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم -﵇-، والشِّيمة: السَّجيَّة، والسَّليقة، والخليقة، والجبلَّة كلها: الطبيعة، قاله القرطبيّ -﵀- (^٦).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "بَرًّا تقيًّا"، وفي كثير من النسخ "حنيفًا": بدل "تقيًا"، فالبرّ بفتح الباء: الواسع الخير، وهو مأخوذ من الْبِرّ، بكسر الباء، وهو
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٣) وفي نسخة: "وأجبت".
(٤) انظر: "الأغاني" ٤/ ١٦٣ والله أعلم بصحّته.
(٥) وفي نسخة: "برًّا حنيفًا".
(٦) "المفهم" ٦/ ٤٣١.
[ ٣٩ / ٥٤٦ ]
الاتساع في الإحسان، وهو اسم جامع للخير، وقيل: الْبَرّ هنا بمعنى المتنزه عن المآثم، وأما الحنيف فقيل: هو المستقيم، والأصح أنه المائل إلى الخير، وقيل: الحنيف التابع ملة إبراهيم -ﷺ-. انتهى (^١).
وقوله:
(أَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ … فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ) (^٢)
هذا يتضمن الدُّعاء بإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّا، وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال، وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه، واختصاص أحدهما بزيادة فيه، فيلزم منه: أن يكون في النبيّ -ﷺ- شرٌّ، وهو باطل، فتعيَّن تأويل ذلك، فقال السُّهيليّ: إن شرًّا هنا بمعنى: أنقص، وحُكي عن سيبويه أنه قال: تقول: مررت برجل شرٍّ منك؛ أي: أنقص عن أن تكون مثله، قال السُّهيليّ: ونحو منه قوله -ﷺ-: "شرُّ صفوف الرجال آخرها"، رواه مسلم، يريد: نقصان حقهم عن حظ الصف الأول، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرٍّ.
قال القرطبيّ: وأوضح من هذا، وأبعد من الإعتراض أن يقال: إن الأصل في "أفعل" ما ذُكِر، غير أن المعنى الذي يُقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا، كما يقال: بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وقد يكون المعنى توهُّمًا بحسب زعم المخاطب، كما قال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥]، وذلك أن الكفار زعموا: أن المؤمنين شرٌّ منهم، فأجيبوا بأن قيل لهم: ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر، وعلى هذا يُخَرَّج معنى البيت، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبيّ -ﷺ- شرًّا، فخاطبهم بحسب زعمهم، ودعا على الأشرّ من الفريقين منهما له، وهو يعنيهم قطعًا، فإنَّهم هم أهل الشر، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم، ويُرضي المظلوم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) هذا البيت ليس في نصّ مسلم، وإنما ذكره القرطبيّ، فتنبّه.
[ ٣٩ / ٥٤٧ ]
(فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ (^١) وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)
قال ابن قتيبة: يعني بالعِرض هنا: النفس، فكأنه قال: أبي وجدّي، ونفسي وقاية لنفس محمد -ﷺ-، وقال غيره: بل العِرض هنا: هو الحرمة التي تُنتهك بالسبّ والغيبة التي قال فيها النبيّ -ﷺ-: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا"، متّفقٌ عليه.
وقال النوويّ -﵀-: هذا مما احتَجّ به ابن قتيبة لمذهبه أن عِرْض الإنسان هو نفسه، لا أسلافه؛ لأنه ذَكَر عِرضه وأسلافه بالعطف، وقال غيره: عِرْض الرجل: أموره كلها التي يُحمد بها، ويذمّ، من نفسه، وأسلافه، وكل ما لَحِقه نقص يعيبه.
وأما قوله: "وِقاء" فبكسر الواو، وبالمد، وهو ما وَقَيت به الشيء. انتهى (^٢).
(ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ)
(ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي)؛ أي: فقدت بناتي، والثكل: فَقْد الولد، و"بُنيّتي" تصغير بنت، ومعناه: الدعاء على ابنته بالموت إن لم يغز قريشًا.
وقوله: (إِنْ لَمْ تَرَوْهَا) الضمير للخيل، (تُثِيرُ النَّقْعَ)؛ أي: الغبار، يقول: إنكم سوف ترون خيول المسلمين تُثير الغبار في حوالي مكة، وإن لم تفعل فإني أدعو على بُنيّتي بالموت.
(مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ)؛ أي: جانبَي الموضع المسمى بكداء، هكذا وقع عند مسلم، وفيه الإقواء من عيوب القافية، وهو اختلاف حركة الإعراب في القوافي، ووقع لبعض الرواة بلفظ: "موعدها كَداءُ"، ولبعضهم "غايتها" بدل "موعدها"، والمعنى متقارب، وقال القرطبيّ -﵀- بعد ذكر الرواية الأولى التي فيها الإقواء: وليس بشيء؛ إذ لا ضرورة تُحْوج إليه مع صحّة الروايات المتقدّمة؛ يعني: التي لا إقواء فيها. انتهى (^٣).
_________________
(١) وفي نسخة: "ووالدتي".
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٩ - ٥٠.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٢٩.
[ ٣٩ / ٥٤٨ ]
(يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ)
(يُبَارِينَ) وفي نسخة: "ينازعن" من المنازعة، والمباراة: المعارضة، والأعنّة: جمع عِنَان، وهو سَيْر اللجام الذي تُمسك به الدابّة.
وقوله: (مُصْعِدَاتٍ) منصوب على الحال، والإصعاد: التوجّه إلى الشيء والذهاب إليه، ولا يُطلق ذلك على الرجوع، والمعنى: أنها -يعني: الخيل- حين تتوجّه إلى الحرب، فإنها تعارض أعنّتها في الصلابة والقوّة؛ لأن العنان ربما يكون من الحديد، وقيل: إنها تضاهي أعنّتها في اللِّين، وسرعة الانقياد؛ يعني: أنها تنقاد لراكبها، كما أن أعنّتها تنقاد لحاملها، وقيل: المراد أنها تعارض أعنتها في الجذب؛ لقوّة نفوسها، وقوّة رؤوسها.
وقوله: (عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ) "الأسل" بفتح الهمزة، والسين: الرماح، و"الظماء": جمع ظمأ؛ أي: العطاش، وفي بعض الروايات: "الأُسُد الظماء"، وهو جمع أَسَد، شبّه راكبيها بالأُسُد؛ لشجاعتهم، وصولتهم.
(تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ)
قوله: (تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ) قال ابن منظور في "اللسان": تمطّرت الخيل: ذهبت مسرعةً، وجاءت متمطّرةً؛ أي: جاءت يسبق بعضها بعضًا، و"تُلَطِّمهنّ" تفعيل من لطم يلطِم لطمًا: إذا ضرب خدّه، أو صفحة خدّه بكفه مفتوحةً، و"الخُمُر" على وزن كُتُب: جمع خِمار، وهو ما تغطّي به المرأة رأسها، وقد فسّر شُرّاح الحديث هذا الشِّعر بأن خيل المسلمين مسرعة في سَيْرها عند القتال، وأنها كريمة على أهلها، ولذلك تمسح النساء الغبار وجوهها بخُمُرها؛ إكرامًا لها، وإظهارًا لحبّهنّ لها.
وقد فسّر علماء الأدب بطريق آخر، وهوأنها تَتْبَع العدوّ مسرعة في سَيْرها، حتى إن نساء العدوّ يلطمن وجوهها بخمرهنّ ليردّوها عن أنفسهنّ، وهذا المعنى ألْيق بكلمة اللطم، وقد ذكروا أن ذلك وقع فعلًا عند فتح مكة، فكأن الله تعالى أجرى على لسان حسّان ما قدّره عند فتح مكة.
[ ٣٩ / ٥٤٩ ]
ويُروى أيضًا أن الناس قد أُمروا يوم فتح مكة بأن يسيروا إلى كداء، تفاؤلًا بشعر حسّان -﵁-، فكان الأمر كذلك.
(فَإنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ)
ظاهر هذا أن حسّان -﵁- قال هذه القصيدة في عمرة الحديبية حين صُدّوا عن البيت، وقيل: إنه قالها يوم فتح مكة، والظاهر هو الأول؛ لأنه يقول: إن أعرضتم عنّا، ولم تصدّونا عن البيت أدّينا عمرتنا، وحصل لنا الفتح في هذا الأمر، وإلا فانتظروا يومًا يُعزّ الله فيه المسلمين، وهو يوم فتح مكة، ما بيّنه بقوله:
(وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ … يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ)
الضِّراب بكسر الضاد المعجمة: المضَاربة بالسيف والقتال، وقوله: "يُعزّ الله فيه من يشاء" فيه تجاهل العارف، وهو من صنائع البديع، والمراد: أن الله تعالى يُعزّ المسلمين، ولكنه لم يُصرّح بذلك.
(وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ)
شهِد حسّان -﵁- بتصديقه -ﷺ- في هذا البيت، ولذلك قال في البيت الذي بعده:
شَهِدتُ بِهِ فَقُومُوا صَدِّقُوهُ … فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ (^١)
أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعانَدوا، ولمَّا كان كذلك قال:
(وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا … هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ)
"عُرضتها" بضم العين: قَصْدها، يقال: اعترضت عُرضه؛ أي: قصدت قَصْده، والمراد أن الأنصار قَصْدهم لقاء العدوّ والقتال، وقد تكون العرضة بمعنى القوّة، يقال: فلان عُضة لكذا؛ أي: قويّ عليه، والمراد أن الأنصار أقوياء على القتال، وإنما خصّ الأنصار بالذِّكر؛ لأنهم الذين قاموا بمبازرة النبيّ -ﷺ- مَنْ عانَد من قومه، وأما المهاجرون فلم يظهر لهم أمر إلا عند اجتماعهم بالأنصار.
_________________
(١) هذا ليس من أبيات مسلم، بل هو من شرح الأبيّ.
[ ٣٩ / ٥٥٠ ]
(لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ)
وفي بعض النسخ: "يُلَاقِي (^١) كُلَّ يَوْمِ مِنْ مَعَدٍّ"؛ يعني بمعدّ: قريشًا؛ لأنهم من وَلَد معدّ بن عدنان، و"أو" للتنويع، ويعني بالسباب: السبّ نثرًا، وبالهجاء: السبّ نظمًا، ويدلّ على ذلك قوله:
فَنُحَكِّمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا … وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ (^٢)
أي: نُجيب الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب.
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي … مُغَلَّغَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ (^٣)
المغلّغة بغينين معجمتين (^٤)، بينهما لام: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد، و"برح الخفاء"؛ أي: انكشف المضمر.
بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا … وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهُ الإِمَاءُ (^٥)
أي: تركتك ذليلًا ذُلّ العبيد.
(فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ)
يقول: إن رسول الله -ﷺ- من العزّة والشرف بمكان لا يضرّه هجاؤكم، ولا ينفعه مدحكم ونصركم؛ لأنكم من الهوان بحيث لا يُعبأ بكم، وهو من العزّة والمنعة والوجاهة بحيث لا ينال منه، ولا يُرتقى إليه.
(وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْس لَهُ كِفَاءُ)
قوله: "ليس له كِفاء" بكسر الكاف؛ أي: نظيرٌ ومثيلٌ. انتهى منقولًا من "شرح الأبيّ" وغيره (^٦).
_________________
(١) أي: يلاقينا منهم"، فقوله: "سبابٌ" مرفوع على الفاعلية لـ "يُلاقي".
(٢) هذا ليس من أبيات مسلم.
(٣) وهذا ليس من أبيات مسلم.
(٤) وقع في شرح الأبي "مغلفة" بغين، ثم لام، ثم فاء، وهو غلط، والصواب: "مغلغلة" بغينين معجمتين، كما في "القاموس".
(٥) وهذا أيضًا ليس من أبيات مسلم، بل من شرح الأبّيّ، فتنبّه.
(٦) راجع: "شرح الأبيّ"، و"السنوسي" ص ٣٢٢ - ٣٢٨، و"تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٤٦ - ٢٥٢.
[ ٣٩ / ٥٥١ ]
[تنبيه]: ذكر القرطبيّ -﵀ - أول هذه القصيدة، وشرحها، فقال ما نصّه: لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق، وذكر أوَّلها:
عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ … إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلاءُ
فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها؛ فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة.
وقوله: عفت: معناه: درست وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية عند دمشق، إنَّما ذكر حسّان هذه المواضع؛ لأنَّه كان يَرِدها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خالٍ ليس به أحد.
ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ … تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء
وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ … خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ
الدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتُعَفِّيها: تغيِّرها. والروامس: الرياح، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها ترمس الآثار؛ أي: تغيّرها، والرمس والرسم: الأَثَر الخفيّ. والسماء: المطر. والسماء: كل ما علاك فأظلَّك. وخِلال: بمعنى بين. ومروج: جمع مَرْج، وهو الموضع المُنْبِت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض. والنَّعَم: الإبل خاصّة، والأنعام: يتناول: الإبل، والبقر، والغنم. والشاءُ: الغنم.
فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيْفٍ … يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
الطَّيف: ما يراه النائم في منامه، وهو في الأصل مصدر: طاف الخيال، يطوف طيفًا، ولم يقولوا في هذا: طائف في اسم الفاعل، قال السُّهيلي: لأنه تخيُّل لا حقيقة له، فأمَّا قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩]، فلا يقال: فيه طيف؛ لأنَّه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل، فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فمن قرأه: ﴿طَائِفٌ﴾ اسم فاعل؛ فإنَّه أراد به الشيطان نفسه، ومن قرأه: "طيف" أراد به تخيّله ووسواسه، وهي لا حقيقة لها، ويؤرقني: يُسهرني. إذا ذهب العِشاء؛ أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس؛ يعني: أنه يسهر لفكرته في الطيف، أو لِلَوْعَتِه به كلما غمض.
[ ٣٩ / ٥٥٢ ]
لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ … فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ
قيل: إن شعثاء هذه: هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتيَّمته: ذلَّلته.
كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ … يكُونُ مِزَاجُها عَسَلٌ وماءُ
السبيّة: الخمر. وبيت رأس: موضع فيه خمر عالية، وقيل: رأس: رجل خمّار نُسبت إليه، ومزاجها: خليطها. وقد جعل الخبر معرفة، والاسم نكرة، وهو عكس الأصل؛ وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ عسلًا وماءً: اسمان من أسماء الأجناس، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفة، فكأنهما معرفتان، وخبر كان محذوف، تقديره: كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله:
على أَنيابِها أو طَعمُ غَضٍّ … مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء
وذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق، فمن صحَّ عنده هذا البيت، جعل خبر كان: على أنيابها، ولم يحتَجْ إلى تقدير ذلك المحذوف.
والأنياب: هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات. والغَضُّ: الطريّ، وهصَّره: دلَّاه، وأدناه. الجِناء؛ أي: الاجتناء، وهو بكسر الجيم والمدّ، والجنى -بالفتح والقصر-: ما يُجتنى من الشجر، قال أبو القاسم السُّهيلي: وهذا البيت موضوع.
إذا ما الأَشْرِباتُ ذُكِرنَ يومًا … فَهُنَّ لِطَيّب الرَّاح الفِدَاءُ
الأشربات: جمع أشربة، فشرابٌ الواحد، وجَمْع قلّته المكسّر: أشربة، وجَمْع سلامته: أشربات. والراح: من أسماء الخمر، واللام هنا: للعهد؛ أي: الخمر السبية المتقدِّمة الذكر.
نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمْنا … إذا ما كان مَقْتٌ أو لِحَاءُ
ونَشرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا … وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ
ألَمْنا؛ أي: أتينا ما نلام عليه. والمقتُ: مما يُمقت عليه أي: يُبغض؛ كالضرب، والأذى. واللحاء: الملاحاة باللسان، يريد: إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسُّكْر، وينهنهنا: يُضْعِفُنا، ويُفْزِعُنا.
عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوعِدُها كَدَاءُ
[ ٣٩ / ٥٥٣ ]
يُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … على أَكْتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ
الضمير في "تروها" عائد على الخيل، وإن لم يَجْرِ لها ذِكْر، لكنها تفسِّرها الحال والمشاهدة، وتثير: تحرِّك. والنقع: الغبار، وكداء: الثنية التي بأعلى مكة، وكُدَى -بضم الكاف والقصر-: تثنية بأسفل مكة، وقد تقدَّم ذِكرهما. وينازعن: يجاذبن. والأسل: الرِّماح. والظماء: العطاش. ووصف الرماح بذلك؛ لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيُرووها من دمائهم. ومُصعِدات: مرتفعات، ومصغيات: مائلات.
تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ … تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ
الجياد: الخيل. متمطرات؛ يعني: بالعرق من الجري، والرواية المشهورة: يلطمهن: من اللطم، وهو: الضرب في الخدّ، ويعني: أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن، ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر. وكان الخليل يروي هذا اللفظ: يطلمهن بتقديم الطاء على اللام، ويجعله بمعنى ينفض، وقال ابن دريد: الطلم: ضربك خبز الْمَلّة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ورواية مسلم لهذا الحديث: "ثَكِلَتْ بُنَيتي" بدل "عدمنا خيلنا". والثكل: فَقْد الولد. وبُنيّتي: تصغير بنت. ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين: الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا. ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم: موعدها كداء، ولبعضهم: "غايتها" بدل "موعدها". والمعنى متقارب. ووقع في بعض النُّسخ مكان "موعدها": "من كنفي كداء" على الإقواء، وليس بشيء؛ إذ لا ضرورة تُحْوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة، وكنفا كداء: جانباها.
فإِمَّا تُعرِضو عنَّا اعتَمَرنا … وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ
هذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام. وظاهره أن ذلك كان في عُمرة الحديبية حين صدّوا رسول الله -ﷺ- عن البيت، وقال ابن إسحاق: إن حسان قالها في فتح مكة، وفيه بُعدٌ.
وإِلا فَاصبِرُوا لِضراب يَومٍ … يُعِزُّ اللهُ فيهِ مَنْ يَشاءُ
هذا من باب إلهام الَعالم؛ لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه -ﷺ-، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]،
[ ٣٩ / ٥٥٤ ]
وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، إلى غير ذلك، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا:
وجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فينا … ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ
أي: لا يقاومه أحد، ولا يماثله. وروح القدس: هو جبريل -﵇-، والقدس: الطهارة، وهو معطوف على رسول الله، والكفاء: الكفؤ، وهو المثل.
وقالَ الله قد أَرسَلْتُ عَبدًا … يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ
أي: الابتلاء، وهو الاختبار، وقد ضمّن صدر هذا البيت معنى الابتلاء، ولذلك أشار بقوله: البلاء؛ لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس، فتدبَّره، ورواية مسلم في هذا البيت:
… يقُولُ الحَقَّ لَيسَ به خَفاءُ
ثم شهد حسَّان بتصديقه فقال:
شَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه … فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ
أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعاندوا، ولمّا كان ذلك قال:
وقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا … هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ
أي: قَصدُها وهمُّها: لقاؤكم، وقتالكم؛ يعني: أنهم لمّا ظهر عنادهم، نصر الله نبيَّه بجند الأنصار، ولم يذكر المهاجرين؛ لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار، والله تعالى أعلم.
لَنا فِي كُلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ
هكذا رواية ابن إسحاق، ويروى: سباء من السَّبي، ومعناه واضح، فالهمزة مكان الباء، والذي في كتاب مسلم: يُلاقي كل يوم من معدٍّ سباب. ويعني بمعدٍّ: قريشًا، نَسَبَهم لمعدِّ بن عدنان، و"أو" في البيت للتنويع، ويعني بالسباب: السب نثرًا، وبالهجاء: السب نظمًا، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ عليه قوله:
فَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا … ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ
فنحكم: نمنع، ويعني: أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب
[ ٣٩ / ٥٥٥ ]
عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب، ومخالطة الدماء عند الحرب.
أَلا أَبلِغ أَبا سفيانَ عَنِّي … مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ
أبو سفيان هذا: هو ابن الحارث، وهو كان الهاجي أولًا، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء. والمغلغلة: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد. وبرح الخفاء؛ أي: انكشف السر، وظهر المُضْمَر، وهو مَثَلٌ.
فإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا … وعبد الدَّارِ ساد بها الإماء
عبدًا: يعني: ذليلًا ذُلّ العبيد. انتهى من شرح القرطبيّ -﵀- (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.