هو: أبو هريرة بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غَنْم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب الدوسي، هكذا سمّاه، ونسبه ابن الكلبيّ، ومن تبعه، وقوّاه أبو أحمد الدمياطيّ. وقال ابن إسحاق: كان وسيطًا في دوس، وأخرج الدولابيّ من طريق ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: اسم أبي هريرة: عبد نهم بن عامر، وهو دوسي، حليف لأبي بكر الصديق، وخالف ابن الْبَرْقي في نَسَبه، فقال: هو ابن عامر بن عبد شمس بن عبد الساطع بن قيس بن مالك بن ذي الأسلم بن الأحمس بن معاوية بن المسلم بن الحارث بن دهمان بن سليم بن فهم بن عامر بن دوس، قال: ويقال: هو ابن عتبة بن عمرو بن عيسى بن حرب بن سعد بن ثعلبة بن عمرو بن فهم بن دوس، وقال أبو علي بن السكن: اختُلف في اسمه، فقال أهل النسب: اسمه عمير بن عامر، وقال ابن إسحاق: قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسمّاني رسول الله -ﷺ-: عبد الرحمن،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٢٥ - ٤٣٣.
[ ٣٩ / ٥٥٦ ]
وكُنيت أبا هريرة؛ لأني وجدت هرة، فحملتها في كمي، فقيل لي: أبو هريرة، وهكذا أخرجه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وأخرجه ابن منده من هذا الوجه مطولًا، وأخرج الترمذي بسند حسن، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لِمَ كنيت بأبي هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. انتهى. وفي "صحيح البخاري": أن النبيّ -ﷺ- قال له: "يا أبا هِرّ". وأخرج البغوي من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو ضعيف، قال: كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس، وكنيته أبو الأسود، فسمّاه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وكناه أبا هريرة.
وأخرج ابن خزيمة بسند قوي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عبد شمس، من الأزد، ثم من دوس. وأخرج الدولابي بسند حسن، عن أسامة بن زيد الليثي، عن عبيد الله بن أبي رافع، والمقبري، قالا: كان اسم أبي هريرة: عبد شمس بن عامر بن عبد الشَّرَى (^١) -والشَّرَى: اسم صنم لدوس- فلما أسلم سُمّي بعبد الله بن عامر، وقال عبد الله بن إدريس عن شعبة: كان اسم أبي هريرة عبد شمس، وكذا قال يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري، وهارون بن حاتم، وكذا قال أبو زرعة، عن أبي مسهر، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين مثله، وزاد: ويقال: عبد عمرو، وقال مرة أخرى: أبو هريرة: سُكين، ويقال: عامر بن عبد غنم، وكذا قال إسماعيل بن أبي أويس: وجدت في كتاب أبي: كان اسم أبي هريرة: عبد شمس، واسمه في الإسلام: عبد الله، وعن أبي: نمير (^٢) مثله، وذكر الترمذي عن البخاري مثله، وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أبو هريرة عبد شمس، ويقال: عبد نهم، ويقال: عبد غنم، ويقال: سُكَين، ويقال: عبد الله بن عامر، أخرجه البغوي عن صالح، وكذا قال الأحوص بن المفضل العلائي عن أبيه، وكذا
_________________
(١) في "القاموس": ذو الشَّرَى -أي: مقصورًا-: صنم لدوس. انتهى.
(٢) كذا نسخة "الإصابة"، أبو نمير، وليُحرّر.
[ ٣٩ / ٥٥٧ ]
حكاه يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، وذكر ابن أبي شيبة مثله، وزاد: ويقال: عبد الرحمن بن صخر، وذكر البغوي عن عبد الله بن أحمد، قال: سمعت شيخًا لنا كبيرَّا يَقول: اسم أبي هريرة: سُكين بن دُومة، وهذا حكاه الحسن بن سفيان بسنده عن أبي عمر الضرير، وزاد: ويقال: عبد عمرو بن غنم، وقال عمرو بن علي الفلاس، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة: كان اسم أبي: عبد عمرو بن عبد غنم، أخرجه أسلم بن سهل في "تاريخه"، وأخرجه البغوي عن المقدمي، عن عمة سفيان، ولفظه: كان اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن غنم، كذا في رواية عيسى بن علي، عن البغوي، وأخرجه ابن أبي الدنيا من طريق المقدمي مثل ما قال عمرو بن علي، وكذا هو في "الذهليات" عن بكر بن بكار، عن عُمَر بن علي المقدمي (^١)، وقال ابن خزيمة: قال الذهلي: هذا أوضح الروايات (^٢) عندنا على القلب.
قال ابن خزيمة: وإسناد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أحسن من سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر، إلا أن يكون كان له اسمان قبل إسلامه، وأما بعد إسلامه، فلا أحسب اسمه استمر. قلت: أنكر أن يكون النبيّ -ﷺ- غيّر اسمه، فسمّاه عبد الرحمن، كما نَقل أحمد بن حنبل، عن أبي عبيدة الحداد، وأخرج أبو محمد بن زيد، عن الأصمعي أن اسمه: عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: عمرو بن عبد غنم، وجزم بالأول النسائي، وقال البغوي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واسمه: عبد الرحمن بن صخر، قال الحافظ: وأبو إسماعيل صاحب غرائب، مع أن قوله: واسمه: عبد الرحمن بن صخر، يحتمل أن يكون من كلام أبي صالح، أو من كلام مَن بعده، وأخلق به أن يكون أبو إسماعيل الذي تفرد به، والمحفوظ في هذا قول محمد بن إسحاق، وأخرج أبو نُعيم من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أبو هريرة مختلَف في
_________________
(١) كان في النسخة: "عن عمر بن بكار، عن عمرو بن علي المقدسي"، والإصلاح من "تاريخ ابن عساكر" ٦٧ ص ٣٠٤.
(٢) ولفظ "تاريخ ابن عساكر": "وأوقع الروايات على القلب".
[ ٣٩ / ٥٥٨ ]
اسمه، فقيل: سُكَين بن مل، وقيل: ابن هانئ، وقال بعضهم: عمر بن عبد شمس، وقيل: ابن عبد نهم، وقال عباس الدوري، عن أبي بكر بن أبي الأسود: سكين بن جابر، وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح، عن صالح بن كيسان، قال: اسمه عامر، ومثله حكاه الهيثم بن عبدي، عن ابن عباس، وهو المسوق، وزاد أنه ابن عبد شمس بن عبد غنم بن عبد ذي الشَّرَى، وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: هو عامر بن عبد شمس، وقيل: عبد غنم، وقيل: سكين بن عامر، وقال خليفة: اختلف في اسمه، فقيل: عمير بن عامر، وقيل: سكين بن دومة، ويقال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد الله بن عامر، وقيل: برير، أو يزيد بن عشرقة، وقال الفلاس: اختلفوا في اسمه، والذي صح أنه عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: سكين، وقال البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا أبو نميلة، حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: اسمه: سعد بن الحارث، قال البغوي: وبلغني أن اسمه: عبد ياليل، وقال ابن سعد، عن الواقدي: كان اسمه عبد شمس، فسمّي في الإسلام عبد الله، ونقل عن الهيثم مثله، وزاد البغوي عن الواقدي: ويقال: إنه عبد الله بن عائذ، وقال ابن البرقي: اسمه عبد الرحمن، ويقال: عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال: عبد الله، ويقال: بل هو عبد نهم، وقيل: عبد تيم، وحكى ابن منده في أسمائه: عبد، بغير إضافة، وفي اسم أبيه: عبد غنم، وحكى أبو نعيم فيه: عبد العزى، وسَكَن -بفتحتين-.
قال النووي في مواضعٍ من كتبه: اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولًا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولًا، مذكورة في "الكنى" للحاكم، وفي "الاستيعاب"، وفي "تاريخ ابن عساكر".
قال الحافظ: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلًا، وفي اسم أبيه نحوها، ثم تركَّبت، ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولًا، فمجموع ما قيل في اسمه وحده نحو من عشرين قولًا: عبد شمس، وعبد نهم، وعبد تيم، وعبد غنم، وعبد العزى، وعبد ياليل، وهذه جائز أن تبقى بعد أن أسلم، كما أشار إليه ابن خزيمة، وقيل فيه أيضًا: عبيد بغير إضافة، وعبيد الله
[ ٣٩ / ٥٥٩ ]
بالإضافة، وسُكين بالتصغير، وسكن بفتحتين، وعمرو بفتح العين، وعمير بالتصغير، وعامر، وقيل: برير، وقيل: بر، وقيل: يزيد، وقيل: سعد، وقيل: سعيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وجميعها محتمل في الجاهلية والإسلام، إلا الأخير، فإنه إسلامي جزمًا، والذي اجتمع في اسم أبيه خمسة عشر قولًا، فقيل: عائذ، وقيل: عامر، وقيل: عمرو، وقيل: عمير، وقيل: غنم، وقيل: دومة، وقيل: هانئ، وقيل: ملّ، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عبد شمس، وقيل: عبد عمرو، وقيل: الحارث، وقيل: عشرقة، وقيل: صخر، فهذا معنى قول من قال: اختُلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من ثلاثين قولًا.
فأما مع التركيب بطريق التجويز، فيزيد على ذلك نحو مائتين وسبعة وأربعين، مِنْ ضَرْب تسعة عشر في ثلاثة عشر، وأما مع التنصيص، فلا يزيد على العشرين، فإن الاسم الواحد من أسمائه يركب مع ثلاثة، أو أربعة من أسماء الأب، إلى أن يأتي العد عليهما، فيخلص للمغايرة مع التركيب عدد أسمائه خاصة، وهي تسعة عشر، مع أن بعضها وقع فيه تصحيف، أو تحريف، مثل: بر، وبرير، ويزيد، فإنه لم يَرِدْ شيء منها إلا مع عشرة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وكذا سكن وسُكَين، والظاهر أنه يرجع إلى واحد، وكذا سعد وسعيد، مع أنهما أيضًا لم يَرِدا إلا مع الحارث، وبعضها انقلب اسمه مع اسم أبيه كما تقدم في قول من قال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد غنم بن عبد عمرو، فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة، ومرجعها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة: عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن، الأولان محتملان في الجاهلية والإسلام، وعبد الرحمن في الإسلام خاصة، كما تقدم.
قال ابن أبي داود: كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، وحدّث أبو هريرة أيضًا عن أبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وبصرة الغفاري، وكعب الأحبار، وروى عنه
[ ٣٩ / ٥٦٠ ]
ولده: المحرر -بمهملات- ومن الصحابة: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثلة بن الأسقع، ومن كبار التابعين: مروان بن الحكم، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، وشريح بن هانئ، وخباب صاحب المقصورة، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان، وعبد الله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعراك بن مالك، وأبو رزين الأسدي، وعبد الله بن قارظ، وبسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبعجة الجهني، وحنظلة الأسلمي، وثابت بن عياض، وحفص بن عاصم بن عُمَر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وخلاس بن عمرو، وزُرارة بن أوفى، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى شداد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن الحارث البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن مرجانة، والأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، والمقعد، وهو عبد الرحمن بن سعيد، ويقال له: الأعرج أيضًا، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يعقوب، والد العلاء، وأبو صالح السمان، وعبيدة بن سفيان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعطاء بن ميناء، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار، وعبيد بن حنين، وعجلان والد محمد، وعبيد الله بن أبي رافع، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وعمرو بن الحكم، أبو السائب، مولى ابن زُهرة، وموسى بن يسار، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الله بن رَباح، وعبد الرحمن بن مهران، وعمرو بن أبي سفيان، ومحمد بن زياد الجمحي، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن قيس بن مَخْرَمة، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن أبي عائشة، والهيثم بن أبي سنان، وأبو حازم الأشجعي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو الشعثاء المحاربي، ويزيد بن الأصم، ونعيم المجمر، ومحمد بن المنكدر، وهمام بن منبه، وأبو عثمان الطنبذي، وأبو قيس مولى أبي هريرة، وآخرون كثيرون.
قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من
[ ٣٩ / ٥٦١ ]
روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد -ﷺ-، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثًا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدّثه، وكان أجلسني خلف السرير، أكتب ما يحدّث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن انظر، فما غَيّر حرفًا عن حرف.
وفي "صحيح البخاري" من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر حديثَّا مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم أبوأحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض ما تقدم-: كان من أحفظ أصحاب رسول الله -ﷺ-، وألزمهم له صحبة، على شِبَع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كَثُر حديثه. وقد أخرج البخاري في "الصحيح" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لِمَا رأيت من حرصك على الحديث". وأخرج أحمد من حديث أُبيّ بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله -ﷺ- عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله -ﷺ-، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة، وقال أبو معشر المدائني، عن محمد بن قيس قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، فإن النبي -ﷺ- كناني أبا هر، والذَّكَر خير من الأنثى. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال عبد الرحمن بن أبي لبيبة: أتيت أبا هريرة، وهو آدم، بَعيدُ ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين، أفرق الثنيتين. وأخرج ابن سعد من طريق قرة بن خالد: قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مُخشوشنًا؟ قال: لا، كان ليّنًا،
[ ٣٩ / ٥٦٢ ]
قلت: فما كان لونه؟ قال: أبيض، وكان يخضب، وكان يلبس ثوبين ممشقين، وتمخّط يومًا، فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله -ﷺ-، وحجرة عائشة، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد بن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرق في "الصحيح"، وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلًا صحب النبيّ -ﷺ- أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة.
وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاءوا ليسلّموا عليه، فقال: مرحبًا، صحبت رسول الله -ﷺ- ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن.
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذَكَر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنًا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما عِلْمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله -ﷺ- ما أكره، فأتيت رسول الله -ﷺ-، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: "اللَّهُمَّ اهدِ أم أبي هريرة"، فخرجت عَدْوًا، فإذا بالباب مُجاف، وسمعت حصحصة الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلًا أشد تشميرًا، ولا أقْوَم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مَقْدَمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع.
[ ٣٩ / ٥٦٣ ]
وفي "الصحيح" عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله -ﷺ-، والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا، أصحب رسول الله -ﷺ- على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبيّ -ﷺ- مجلسًا، فقال: "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني"، فبسطت بردة عليَّ حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد.
وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، عن الأعرج، ومن طريق الزهري أيضًا عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، يزيد بعضهم على بعض. وأخرجه البخاري وغيره، من طريق سعيد المقبري عنه مختصرًا: قلت: يا رسول الله إني لأسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، فقال: "ابسط رداءك"، فبسطته، ثم قال: "ضمه إلى صدرك"، فضممته، فما أنسيت حديثًا بعد. وأخرج أبو يعلى من طريق الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن أبي هريرة قال: شكوت إلى رسول الله -ﷺ- سوء الحفظ، فقال: "افتح كساءك"، فذكر نحوه. وأخرج أبو نعيم من طريق عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ-، قال: "ألا تسألني عن هذه الغنائم؟ " قلت: أسألك أن تعلمني مما علَّمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري، ووسطها بيني وبينه، فحدَّثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: "اجمعها، فصُرها إليك"، فأصبحت لا أُسقط حرفًا مما حدثني، وقد تقدمت طرق هذا الحديث الصحيحة، وله طرق أخرى، منها عند أبي يعلى من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: "من يأخذ مني كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثًا، فيُصِرْهُنَّ في ثوبه، فيتعلمهن، ويعلّمهن؟ " قال: فنشرت ثوبي، وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو ألا أكون نسيت حديثًا مما قال. وأخرجه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن نحوه، وفيه: فقلت: أنا، فقال: "ابسط ثوبك"، وفي آخره: فأرجو ألا أكون نسيت حديثًا سمعته منه بعد ذلك. وأخرج ابن عساكر من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبيّ -ﷺ-، فبسطت
[ ٣٩ / ٥٦٤ ]
ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئًا بعد هذا، مختصر مما قبله.
قال الحافظ: ووقع لي بيان ما كان حدَّث به النبي -ﷺ- في هذه القصة، إن ثبت الخبر، فأخرج أبو يعلى من طريق أبي سلمة: جاء أبو هريرة، فسلَّم على النبي -ﷺ-، في شكواه يعوده، فأَذِن له، فدخل، فسلَّم وهو قائم، والنبيّ -ﷺ-، متساند إلى صَدْر علي، ويده على صدره ضامّه إليه، والنبيّ -ﷺ- باسط رجليه، فقال: "ادن يا أبا هريرة"، فدنا، ثم قال: "ادن يا أبا هريرة"، ثم قال: "ادن يا أبا هريرة"، فدنا حتى مست أطراف أصابع أبي هريرة أصابع النبي -ﷺ-، ثم قال له: "اجلس"، فجلس، فقال له: "أدْنِ مني طرف ثوبك"، فمدّ أبو هريرة ثوبه، فأمسك بيده، ففتحه، وأدناه من النبيّ -ﷺ-، فقال له النبي -ﷺ-: "أوصيك يا أبا هريرة بخصال، لا تدعهن ما بقيت"، قال: أوصني ما شئت، فقال له: "عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تَلْغُ، ولا تَلْهُ، وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صيام الدهر، وأوصيك بركعتي الفجر، لا تدعهما، وإن صليت الليل كله، فإن فيها الرغائب"، قالها ثلاثًا، ثم قال: "ضُمَّ إليك ثوبك"، فضَمّ ثوبه إلى صدره، فقال: يا رسول الله بأبي وأمي أسرٌّ هذا، أو أعلنه؟ قال: "أعلنه يا أبا هريرة"، قالها ثلاثًا، والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره.
وقال طلحة بن عبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله -ﷺ- ما لم نسمع. وقال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، واعلم بما يحدّث. وأخرج النسائي بسند جيد في "العلم" من "كتاب السنن الكبرى" ٣/ ٤٤٠؛ أن رجلًا جاء زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم، ندعو الله، ونذكر ربنا، خرج علينا رسول الله -ﷺ-، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: "عودوا للذي كنتم فيه"، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله -ﷺ- يؤمِّن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى، فقال رسول الله -ﷺ-: "آمين"، فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى، فقال: "سبقكم بها الغلام
[ ٣٩ / ٥٦٥ ]
الدوسي". وأخرج الترمذي من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك أشياء لا أحفظها، قال: "ابسط رداءك"، فبَسَطْته، فحدّث حديثًا كثيرًا، فما نسيت شيئًا حدّثني به، وسنده صحيح، وأصله عند البخاري بلفظ: "فما نسيت شيئًا سمعته بعدُ". وأخرج الترمذي أيضًا عن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ-، وأحفظنا لحديثه. وعن الدراوردي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، قال: تواعد الناس ليلة إلى قبّة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة يحدّثهم عن رسول الله -ﷺ- حتى أصبح.
وأخرج ابن سعد من طريق سالم مولى بني نصر، سمعت أبا هريرة، يقول: بعثني رسول الله -ﷺ- مع العلاء الحضرمي، فأوصاه بي خيرًا، فقال لي: ما تحب؟ قلت: أُؤَذِّن لك، ولا تسبقني بـ "آمين"، وأخرجه البخاري من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى معلّقًا على هذا الأثر: هذا دالّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذمّ، أما حديث يتعلّق بحلّ، أو حرام، فلا يحلّ كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى، وفي "صحيح البخاريّ" قول الإمام عليّ -﵁-: "حدّثوا الناس بما يَعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟ "، وكذا لو بثّ أبو هريرة -﵁- ذلك الوعاء لَأُوذِي، بل لقُتل، ولكن العالم قد يؤدّيه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلانيّ؛ إحياء للسُّنَّة، فله ما نوى، وله أجر، وإن غلط في اجتهاده. انتهى (^١).
وعند أحمد من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، وقيل له: أكثرت، فقال: لو حدثتكم بما سمعت لرميتموني بالقَشَع؛ أي: الجلود.
وفي "الصحيح" عن نافع قال: قيل لابن عمر: حديث أبي هريرة؛ أن من اتبع جنازة، فصلى عليها فله قيراط … الحديث، فقال: أكثر علينا أبو هريرة،
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٥٩٧ - ٥٩٨.
[ ٣٩ / ٥٦٦ ]
فسأل عائشة، فصدّقته، فقال: لقد فرّطنا في قراريط كثيرة. وأخرج البغوي بسند جيد، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ-، وأعلمنا بحديثه. وأخرج ابن سعد بسند جيد، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لَتُحَدِّث بشيء ما سمعته، قال: يا أمه طَلَبْتُها، وشَغَلَك عنها المكحلة والمرآة، وما كان يشغلني عنها شيء، والأخبار في ذلك كثيرة.
وأخرج البيهقي في "المدخل" من طريق بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنه لقي كعبًا، فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة. وأخرج أحمد من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه: سمعت أبا هريرة يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق، أبو القاسم -ﷺ-: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وأخرج مسدد في "مسنده" من رواية معاذ بن المثنى، عن خالد، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: بلغ عمر حديثي، فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم، إن رسول الله -ﷺ- قال يومئذ: "من كذَّب علي. . ." الحديث، قال: اذهب الآن فحدِّث. قال الذهبيّ: يحيى ضعيف.
وعن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عُبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله -ﷺ-، أو لأُلحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض الْقِرَدة. وعن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان أن أبا هريرة كان يقول: إني لَأُحَدِّث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر لشُجّ رأسي.
قال الحافظ الذهبيّ: هكذا كان عمر -﵁- يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله -ﷺ-، وزجر غير واحد من الصحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره، فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، بل هو غضّ لم يُشَب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب، والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط؟ فبالحريّ أن نزجُر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات
[ ٣٩ / ٥٦٧ ]
والأباطيل، والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية، فمن روى ذلك مع عِلْمه ببطلانه، وغرّ المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق كفى به إثمًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع، وإن هو لم يعلم، فليتورعّ، وليستعن بمن يُعينه على تنقية مروياته، نسأل الله العافية، فلقد عمّ البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدّثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عُتبى على الفقهاء وأهل الكلام. انتهى كلام الذهبيّ (^١).
وأخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، ولكنا نجبُن ويجترئ. وفي "فوائد المزكى"، تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه"، فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: أكثر أبو هريرة، فقيل لابن عمر: هل تُنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبُنَّا، فبلغ ذلك أبا هريرة، فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. وقد أخرج أبو داود الحديث المرفوع. وأخرج ابن سعد من طريق الوليد بن رباح، سمعت أبا هريرة يقول لمروان حين أرادوا أن يدفنوا الحسن عند جده: تَدْخُل فيما لا يعنيك؟ وكان الأمير يومئذ غيره، ولكنك تريد رضا الغائب، فغضب مروان، وقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، وإنما قدم قبل وفاة رسول الله -ﷺ- بيسير، فقال أبو هريرة: قدمت ورسول الله -ﷺ- بخير، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، أدور معه في بيوت نسائه، وأخدمه، وأغزو معه، وأحج، فكنت أعلم الناس بحديثه، وقد والله سبقني قوم بصحبته، فكانوا يعرفون لزومي له، فيسألونني عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ولا والله لا يخفى عليَّ كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله -ﷺ- منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه،
_________________
(١) راجع: "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢.
[ ٣٩ / ٥٦٨ ]
قال: فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافًّا عنه. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق، عن عمر، أو عثمان بن عروة عن أبيه، قال: قال أبي: أدْنِني من هذا اليماني -يعني: أبا هريرة- فإنه يُكثر، فأدنيته، فجعل يحدّث، والزبير يقول: صدق، كذب، فقلت: ما هذا؟ قال: صدق أنه سمع هذا من رسول الله -ﷺ-، ولكن منها ما وَضَعَه في غير موضعه. وتقدم قول طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا.
وفي "فوائد تمام" من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه، سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة، فسألته، فقال: إن أبا هريرة سمع. وأخرج أحمد في "الزهد" بسند صحيح، عن أبي عثمان النهدي، قال: تضيَّفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه، يَقْسِمون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا.
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة؛ أن أبا هريرة كان يسبّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبّح بقدر ديتي (^١).
وفي "الحلية" من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح، عن مضارب بن حزن: كنت أسير من الليل، فإذا رجل يكبّر، فلحقته، فقلت: ما هذا؟ قال: أكثر شُكر الله عليّ أن كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي، وطعام بطني، فإذا ركبوا سبقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوَّجنيها الله، فأنا أركب، وإذا نزلت خُدِمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه، وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أَرِيم حتى تجعل لي عصيدة، فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين؛ أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقَدِم بعشرة آلالف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نُتجت، وأعطية تتابعت، وخَرَاج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرًا منك، قال: ومن؟ قال: يوسف -﵇-، قال: إن يوسف نبي الله ابن
_________________
(١) هكذا في "سير أعلام النبلاء": "ديتي"، ووقع في "الإصابة" وغيرها بلفظ: "ذنبي"، والظاهر أنه مصحّف.
[ ٣٩ / ٥٦٩ ]
نبي الله، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثًا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حُكم، ويُضرب ظهري، ويُشتم عِرضي، ويُنزع مالي.
وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب المزاح"، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال له: إني أصبحت صائمًا، فجئت أبي، فوجدت عنده خبزًا ولحمًا، فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة: الله أطعمك، قال: فخرجت حتى أتيت فلانًا، فوجدت عنده لقحة تُحلب، فشربت من لبنها حتى رويت، قال: الله سقاك، قال: ثم رجعت إلى أهلي فقِلتُ، فلما استيقظت دعوت بماء فشربته، فقال: يا ابن أخي أنت لم تعوّد الصيام.
وأخرج ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" بسند صحيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على أبي هريرة، وهو شديد الوجع، فاحتضنته، فقلت: اللَّهُمَّ اشف أبا هريرة، فقال: اللَّهُمَّ لا تُرجعها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت، والله الذي نفس أبي هريرة بيده، ليأتينّ على الناس زمان، يمر الرجل على قبر أخيه، فيتمنى أنه صاحبه. وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا، عن أبي هريرة. وعن عمير بن هانئ، قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصُدْغَي معاوية، اللَّهُمَّ لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد، والنسائي بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن مهران، عن أبي هريرة؛ أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا عليّ فسطاطًا، ولا تَتَّبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي.
وأخرج أبو القاسم بن الجراح في "أماليه" من طريق عثمان الغطفاني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: إذا مت فلا تنوحوا علي، ولا تتبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي. وأخرج البغوي من وجه آخر عن أبي هريرة؛ أنه لمّا حضرته الوفاة بكى، فسئل، فقال: من قلة الزاد، وشدة المفازة. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك، عن سعيد المقبري، قال: دخل مروان على أبي هريرة، في شكواه الذي مات فيه، فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللَّهُمَّ إني أحب لقاءك، فأحبب لقائي، فما بلغ مروان -يعني: وسط السوق- حتى مات. وقال ابن سعد عن الواقدي: حدثني ثابت بن قيس، عن ثابت بن مِسحل قال: صلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، على أبي هريرة
[ ٣٩ / ٥٧٠ ]
بعد أن صلى بالناس العصر، وفي القوم ابن عمر، وأبو سعيد الخدري، قال: وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحْسِن جوارهم، فإنه كان ممن نَصَر عثمان يوم الدار.
قال أبو سليمان بن زَبْر في "تاريخه": عاش أبو هريرة ثمانيًا وسبعين سنة. قال الحافظ: وكأنه مأخوذ من الأثر المتقدم عنه؛ أنه كان في عهد النبي -ﷺ- ابن ثلاثين سنة، وأزْيَد من ذلك، وكانت وفاته بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة، قال هشام بن عروة، وخليفة، وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي، وأبو معشر، وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين، وقال الواقدي، وأبو عبيد، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين، وزاد الواقدي: وصلى على عائشة في رمضان سنة ثمان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعد ذلك.
قال الحافظ: وهذا الذي قاله في أم سلمة وَهَلٌ منه، وإن تابعه عليه جماعة، فقد ثبت في "الصحيح" ما يدل على أن أم سلمة عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمعتمَد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة، وقد تردَّد البخاري فيه، فقال: مات سنة سبع وخمسين (^١). أخرج له الجماعة.
وقال القرطبيّ -﵀-: حُفِظ لأبي هريرة -﵁- من الحديث عن رسول الله -ﷺ- ما لم يُحْفَظ لأحد من الصحابة -﵃-، وذلك خمسة الآف حديث وثلاثمئة وأربعة وسبعون حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" ستمائة وتسعة أحاديث، قال البخاريّ: رَوَى عنه أكثر من ثمانمئة رجل من بين صحابيّ وتابعيّ. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٦] (٢٤٩١) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَاميُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَام، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ١٢/ ٦٣ - ٧٩، و"تهذيب الكمال" ٣٤/ ٣٦٦ - ٣٧٩، و"سير أعلام النبلاء" ٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٦٠١ - ٦٠٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٣٥.
[ ٣٩ / ٥٧١ ]
رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ، فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِيَ هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ"، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ -ﷺ-، فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَميَّ، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ، وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ، قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ خَيْرًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ"، فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) اليماميّ، بصريّ الأصل، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (أَبُو كَثِيرِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّحَيميّ -بمهملتين مصغرًا- الْغُبَريّ -بضم المعجَمة، وفتح الموحّدة- اليماميّ الأعمى، قيل: هو يزيد بن عبد الرحمن، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، أو ابن غُفَيلة -بمعجمة، وفاء، مصغرًا- ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-" ذُكر أول الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ باليماميين، غير شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وأبو هريرة -﵃- تقدّم القول فيه قريبًا.
[ ٣٩ / ٥٧٢ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي كَثِيرٍ) السُّحَيميّ اليماميّ، وقوله: (يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالجرِّ بدلًا، أو عطف بيان لِمَا قبله، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي) قال ابن بشكوال: هي أُميمة بنت صبيح (^١). (إِلَى الإِسْلَام، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا) إلى الإسلام (يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُول اللهِ -ﷺ- مَا أَكْرَهُ)؛ أي: تكلّمت في شأنه -ﷺ- بشيء مكروه، بأن عابت من دينه شيئًا. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَأَنَا أَبْكِي) جملة حاليّة من الفاعل، وإنما بكى إما لِمَا سمعه من المكروه في رسول الله -ﷺ-، أو لمّا أيس من إسلام أمه (^٢). (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ)؛ أي: تمتنع من الدخول فيما دعوتها، (فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ)؛ أي: في هذا اليوم، فـ "أل" للعهد الحضوريّ، (فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ") قال أبو هريرة ﵁-: (فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا)؛ أي: فَرِحًا (بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ -ﷺ-) لأمه، (فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإذَا هُوَ مُجَافٌ) "إذا" هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني كونه مُجافًا، بضمّ الميم: اسم مفعول من أجاب الباب: إذا أغلقه. (فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ) بفتح الخاء والشين المعجمتين، وبسكون الشين أيضًا؛ أي: صوتهما في الأرض، وقال المجد -﵀-: الْخَشْف، والْخَشْفة؛ أي: بسكون الشين: وُيحرَّك: الصوت، والحركة، أو الحِسّ الخفيّ، قال: وخَشَفَ، كضَرَبَ، ونصرَ: صَوَّتَ. انتهى (^٣).
(فَقَالَتْ: مَكَانَكَ) منصوب على الإغراء؛ أي: الزم مكانك، ولا تتحرك إلى غيره، (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال أبو هريرة: (وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ)؛ أي: صوت تحريكه، وإنما سمعه؛ لأن أمه كانت تغتسل. (قَالَ) أبو هريرة: (فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ) بكسر الباء الموحّدة، (دِرْعَهَا) بكسر الدال، وسكون الراء، آخره عين مهملة؛ أي: قميصها، (وَعَجِلَتْ) بكسر الجيم؛ أي: استعجلت (عَنْ خِمَارِهَا)؛ أي: عن لُبسه؛ يعني: أنها لاستعجالها نسيت أن تلبس خمارها؛
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ٤١٨.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٥٣.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٣٧١.
[ ٣٩ / ٥٧٣ ]
أي: عجلت في الخروج إلى الباب دون أن تغطي رأسها بالخمار، وهو بكسر الخاء، وتخفيف الميم: ثوب تُغَطّي به المرأة رأسها. (فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه) -ﷺ-. (قَالَ) أبو هريرة: (فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ، وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَح) جملة حاليّة من الفاعل؛ يعني: أنه من شدّة فرحه بإسلام أمه بكى. (قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ) يَحْتمل أن يكون بقطع الهمزة، من أبشر إبشارًا، بمعنى فَرِحَ، ويَحتمل أن يكون بوصل الهمزة، مع كسر الشين، وفتحها، من بَشَر، كضرب، وبَشِرَ، كعَلِم، بمعنى سُرَّ، وافرَحْ. (قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ) النبيّ -ﷺ- (اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ خَيْرًا)؛ أي: تكلّم بخير بأن أثنى على أبي هريرة في سعيه إلى إسلام أمه، أو دعا لأمه بالثبات على الإسلام، أو نحو ذلك. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي)؛ أي: يجعلني محبوبًا، (أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) قال الأبيّ -﵀-: يَحْتَمل أنه تلطّف في سؤال أن يُحبّه الله تعالى؛ لأن ذلك فَرْع محبة الله -﷾- إياه، لِمَا في "الصحيحين" عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا، فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبّوه، فيحبه أهل السماء -قال-: ثم يوضع له القبول في الأرض. . ." الحديث.
(وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا)؛ أي: ويجعلهم محبوبين لدينا. (قَالَ) أبو هريرة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ) بالتصغير، وليس تصغير تحقير، بل أسلوب من أساليب المحبّ، كما يفعل الآباء مع الأبناء.
(هَذَا -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ") قال أبو هريرة -﵁-: (فَمَا) نافية، (خُلِقَ) بالبناء للمفعول، (مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي)؛ أي: يسمع بذكر اسمي بعد مماتي (وَلَا يَرَانِي)؛ أي: في حياته (إِلَّا أَحَبَّنِي) إنما جزم أبو هريرة -﵁- بهذا، وإن كان مغيّبًا؛ لقوّة اعتقاده باستجابة دعاء النبيّ -ﷺ-، ولا سيّما، وقد شاهده في المرّة الأولى، حيث دعا -ﷺ- لأمه، وكانت شديدة البغض للإسلام، فهداها الله تعالى بسبب دعائه، فلهذا جزم هنا، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩ / ٥٧٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵁-، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٦٣٧٦] (٢٤٩١)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٣٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٩)، و(الأصبهانيّ) في "دلائل النبوّة" (١/ ٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي هريرة -﵁-.
٢ - (ومنها): بيان فضل أم أبي هريرة -﵄-.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة حيث استجاب الله -﷿- دعاء نبيّه -ﷺ- في أبي هريرة وأمه -﵄-.
٤ - (ومنها): بيان قوّة إيمان أبي هريرة، وشدّة محبّته للنبيّ -ﷺ- حيث اعتقد أن دعاءه لا يُردّ، فلذا قال: "فما خُلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلا أحبّني"، وذلك لأنه رأى أن الله استجاب دعاءه -ﷺ- في أمه حيث أسلمت في سويعة بعد دعائه، فأيقن أن دعاءه لهما بمحبّة المؤمنين مستجاب، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٧٧] (٢٤٩٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُول اللهِ -ﷺ-، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا، أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاق، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي"، فَبَسَطْتُ ثَوْبِي، حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ).
[ ٣٩ / ٥٧٥ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز.
[تنبيه]: اختُلف في إسناد هذا الحديث على الزهريّ، فرواه ابن عيينة عنه هكذا، ووافقه مالك، وإبراهيم بن سعد، ورواه شعيب عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي هريرة، وتابعه يونس بن يزيد، والإسنادان جميعًا محفوظان، صححهما الشيخان، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ)؛ أي: رواية الحديث (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) زاد في رواية: "ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه"، وبه تبيّن الحكمة في ذِكره المهاجرين والأنصار بعده، ووَضْعه المُظهَر موضع المضمَر على طريق الحكاية حيث قال: "إن أبا هريرة يُكثر"، ولم يقل: إني أكثرت (^٢). (وَاللهُ الْمَوْعِدُ) -بفتح الميم- وفيه حذف، تقديره: وعند الله الموعد؛ لأن الموعد إما مصدر، وإما ظرف زمان، أو ظرف مكان، وكل ذلك لا يخبَر به عن الله تعالى، ومراده: أن الله تعالى يحاسبني، إن تعمّدت كذبًا، ويحاسب مَن ظَنّ بي ظنّ السوء (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٧٣، كتاب "العلم" رقم (١١٨).
(٢) "الفتح" ١/ ٣٧٤، كتاب "العلم" رقم (١١٨).
(٣) "الفتح" ٦/ ١٥١، كتاب "الحرث والمزارعة" رقم (٢٣٥٠).
[ ٣٩ / ٥٧٦ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "والله الموعد"؛ أي: الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصَّادق، فيجازي كُلًّا على قوله، وفعله. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "والله الموعد" إما مصدر ميميّ، وإما اسم زمان، أو اسم مكان، وعلى كل تقدير لا يصح أن يُخْبَر به عن الله تعالى، ولكن لا بدّ من إضمار، تقديره في كونه مصدرًا: والله هو الواعد، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة؛ يعني: الواعد في فعله بالخير والشرّ، والوعد يُستعمل في الخير والشرّ، يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا، فإذا أُسقط الخير والشرّ، يقال في الخير: الوعد، والْعِدَة، وفي الشرّ: الإيعاد، والوعيد، وتقديره في كونه اسم زمان: وعند الله الموعد يوم القيامة، وتقديره في كونه اسم مكان: وعند الله الموعد في الحشر.
وحاصل المعنى على كل تقدير: فالله تعالى يحاسبني إن تعمّدت كذبًا، ويحاسب مَن ظنّ بي ظن السوء. انتهى (^٢).
(كُنْتُ رَجُلًا) في رواية البخاريّ: "امرءًا"، (مِسْكِينًا)؛ أي: لا مال لي يَشغلني عن حضور مجلس رسول الله -ﷺ-، كما يشغل الآخرين، (أَخْدِمُ) بكسر الدال، وضمّها، من بابي نصر، وضرب (^٣)، وفي رواية: "ألزم" (رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) -بكسر الميم- أي: مُقتنعًا بالقوت، قال النوويّ ﵀: أي: ألازمه، وأقنع بقوتي، ولا أجمع مالًا لذخيرة، ولا غيرها، ولا أزيد على قوتي، والمراد: من حيث حَصل القوت من الوجوه المباحة، وليس هو من الخدمة بالأجرة. انتهى (^٤).
وقال في "الفتح": قوله: "على ملء بطني" بكسر الميم، وبهمزة آخره؛ أي: بسبب شِبَعِي؛ أي: إن السبب الأصليّ الذي اقتَضَى كثرةَ الحديث عن رسول الله -ﷺ- ملازمته له؛ ليجد ما يأكله؛ لأنه لم يكن له شيء يتّجر فيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه؛ خشيةَ أن يفوته القوت، فيحصلُ في هذه الملازمة من سماع الأقوال، ورواية الأفعال ما لا يحصل
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٣٦.
(٢) "عمدة القاري" ١٢/ ١٨٨.
(٣) راجع: "القاموس" ص ٣٥٤.
(٤) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٣.
[ ٣٩ / ٥٧٧ ]
لغيره، ممن لم يلازمه ملازمته، وأعانه على استمرار حِفظه لذلك ما أشار إليه من الدعوة النبوية له بذلك. انتهى (^١).
[تنبيه]: روى البخاريّ في "التاريخ"، والحاكم في "المستدرك" من حديث طلحة بن عبيد الله شاهدًا لحديث أبي هريرة -﵁- هذا ولفظه: "لا أشكّ أنه سمع من رسول الله -ﷺ- ما لا نسمع، وذلك أنه كان مسكينًا، لا شيء له، ضيفًا لرسول الله -ﷺ-".
وأخرج البخاري في "التاريخ"، والبيهقيّ في "المدخل" من حديث محمد بن عُمارة بن حزم أنه: "قَعَد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة، بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله -ﷺ- بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه، حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك، حتى فَعَل مرارًا، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس".
وأخرج أحمد، والترمذيّ عن ابن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: "كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ-، وأعرفنا بحديثه"، قال الترمذيّ: حسنٌ. انتهى (^٢).
وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن حذيفة -﵁- قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله -ﷺ-، فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شكّ مما يجيء به، ولكنه اجترأ، وجَبُنَّا. انتهى (^٣).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، عن معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبَيّ بن كعب، عن أبيه، عن جدّه، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان أبو هريرة جريئًا على النبيّ -ﷺ- يسأله عن أشياء، لا نسأله عنها. انتهى (^٤).
(وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح حرف المضارعة، مضارع شغل، من باب فتح، وقال النوويّ: هو بفتح الياء من "يَشغلهم"، وحُكي ضمها، وهو غريب.
_________________
(١) "الفتح" ١٧/ ٢٤٨، كتاب "الاعتصام" رقم (٧٣٥٤).
(٢) "الفتح" ١/ ٣٧٣، كتاب "العلم" رقم (١١٨).
(٣) "المستدرك على الصحيحين" ٣/ ٥٨٣.
(٤) "صحيح ابن حبان" ١٦/ ١٠٩.
[ ٣٩ / ٥٧٨ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهو غريب" تقدّم أن الصواب: شغله ثلاثيًّا، وأما أشغله رباعيًّا فغير صحيح؛ إذلم يُثبته المحقّقون من أهل اللغة، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(الصَّفْقُ) بالصاد المهملة: كناية عن التبايع، وكانوا يُصَفِّقون بالأيدي من المتبايعين بعضها على بعض.
وقال في "العمدة": قوله: "الصفق": كذا في رواية أبي ذرّ، وعند غيره "سَفْق" بالسين، وقال الخليل: كلُّ صاد تجيء قبل الفاء، وكل سين تجيء بعد القاف، فللعرب فيه لغتان: سين وصاد، ولا يبالون اتَّصَلت، أو انفَصَلت، بعد أن تكونا في كلمة، إلا أن الصاد في بعضٍ أحسنُ، والسين في بعضٍ أحسنُ.
وقال الخطابيّ: وكانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكفّ، إمارة لانتزاع البيع، وذلك أن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي، والقبوض تبعٌ لها، فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك، واستقرت كل يد منها على ما صار لكل واحد منهما من مُلك صاحبه. انتهى (^١).
(بِالأَسْوَاقِ) بفتح الهمزة: جمع سُوق، بالضمّ، قال النوويّ -﵀-: السوق مؤنثة، وتُذكّر، سُمّيت به؛ لقيام الناس فيها على سُوقهم. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ -﵀-: السوق: يُذكّر، ويؤنّثُ، وقال أبو إسحاق: السوق التي يُباع فيها مؤنّثةٌ، وهو أفصح، وأصحّ، وتصغيرها سُويقةٌ، والتذكير خطأٌ؛ لأنه قيل: سُوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع نافقٌ بغير هاء، والنسبة إليها سُوقيّ، على لفظها. انتهى (^٣).
(وَكَانَتِ الأَنْصَارُ)؛ أي: أنصار النَّبيّ -ﷺ-، وهم قبيلتا الأوس والخزرج، (يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: على مزارعهم؛ لأنهم كانوا أصحاب زرع، والمال وإن كان عامًّا، لكنه قد يُخَصّ بنوع منه، ولم يكن للأنصار إلا المزارع (^٤).
وفي رواية يونس: "وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم"، وفي رواية شعيب: "عمل أموالهم"، وزاد في رواية يونس: "فيشهد إذا غابوا، ويحفظ إذا نَسُوا"، وفي رواية شعيب: "وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصُّفّة أعي حيث يَنْسَون".
_________________
(١) "عمدة القاري" ١١/ ١٦٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٤.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٦.
(٤) "عمدة القاري" ٢٥/ ٦٩.
[ ٣٩ / ٥٧٩ ]
وحاصل ما أشار إليه أبو هريرة -﵁- بهذا الكلام: أن المهاجرين كانوا تُجّارًا، والأنصار كانوا أصحاب زرع، فيغيبون بها عن حضرة رسول الله -ﷺ- في أكثر أحواله، ولا يسمعون من حديثه إلا ما كان يُحَدّث به في أوقات شهودهم، وأبو هريرة -﵁- حاضر دهره، لا يفوته شيء منها، إلا ما شاء الله؛ لأنه ليس عنده ما يشغله عن ذلك، ثم لا يستولي عليه النسيان؛ لِصِدق عنايته بضبطه، وقلة استعماله بغيره، وقد لحقته دعوة رسول الله -ﷺ-، فقامت له الحجة على من أنكر أمره، واستغرب شأنه، والله تعالى أعلم (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ)؛ أي: حين أحدّث بالحديث، (فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي") قال أبو هريرة -﵁-: (فَبَسَطْتُ ثَوْبِي) وفي رواية: "بُردةً"، وفي رواية: "نَمِرَةً"، والمراد: بَسْط بعضه، لا كلّه؛ لئلا يلزم منه كشف العورة. (حَتَّى قَضَى)؛ أي: حتى أنهى النبيّ -ﷺ- (حَدِيثَهُ) وفرغ منه، (ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِليَّ) وفي رواية: "ثم قال: ضمّه، فضممته"، (فَمَا نَسِيتُ) بكسر السين المهملة، من باب تَعِبَ. (شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ) قال في "الفتح": وتنكير "شيئًا" بعد النفي ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره، ووقعٍ في رواية ابن عيينة وغيره عن الزهريّ: "فوالذي بعثه بالحقّ ما نسيت شيئًا سمعته منه"، وفي رواية يونس الآتية عند مسلم: "فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به"، وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث.
ووقع في رواية شعيب: "فما نسيت من مقالته تلك من شيء"، وهذا
يقتضي عدم النسيان بتلك المقاله فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس، ومن وافقه؛ لأن أبا هريرة -﵁- نبّه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصحّ حمله على تلك المقالة وحدها.
ويَحْتَمِل أن تكون وقعت له قضيتان، فالتي رواها الزهريّ مختصة بتلك المقالة، والقضية التي رواها سعيد المقبريّ عامّة.
وأما ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية، قال: "تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فأنكره، فقلت: إني سمعت منك، فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي"، فقد يُتَمَسّك به في تخصيص عدم
_________________
(١) "عمدة القاري" ١١/ ١٦٢.
[ ٣٩ / ٥٨٠ ]
النسيان بتلك المقالة، لكن سند هذا ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر.
ويَلتحق به حديث أبي سلمة عنه: "لا عدوى"، فإنه قال فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: فما رأيته نسي شيئًا غيره.
[فائدة]: المقالة المشار إليها في حديث الزهريّ أُبهمت في جميع طرقه، وقد وُجدت مصرّحًا بها في "جامع الترمذيّ"، وفي "الحلية" لأبي نعيم، من طريق أخرى، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما من رجل يسمع كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا، مما فرض الله، فيتعلمهنّ، ويعلمهنّ إلا دخل الجنة … "، فذكر الحديث. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٦٣٧٧ و٦٣٧٨] (٢٤٩٢)، و(البخاري) في "صحيحه" (٢/ ٧٢١ و٨٢٧ و٦/ ٢٦٧٧)، و(النسائي) في "الكبرى" (٣/ ٤٣٠ و٤٣٩)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (١٦/ ١٠٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٢١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠)، و(الطبراني) في "مسند الشاميين" (٤/ ١٧٠)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ٣٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل أبي هريرة -﵁-، حيث إنه اختصّ بملازمة رسول الله -ﷺ-، متفرّغًا له من أشغال الدنيا، وحِفظ أحاديثه.
٢ - (ومنها): أنه -ﷺ- خص أبا هريرة ببَسْط ردائه، وضمّه إليه، فما نسي من مقالته شيئًا.
قال في "العمدة": قيل: إذا كان أبو هريرة أكثر أخذًا للعلم يكون أفضل من غيره؛ لأن الفضيلة ليست إلا بالعلم والعمل.
وأجيب: بأنه لا يلزم من أكثرية الأخذ كونه أعلم، ولا باشتغالهم عدم
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦، كتاب "العلم" رقم (١١٩).
[ ٣٩ / ٥٨١ ]
زهدهم، مع أن الأفضلية معناها: أكثرية الثواب عند الله تعالى، وأسبابه لا تنحصر في أخذ العلم ونحوه، وقد يكون بإعلاء كلمة الله ونحوه، كذا قيل. والأحسن أن يقال: لا تستلزم الأفضليةُ في نوعٍ الأفضليةَ في كل الأنواع، فافهم. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): بيان معجزة واضحة للنبيّ -ﷺ-، وعَلَم من علامات النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة -﵁- بأنه كان يَكثُر منه، ثم تخلَّف عنه ببركة النبيّ -ﷺ-، وفي "المستدرك" للحاكم من حديث زيد بن ثابت: "قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبيّ -ﷺ-، فقال: ادعوا، فدعوت أنا، وصاحبيَّ، وأَمّن النبيّ -ﷺ-، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنْسَى، فأمَّن النبيّ -ﷺ-، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، فقال: سبقكما الغلام الدوسيّ".
٤ - (ومنها): الحرص على التعلم، وإيثار طلبه على طلب المال، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، غيْرَ أَنَّ مَالِكًا انْتَهَى حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: "مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ"، إِلَى آخِرِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ) بن بَرْمَك البرمكيّ، أبو محمد، نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ثقةٌ [١١] (م د) تقدم في "قتل الحيّات" ٤/ ٥٨٤٠.
٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٣.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١١/ ١٦٢.
[ ٣٩ / ٥٨٢ ]
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لمالك، ومعمر؛ يعني: أنهما رويا عن الزهريّ كرواية سفيان بن عيينة عنه، بإسناده؛ أي: عن الأعرج، عن أبي هريرة.
[تنبيه]: رواية مالك عن الزهريّ ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(١١٨) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ -إلى قوله-: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله -ﷺ- بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. انتهى (^١).
وأما رواية معمر عن الزهري، فقد ساقها أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٧٦٩١) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن الأعرج، قال: قال أبو هريرة: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، والله الموعد، إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله -ﷺ- بهذه الأحاديث؟ وما بال الأنصار، لا يحدثون بهذه الأحاديث؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أَرَضُوهم، والقيام عليها، وإني كنت امرءًا معتكفًا، وكنت أُكثر مجالسة رسول الله -ﷺ-، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وإن النبيّ -ﷺ- حدّثنا يومًا، فقال: "من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي، ثم يقبضه إليه، فإنه ليس ينسى شيئًا سمعه مني أبدًا"، فبسطت ثوبي -أو قال: نمِرتي- ثم قبضته إليّ، فوالله ما نسيت شيئًا سمعته منه، وايم الله لولا آية في كتاب الله، ما
_________________
(١) "صحيح البخاريّ " ١/ ٥٥.
[ ٣٩ / ٥٨٣ ]
حدثتكم بشيء أبدًا، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية كلها. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٩] (٢٤٩٣) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ (^٢) حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمًا: "أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِه، فَإنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ"، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِه، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٢٧٤.
(٢) وفي نسخة: "إلى جانب".
[ ٣٩ / ٥٨٤ ]
محمد المصريّ الفقيه ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام- أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة، وابن المسيّب من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- (قَالًتْ: أَلَا) أداة تحضيض، (يُعَجِّبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ) قال القرطبيّ -﵀-: هو بضم الياء، وفتح العين، وكسر الجيم مشدّدة، من التعجيب، ومعناه: ألا يَحْمِلك على التعجب النظرُ في أمره. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الموجود في النُّسخ ضَبْط "يُعْجِب" ضَبْط قلم بضمّ الياء، وكسر الجيم، من الإعجاب، والذي ضبط به القرطبيّ هو الذي في "القاموس"، فهو الأَولى، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ (^٢) حُجْرَتِي) بضمّ، فسكون؛ أي: بيتي، (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-). وقولها: (يُسْمِعُنِي ذَلِكَ) جملة حاليّة، والمعنى: أنه أراد بتحديثه هناك أن يُسمع عائشة -﵂- حديثه حتى تشهد له بصحّته، قالت: (وَكُنْتُ أُسَبِّحُ) من التسبيح؛ أي: أصلّي النافلة، (فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أقْضِيَ سُبْحَتِي) بضمّ السين، وسكون الموحّدة: هي النافلة، (وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ) أرادت الإنكار عليه إسراعه في التحديث، لا أنها أنكرت حديثه، كما بيّنه قولها: (إِنَّ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٣٦.
(٢) وفي نسخة: "إلى جانب".
[ ٣٩ / ٥٨٥ ]
رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها جملة تعليليّة، ويَحْتَمل فَتْحها على تقدير حرف التعليل؛ أي: لأن رسول الله -ﷺ- (لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: سردت الحديث سرْدًا، من باب نصر: أتيت به على الوِلاء (^١).
(الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ) قال القرطبيّ -﵀-: قالت عائشة -﵂- هذا منكرةً عليه إكثاره من الأحاديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت في غير هذه الرواية: "إنما كان النبيّ -ﷺ- يُحدِّثُ حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه"؛ تعني: أنه كان يحدِّث حديثًا قليلًا، ويَحْتَمِل أن تريد بذلك أنه كان يحدِّث حديثًا واضحًا مبينًا، بحيث لو عُدَّت كلماته أُحصيت لقلِّتها، وبيانها، ويدلّ على صحة هذا التأويل قولها: "ما كان رسول الله -ﷺ- يسرد الحديث سردكم هذا". انتهى (^٢).
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ)؛ أي: بالسند السابق، فهو موصول، وليس معلّقًا.
[تنبيه]: ما ذكره الشيخ الهرريّ في شرحه من أن قوله هنا: "قال ابن شهاب … إلخ" تحريف من النُّساخ، ثم تكلّم في تصويبه حسبما رآه، فانظر شرحه (٢٤/ ١٠١ - ١٠٢)، ففيه نظر لا يخفى، والحقّ أنه لا تحريف، وأن مسلمًا ساقه كما سمعه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ)؛ أي: بعض الناس متعجّبًا من كثرة أحاديثه، مع قصر زمان صحبته للنبيّ -ﷺ-، (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ)؛ أي: من رواية الحديث عنه -ﷺ-، (وَاللهُ الْمَوْعِدُ) تقدّم شرحه قبل حديث. (وَيَقُولُونَ: مَا) استفهاميّة للتعجبّ والاستغراب، (بَالُ)؛ أي: حال (الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟)؛ أي: من حيث الكثرةُ.
ثمّ قال أبو هريرة -﵁- مبيّنًا سبب كثرة أحاديثه: (وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن علّة وسبب كثرة أحاديثي، دون المهاجرين والأنصار. (إِنَّ إِخْوَانِي) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في موضع الاستئناف، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٣٦.
[ ٣٩ / ٥٨٦ ]
والاستئناف هنا بيانيّ، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأن الناس قالوا له: ما سبب ذلك؟، فقال: إن إخواني (مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ) وفي رواية ابن سعد: "كان يشغلهم القيام على أرضيهم"؛ أي: القيام بزراعة أرضيهم، فإنهم كانوا أصحاب أراض، وليسوا أصحاب تجارة، (وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ) بفتح، فسكون: هو ضرب اليد على اليد، وجَرَتْ عادتهم به عند عقد البيع.
وقال القرطبيّ -﵀-: والصَّفق بالأسواق: التجارة فيها، وقد تقدَّم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي، فيُصَفِّق أحدهما في كفّ الآخر، فإذا فعلوا ذلك وجب البيع، فسمِّي البيع صفقًا بذلك، وقد تقدم هذا. انتهى (^١).
(بِالأَسْوَاقِ)؛ لأنهم ليست لهم أراض يزرعونها حيث كانوا نزلاء، وليسوا مواطنين، (وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي)؛ أي: بشِبعي، (فَأَشْهَدُ)؛ أي: أحضر مجالس رسول الله -ﷺ- (إِذَا غَابُوا)؛ أي: الأنصار والمهاجرون بسبب اشتغالهم بما ذُكر، (وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا) بفتح النون، وضمّ السين المهملة، أصله: نَسِيُوا بكسر السين، بوزن عَلِمُوا، فنُقلت ضمّة الياء إلى السين بعد سَلْب حركتها، ثمّ حُذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، فصار: نَسُوا.
والمعنى: أنه يحفظ، ويبقى محفوظه لديه؛ لصفاء ذاكرته بسبب عدم ما يشغله من الأهل والمال، بخلافهم، فإن اشتغالهم بذلك يورثهم النسيان، والله تعالى أعلم.
والحاصل: أن أبا هريرة -﵁- بيّن بهذا أن سبب كثرة أحاديثه ملازمة مجالس النبيّ -ﷺ-، وعدم اشتغاله بالزراعة، والتجارة، أشغاله، ثم زاد سببًا آخر مما ثبّت محفوظاته، بقوله:
(وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمًا: "أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ، فَيَأْخُذُ) بالرفع عطفًا على "يبسط"، (مِنْ حَدِيثِي هَذَا) الذي أُحدّث به، (ثُمَّ يَجْمَعُهُ) بالرفع أيضًا لِمَا ذُكر. (إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ"، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِه، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ)؛
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٣٦.
[ ٣٩ / ٥٨٧ ]
أي: مما حدّث به في ذلك المجلس، أو في غيره من المجالس.
ثم إنه فكّر في ترك التحديث للناس؛ لكثرة أقاويلهم فيه، لكنه تذكّر آية الوعيد على كتمان العلم، كما بيّنه بقوله:
(وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِه)؛ أي: ذمًّا لكاتم العلم، (مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا) والآيتان قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]).
وقال القرطبيّ -﵀- عند قوله: يقولون: "ما بال المهاجرين والأنصار. . . إلخ" ما نصّه: هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة -﵂-؛ فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب، لا إنكار تُهمة، ولا تكذيب؛ لِمَا يُعْلَم مِن حِفظه، وعِلمه، وفضله، ولِمَا يُعْلَم أيضًا من فضلهم، ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجِب لكثرة حديثه، وبيَّن أنه شيئان:
أحدهما: أنه لازَم النبيّ -ﷺ- ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا.
والثاني: بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله -ﷺ- من بَسْط ثوبه، وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سبب حفظه، وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله -ﷺ-، وخصائص دعواته، ما لم يحصل لغيره، ثم إن أبا هريرة -﵁- لَمّا حَفِظ علمًا كثيرًا عن رسول الله -ﷺ-، وتحقق أنه وجب عليه أن يبلّغه غيره، ووجد من يَقبل عنه، ومن له رغبة في ذلك، تفرَّغ لذلك مخافة الفوت، ومعاجلة القواطع، أو الموت، ثم إنه لمّا آلمه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار منه، لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبَّه عليها في القرآن، ولذلك قال: لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم تلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ﴾ الآيتين. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متفق عليه.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
[ ٣٩ / ٥٨٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٦٣٧٩ و٦٣٨٠] (٢٤٩٣)، و(البخاري) في "صحيحه" (٣/ ١٣٠٧)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (١/ ٣٠٢ و١٦/ ١٠٤ و١٠٦)، و(أبو داود) في "سننه" (٣/ ٣٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١١٨ و١٥٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن شعيب بن أبي حمزة حدّث عن الزهريّ بهذا الحديث بنحو ما حدّث به ابن عيينة، ومالك، ومعمر، ويونس بن يزيد عنه.
[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ هذه ساقها الطبرانيّ -﵀- في "مسند الشاميين"، فقال:
(٣٠٢٦) - حدّثنا عبد الرحمن بن جابر الطائيّ، ثنا بِشْر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه (ح) وحدّثنا أبو زرعة الدمشقيّ، ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، حدّثني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن؛ أن أبا هريرة قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يُكثر الحديث عن النبيّ -ﷺ-، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون عن النبيّ -ﷺ- مثل حديث أبي هريرة؟، وإن إخواني من المهاجرين كان يَشغَلهم الصفق بالأسواق، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصُّفّة، ألزم النبيّ -ﷺ- على مِلْء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال النبيّ -ﷺ- في حديث حدّثه يومًا: "لن يبسط أحد ثوبه، حتى أقضي جميع مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وَعَى ما أقول"، فبسطت نَمِرةً عليّ، حتى إذا قضى النبيّ -ﷺ- مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة
[ ٣٩ / ٥٨٩ ]
رسول الله -ﷺ- تلك من شيء. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.