" بَدْر" بفتح الباء الموحّدة، وسكون الدال المهملة، آخره راء: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ؛ أنه اسم بئر هناك، قال: وسمّيت بَدْرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جهينة، اسمه بَدْرٌ، وقال الواقِدي: كان شيوخ غفار يقولون: بدر ماؤنا، ومنزلنا، وما مَلَكه أحد قبلنا، وهو من ديار غفار (^٢).
وقد تقدّمت قصّة غزوة بدر، وسببها في "الجهاد" برقم [٣٠/ ٤٦١٢] (١٧٧٩).
وأما حاطب بن أبي بَلْتعة -بفتح الموحّدة، وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات- فهو ابن عمرو بن عُمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللَّخْميّ، حليف بني أسد بن عبد العزى، يقال: إنه حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه، فأدَّى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عليّ في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله -ﷺ- إليهم، فنزلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١] إلى آخر ما يأتي في مسلم.
وروى ابن شاهين، والباورديّ، والطبرانيّ، وسمويه، من طريق الزهريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، قال: "حاطب رجل من أهل اليمن، وكان حليفًا للزبير، وكان من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وقد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه، فذكر الحديث نحو حديث عليّ، وفي آخره: "فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت، ولكنني كنت امرءًا غريبًا، ولي بمكة بَنُون،
_________________
(١) "مسند الشاميين" ٤/ ١٧٠.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٨.
[ ٣٩ / ٥٩٠ ]
وإخوة. . ." الحديث، وزاد في آخره: فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات، ورواه ابن مردويه من حديث أنس، وفيه نزول الآية، ورواه ابن شاهين من حديث ابن عمر بإسناد قويّ.
وروى ابن السكن، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن حاطب: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "يُزَوَّج المؤمن في الجنة ثنتين وسبعين زوجة، سبعين من نساء الجنة، وثنتين من نساء الدنيا"، وأغرب أبو عمر، فقال: لا أعلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي. . ." الحديث.
قال الحافظ: وقد ظَفِرت بغيره كما ترى، ثم وجدت له ثلاثة أحاديث غيرها:
أحدها: أخرجه ابن شاهين، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جدّه، قال: "بعثني رسول الله -ﷺ- إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول الله -ﷺ-. . ." الحديث.
ثانيها: أخرجه ابن منده من هذا الوجه مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة. . ." الحديث.
ثالثها: أخرجه الحاكم من طريق صفوان بن سليم، عن أنس، عن حاطب بن أبي بلتعة: أنه "طلع على النبيّ -ﷺ-، وهو يشتدّ، وفي يد عليّ بن أبي طالب ترس، فيه ماء. . ." الحديث.
وروى مالك في "الموطأ" له قصةً مع رفيقه في عهد عمر، وقال المرزباني في "معجم الشعراء": كان أحد فرسان قريش في الجاهلية، وشعرائها، وقال ابن أبي خيثمة: قال المدائنيّ: مات حاطب -﵁- في سنة ثلاثين، في خلافة عثمان -﵁-، وله خمس وستون سنةً، وكذا رواه الطبرانيّ عن يحيى بن بكير. انتهى مختصرًا من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: حاطب بن أبي بَلْتَعة، واسمه: عمرو بن راشد من ولد لَخْم بن عديّ، يُكنى: أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، وهو حليف للزبير بن العوَّام، وقيل: لبني أسد، وقيل: كان عبدًا لعبيد الله بن حميد، كاتَبَه فأدّى
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٤.
[ ٣٩ / ٥٩١ ]
كتابته يوم الفتح، شهد بدرًا والحديبية، مات -﵁- سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة، وصلَّى عليه عثمان -﵁-، وقد شَهِد الله تعالى له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وقد شَهِد له رسول الله -ﷺ- بالإيمان والصدق، وبأنه لا يدخل النار على ما تضمَّنه الحديثان المذكوران في مسلم. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٨١] (٢٤٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ -وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا -﵁-، وَهُوَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنَا، وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: "ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا"، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَو لَتُلْقِيَنَّ (^٢) الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ "، قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ -قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا- وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا، يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "صَدَقَ"، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٢) وفي نسخة: "لنُلقيَنَّ".
[ ٣٩ / ٥٩٢ ]
لَكُمْ"، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الآيَة، وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ تِلَاوَةِ سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم، أبو محمد الجمحي مولاهم، المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأبوه ابن الحنفية، ثقةٌ فقيهٌ، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء [٣] مات سنة مائة، أو قبلها بسنة (ع) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ، مولى النبيّ -ﷺ-، وكان كاتِبُ عليّ -﵁-، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢٨/ ١٨١٢.
٤ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ ابن عمّ النبيّ -ﷺ- الخليفة الراشد، مات -﵁- في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السُّنَّة، وله ثلاث وستون سنةً على الأرجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه خمسة من الشيوخ قَرَن بينهما، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله -ﷺ-، وزوج ابنته، من السابقين الأولين، ورَجَّح جَمْع أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنة، ومات يوم مات، وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السُّنَّة والجماعة.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّد) بن عليّ بن أبي طالب؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي
[ ٣٩ / ٥٩٣ ]
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَهُوَ)؛ أي: عبيد الله (كَاتِبُ عَلِيّ) بن أبي طالب. (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا -﵁-، وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من "عليًّا"، (بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنَا، وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: "ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بخاءين معجمتين، بينهما ألف، وقال السهيليّ: كان هُشيم يصحّفها، فيقول: خاج، بخاء وجيم، وذكر البخاريّ أن أبا عوانة كان يقولها كما يقول هشيم، وذكر ياقوت مائة وثلاثين روضة في بلاد العرب، منها روضة خاخ، وهو موضع بين مكة والمدينة (^١).
وقال النوويّ -﵀-: "روضة خاخ" هي بخاءين معجمتين، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافّةً في جميع الطوائف، وفي جميع الروايات، والكتب، ووقع في البخاريّ من رواية أبي عوانة: "حاج" بحاء مهملة، والجيم، واتفق العلماء على أنه من غَلَط أبي عوانة، وإنما اشتبه عليه بـ "ذات حاج" بالمهملة، والجيم، وهي موضع بين المدينة والشام على طريق الحجيج، وأما روضة خاخ فبين مكة والمدينة، بقرب المدينة، قال صاحب "المطالع": وقال الصائديّ: هي بقرب مكة، والصواب الأول. انتهى (^٢).
(فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) قال النوويّ -﵀-: "الظعينة" هنا الجارية، وأصلها الهودج، وسُمِّيت بها الجارية؛ لأنها تكون فيه، واسم هذه الظعينة: سارة، مولاة لعمران بن أبي صيفيّ القرشيّ. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": "الظعينة" بظاء معجمة وزن عظيمة، فعيلة بمعنى فاعلة، من الظعن، وهو الرحيل، وقيل: سمّيت ظعينة؛ لأنها تركب الظعين التي تَظْعَن براكبها، وقال الخطابيّ: سمِّيت ظعينة؛ لأنها تظعن مع زوجها، ولا يقال لها ظعينة إلا إذا كانت في الهودج، وقيل: إنه اسم الهودج، سمِّيت المرأة لركوبها فيه، ثم توسعوا، فأطلقوه على المرأة، ولو لم تكن في هودج، وذكر ابن إسحاق أن اسمها سارة، والواقديّ أن اسمها كنود، وفي رواية: سارة، وفي أخرى: أم سارة، وذكر الواقديّ أن حاطبًا جعل لها عشرة دنانير
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٥.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٥.
[ ٣٩ / ٥٩٤ ]
على ذلك، وقيل: دينارًا واحدًا، وقيل: إنها كانت مولاة العباس (^١)، وذكر الواقديّ أنها من مُزَينة، وأنها من أهل العَرَج -بفتح الراء، بعدها جيم- يعني: قرية بين مكة والمدينة، وذكر الثعلبي ومن تبعه أنها كانت مولاة أبي صيفيّ بن عمرو بن هاشم بن عبد مناف، وقيل: عمران بدل عمرو، وقيل: مولاة بني أسد بن عبد العزى، وقيل: كانت من موالي العباس، وفي حديث أنس عند ابن مروديه أنها مولاة لقريش، وفي تفسير مقاتل بن حبان أن حاطبًا أعطاها عشرة دنانير، وكساها بُرْدًا، وعند الواحدي أنها قَدِمت المدينة، فقال لها النبيّ -ﷺ-: "جئت مسلمة؟ " قالت: لا، ولكن احتجت، قال: "فأين أنت عن شباب قريش؟ " وكانت مغنيةً، قالت: ما طُلب مني بعد وقعة بدر شيء من ذلك، فكساها، وحَمَلها، فأتاها حاطب، فكتب معها كتابًا إلى أهل مكة: أن رسول الله -ﷺ- يريد أن يغزو، فخذوا حذركم. وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب: فكتب حاطب إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم، وعند أبي يعلى، والطبريّ من طريق الحارث بن عليّ: لمّا أراد النبيّ -ﷺ- أن يغزو مكة أسرّ إلى ناس من أصحابه ذلك، وأفشى في الناس أنه يريد غير مكة، فسمعه حاطب بن أبي بلتعة، فكتب حاطب إلى أهل مكة بذلك، وذكر الواقديّ أنه كان في كتابه: أن رسول الله -ﷺ- أَذَّن في الناس بالغزو، ولا أراه إلا يريدكم، وقد أحببت أن يكون إنذاري لكم بكتابي إليكم. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": "الظعينة": بفتح الظاء المعجمة، وكسر العين المهملة، وسكون الياء، آخر الحروف، وفتح النون: هي المرأة في الهودج، ولا يقال: ظعينة إلا وهي كذلك؛ لأنها تظعن بارتحال الزوج، وقيل: أصلها الهودج، وسمّيت به المرأة؛ لأنها تكون فيه، وقال ابن فارس: الظعينة: المرأة، وهو من باب الاستعارة، وأما الظعائن: فالهوادج، كانت فيها نساء، أو لم تكن.
وكان اسمها سارة، وقيل: أم سارة، وقيل: كنود، مولاة لقريش، وقيل:
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٨٣، كتاب "المغازي" رقم (٤٢٧٤).
(٢) "الفتح" ١٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٩٣٩).
[ ٣٩ / ٥٩٥ ]
لعمران بن صيفيّ، وقيل: كانت من مزينة، من أهل العَرَج، وفي "الإكليل" للحاكم: وكانت مُغَنِّية نَوّاحةً، تغني بهجاء رسول الله -ﷺ-، فأمر بها يوم الفتح، فقُتلت، وذكرها أبو نعيم، وابن منده في جملة الصحابيات، ووقع في "كتاب الأحكام" للقاضي إسماعيل في قصة حاطب: قال للذين أرسلهم: "إن بها امرأةً من المسلمين، معها كتاب إلى المشركين"، وأنهم لما أرادوا أن يخلعوا ثيابها، قالت: أَوَ لستم مسلمين؟ انتهى.
وهذا مشكل؛ لأن رسول الله -ﷺ- لمّا دخل مكة ذكرها في المستثنَيْن بالقتل، وبما قال الحاكم أيضًا، ويؤيده ما ذكر أبو عبيد البكريّ: "فإن بها امرأة من المشركين"، وقال الواحديّ: قال جماعة المفسرين: إن هذه الآية؛ يعني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله -ﷺ- إلى المدينة من مكة، وهو يتجهز لفتح مكة، فقال: "ما جاء بك؟ " قالت: الحاجة، قال: "فأين أنتِ عن شباب أهل مكة؟ "، وكانت مغنية، قالت: ما طُلب مني شيء بعد وقعة بدر، فكساها، وحملها، وأعطاها حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكتب في الكتاب إلى أهل مكة: إن رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم، فنزل جبريل -﵊- بخبرها، فبعث عليًّا، وعمارًا، وعمر، والزبير، وطلحة، والمقداد بن الأسود، وأبا مرثد، وكانوا كلهم فُرسانًا، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين، فخذوه، وخَلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم، فاضربوا عنقها".
وفي "تفسير النسفيّ": أتت سارة رسول الله -ﷺ- من مكة إلى المدينة، بعد بدر بسنتين، ورسول الله -ﷺ- يتجهز لفتح مكة، فقال رسول الله -ﷺ-: "أمسلمة جئت؟ " قالت: لا، قال: "أمهاجرة جئت؟ " قالت: لا، قال: "فما حاجتك"؟ قالت: ذهب الموالي؛ يعني: قُتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة، فقَدِمت عليكم لتُعطوني، وتَكسوني، وتَحملوني، فحثّ عليها رسول الله -ﷺ- بني عبد المطلب، وبني المطلب، فكسَوها، وحملوها، وأعطوها نفقة، فأتاها حاطب، فكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بُردًا،
[ ٣٩ / ٥٩٦ ]
واستحملها كتابًا إلى أهل مكة، نُسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله -ﷺ- يريدكم، فخذوا حذركم.
وقال السهيليّ: الكتاب: أما بعد، فإن رسول الله -ﷺ- قد توجه إليكم في جيش كالليل، يسير كالسيل، وأُقسم بالله لو لم يَسِرْ إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له بوعده فيكم، فإن الله وليّه وناصره.
وفي "تفسير ابن سلام" أن فيه: أن محمدًا رسول الله -ﷺ- قد نفر إما إليكم، وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر، وقيل: كان فيه أنه آذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، فقد أحببت أن يكون لي عندكم يدٌ بكتابي إليكم (^١).
(مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا"، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى) بفتح التاء؛ أي: تجري، قاله النوويّ (^٢).
وقال في "العمدة": "تعادى" بلفظ الماضي؛ أي: تَباعَدَ، وتَجَارَى وبالمضارع بحذف إحدى التاءين. (بِنَا خَيْلُنَا) قال الفيّوميّ -﵀-: الخَيْلُ معروفةٌ، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: خيول، قال بعضهم: وتُطلق الخَيْلُ على العِراب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى الْفُرْسان، وسميّت خَيْلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه يقال: اخْتَالَ الرجلُ، وبه خَيَلاءُ، وهو الكِبْر، والإعجاب. انتهى (^٣).
وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة، (نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ) "أل" للعهد الحضوريّ؛ أي: الكتاب الذي معك من حاطب بن أبي بلتعة، (فَقَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَو لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ) وفي بعض النسخ: "أو لنلقيَنّ الثِّيَابَ" بنون المتكلّم، قال في "العمدة": قوله: "أو لتلقين الثياب" قال ابن التين: صوابه في العربية بحذف الياء، قلت: القياس ما قاله، لكن صحت الرواية بالياء، فتُأوَّل الكسرة بأنها لمشاكَلَة: "لتخرجِنّ"، وباب المشاكلة واسع، فيجوز كسر الياء، وفتحها، فالفتحة بالحمل على المؤنث الغائب، على
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٦.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٨٦.
[ ٣٩ / ٥٩٧ ]
طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، قال الكرمانيّ: ويروى بفتح القاف، ورَفْع "الثياب". انتهى (^١).
قال في "الفتح": قوله: "لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب" قال ابن التين: كذا وقع بكسر القاف، وفتح الياء التحتانية، وتشديد النون، قال: والياء زائدة، وقال الكرمانيّ: هو بكسر الياء، وبفتحها، كذا جاء في الرواية بإثبات الياء، والقواعد التصريفية تقتضي حذفها، لكن إذا صحت الرواية فتُحمل على أنها وقعت على طريق المشاكلة لـ "تُخْرِجِنّ"، وهذا توجيه الكسرة، وأما الفتحة فتُحمل على خطاب المؤنث الغائب، على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، قال: ويجوز فتح القاف على البناء للمجهول، وعلى هذا فيُرفع "الثياب".
قال الحافظ: ويظهر لي أن صواب الرواية: "لنُلقينّ" بالنون بلفظ الجمع، وهو ظاهر جدًّا، لا إشكال فيه البتة، ولا يفتقر إلى تكلف تخريج.
ووقع في رواية للبخاريّ: "لتخرجِنّ الكتاب، أو لأجرّدنك"؛ أي: أنزع ثيابك حتى تصيري عريانة، وفي رواية ابن فضيل: "أو لأقتلنك"، وذكر الإسماعيليّ أن في رواية خالد بن عبد الله مثله، وعنده من رواية ابن فضيل: "لأجزرنك" بجيم، ثم زاي؛ أي: أصيِّرك مثل الجزور إذا ذُبحت.
ووقع في حديث أنس: "فقالت: ليس معي كتاب، فقال: كذبتِ، فقال: قد حدّثنا رسول الله -ﷺ- أن معك كتابًا، والله لتعطيني الكتاب الذي معك، أو لا أترك عليك ثوبًا إلا التمسنا فيه، قالت: أو لستم بناس من مسلمين؟ حتى إذا ظنت أنهما يلتمسان في كل ثوب معها حَلَّت عفاصها -وفيه-: فرجعا إليها فسلّا سيفيهما، فقالا: والله لنذيقنك الموت، أو لتدفعن إلينا الكتاب، فأنكرت".
ويُجمع بينهما بأنهما هدداها بالقتل أوّلًا، فلما أصرت على الإنكار، ولم يكن معهما إذن بقتلها هدّداها بتجريد ثيابها، فلما تحققت ذلك، خشيت أن يقتلاها حقيقةً، وزاد في حديث أنس أيضًا: "فقالت: أدفعه اليكما على أن
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٥.
[ ٣٩ / ٥٩٨ ]
تردّاني إلى رسول الله -ﷺ-"، وفي رواية أعشى ثقيف عن عبد الرحمن عند الطبريّ: "فلم يزل عليّ بها حتى خافته".
وقد اختُلف هل كانت مسلمة، أو على دين قومها؟ فالأكثر على الثاني، فقد عُدّت فيمن أَهْدَر النبيّ -ﷺ- دمهم يوم الفتح؛ لأنها كانت تغني بهجائه، وهجاء أصحابه، وقد وقع في أول حديث أنس: "أمر النبيّ -ﷺ- يوم الفتح بقتل أربعة"، فذكرها فيهم، ثم قال: وأما أمْر سارة فذُكِر قصتها مع حاطب. انتهى.
(فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا) بكسر العين المهملة، وبالقاف، وبالصاد المهملة: جَمْع عقيصة؛ أي: من شعرها المضفور، ويقال: هي التي تتخذ من شعرها مثل الوقاية، وكل خُصْلة (^١) منه عقيصة، والعَقْص: لَيُّ خُصَلات الشعر بعضه على بعض، وقال المنذريّ: هو لَيّ الشعر بعضه على بعض، على الرأس، ويُدخَل أطرافه في أصوله، قال: ويقال: هي التي تتخذ من شعرها مثل الرُّمّانة، قال: وقيل: العقاص هو الخيط الذي يُجمع فيه أطراف الذوائب، وعَقْص الشعر: ضَفْرُهُ، ويقال: العقاص: السَّيْرُ الذي يُجمع به شعرها على رأسها، والعَقْصُ: الضَّفْرُ، والضَّفْر: الْفَتْلُ. انتهى (^٢).
وفي رواية للبخاريّ: "فأخرجته من حُجْزتها"، قال في "الفتح": قوله: "فأخرجته من حُجزتها"، والحجزة بضم المهملة، وسكون الجيم، بعدها زاي: مَعْقِد الإزار، والسراويل، ووقع في رواية القابسيّ: "من حُزَّتها" بحذف الجيم، قيل: هي لغة عاميّة، ويُجمع بينها وبين رواية: "فأخرجته من عقاصها" بأنها أخرجته من حجزتها، فأخفته في عقاصها، ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها، وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون معها كتابان إلى طائفتين، أو المراد بالحجزة: العُقْدة مطلقًا، وتكون رواية العقيصة أوضح من رواية الحجزة، أو المراد بالحجزة: الحَبْل؛ لأن الْحَجْز هو شدّ وسط يدي البعير بحبل، ثم يخالَف، فتُعقد رجلاه، ثم يشدّ
_________________
(١) "الْخُصلة" -بالضمّ-: الشعر المجتمع.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٥.
[ ٣٩ / ٥٩٩ ]
طرفاه إلى حقويه، ويسمى أيضًا الحجاز. انتهى (^١).
(فَأَتَيْنَا بِهِ)؛ أي: بالكتاب، ويُرْوَى: "بها"؛ أي: بالصحيفة، قال الكرمانيّ: أو بالمرأة، وفيه نَظَر؛ لأن في رواية: "معها كتاب إلى المشركين، فخذوه، وخلوا سبيلها" (^٢). (رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) قال الكرمانيّ: هو كلام الراوي وَضَع موضع إلى فلان وفلان المذكورين في الكتاب. قال العينيّ: لم يطّلع الكرماني على أسماء المكتوب إليهم، فلذلك قال هكذا، والذين كتب إليهم هم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل (^٣).
وقال في "الفتح": وفي رواية ابن عباس عن عمر: "فأتينا به، فقرئ عليه، فإذا فيه: من حاطب إلى ناس من المشركين، من أهل مكة"، سمّاهم الواقديّ في روايته: سهيل بن عمرو العامريّ، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميّ، وصفوان بن أمية الجمحيّ. انتهى (^٤).
(يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) تقدّم أنه أخبرهم بغزو النبيّ -ﷺ- لهم، وأمَرَهم أن يأخذوا حِذرهم، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ ")؛ أي: ما الكتاب الذي أفشيت به سرّ النبيّ -ﷺ- لأعدائه، هل نافقت، أو لك عذر فيه؟، وفي رواية للبخاريّ: "فقال رسول الله -ﷺ-: يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ "، في رواية عبد الرحمن بن حاطب: "فدعا رسول الله -ﷺ- حاطبًا، فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ذلك؟ "، وكأنّ حاطبًا لم يكن حاضرًا لَمّا جاء الكتاب، فاستُدعي به لذلك، وقد بُيِّن ذلك في حديث ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ولفظه: "فأرسل إلى حاطب"، فذكر نحو رواية عبد الرحمن، أخرجه الطبريّ بسند صحيح (^٥).
(قَالَ) حاطب -﵁-: (لَا تَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعِبَ، (عَلَيَّ
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦، كتاب "الجهاد" رقم (٣٠٨١).
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٥.
(٣) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٥.
(٤) "الفتح" ١٦/ ٢٠٥، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٩٣٩).
(٥) "الفتح" ١٦/ ٢٠٥، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٩٣٩).
[ ٣٩ / ٦٠٠ ]
يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: لا تستعجل في أمري حتى أشرح لك القضيّة، وأبيّن لك عذري في ذلك. (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما سبق قريبًا. (كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا) بضمّ الميم: اسم مفعول من أُلصق؛ أي: مُلْزقًا، وقال القرطبيّ -﵀-: الملصَق في القوم: هو الذي لا نَسَب له فيهم، وهو الحليف، والنزيل، والدَّخيل. انتهى (^١).
وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب: "ولكني كنت امرءًا غريبًا فيكم، وكان لي بنون، وإخوة بمكة، فكتبت لعلّي أدفع عنهم".
وقال في "العمدة": قوله: "مُلْصَقًا في قريش"؛ أي: مضافًا إليهم، ولست منهم، وأصل ذلك من إلصاق الشيء بغيره ليس منه، ولذلك قيل للدَّعِيّ في القوم: ملصقٌ، وقيل: معناه حليفًا، ولم يكن من نَفْس قريش، وأقربائهم. انتهى (^٢).
(فِي قُرَيْشٍ) لست مِنْ نَسَبهم، وفي رواية للبخاريّ: "كنت امرءًا من قريش، ولم أكن من أنفسهم"، قال في "الفتح": ليس هذا تناقضًا، بل أراد أنه منهم، بمعنى أنه حليفهم، وقد ثبت حديث: "حليف القوم منهم"، وعبَّر بقوله: "ولم أكن من أنفسهم" لإثبات المجاز. انتهى (^٣).
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة مفسّرًا معنى قوله: "مُلصقًا": (كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا)؛ أي: ليس له نَسَب في قريش، (وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ) قال القرطبيّ -﵀-: كذا وقع هذا اللفظ "ممن" بزيادة "مِنْ"، وفي بعض النسخ، "من معك" بإسقاط "من"، وهو الصواب؛ لأنَّ "من" لا تزاد في الموجَب عند البصريين وأكثر أهل اللسان، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين. انتهى (^٤).
(مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ، يَحْمُونَ) مضارع حمى، من باب ضرب؛ أي: يحفظون، وأصله يحميُون، بوزن يضربون، فنُقلت ضمة الياء إلى الميم بعد سَلْب حركتها، عملًا بقاعدة قوله:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٣٩.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٥.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٦٨٤، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٠).
(٤) "المفهم" ٦/ ٤٣٩.
[ ٣٩ / ٦٠١ ]
حَرَكَةٌ لِيَا كَوَاوٍ إِنْ عَقِبْ مَا … صَحَّ سَاكِنًا فَنَقْلُهَا يَجِبْ
(بِهَا)؛ أي: بسبب تلك القرابات، (أَهْلِيهِمْ) منصوب على المفعوليّة لـ "يحمون"، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكّر السالم، كما قال في "الخلاصة":
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبِ … سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ
وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا … وَبَابُهُ أُلْحِقَ وَالأَهْلُونَا
وفي رواية البخاريّ: "وليس من أصحابك أحدٌ إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله"، وفي حديث أنس: "وليس منكم رجل إلا له بمكة من يحفظه في عياله غيري".
(فَأَحْبَبْتُ إِذْ) ظرفيّة، بمعنى حين؛ أي: حين (فَاتَنِي ذَلِكَ) إشارةٌ إلى قوله: "لهم قرابات يَحمون بها أهليهم، وأموالهم"، (مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ)؛ أي: في قريش، (أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ) كلمة "أن" مصدرية في محل النصب؛ لأنه مفعول "أحببت". (يَدًا)؛ أي: نعمةً وَمنّةً، (يَحْمُونَ)؛ أي: يحفظون (بِهَا)؛ أي: بسبب تلك اليد، (قَرَابَتِي) تقدّم أنه له بمكة أولادًا، وفي رواية البخاريّ: "ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يَدٌ"؛ أي: منّة أدفع بها عن أهلي ومالي، زاد في رواية أعشى ثقيف: "والله ورسوله أحبّ إلي من أهلي ومالي". (وَلَمْ أَفْعَلْهُ)؛ أي: ما ذُكر من المكاتبة لأهل مكة، (كُفْرًا) منصوب على أنه مفعول لأجله؛ أي: من أجل كفر، وقال في "العمدة": "كفرًا" نُصب على التمييز، وما بعده عطف عليه. انتهى (^١).
(وَلَا ارْتِدَادًا)؛ أي: ولا من أجل ارتداد (عَنْ دِينِي) الإسلام، (وَلَا رِضًا بالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ) وفي رواية للبخاريّ: "قال: يا رسول الله ما لي أن لا أَكون مؤمنًا بالله، ورسوله"، وفي رواية المستملي: "ما بي" بالموحّدة بدل اللام، وهو أوضح، وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب: "أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله"، وفي رواية ابن عباس: "قال: والله إني لناصح لله، ولرسوله -ﷺ-" (^٢)
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٥٥.
(٢) "الفتح" ١٦/ ٢٠٥، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٩٣٩).
[ ٣٩ / ٦٠٢ ]
(فَـ) لمّا بيّن عذره (قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-) لأصحابه: ("صَدَقَ") بتخفيف الدال؛ أي: قال الصدق فيما ذكره من العذر، وفي رواية للبخاريّ: "إنه قد صدقكم"، قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون -ﷺ- عَرَف صِدْقه مما ذَكَرَ، ويَحتمل أن يكون بوحي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه بالوحي هو الأظهر عندي، والله تعالى أعلم. (قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁-: (دَعْنِي)؛ أي: اتركني (يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ) بالجزم على أنه جواب الأمر، وفي رواية البخاريّ: "فأضرب" فيكون منصوبًا بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَو طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
وفي رواية له: "فلأضرب" قال الكرمانيّ: هو بكسر اللام، ونصب الباء، وهو في تأويل مصدر محذوف، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: اتركني لأضرب عنقه، فتَرْكك لي من أجل الضرب، ويجوز سكون الباء، والفاءُ زائدة، على رأي الأخفش، واللام للأمر، ويجوز فتحها على لغةٍ، وأمرُ المتكلم نفسه باللام فصيح، قليل الاستعمال، وفي حديث ابن عباس: "قال عمر: فاخترطت سيفي، وقلت: يا رسول الله أمكنّي منه، فإنه قد كفر".
وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية، وقال: ليست بمعروفة، قاله في الردّ على الجاحظ؛ لأنه احتج بها على تكفير العاصي، قال الحافظ: وليس لإنكار القاضي معنى؛ لأنها وردت بسند صحيح، وذكر الْبَرْقاني في "مستخرجه" أن مسلمًا أخرجها، وردّه الحميدي، والجمع بينهما أن مسلمًا خرّج سندها، ولم يَسُق لفظها، وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر، وأراد به كفر النعمة، كما أَطلق النفاق، وأراد به نفاق المعصية، وفيه نظر؛ لأنه استأذن في ضرب عنقه، فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر، ولذلك أطلق أنه كفر، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية، ولو كَبُرت كما يقوله المبتدعة، ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب، فلمّا بَيَّن له النبيّ -ﷺ- عُذر حاطب رجع. انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٢٠٥، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٩٣٩).
[ ٣٩ / ٦٠٣ ]
(عُنُقَ) بضمّتين، وبضمّ، فسكون، قال الفيّوميّ -﵀-: الْعُنُقُ: الرقبةُ، وهو مذكّرٌ، والحجاز تؤنّثه، فيقال: هي العُنُق، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق. انتهى (^١).
(عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) إنما قال ذلك عمر -﵁- مع تصديق رسول الله -ﷺ- لحاطب فيما اعتذر به؛ لِمَا كان عند عمر من القوّة في الدين، وبُغض من يُنسب إلى النفاق، وظَنّ أن من خالف ما أَمَره به رسول الله -ﷺ- استَحَقّ القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قَتْله، وأَطلق عليه منافقًا؛ لكونه أبْطَن خلاف ما أظهر، وعُذْر حاطب ما ذَكَره، فإنه صَنَع ذلك متأوِّلًا أن لا ضرر فيه.
وعند الطبريّ من طريق الحارث، عن عليّ -﵁- في هذه القصة: "فقال: أليس قد شَهِدَ بدرًا؟، قال: بلى، ولكنه نكث، وظاهَر أعداءك عليك" (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: إنما أطلق عليه عمر -﵁- اسم النفاق؛ لأنَّ ما صدر منه يُشبه فعل المنافقين؛ لأنَّه والى كفار قريش، وباطَنَهم، وهمَّ بأن يُطلعهم على ما عزم عليه رسول الله -ﷺ- من غزوهم، مع أن رسول الله -ﷺ- قد كان دعا، فقال: "اللَّهُمَّ أَخْفِ أخبارنا عن قريش"، لكن حاطبًا لم ينافق بقلبه، ولا ارتدّ عن دينه، وإنما تأوَّل فيما فَعَل من ذلك أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله -ﷺ- لا يضر رسول الله -ﷺ-، ويخوِّف قريشًا. ويُحكى: أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله -ﷺ-، وأنهم لا طاقة لهم به، يخوِّفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفرُّوا منها، وحسَّن له هذا التأويل تَعلُّق خاطره بأهله، ووَلَدِه؛ إذ هُمْ قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يُفلح من كان له عيال، لكن لَطَفَ الله تعالى به، فنجَّاه بما عَلِم من صحَّة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسَبْقه. انتهى (^٣).
(فَقَالَ) -ﷺ-: ("إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) أرشد النبيّ -ﷺ- إلى علة ترك قَتْله بأنه
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٢.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٦٨٤، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٠).
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٤٠.
[ ٣٩ / ٦٠٤ ]
شهد بدرًا، فكأنه قيل: وهل يُسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذنب العظيم؟ فأجاب بقوله: "وما يدريك. . . إلخ".
(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) قال القرطبيّ -﵀-: معنى "يُدريك": يُعْلِمك، و"لعلّ": للتراخي، لكن هذا الرجاء محقَّق للنبيّ -ﷺ-؛ بدليل ما ذَكَره الله تعالى في قصة أهل بدر في "آل عمران"، و"الأنفال"، من ثنائه عليهم، وعَفْوه عنهم، وبدليل قوله -ﷺ- للذي قال في حاطب: "إنه يدخل النار"، وأقسم عليه: "كذبت، لا يدخلها، فإنَّه شهد بدرًا"، فهذا إخبار محقَّق، لا احتمال فيه، ولا تجوُّز. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "لعلّ الله. . . إلخ" هكذا في أكثر الروايات بصيغة الترجي، لكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ- للتحقيق والوقوع، وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة، من حديث أبي هريرة -﵁- بالجزم، ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم، من حديث جابر -﵁- مرفوعًا: "لن يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا" (^٢).
(فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ") قال النوويّ: قال العلماء: معناه: الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجَّه على أحد منهم حدّ، أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونَقَل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحدّ، وأقامه عمر -﵁- على بعضهم، قال: وضرب النبيّ -ﷺ- مِسْطَحًا الحدّ، وكان بدريًّا. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قد استُشكل هذا، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف عَقْد الشرع.
وأجيب بأنه إخبار عن الماضي؛ أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لِمَا يستقبلونه من العمل، لم يقع بلفظ الماضي، ولقال: فسأغفره لكم.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٤٠.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٦، كتاب "المغازي" رقم (٣٩٨٣).
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٦ - ٥٧.
[ ٣٩ / ٦٠٥ ]
وتُعُقِّب بأنه لو كان للماضي لَمَا حسن الاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه -ﷺ- خاطب به عمر منكِرًا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدلّ على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغةً في تحقيقه.
وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم، والمراد: عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خُصُّوا بذلك؛ لِمَا حَصَل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة، إن وقعت؛ أي: كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أيّ عمل كان، فهو مغفور.
وقيل: إن المراد أن ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورةً، وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم، وفيه نَظَر ظاهر؛ لِمَا في قصة قُدامة بن مظعون حين شرب الخمر في أيام عمر، وحدّه عمر، فهاجر بسبب ذلك، فرأى عمر في المنام من يأمره بمصالحته، وكان قدامة بدريًّا، والذي يُفهم من سياق القصة الاحتمال الثاني، وهو الذي فهمه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ التابعيّ الكبير، حيث قال لحيان بن عطية: قد علمتُ الذي جرّأ صاحبك (^١) على الدماء، وذَكَر له هذا الحديث، واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا، من إقامة الحدود وغيرها، والله أعلم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: قوله: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كذا في معظم الطرق، وعند الطبريّ من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة: "فإني غافر لكم"، وهذا يدلّ على أن المراد بقوله: "غفرت"؛ أي: أغفر على طريق التعبير عن الآتي بالواقع؛ مبالغةً في تحققه، وفي "مغازي ابن عائذ" من مرسل عروة: "اعملوا ما شئتم، فسأغفر لكم"، والمراد: غفران ذنوبهم في الآخرة، وإلا فلو وجب على أحدهم حدّ مثلًا لم يَسْقُط في الدنيا.
_________________
(١) يعني: عليًّا -﵁-.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٦ - ٤٧، كتاب "المغازي" رقم (٣٩٨٣).
[ ٣٩ / ٦٠٦ ]
وقال ابن الجوزيّ: ليس هذا على الاستقبال، وإنما هو على الماضي، تقديره: اعملوا ما شئتم، أَيُّ عملٍ كان لكم فقد غُفِر، قال: لأنه لو كان للمستقبَل كان جوابه: فسأغفر لكم، ولو كان كذلك لكان إطلاقًا في الذنوب، ولا يصحّ، ويبطله أن القوم خافوا من العقوبة بعدُ حتى كان عمر يقول: يا حذيفة! بالله هل أنا منهم؟
وتعقبه القرطبيّ بأن "اعملوا" صيغة أمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب صيغة الأمر للماضي، لا بقرينة، ولا بغيرها؛ لأنهما بمعنى الإنشاء، والابتداء، وقوله: "اعملوا ما شئتم" يُحْمَل على طلب الفعل، ولا يصحّ أن يكون بمعنى الماضي، ولا يمكن أن يُحْمَل على الإيجاب، فتعيَّن للإباحة، قال: وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمَّن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غُفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يُغفر لهم ما يُستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه، وقد أظهر الله صِدْق رسوله -ﷺ- في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قُدِّر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة، ولازم الطريق المثلى، ويَعْلَم ذلك من أحوالهم بالقطع مَن اطَّلع على سِيَرهم. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "فقد غفرت لكم"؛ أي: ذنوبُكُم تقع مغفورةً، لا أن المراد أنه لا يصدر منهم ذنب، وقد شَهِد مِسطح بدرًا، ووقع في حقّ عائشة، كما تقدم قريبًا، فكأن الله لكرامتهم عليه بشَّرهم على لسان نبيِّه -ﷺ- أنهم مغفور لهم، ولو وقع منهم ما وقع. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وعبارة القرطبيّ -﵀- بطولها: وظاهر قوله -ﷺ-: "اعملوا ما شئتم" إباحة كل الأعمال، والتخيير فيما شاؤوا من الأفعال، وذلك في الشريعة محال؛ إذ المعلوم من قواعدها: أن التكليف بالأوامر، والنواهي، متوجهة على كل من كان موصوفًا بشرطها إلى موته، ولمّا لم يصح ذلك الظاهر اضطُرّ إلى تأويله،
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٨٥ - ٦٨٦، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٠).
[ ٣٩ / ٦٠٧ ]
فقال أبو الفرج ابن الجوزي: ليس قوله: "اعملوا ما شئتم" للاستقبال؛ وإنَّما هي للماضي، وتقديره: أي عمل كان لكم فقد غفرته، قال: ويدلّ على ذلك شيئان:
أحدهما: أنه لو كان للمستقبَل كان جوابه: سأغفر.
والثاني: أنه كان يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضح هذا: أن القوم خافوا من العقوبة مما بعدُ، فقال عمر: يا حذيفة! هل أنا منهم؟ -يعني: المنافقين-.
قال القرطبيّ: وهذا التأويل، وإن كان حَسَنًا غير أن فيه بُعدًا؛ يبيّنه: أنَّ "اعملوا" صيغته صيغة الأمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي، لا بقرينة، ولا بغير قرينة، هكذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة: إنما هي بمعنى الإنشاء، والابتداء، لا بمعنى الماضي، فتدبَّر هذا؛ فإنه حَسَن، وقد بيّنته في الأصول بأشبع من هذا، واستدلاله على ذلك بقوله: "فقد غفرت لكم"، ليس بصحيح؛ لأنَّ: "اعملوا ما شئتم" يستحيل أن يُحْمَل على طَلَب الفعل، ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي؛ لِمَا ذكرناه، فتعيَّن حَمْله على الإباحة والإطلاق، وحينئذ يكون خطابَ إنشاء، فيكون كقول القائل: أنت وكيلي، وقد جعلت لك التصرف كيف شئت، فإنَّ ذلك إنما يقتضي إطلاق التصرف في وقت التوكيل، لا قبل ذلك.
قال: وقد ظهر لي وجه آخر، وأنا أستخير الله فيه، وهو: أن الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن: أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غُفرت لهم بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا بها لِأَنْ يُغْفَر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نُجِّزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل: لهم صلاحية أن يُغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيءٍ ما وجود ذلك الشيء؛ إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأْمَن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب، وعلى هذا يخرج حال كل من بشَّره رسول الله -ﷺ- بأنه مغفورٌ له، وأنه من أهل الجنة، فيتضمَّن ذلك مغفرة ما مضى، وثبوت الصلاحية للمغفرة والجنة بالنسبة لِمَا يستقبل،
[ ٣٩ / ٦٠٨ ]
ولذلك لم يُزَل عن أحد ممن بُشِّر بالمغفرة، أو بالجنة خوف التبديل والتغيير من المؤاخذة على الذنوب، ولا ملازمة التوبة منها، والاستغفار دائمًا، ثم إن الله تعالى أظهر صدق رسوله -ﷺ- للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين، ومراعاة أحواله، والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن تُوُفُّوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية، أو مخالفة لجأ إلى التوبة، ولازَمَها حتى لقي الله تعالى عليها، يَعْلَم ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سِيَرهم، وأخبارهم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وإنما نقلت كلامه بطوله، وإن كان سبق في كلام الحافظ؛ لغزارة فوائده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [الممتحنة: ١]).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الآيَةِ)؛ يعني: أن رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب ليس فيها ذكر الآية الكريمة، وإنما هو لعمرو الناقد، وابن أبي عمر.
وقوله: (وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ في رِوَايَتِهِ مِنْ تِلَاوَةِ سُفْيَانَ)؛ يعني: أن إسحاق بن راهوية جعل تلاوة الآية الكريمة من سفيان بن عيينة، وليس مرفوعًا.
[تنبيه]: زاد البخاريّ في آخر هذا الحديث ما نصّه: "قال عمرو: ونزلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال: لا أدري الآيةَ في الحديث، أو قول عمرو.
ثم قال: حدّثنا عليّ، قال: قيل لسفيان في هذا، فنزلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، قال سفيان: هذا في حديث الناس، حفِظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أدري أحدًا حَفِظه غيري". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "قال عمرو" هو ابن دينار، وهو موصول بالإسناد المذكور.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢.
[ ٣٩ / ٦٠٩ ]
وقوله: "قال: لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو" هذا الشك من سفيان بن عيينة، كما سأوضحه.
وقوله: حدّثنا "عليّ" هو ابن المدينيّ، قال: "قيل لسفيان: في هذا فنزلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، قال سفيان: هذا في حديث الناس"؛ يعني: هذه الزيادة، يريد: الجزم برفع هذا القَدْر.
وقوله: "حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أرى أحدًا حفظه غيري"، وهذا يدلّ على أن هذه الزيادة لم يكن سفيان يجزم برفعها، وقد أدرجها عنه ابن أبي عمر، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، فقال في آخر الحديث: قال: وفيه نزلت هذه الآية، وكذا أخرجه مسلم، عن ابن أبي عمر، وعمرو الناقد، وكذا أخرجه الطبريّ عن عُبيد بن إسماعيل، والفضل بن الصباح، والنسائيُّ عن محمد بن منصور، كلهم عن سفيان.
وأخرجه مسلم أيضًا عن إسحاق بن راهويه، عن سفيان، وبيَّن أن تلاوة الآية من قول سفيان.
ووقع عند الطبريّ من طريق أخرى عن عليّ الجزم بذلك، لكنه من أحد رواة الحديث حبيب بن أبي ثابت الكوفيّ أحد التابعين، وبه جزم إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر، عن عروة في هذه القصّة، وكذا جزم به معمر عن الزهريّ، عن عروة، وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: "لما أراد رسول الله -ﷺ- المسير إلى مشركي قريش، كتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة يُحَذِّرهم. . ."، فذكر الحديث إلى أن قال: "فأنزل الله فيه القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية"، قال الإسماعيليّ في آخر الحديث أيضًا: "قال عمرو؛ أي: ابن دينار: وقد رأيت ابن أبي رافع، وكان كاتبًا لعليّ". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٨٦ - ٦٨٧، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٠).
[ ٣٩ / ٦١٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٦٣٨١ و٦٣٨٢] (٢٤٩٤)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٣٠٠٧ و٣٠٨١) و"المغازي" (٣٩٨٣ و٤٢٧٤) و"التفسير" (٤٨٩٠) و"الاستئذان" (٦٢٥٩)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٦٥١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٠٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤٨٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٧٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٩)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٥٦)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٢٨/ ٥٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٩٤ و٣٩٨)، و(البزّار) في "مسنده" (٢/ ١٦٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٩٩ و٧١١٩)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٨٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٤٦) و"دلائل النبوّة" (٥/ ١٧) و"شُعَب الإيمان" (٧/ ٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة لرسول الله -ﷺ- وعَلَم من أعلام نبوّته، وذلك إعلام الله تعالى له بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش، ومكانها الذي هي به، ووجده عليّ ومعه كما قال، وذلك كله بالوحي من الله -﷿-.
٢ - (ومنها): هَتْك أستار الجواسيس بقراءة كتبهم، سواء كان رجلًا، أو امرأةً.
٣ - (ومنها): هتك سِتْر المفسدة إذا كان فيه مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وإنما يُندب الستر إذا لم يكن فيه مفسدة، ولا يفوت به مصلحة، وعلى هذا تُحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر.
٤ - (ومنها): أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر لا يُكَفَّرون بذلك، وهذا الجنس كبيرة قطعًا؛ لأنه يتضمن إيذاء النبيّ -ﷺ-، وهو كبيرة بلا شكّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
٥ - (ومنها): أنه لا يُحدّ العاصي، ولا يعزّر إلا بإذن الإمام.
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةَ جلساء الإمام والحاكم بما يرَوْنه، كما أشار
[ ٣٩ / ٦١١ ]
عمر -﵁- بضرب عنق حاطب، ومذهب الشافعي، وطائفة: أن الجاسوس المسلم يعزّر، ولا يجوز قَتْله، وقال بعض المالكية: يُقتل، إلا أن يتوب، وبعضهم: يُقتل وإن تاب، وقال مالك: يجتهد فيه الإمام. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): بيان فضل أهل بدر، حيث قال -ﷺ-: "لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، ولعلّ هنا للتحقيق، وهذه بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم، ووقع الخبر بألفاظ منها: "فقد غفرت لكم"، ومنها: "فقد وجبت لكم الجنة"، ومنها: "لعل الله اطلع"، لكن قال العلماء: إن الترجّي في كلام الله تعالى، ورسوله -ﷺ- للوقوع، وقد جاء صريحًا عند أحمد، وغيره بلفظ: "إن الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا. . ." الحديث.
٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ باستئذان عمر على قَتْل حاطب لمشروعية قتل الجاسوس، ولو كان مسلمًا، وهو قول مالك، ومن وافقه، ووجه الدلالة أنه -ﷺ- أقرّ عمر على إرادة القتل لولا المانع، وبَيَّن المانع، وهو كون حاطب شهد بدرًا، وهذا مُنتفٍ في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعًا من قَتْله لَمَا عَلَّل بأخصّ منه، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": فيه هَتْك سرّ الجاسوس رجلًا كان، أو امرأةً؛ إذا كانت في ذلك مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وقال الداوديّ: الجاسوس يُقتل، وإنما نفى القتل عن حاطب لِمَا عَلِم النبيّ -ﷺ- منه، ولكن مذهب الشافعيّ وطائفة أن الجاسوس المسلم يعزّر، ولا يجوز قتله، وإن كان ذا هيئة عُفي عنه؛ لهذا الحديث، وعن أبي حنيفة، والأوزاعيّ: يوجَع عقوبةً، ويطال حبسه، وقال ابن وهب من المالكية: يُقتل إلا أن يتوب، وعن بعضهم: أنه يُقتل إذا كانت عادته ذلك، وبه قال ابن الماجشون، وقال ابن القاسم: يُضرب عنقه؛ لأنه لا تُعرف توبته، وبه قال سحنون، ومن قال بقتله، فقد خالف الحديث، وأقوال المتقدمين، وقال الأوزاعيّ: فإن كان كافرًا يكون ناقضًا للعهد، وقال أصبغ: الجاسوس الحربي يُقتل، والمسلم، والذمي يعاقبان، إلا أن يُظاهِرا على الإسلام، فيُقتلان. انتهى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٥ - ٥٦.
[ ٣٩ / ٦١٢ ]
٩ - (ومنها): أن فيه كما قال الطبريّ: إذا ظهر للإمام رجل من أهل الستر أنه قد كاتب عدوًّا من المشركين، يُنذره مما أسرّه المسلمون فيهم من عَزْم، ولم يكن معروفًا بالغش للإسلام وأهله، وكان ذلك مِن فِعله هفوةً وزلةً من غير أن يكون لها أخوات يجوز العفو عنه، كما فعل رسول الله -ﷺ- بحاطب، مِنْ عَفْوه عن جُرمه بعدما اطّلع عليه مِن فِعله.
١٠ - (ومنها): هتك ستر المريب، وكشف المرأة العاصية.
١١ - (ومنها): أن الجاسوس لا يخرجه تجسسه من الإيمان.
١٢ - (ومنها): أن فيه الحجةَ لترك إنفاذ الوعيد من الله تعالى لمن شاء ذلك؛ لقوله: "لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
١٣ - (ومنها): جواز غفران ما تأخر من الذنوب قبل وقوعه.
١٤ - (ومنها): جواز تجريد العورة عن السترة عند الحاجة، قاله ابن العربيّ.
١٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن حُكْم المتأوِّل في استباحة المحظور خلاف حُكم المتعمِّد لاستحلاله من غير تأويل، قاله ابن الجوزيّ.
١٦ - (ومنها): أن من أتى محظورًا، وادَّعَى في ذلك ما يَحتمل التأويل كان القول قوله في ذلك، وإن كان غالب الظن خلافه.
١٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-، وهو وإن كان سَبَق، إلا أنه ملخّص في موضع واحد، فيكون كالْفَذْلكة لِمَا سبق، فلذا أحببت إيراده، قال -﵀-: وفي حديث حاطب هذا أبواب من الفقه، وأدلَّة على صحة نبوء نبيّنا محمد -ﷺ-، وعلى فضائل أهل بدر، وحاطب بن أبي بلتعة، فمن جملة ما فيه من الفقه: أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا، وأن المتأوِّل أعذر من العامد، وقبول عذر الصادق، وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضرورة، ففي بعض رواياته: أنهم فتشوا من المرأة كل شيء حتى قُبُلها. وفيه ما يدلُّ على أن الجاسوس حُكمه بحَسَب ما يجتهد فيه الإمام على ما يقوله مالك، وقال الأوزاعيّ: يعاقَب، وينفى إلى غير أرضه، وقال أصحاب الرأي: يعاقَب، ويُسجن، وقال الشافعيّ: إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عُفي عنه، وإلا عُزِّر.
قال: وجميع أهل بدر ثلاثمئة وسبعة عشر رجلًا باتفاق أئمة السِّيَر
[ ٣٩ / ٦١٣ ]
والتواريخ، واختُلف في طائفة نحو الخمسة، هل شهدوها، أم لا؟ وتفصيل ذلك في كتب السِّير. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، والله تعالى أعلم.
وقد جمع الفوائد، وساقها في "الفتح" في "كتاب الاستئذان"، أحببت إيرادها؛ لغزارة فوائده أيضًا، قال -﵀-:
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن المؤمن، ولو بلغ بالصلاح أن يُقطع له بالجنة لا يُعْصَم من الوقوع في الذنب؛ لأن حاطبًا دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة، ووقع منه ما وقع.
وفيه: تعقُّب على من تأوّل أن المراد بقوله: "اعملوا ما شئتم" أنهم حُفِظوا من الوقوع في شيء من الذنوب.
وفيه: الردّ على من كفّر المسلم بارتكاب الذنب، وعلى من جزم بتخليده في النار، وعلى من قَطَع بأنه لا بدّ، وأن يعذَّب.
وفيه: أن من وقع منه الخطأ لا ينبغي له أن يجحده، بل يعترف، ويعتذر؛ لئلا يَجمع بين ذنبين.
وفيه: جواز التشديد في استخلاص الحقّ، والتهديد بما لا يفعله المهدِّد تخويفًا لمن يُستخرج منه الحق.
وفيه: هَتْك ستر الجاسوس، وقد استَدَلَّ به من يرى قَتْله من المالكية؛ لاستئذان عمر في قَتْله، ولم يردّه النبيّ -ﷺ- عن ذلك إلا لكونه من أهل بدر، ومنهم من قيَّده بأن يتكرر ذلك منه، والمعروف عن مالك: يجتهد فيه الإمام، وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه، وقال الشافعية، والأكثر: يعزَّر، وإن كان من أهل الهيئات يُعْفَى عنه، وكذا قال الأوزاعيّ، وأبو حنيفة: يوجع عقوبةً، ويطال حبسه.
وفيه: العفو عن زلة ذوي الهيئة، وأجاب الطبريّ عن قصة حاطب، واحتجاج من احتج بأنه إنما صفح عنه لِمَا أطلعه الله عليه من صِدْقه في اعتذاره، فلا يكون غيره كذلك.
قال القرطبيّ: وهو ظنّ خطأ؛ لأن أحكام الله في عباده إنما تجري على
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٤٣.
[ ٣٩ / ٦١٤ ]
ما ظهر منهم، وقد أخبر الله تعالى نبيّه -ﷺ- عن المنافقين الذين كانوا بحضرته، ولم يُبِح له قتلهم مع ذلك؛ لإظهارهم الإسلام، وكذلك الحكم في كل من أظهر الإسلام تجري عليه أحكام الإسلام.
وفيه: من أعلام النبوة: إطلاع الله نبيه -ﷺ- على قصة حاطب مع المرأة، كما تقدم بيانه من الروايات في ذلك.
وفيه: إشارة الكبير على الإمام بما يظهر له من الرأي العائد نَفْعه على المسلمين، ويتخير الإمام في ذلك.
وفيه: جواز العفو عن العاصي.
وفيه: أن العاصي لا حرمة له، وقد أجمعوا على أن الأجنبية يحرم النظر إليها مؤمنة كانت أو كافرة، ولولا أنها لعصيانها سقطت حُرْمتها ما هددها عليّ بتجريدها، قاله ابن بطال.
وفيه: جواز غفران جميع الذنوب الجائزة الوقوع عمن شاء الله، خلافًا لمن أبي ذلك، من أهل البدع.
وقد استُشكلت إقامة الحدّ على مِسطح بقذف عائشة -﵂- كما تقدم، مع أنه من أهل بدر، فلم يسامَح بما ارتكبه من الكبيرة، وسومح حاطب، وعُلِّل بكونه من أهل بدر.
ويجاب بأن محل العفو عن البدريّ في الأمور التي لا حدّ فيها.
وفيه: جواز غفران ما تأخر من الذنوب، ويدل على ذلك الدعاء به في عدّة أخبار.
وفيه: تأدّب عمر -﵁-، وأنه لا ينبغي إقامة الحدّ، والتأديب بحضرة الإمام إلا بعد استئذانه.
وفيه: منقبة لعمر ولأهل بدر -﵃- كلهم.
وفيه: البكاء عند السرور، فقد بكى عمر -﵁- في هذه القصّة، ويَحْتَمِل أن يكون عمر -﵁- بكى حينئذ لِمَا لَحِقه من الخشوع والندم على ما قاله في حقّ حاطب. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وقد أجاد، وأفاد، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٢٠٨ - ٢١٠، كتاب "الاستئذان" رقم (٦٩٣٩).
[ ٣٩ / ٦١٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ- كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ"، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمِي بالتشيع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) أبو سعيد، مقبولٌ [١٠] (م) من أفراد المصنّف، تقدم في "الجمعة" ١٣/ ١٩٩٩.
٤ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) وكان مولده سنة عشر ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٥ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السُّلَميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حِفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
٦ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عُمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٧ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ) عبد الله بن حَبِيب بن رُبَيِّعة -بضمّ الراء، وفتح الموحدة، وتشديد الياء- الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقةٌ ثبتٌ [٢١] مات بعد السبعين (ع) تقدم في "الرضاع" ٣/ ٣٥٨١.
[ ٣٩ / ٦١٦ ]
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: محمد بن فُضيل، وعبد الله بن إدريس، وخالد بن عبد الله الطحّان، رووا هذا الحديث عن حُصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، عن عليّ -﵁-.
وقوله: (وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ. . . إلخ) في الرواية السابقة: "المقداد"، بدل أبي مرثد، ولا منافاة، بل بعث الأربعة: عليًّا، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وأبو مرْثَد: هو بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلّثة، اسمه كنّاز -بفتح الكاف، وتشديد النون، آخره زاي- ابن الحصين بن يربوع الْغَنَويّ، صحابيّ مشهور بكنيته، ومات سنة اثنتي عشرة من الهجرة، تقدّمت ترجمته في "الجنائز" ٣١/ ٢٢٥٠.
وقال في "الفتح": قوله: "والزبير وأبا مرثد" تقدم في غزوة الفتح من طريق عبد الله بن أبي رافع عن عليّ ذِكر المقداد بدل أبي مرثد، وجُمِع بأن الثلاثة كانوا مع عليّ، ووقع عند الطبريّ في "تهذيب الآثار" من طريق أعشى ثقيف عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ في هذا الحديث: "ومعي الزبير بن العوّام، ورجل من الأنصار"، وليس المقداد، ولا أبو مرثد من الأنصار، إلا إن كان بالمعنى الأعم، ووقع في "الأسباب" للواحدي: أن عُمر، وعمارًا، وطلحة كانوا معهم، ولم يَذْكر له مستندًا، قال الحافظ: وكأنه من تفسير ابن الكلبي، فإني لم أره في سِيَر الواقديّ، ووجدت ذَكَر فيه عمر من وجه آخر، أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس، في قصة المرأة المذكورة، فأخبر جبريل النبيّ -ﷺ- بخبرها، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. انتهى (^٢).
وقوله: (وَكُلُّنَا فَارِسٌ)؛ أي: راكب، قال الفيّوميّ -﵀-: الفَارِسُ: الراكب على الحافر فرسًا كان، أو بغلًا، أو حمارًا، قاله ابن السكيت، يقال: مرّ بنا فَارِسٌ على بغل، وفَارِسٌ على حمار، وفي "التهذيب": فَارِسٌ على الدابة بَيِّن الفُرُوسية، قال الشاعر [من الطويل]:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٧.
(٢) "الفتح" ١٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ٣٩ / ٦١٧ ]
وإني امْرُؤٌ لِلْخَيْلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ … عَلى فَارِسِ البِرْذَوْنِ أَو فَارِس البَغْل
وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل والحمار: فَارِسٌ، ولكن أقول: بغّال، وحمّار، وجمع الفَارِسِ: فُرْسَانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة، مثل ضَارِبَةٍ وضَوَارِبَ، وصَاحِبَة وصَوَاحِبَ، أو جمع فاعل، صفة لمؤنث، مثل حائِض وحَوَائِضَ، أو كان جَمْع ما لا يعقل، نحو جَمَل بَازِلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحَوَائِطَ، وأما مذكَّر من يعقل، فقالوا: لم يأتِ فيه فَوَاعلُ إلّا فَوَارِسُ، وَنَواكِسُ، جَمْع ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف جَمْع خالف وخالفة، وهو القاعد المتخلف، وقوم ناجعة ونواجع، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى (^١).
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي عبد الرحمن السُّلميّ.
[تنبيه]: رواية أبي عبد الرحمن السُّلميّ عن عليّ -﵁- هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:
(٣٧٦٢) - حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن إدريس، قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ -﵁- قال: بعثني رسول الله -ﷺ-، وأبا مرثد الغَنَويّ، والزبير بن العوّام، وكلنا فارس، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله -ﷺ-، فقلنا: الكتابَ، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتابًا، فقلنا: ما كذب رسول الله -ﷺ-، لتُخرِجَنّ الكتاب، أو لنجرّدنك، فلما رأت الجدّ أهوت إلى حُجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله -ﷺ-، فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبيّ -ﷺ-: "ما حَمَلك على ما صنعت؟ " قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله، ورسوله -ﷺ-، أردت أن يكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٧.
[ ٣٩ / ٦١٨ ]
بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبيّ -ﷺ-: "صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا"، فقال عمر: إنه قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: "أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطَّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم"، فدَمَعَت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٨٣] (٢٤٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور المصريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله -﵄-، تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀- وهو (٤٩١)، وفيه جابر بن عبد الله -﵄- من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) -﵁- (أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِب) بن أبي بَلْتَعة -﵄-، قال صاحب
"التنبيه": هو سعد، قاله ابن بشكوال، وكذا قاله ابن سيّد الناس في "حاشيته
[ ٣٩ / ٦١٩ ]
على الاستيعاب". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: نصّ ابن بشكوال في "غوامض الأسماء": العبد المذكور في الحديث اسمه سعد، ثم أخرج بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد مولى حاطب، قال: قلت: يا رسول الله حاطب من أهل النار، قال: "لن يلج النار أحدٌ شهد بدرًا، والرضوان". انتهى (^٢).
(جَاءَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَشْكُو حَاطِبًا)؛ أي: يشكو سوء معاملته له، فقد زاد في رواية أبي نعيم في "الحلية": "وكان حاطب شديدًا على الرقيق" (^٣). (فَقَالَ) ذلك العبد في جملة شكواه: (يَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ)؛ أي: بسبب معاملته له، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) ردًّا على العبد في دعواه دخول حاطب النار: ("كَذَبْتَ) فيما قلته، فإنه (لَا يَدْخُلُهَا)؛ أي: النار، ثم علّل عدم دخوله النار بقوله: (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن حاطبًا (شَهِدَ بَدْرًا)؛ أي: غزوة بدر (وَ) شَهِد أيضًا (الْحُدَيْبِيَةَ")؛ أي: غَزْوَتها؛ أي: ومن شهدهما لا يدخل النار، وقد جاء مصرّحًا به، فقد روى جابر -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"، رواه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيح، وصححه ابن حبّان (^٤)، ورواه مسلم من حديث جابر عن أمّ مبشّر في الباب التالي.
وأخرج أحمد عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "إني لأرجو أن لا يدخل النار -إن شاء الله- أحد شهد بدرًا، والحديبية"، قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ قالت: فسمعته يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢]. انتهى (^٥)، والله تعالى اعلم.
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ٤١٩.
(٢) "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ٢٥٠.
(٣) "حلية الأولياء" ٣/ ٧٣.
(٤) "جامع الترمذيّ" ٥/ ٦٩٥، و"صحيح ابن حبان" ١١/ ١٢٧.
(٥) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٦/ ٢٨٥.
[ ٣٩ / ٦٢٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: إن قيل: كيف أخرج مسلم حديث جابر -﵁- هذا من طريق أبي الزبير بالعنعنة، وهو مدلّس؟.
[قلت]: لا تضرّ عنعنته هنا؛ لأنه من رواية الليث عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر -﵁-، وقد تقدّم بيان ذلك غير مرّة، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٦٣٨٣] (٢٤٩٥)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٦٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٠ و٣١٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٥ و٣٤٩ و٣٥٠ و٦/ ٣٦٢ و٤٢٠)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٣٤٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٩٩ و٧١٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٥٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة أهل بدر، والحديبية، وأنهم مقطوع لهم بالجنّة بنصّ هذا الحديث وغيره.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة الصحابيّ الجليل حاطب بن أبي بلتعة -﵁-؛ لكونه من أهل بدر، والحديبية.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، سواء كان الإخبار عن ماضٍ، أو مستقبلٍ، وخصّته المعتزلة بالعمد، وهذا يردّ عليهم، وسبقت المسألة في "كتاب الإيمان"، وقال بعض أهل اللغة: لا يُستعمل الكذب إلا في الإخبار عن الماضي، بخلاف ما هو مستقبلٌ، وهذا الحديث يردّ عليه (^١). انتهى، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٥٧.
[ ٣٩ / ٦٢١ ]