هو: عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ أبو الحسن، وهو ابن عم رسول الله -ﷺ- شقيق أبيه، واسمه عبد مناف على الصحيح، وُلد قبل البعثة بعشر سنين، على الراجح، وكان قد ربّاه النبيّ -ﷺ- من صِغَره، لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره، فلم يفارقه إلى أن مات، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابنة عمة أبيه، وهي أول هاشمية وَلَدت لهاشميّ، وقد أسلمت، وصحبت، وماتت في حياة النبيّ -ﷺ-.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٦/ ٢٥٩٩.
[ ٣٨ / ٥٤٩ ]
قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائيّ، وأبو علي النيسابوريّ: لم يَرِد في حقّ أحد من الصحابة -﵃- بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في عليّ -﵁-، وكأنّ السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه، من كثرة من كان بيَّنها من الصحابة ردًّا على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جدًّا، ثم كان من أمر عليّ ما كان، فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتدّ الخطب، فتنقّصوه، واتخذوا لَعْنه على المنابر سنةً، ووافقهم الخوارج على بُغضه، وزادوا حتى كفّروه مضمومًا ذلك منهم إلى عثمان -﵁-، فصار الناس في حقّ عليّ ثلاثةً: أهل السُّنَّة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السُّنَّة إلى بثّ فضائله، فكثر الناقل لذلك؛ لكثرة من يخالف ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكلّ من الأربعة من الفضائل، إذا حُرِّر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السُّنَّة والجماعة أصلًا.
وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح، عن عروة، قال: أسلم عليّ، وهو ابن ثمان سنين، وقال ابن إسحاق: عشر سنين، وهذا أرجحها، وقيل غير ذلك، ذَكَره في "الفتح" (^١).
وفي "الإصابة" ما ملخّصه: وشهد عليّ -﵁- معه -ﷺ- المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولمّا آخى النبيّ -ﷺ- بين أصحابه قال له: "أنت أخي"، وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام.
وكان قَتْل عليّ -﵁- في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر؛ لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين، ثم أقام سنتين يُحَرِّض على قتال البغاة، فلم
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤١٩ - ٤٢٠، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٠١).
[ ٣٨ / ٥٥٠ ]
يتهيأ ذلك إلى أن مات. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله -ﷺ-، ويكنى: أبا الحسن، واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، واسم هاشم عمرو، وسُمِّي هاشِمًا؛ لأنَّه أوَّل من هشم الثريد، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أوَّل هاشمية ولدت هاشميًّا، توفيت مسلمة قبل الهجرة، وقيل: إنها هاجرت، وكان علي أصغر ولد أبي طالب، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عَقِيل بعشر سنين. وكان عَقيل أصغر من طالب بعشر سنين. رُوي عن سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخباب، وجابر، وأبي سعيد الخدريّ، وزيد بن أرقم: أن علي بن أبي طالب -﵁- أول من أسلم -يعنون من الرجال- وإلا فقد اتَّفَق الجمهور على أن أول من أسلم وأطاع النبيّ -ﷺ- خديجة بنت خويلد -﵂-، وقد تقدَّم من قال: إن أول من أسلم أبو بكر -﵁-.
وقد روى أبو عمر بن عبد البر عن سلمان الفارسيّ -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: "أولكم واردًا على الحوض أولكم إسلامًا: عليّ بن أبي طالب" (^٢)، قيل: أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن ثمان، وقيل: ابن عشر، وقيل: ابن ثلاث عشرة. وقيل: ابن خمس عشرة، وقيل: ابن ثمان عشرة.
وروى سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين العرني قال: سمعت عليًّا -﵁- يقول: أنا أوَّل مَن صلَّى مع رسول الله -ﷺ-، ولقد عبدت الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة خمس سنين.
وروي عن عليّ -﵁-؛ أنه قال: مكثت كذا وكذا مع رسول الله -ﷺ-، لا يصلِّي معه أحد غيري إلا خديجة.
وأجمعوا: على أنه -﵁- صلَّى إلى القبلتين، وأنه شهد بدرًا وأُحدًا،
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٥٦٤ - ٥٦٩.
(٢) ذكره صاحب "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٧٧)، وفي "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٦٩)، و"الموضوعات" لابن الجوزيّ، وقال: هذا حديث لا يصحّ.
[ ٣٨ / ٥٥١ ]
ومشاهد رسول الله -ﷺ- كلها، إلا غزوة تبوك، فإنَّ النبيّ -ﷺ- أمره أن يتخلَّف في أهله، وقال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ "، وزوَّجه رسول الله -ﷺ- سيدة نساء أهل الجنة؛ فاطمة -﵂-، وآخى بينه وبينه، وقال -ﷺ-: "لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق"، وقال فيه النبيّ -ﷺ-: "إنه يحبُّه الله ورسوله، وأنَّه يحبُّ الله ورسوله".
وكان -﵁- قد خُصَّ من العلم، والشجاعة، والحلم، والزهد، والورع، ومكارم الأخلاق ما لا يسعه كتاب، ولا يحويه حصر حساب، بويع له بالخلافة يوم مقتل عثمان -﵁-، واجتمع على بيعته أهل الحلّ والعقد من المهاجرين والأنصار؛ إلا نفرًا منهم، فلم يُكرههم، وسئل عنهم، فقال: أولئك قوم خَذَلوا الحقّ، ولم يعضدوا الباطل، وتخلف عن بيعته معاوية ومن معه من أهل الشام، وجرت عند ذلك خطوب لا يمكن حصرها، والتحمت حروب لم يُسمع في المسلمين بمثلها، ولم تزل ألويته منصورة عالية على الفئة الباغية إلى أن جرت قضيه التحكيم، وخُدع فيها ذو القلب السليم، وحينئذ خرجت الخوارج، فكفَّروه وكلَّ من معه، وقالوا: حكَّمت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ثم اجتمعوا وشقُّوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فخرج إليهم عليّ بمن معه، ورام رجوعهم فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقَتَلهم واستأصل جميعهم، ولم ينج منهم إلا اليسير، وقد تقدَّم قوله -ﷺ-: "يقتلهم أَولى الطائفتين بالحقّ"، ثم انتدب إليه رجل من بقايا الخوارج يقال له: عبد الرحمن بن ملجم، قال الزبير: كان من حِمْيَر، فأصاب دماء فيهم، فلجأ إلى مراد، فنُسب إليهم، فدخل على عليّ في مسجده بالكوفة، فقتله ليلة الجمعة، وقيل: في صلاة صُبْحها، وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل: لثلاث عشرة، وقيل: لثمان عشرة، وقيل: في أول ليلة من العشر الآخر من رمضان سنة أربعين، واختُلف في موضع قبره اختلافًا كثيرًا يدلّ على عدم العلم به، وأنه مجهول، وكذلك اختُلف في سِنِّه يوم قُتل، فقيل: ابن سبع وخمسين إلى خمس وستين سنة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وستة أشهر، وستة أيام، وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة عشر يومًا، فأُخِذ عبد الرحمن بن
[ ٣٨ / ٥٥٢ ]
ملجم، فقُتِل أشقى هذه الأمة، وكان عليّ -﵁- إذا رآه يقول [من الوافر]:
أريدُ حَيَاتَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي … عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرادِ
وكان يقول: ما يمنع أشقاها، أو ما ينتظر أشقاها أن يخضبَ هذه من هذا، والله ليخضبنَّ هذه من دم هذا -ويشير إلى لحيته ورأسه- خضاب دمٍ، لا خضاب حناء ولا عبير.
وقد روى النسائي وغيره من حديث عمار بن ياسر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-: أنه قال لعليّ -﵁-: "أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا -ووضع يده على رأسه- حتى يخضب هذه"، يعني: لحيته.
وتأخر موته -﵁-، ولا رضي عن قاتله- عن ضربه نحو الثلاثة الأيام.
وجملة ما حُفظ له من الحديث عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثًا، مثل أحاديث عمر -﵄-، أُخرج له منها في "الصحيحين" أربعة وأربعون حديثًا. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٧] (٢٤٠٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، وَعُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ، وَسُرُيْجُ بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ الْمَاجِشُونِ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الصَّبَاحِ- حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي"، قَالَ سَعِيدٌ: فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِهَا سَعْدًا، فَلَقِيتُ سَعْدًا، فَحَدَّثْتُهُ بِمَا حَدَّثَنِي عَامِرٌ، فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ، فَقُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْه، فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِلَّا فَاسْتَكَّتَا).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) البزاز الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٦٨ - ٢٧١.
[ ٣٨ / ٥٥٣ ]
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيريُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٣ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث، مَرُّوذيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٤ - (يُوسُفُ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) هو: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥)، وقيل: قبل ذلك (خ م ت س ق) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢٨/ ١٨١٢.
٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.