هو: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ الأُمويّ، مشهور باسمه وكنيته، وكان يُكنى أيضًا أبا حنظلة، وأمه صفية بنت حَزْن الهلالية، عمة ميمونة زوج النبيّ -ﷺ-، وكان أسنّ من النبيّ -ﷺ- بعشر سنين، وقيل غير ذلك بحسب الاختلاف في سنة موته، وهو والد معاوية -﵄-.
أسلم عام الفتح، وشَهِد حُنينًا، والطائف، كان من المؤلَّفة، وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أُحد، ويوم الأحزاب، ويقال: إن النبيّ -ﷺ- استعمله على نجران، ولا يثبت، قال الواقديّ: أصحابنا يُنكرون ذلك، ويقولون: كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبيّ -ﷺ-، وكان عامِلها حينئذ عمرُو بن حزم.
وذكر ابن إسحاق: أن النبيّ -ﷺ- وجّهه إلى مناة، فهدمها، وتزوج النبيّ -ﷺ- ابنته أم حبيبة قبل أن يُسلم، وكانت أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، فمات هناك.
وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن عكرمة، أن النبيّ -ﷺ- أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تمر عَجْوة، وكتب إليه يستهديه أَدَمًا مع عمرو بن أمية، فنزل
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٥٢.
[ ٣٩ / ٦٥٠ ]
عمرو على إحدى امرأتَيْ أبي سفيان، فقامت دونه، وقبل أبو سفيان الهدية، وأهدى إليه أَدَمًا.
وروى ابن سعد من طريق أبي السفر قال: لما رأى أبو سفيان الناس يطئون عقب رسول الله -ﷺ- حسده، فقال في نفسه: لو عاودت الجمع لهذا الرجل، فضرب رسول الله -ﷺ- في صدره، ثم قال: إذًا يُخزيك الله، فقال: أستغفر الله، وأتوب إليه، والله ما تفوّهت به، ما هو إلا شيء حدّثت به نفسي.
ومن طريق أبي إسحاق السَّبِيعيّ نحوه، وقال: ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة.
ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري، يغلبنا محمد، فضرب في ظهره، وقال: بالله يغلبك، فقال: أشهد أنك رسول الله.
وروى الزبير من طريق سعيد بن عبيد الثقفيّ قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف، فأصبت عينه، فأتى النبيّ -ﷺ-، فقال: هذه عيني، أصيبت في سبيل الله، قال: "إن شئت دعوت، فردّت عليك، وإن شئت فالجنة"، قال: الجَنَّة.
وروى يعقوب بن سفيان، وابن سعد، بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه، قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك، إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال: فنظرت، فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد، ويقال: فُقئت عينه يومئذ.
قال عليّ ابن المدينيّ: مات أبو سفيان لست خلون من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع خلون، وقال الزبير: في آخر خلافة عثمان، وقال المدائنيّ: مات سنة أربع وثلاثين، وقيل: مات سنة إحدي، وقيل: اثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين، قيل: عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقال الواقديّ: وهو ابن ثمان وثمانين، وقيل غير ذلك. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٣/ ٤١٣.
[ ٣٩ / ٦٥١ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: كان أبو سفيان من أشراف قريش، وساداتها، وذوي رأيها في الجاهلية، أسلم يوم فتح مكة، وقد تقدَّم خبر إسلامه، وشهد حنينًا، وأعطاه النبيّ -ﷺ- من غنائمها مائة بعير، وأربعين أوقية وَزَنها له بلال.
قال أبو عمر: واختُلف في حسن إسلامه، فطائفة تروي: أنه لما أسلم حسن إسلامه، وذكروا عن سعيد بن المسيِّب عن أبيه، قال: رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل، يقول: يا نصر الله اقترب. ورُوي عنه أنه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: يا نصر الله اقترب، قال المسيِّب: فذهبت أنظر، فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه. وقد رُوي: أن أبا سفيان كان يوم اليرموك يقف على الكراديس، فيقول للناس: اللهَ! اللهَ! إنكم ذادةُ العرب (^١)، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم، وأنصار المشركين، اللَّهُمَّ! هذا يوم من أيامك، اللَّهُمَّ! أنزل نصرك على عبادك.
وطائفة تروي: أنه كان كهفًا للمنافقين منذ أسلم، وكان في الجاهلية يُنسب إلى الزندقة، وكان إسلامه يوم الفتح كَرْهًا كما تقدَّم من حديثه، ومن قوله في كلمَتَي الشهادة حين عُرضت عليه: أما هذه ففي النفس منها شيء. وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر!. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن أبا سفيان -﵁- من أفاضل الصحابة، وأنه حَسُن إسلامه، فلا ينبغي لمسلم شحيح على دينه أن يشكّ في ذلك، ولا يرتاب فيه، فإن الوقيعة في أصحاب رسول الله -ﷺ-، واتهامهم بالنفاق خطر عظيم، ومهواة بعيدة، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٨٩] (٢٥٠١) - (حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ -وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ (^٣) - حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ،
_________________
(١) جمع ذائد، وهو المدافع عن قومه.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٥٣.
(٣) وفي نسخة: "اليمانيّ".
[ ٣٩ / ٦٥٢ ]
حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ، وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ أبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْئَلُ شَيْئًا إِلَّا قَالَ: "نَعَمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت ٢٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) (^١) نزيل مكة، مقبول [١١] (ت ٢٥٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الصلاة" ١١/ ٨٨٦.
٣ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ) هو: النضر بن محمد بن موسى الْجُرَشيّ -بالجيم المضمومة، والشين المعجمة- أبو محمد، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٤ - (عِكْرِمَةُ) بن عَمّار العجليّ اليماميّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (أَبُو زُمَيْلٍ) -بالزاي مصغرًا- سِمَاك بن الوليد الحنفيّ اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ (^٢) [٣] (خ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر -﵄-، تقدّم قريبًا.
شرح الحديث:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-؛ أنه (قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ،
_________________
(١) بفتح الميم، وسكون العين، وكسر القاف: نسبة إلى ناحية باليمن.
(٢) هذا أَولى من قوله في "التقريب": لا بأس به؛ لأن ابن عبد البرّ قال: أجمعوا على أنه ثقةٌ، ووثّقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب".
[ ٣٩ / ٦٥٣ ]
وَلَا يُقَاعِدُونَهُ)؛ أي: لا يقعدون معه، قال القرطبيّ -﵀-: إنما كان ذلك لِمَا كان من أبي سفيان من صنيعه بالنبيّ -ﷺ- وبالمسلمين في شركه؛ إذ لم يصنع أحدٌ بهم مثل صنيعه، ثم إنه أسلم يوم الفتح مكرهًا، وكان من المؤلَّفة قلوبهم، وكأنهم ما كانوا يثقون بإسلامه، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في نفاقه. انتهى (^١).
(فَقَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ)؛ أي: ثلاث خصال (أَعْطِنِيهِنَّ)؛ أي: ليكون لي عندك جاه ومنزلة، فيعرف الناس ذلك. (قَالَ) -ﷺ-: ("نَعَمْ")، ثم ذكر إحدى الثلاث، فـ (قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ، وَأَجْمَلُهُ) قياسه أن يقول: عندي أحسن العرب، وأجملهم، ولكنه جارٍ على خلاف القياس على أساس السماع من أهل العرب، فإنهم إنما يتكلّمون به مفردًا، وأوّله النحويّون بأن معناه: أجمل مَنْ هناك (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: الضمير في "أجمله" عائد على الجنس الذي دلَّ عليه العرب، وأم حبيبة هذه اسمها رملة، وقيل: هند، والأول هو المعروف والصحيح؛ وإنَّما هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، وأم معاوية. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قال أبو حاتم السجستانيّ: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردًا. انتهى (^٤).
وقال النوويّ -﵀-: وأما قوله: "أحسن العرب، وأجمله" فهو كقوله: "كان النبيّ -ﷺ- أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلْقًا"، وقد سبق شرحه في "فضائل النبيّ -ﷺ-"، ومثله الحديث بعده في نساء قريش: "أحناه على ولد، وأرعاه لزوج"، قال أبو حاتم السجستانيّ وغيره: أي: وأجملهم، وأحسنهم، وأرعاهم، لكن لا يتكلمون به إلا مفردًا، قال النحويون: معناه: وأجمل مَن هناك. انتهى (^٥).
(أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ) واسمها رملة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٥٣ - ٤٥٤.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٧١.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٥٤.
(٤) "الفتح" ٩/ ١٢٥.
(٥) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٣.
[ ٣٩ / ٦٥٤ ]
ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: خمسين، تقدّمت ترجمتها في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣/ ١١٨٦. (أُزَوِّجُكَهَا) سيأتي الكلام عليه، (قَالَ) -ﷺ-: ("نَعَمْ")؛ أي: زوِّجنيها.
هذا الجزء من الحديث مشكلٌ جدًّا؛ لأنَّ ظاهره أن رسول الله -ﷺ- إنما تزوّج أم حبيبة -﵂- بعد إسلام أبي سفيان، وبعد فتح مكة، مع أن الثابت بالروايات المتظاهرة أنه -ﷺ- تزوّجها قبل ذلك بزمان طويل، وإنما تزوّجها، وهي بأرض الحبشة، وقد صحّ أن أبا سفيان قَدِم إلى المدينة لتجديد العهد مع رسول الله -ﷺ-، فدخل على أم حبيبة، وأراد أن يجلس على بساط رسول الله -ﷺ-، فنزعته من تحته، وهذا كلّه قبل إسلامه.
ومن أجل هذا ادّعى ابن حزم أن هذا الحديث موضوع، وأن آفته عكرمة بن عمّار.
وردّ عليه آخرون في تسارعه إلى الحكم بالوضع، وذهبوا إلى أن الحديث صحيح، ولكن وَهِم عكرمة بن عمّار في هذا الجزء من الحديث.
وأوّله بعضهم بأن أبا سفيان إنما أراد بعد إسلامه أن يُجدّد رسول الله -ﷺ- العقد مع أم حبيبة، ويتزوّجها من جديد بولاية أبيها أبي سفيان، وذلك لأن النكاح السابق كان بغير وساطته، فزعم أبو سفيان أنه عيب له، فأراد أن يزيل هذا العار.
وأما قوله -ﷺ-: "نعم" فليس المراد منه أنه أقرّ بتجديد العقد، فإنه لم يثبت ذلك منه -ﷺ-، وإنما المراد أن المقصود حاصلٌ بالنِّكَاح السابق.
وهذا لا يستسيغه ظاهر لفظ الحديث، ولكنه يحتمل أن يكون قد وَهِمَ فيه أحد الرواة عند الرواية بالمعني، قاله في "التكملة" (^١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-.
ثم ذكر الثانية، فـ (قَالَ) أبو سفيان: (وَمُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ولده، أبو عبد الرَّحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب المائة، تقدّمت ترجمته في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٧١ - ٢٧٢.
[ ٣٩ / ٦٥٥ ]
(تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ)؛ أي: يكتب الوحي لك أمامك، (قَالَ -ﷺ-: ("نَعَمْ").
ثم ذكر الثالثة، فـ (قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي) من التأمير؛ أي: تجعلني أميرًا على جيش (حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ) -ﷺ- " (نَعَمْ") استُشكل هذا أيضًا بأنه لَمْ يثبُت أن النبيّ -ﷺ- أَمَّر أبا سفيان بعد ذلك في حرب من الحروب، وهذا هو السبب الثانيا لردّ ابن حزم هذا الحديث، فإن رسول الله -ﷺ- لا يُتصوّر منه أن يُخلف في وعده.
ولكن الحقّ أنه لا يكفي دليلًا لكون هذا الحديث موضوعًا، فإن هناك احتمالات مختلفة؛ منها: أن يكون رسول الله -ﷺ- أمّره على بعض السرايا الصغيرة، ولم يُنقل إلينا.
ومنها: أن يكون -ﷺ- يرتقب فرصة مناسبة لتأميره، ولم يجد ذلك حتى سَبَقه الأجل.
ومنها: أنه ظهر له مانع شرعيّ حال دون تأميره، وفي مثل هذه الحالة لا يجب الوفاء بالوعد، والله تعالى أعلم (^١).
(قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ) سماك بن الوليد، وهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه. (وَلَوْلَا أَنَّهُ)؛ أي: أبا سفيان (طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- مَا أَعْطَاهُ) -ﷺ- (ذَلِكَ)، وإنما أعطاه (لأَنَّهُ) -ﷺ- (لَمْ يَكُنْ يُسْئَلُ) بالبناء للمفعول، (شَيْئًا إِلَّا قَالَ: "نَعَمْ")؛ يعني: من شِيَم النبيّ -ﷺ- أنه لا يردّ سائلًا، فلذا أعطى أبا سفيان ما سأله، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٦٣٨٩] (٢٥٠١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ١٩٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٠٩)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (١/ ٣٦٤ و٥/ ٤١٨)، و(اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة"
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٧٢.
[ ٣٩ / ٦٥٦ ]
(٨/ ١٤٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٤٠)، و(ابن عساكر) في "تاريخه" (١٣/ ٤٥٩ و٦٩/ ١٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث:
قال القرطبيّ -﵀-؛ ظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح ابنته النبيَّ -ﷺ- بعد إسلامه، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ والأخبار، فإنَّهم متفقون على أنَّ النبيُّ -ﷺ- تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وقبل إسلام أبيها، وإنَّ أبا سفيان قَدِم قبل الفتح المدينة طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله -ﷺ-، وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله -ﷺ-، فنزعته من تحته، فكلَّمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساط رسول الله -ﷺ-، وأنت مشرك! فقال لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شرّ، ثم طلب من عليّ، ومن فاطمة، ومن غيرهما أن يكلموا النبيّ -ﷺ- في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل، وكل ذلك معلوم لا شك فيه، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها: أن النبيّ -ﷺ- تزوج أم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت تحت عُبيد الله (^١) بن جحش الأسديّ، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كنيت بها، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبد الله بن جحش، وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم إن زوجها تنصَّر هناك، ومات نصرانيًّا، ثم إن رسول الله -ﷺ- خطبها، وهي بأرض الحبشة، فبعث شُرَحبيل بن حسنة إلى النجاشيّ في ذلك.
روى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن عمرو: أن أم حبيبة قالت: ما شَعَرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشيّ جارية يقال لها: أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودُهنه، فاستأذنت عليَّ، فأذِنْت لها، فقالت: إن الملِك يقول لك: إن رسول الله -ﷺ- كتب أن أزوِّجَكِه، فقلت: بارك الله بخير، وقالت: يقول لك الملِك: وكّلي من يزوجك، فأرسلتُ إلى خالد بن سعيد، فوكّلته،
_________________
(١) وقع في النسخة "عبد الله" مكبرًا، وهو غلط، فإن عبد الله المكبّر أخ لعبيد الله المصغّر، وكان من أفاضل الصحابة، ولم يتنصّر، وإنما الذي تنصّر، ومات نصرانيًّا في الحبشة، فهو عبيد الله المصغّر، فتنبّه.
[ ٣٩ / ٦٥٧ ]
وأعطيتُ أبرهة سوارين من فضة كانتا عليّ، وخواتم فضة، كانت في أصابعي سرورًا بما بشَّرَتْني به، فلما كان العشيّ أمر النجاشيّ جعفر بن أبي طالب، ومن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشيّ، فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، أما بعد: فإنَّ رسول الله -ﷺ- كتب إليّ أن أزوِّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله -ﷺ-، وقد أصدقتها أربعمئة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدي، ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله -ﷺ-، وزوّجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله -ﷺ-، ودفع النجاشيّ الدنانير إلى خالد بن سعيد، فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا، فقال: اجلسوا، فإنَّ سُنَّة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا، ثم تفرَّقوا.
قال الزبير: قَدِم خالد بن سعيد، وعمرو بن العاص بأم حبيبة من أرض الحبشة عام الهدنة.
وقال بعض الرواة: إنما أصدقها أربعة آلاف درهم، وأن عثمان بن عفان هو الذي أَوْلَمَ عليها، وأنه هو الذي زوَّجها إياه، وقيل: زوَّجها النجاشيّ.
قال القرطبيّ: ويصح الجمع بين هذه الروايات، فتكون الأربعمئة دينار صُرِفت، أو قوِّمت بأربعة آلاف درهم، وأن النجاشيّ هو الخاطب، وعثمان هو العاقد، وسعيد الوكيل، فصحَّت نسبة التزويج لكلهم، وهذا هو المعروف عند جمهور أهل التواريخ والسِّير؛ كابن شهاب، وابن إسحاق، وقتادة، ومصعب، والزبير وغيرهم.
وقد رُوي عن قتادة قول آخر: أن عثمان بن عفان زوَّجها من النبيّ -ﷺ- في المدينة بعدما قَدِمت من أرض الحبشة، قال أبو عمر: والصحيح الأول، وروي أن أبا سفيان قيل له وهو يحارب رسول الله -ﷺ-: إن محمدًا قد نكح
[ ٣٩ / ٦٥٨ ]
ابنتك! فقال: ذلك الفحل الذي لا يُقدَعُ أنفه (^١).
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوَّج رسول الله -ﷺ- أم حبيبة سنة ست من التاريخ، وقال غيره: سنة سبع، قال أبو عمر: توفيت أم حبيبة سنةَ أربع وأربعين.
قال القرطبيّ: فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبيّ -ﷺ- لأم حبيبة متقدِّم على إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح، ولمّا ثبت هذا تعيَّن أن يكون طلب أبي سفيان تزويج أم حبيبة للنبيّ -ﷺ- بعد إسلامه خطأ ووَهَمًا، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم، فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار. قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: اتهموا به عكرمة بن عمار، وقد ضعّف أحاديثه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ولذلك لَمْ يُخرِج عنه البخاريُّ، إنَّما أخرج عنه مسلم؛ لأنَّه قد قال فيه يحيى بن معين: هو ثقةٌ. وقال أبو محمد عليّ بن أحمد الحافظ: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضهم: ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبيّ -ﷺ-: أريد أن تؤمِّرني، فقال له: "نعم". ولم يُسمع قط أن النبيّ -ﷺ- أمَّر أبا سفيان على أحد إلى أن توفي، فكيف يخلف النبيّ -ﷺ- الوعد؟ هذا ما لا يجوز عليه.
قال القرطبيّ: قد تأوَّل بعض من صحَّ عنده ذلك الحديث، بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبيّ -ﷺ- أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه: أن ذلك يصح، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية، لحداثة عهده بالإسلام، واعتذر عن عدم تأميره مع وَعْده له بذلك؛ لأنَّ الوعد لَمْ يكن مؤقتًا، وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسَّر له ذلك إلى أن توفي رسول الله -ﷺ-، أو لعلَّه ظهر له مانع شرعي منعه من توليته الشرعية؛ وإنَّما وعده بإمارة شرعية فتخلَّف
_________________
(١) معناه: لا يُضرب أنفه، وذلك إذا كان كريمًا، وأصله للفحل إذا كان غير كريم، وأراد ركوب الناقة الكريمة، فيضربون أنفه بالرمح وغيره ليرتاع، يريد أبو سفيان أنه كفءٌ كريم لا يُردّ.
[ ٣٩ / ٦٥٩ ]
لتخلُّف شرطها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال الإمام ابن القيّم -﵀- في "حاشية السنن": وقد ردّ هذا الحديث جماعة من الحفاظ، وعدُّوه من الأغلاط في "كتاب مسلم"، قال ابن حزم: هذا حديث موضوع (^٢)، لا شكّ في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، فإنه لم يُخْتَلَف في أن رسول الله -ﷺ- تزوجها قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر.
وقال أبو الفرج ابن الجوزيّ في "كتاب الكشف" له: هذا الحديث وَهَمٌ من بعض الرواة، لا شكّ فيه، ولا تردّد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه، وقد ضعّف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وقال: ليست بصحاح، وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث ضعاف، وكذلك لم يُخرِج عنه البخاريّ، إنما أخرج عنه مسلم؛ لقول يحيى بن معين: ثقة، قال: وإنما قلنا: إن هذا وَهَمٌ؛ لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها، وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على دينها، فبعث رسول الله -ﷺ- إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوّجه إياها، وأصدقها عن رسول الله -ﷺ- أربعة آلاف درهم، وذلك سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة، فدخل عليها، فنَحّت بساط رسول الله -ﷺ- حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يُعرف أن رسول الله -ﷺ- أَمَّر أبا سفيان.
وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث؛ كقول بعضهم: إنه
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٦.
(٢) أنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على ابن حزم هذه العبارة، وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته، فإنه كان هَجُومًا على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع، ويحيى بن معين، وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة. انتهى. "شرح النوويّ على مسلم" ١٦/ ٦٣. قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ أن إطلاق الوضع على الحديث الذي أخرجه مسلم من الجسارة بمكان، ولكن لا يخفى كون هذا الحديث منكَرًا، فتأمّل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
[ ٣٩ / ٦٦٠ ]
سأله تجديد النكاح عليها، وقول بعضهم: إنه ظنّ أن النِّكَاح بغير إذنه، وتزويجه غير تام، فسأل رسول الله -ﷺ- أن يزوجه إياها نكاحًا تامًّا، فسلّم له النبيّ -ﷺ- حاله، وطيّب قلبه بإجابته، وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان طلاقًا، فسأل رَجْعتها، وابتداء النِّكَاح عليها، وقول بعضهم: إنه استشعر كراهة النبيّ -ﷺ- لها، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها، لا ابتداءه، وقول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون وقع طلاق، فسأل تجديد النِّكَاح، وقول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه؛ كالمشترط له في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطينيهنّ، وعلى هذا اعتمد المحبّ الطبريّ في جواباته للمسائل الواردة عليه، وطوّل في تقريره.
وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى، وهي أختها، وخَفِي عليه تحريم الجمع بين الأختين؛ لِقُرب عهده بالإسلام، فقد خَفِي ذلك على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله -ﷺ- ذلك، وغَلِط الراوي في اسمها.
وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان، وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة، والتأويلات الباردة، التي يكفي في العلم بفسادها تصوّرها، وتأمل الحديث، وهذا التأويل الأخير، وإن كان في الظاهر أقلّ فسادًا، فهو أكذبها، وأبطلها، وصريح الحديث يردّه، فإنه قال: أم حبيبة أزوجكها، قال: "نعم"، فلو كان المسؤول تزويج أختها لَمَا أنعم له بذلك -ﷺ-، فالحديث غلطٌ، لا ينبغي التردّد فيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيِّم -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم -﵀- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وقال أيضًا في "جلاء الأفهام" بعد أن فصّل القول فيه. والصواب: أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض: والذي وقع في مسلم من هذا غريبٌ جدًّا عند أهل
_________________
(١) "حاشية السنن" لابن القيّم ٦/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) "جلاء الأفهام" ص ١٣٥.
[ ٣٩ / ٦٦١ ]
الخبر، وخبرها مع أبي سفيان عند وروده المدينة بسبب تجديد الصلح في حال كفره مشهور. انتهى.
وقال الذهبيّ في "الميزان": وفي "صحيح مسلم" قد ساق له أصلًا منكرًا عن سماك الحنفيّ، عن ابن عبّاس -﵄- في الثلاث التي طلبها أبو سفيان. انتهى (^١).
والحاصل: أن نكارة الحديث ظاهرة لا تخفي، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.