أما جعفر: فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ، أبو عبد الله ابن عمّ النبيّ -ﷺ-، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأخو عليّ شقيقه، قال ابن إسحاق: أسلم بعد خمسة وعشرين رجلًا، وقيل: بعد واحد وثلاثين، قالوا: وآخى النبيّ -ﷺ- بينه وبين معاذ بن جبل، كان أبو هريرة يقول: إنه أفضل الناس بعد النبيّ -ﷺ-، وفي البخاريّ عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين، وقال خالد الحذاء عن عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله -ﷺ- أفضل من جعفر بن أبي طالب، رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وإسناده صحيح.
وروى البغويّ من طريق المقبريّ عن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم، ويخدمونه، فكان رسول الله -ﷺ- يكنيه أبا المساكين، وقال له النبيّ -ﷺ-: "أشبهت خَلْقي وخُلُقي"، رواه البخاريّ ومسلم، من حديث البراء -﵁-.
وفي "المسند" من حديث عليّ رفعه: "أُعطيت رُفقاء نُجباء. . ." فذكره منهم.
_________________
(١) "ميزان الاعتدال" ٣/ ٩٣.
[ ٣٩ / ٦٦٢ ]
وهاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشيّ، ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده، ثم هاجر منها إلى المدينة، فقَدِم، والنبيّ -ﷺ- بخيبر، وكل ذلك مشهور في المغازي، بروايات متعددة صحيحة.
وروى البغويّ، وابن السكن، من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: لَمّا قَدِم جعفر، وأصحابه استقبله رسول الله -ﷺ-، فَقَبَّل ما بين عينيه، وروى ابن السكن من طريق مجالد، عن الشعبيّ، عن عبد الله بن جعفر، قال: ما سألت عليًّا فامتنع، فقلت له: بحقّ جعفر إلا أعطاني.
استُشهِد بمؤتة من أرض الشام مقبلًا غير مُدْبِر، مجاهدًا للروم في حياة النبيّ -ﷺ- سنة ثمان في جمادى الأولى، وكان أسنّ من عليّ بعشر سنين، فاستوفى أربعين سنة، وزاد عليها على الصحيح.
قال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن عوف، قال: والله لكأني انظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة اقتَحَم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم تقدّم فقاتل حتى قُتل، أخرجه أبو داود من هذا الوجه.
وقال ابن إسحاق: هو أول من عَقَر في الإسلام، وروى الطبرانيّ من حديث نافع، عن ابن عمر قال: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرًا، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعًا وتسعين، بين طعنة ورَمْية، قال النبيّ -ﷺ-: "رأيت جعفرًا يطير في الجَنَّة مع الملائكة"، رَوَى ذلك الطبرانيّ من حديث ابن عباس، وفي الطبرانيّ أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد قال: أُري النبيّ -ﷺ- جعفرًا ملَكًا ذا جناحين مضَرَّجين بالدماء، وذلك لأنه قاتل حتى قُطعت يداه.
وفي "الصحيح" عن ابن عمر؛ أنه كان إذا سَلَّم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
وروى الدارقطنيّ في "الغرائب" لمالك بإسناد ضعيف عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا مع رسول الله -ﷺ-، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، فقال الناس: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ قال: "مَرّ بي جعفر بن أبي طالب في ملإ من الملائكة، فسَلَّم عليّ".
[ ٣٩ / ٦٦٣ ]
وفي الجزء الرابع من فوائد أبي سهل بن زياد القطان، من طريق سعدان بن الوليد، عن عطاء، عن ابن عباس: بينما رسول الله -ﷺ- جالس، وأسماء بنت عميس قريبة منه، إذ قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب، قد مَرّ مع جبرائيل وميكائيل، فردّي ﵇. . ." الحديث، وفيه: "فعوّضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء".
وقال ابن إسحاق في "المغازي": حدّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لمّا أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله -ﷺ- الحزن.
وقال حسان بن ثابت لمّا بلغة قتل عبد الله بن رواحة، يرثي أهل مؤتة من قصيدة [من الطويل]:
رَأَيْتُ خِيَارَ الْمُؤمِنِينَ تَوَارَدُوا … شُعُوبًا وَقَدْ خُلِّفْتُ فِيمَنْ يُؤَخَّرُ
فَلَا يُبْعِدَنّ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُوا … بِمُؤْتَةَ مِنْهُمْ ذُو الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرُ
وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ حَينَ تَتَابَعُوا … جَمِيعًا وَأَسْبَابُ الْمَنِيَّةِ تَخْطُرُ
ويقول فيها:
وَكُنَّا نَرَى فِي جَعْفَرٍ مِنْ مُحَمَّدٍ … وَفَاءً وَأَمْرًا حَازِمًا حَيْثُ يُؤْمَرُ
فَلَا زَالَ فِي الإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … دَعَائِمُ عِزٍّ لَا تَزُولُ وَمَفْخَرُ (^١).
وأما أسماءُ: فهي بنت عميس بن مَعْد -بوزن سَعْد، أوله ميم، قيّده ابن حبيب، ووقع في "الاستيعاب": مَعَد، بفتح العين، وتُعُقِّب- ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن غانم بن معاوية بن زيد الخثعمية، وقيل: عميس هو ابن النعمان بن كعب، والباقي سواء، كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ -ﷺ- لأمها، وأخت جماعة من الصحابيات لأب، أو أم، أو لأب وأم، يقال: إن عدّتهنّ تسع، وقيل: عشر لأم، وست لأم وأب، وأمها خولة بنت عوف بن زهير، ووقع عند أبي عمر هند بدل خولة، قال أبو عمر: كانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك أولاده، فلما قُتل جعفر تزوجها أبو بكر،
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٤٨٥ - ٤٨٧.
[ ٣٩ / ٦٦٤ ]
فولدت له محمدًا، ثم تزوجها عليّ، فيقال: ولدت له ابنه عونًا، قال أبو عمر: تفرَّد بذلك ابن الكلبيّ، كذا قال، وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ أنَّها ولدت لعليّ عونًا، ويحيى، وقال ابن سعد عن الواقديّ عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رُومان: أسلمت أسماء قبل دخول دار الأرقم، وبايعت، ثم هاجرت مع جعفر إلى الحبشة، فولدت له هناك: عبد الله، ومحمدًا، وعونًا، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر، وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، وقال: إن النبيّ -ﷺ- زوَّج أبا بكر أسماء بنت عميس يوم حنين، أخرجه عُمر بن شَبّة في "كتاب مكة"، وهو مرسل جيّد الإسناد.
وكان عمر يسألها عن تفسير المنام، ونُقل عنها أشياء من ذلك، ومن غيره. ويقال: إنها لمّا بلغها قتْل ولدها محمد بمصر قامت إلى مسجد بيتها، وكظمت غيظها حتى شخب ثدياها دمًا.
وفي "الصحيحين" عن أبي بردة، عن أسماء؛ أن النبيّ -ﷺ- قال لها: "لكم هجرتان، وللناس هجرة واحدة"، وأخرجه ابن سعد من مرسل الشعبيّ قالت أسماء: يا رسول الله إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: "بل لكم هجرتان. . ." ثم ذكر من عدّة أوجه أن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وأخرجه ابن السكن بسند صحيح عن الشعبيّ، قال: تزوج عليّ أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، فقال: كل منهما أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها عليّ: اقضي بينهما، فقالت: ما رأيت شابًّا خيرًا من جعفر، ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر، فقال لها عليّ: فما أبقيت لنا؟ (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٠] (٢٥٠٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى،
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٧/ ٤٨٩.
[ ٣٩ / ٦٦٥ ]
قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ، أَنَا، وَأَخَوَانِ لِي، أَنَا أَصْغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ، وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ، إِمَّا قَالَ: بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، قَالَ: فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَعَثَنَا هَا هُنَا، وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا لأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا، مَعَ جَعْفَرٍ، وَأَصْحَابِه، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا -يَعْنِي: لأَهْلِ السَّفِينَةِ-: نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، قَالَ: فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ -وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ (^١) مَعَنَا- عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْكُمْ، فَغَضِبَتْ، وَقَالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ يَا عُمَرُ، كَلَّا، وَاللهِ كنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ، أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ، فِي الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللهِ، وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللهِ، لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَي، وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ"، قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ
_________________
(١) ووقع في بعض النسخ بلفظ: "وهنّ ممن قدمت"، والظاهر أنه غلط، فليُتنبّه؟؟؟
[ ٣٩ / ٦٦٦ ]
يَأْتُونِي (^١) أَرْسَالًا، يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ، وَلَا أعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي).
قال الجامع عفا الله عنه: إسناد هذا الحديث هو الإسناد الذي تقدّم قبل حديث، فلا حاجة إلى شرحه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ -﵁-؛ أنه (قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) لفظ "مخرج" مصدر ميميّ بمعنى الخروج، مرفوعٌ؛ لأنه فاعل "بلغنا"، وهو بفتح الغين، وقوله: (وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ) الواو للحال، وقال في "الفتح": ظاهره أنهم لَمْ يبلغهم شأن النبيّ -ﷺ- إلا بعد الهجرة بمدة طويلة، وهذا إن كان أراد بالمخرج البعثة، وإن أراد الهجرة، فَيَحْتَمِل أن تكون بَلَغتهم الدعوة، فأسلموا، وأقاموا ببلادهم إلى أن عرفوا بالهجرة، فعزموا عليها، وإنما تأخروا هذه المدة، إما لعدم بلوغ الخبر إليهم بذلك، وإما لعِلمهم بما كان المسلمون فيه من المحاربة مع الكفار، فلمّا بلغتهم المهادنة آمنوا، وطلبوا الوصول إليه.
وقد روى ابن منده من وجه آخر عن أبي بردة، عن أبيه: "خرجنا إلى رسول الله -ﷺ- حتى جئنا مكة أنا وأخوك، وأبو عامر بن قيس، وأبو رُهْم، ومحمد بن قيس، وأبو بردة، وخمسون من الأشعريين، وستة من عكّ، ثم خرجنا في البحر حتى أتينا المدينة"، وصححه ابن حبان من هذا الوجه.
ويُجمَع بينه وبين ما في "الصحيح" أنهم مرّوا بمكة في حال مجيئهم إلى المدينة، ويجوز أن يكونوا دخلوا مكة؛ لأن ذلك كان في الْهُدْنة. انتهى (^٢).
(فَخَرَجْنَا) حال كوننا (مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ) -ﷺ-، وقوله: (أَنَا) أتى به ليمكنه عَطْف ما بعده على الضمير المرفوع المتّصل، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) وفي نسخة: "يأتونني".
(٢) "الفتح" ٩/ ٣٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
[ ٣٩ / ٦٦٧ ]
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصلْ
(وَأَخَوَانِ لِي، أَنَا أَصْغَرُهُمَا) قال النوويّ -﵀-: هكذا في النسخ: "أصغرهما"، والوجه: "أصغر منهما". (أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ) بضم الباء الموحّدة، واسمه عامر بن قيس الأشعريّ، وقال أبو عمر: حديثه عن النبيّ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اجعل فناء أمتي بالطعن، والطاعون" (^١). (وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ) بضم الراء، ابن قيس الأشعريّ، وقال أبو عمر: كانوا أربع إخوة: أبو موسى، وأبو بُردة، وأبو رُهم، ومجديّ، وقيل: أبو رُهْم اسمه مجديّ، بنو قيس بن سُليم بن حَضّار بن حرب بن غنم بن عديّ بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر بن أُدَد بن زيد (^٢).
وقال في "الفتح": أما أبو بردة فاسمه عامر، وله حديث عند أحمد، والحاكم، من طريق كريب بن الحارث بن أبي موسى، وهو ابن أخيه عنه، وأما أبو رُهْم فهو بضم الراء، وسكون الهاء، واسمه مَجْدي، بفتح الميم، وسكون الجيم، وكسر المهملة، وتشديد التحتانية، قاله ابن عبد البر، وجزم ابن حبان في "الصحابة" بأن اسمه محمد، ويعكُر عليه ما تقدم قبلُ من المغايرة بين أبي رُهْم ومحمد بن قيس، وذكر ابن قانع، أن جماعة من الأشعريين أخبروه، وحققوا له، وكتبوا خطوطهم أن اسم أبي رُهْم: مَجِيلة بكسر الجيم، بعدها تحتانية خفيفة، ثم لام، ثم هاء. انتهى (^٣).
(إِمَّا قَالَ: بِضْعًا) بكسر الباء الموحّدة، وسكون الضاد المعجمة، وقال ابن الأثير: وقد تُفتح الباء، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة؛ لأنه قطعة من العدد، قال العينيّ -﵀-:
[فإن قلت]: "في بضع" يتعلق بماذا؟ وما محله من الإعراب؟.
[قلت]: يتعلق بقوله: "فخرجنا"، ومحله النصب على الحال. انتهى (^٤).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "إما قال بضعة. . . إلخ" كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في "بضعة"؛ لأنه عدد مذكّر، وبالنصب على الحال من
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٥/ ٦٠.
(٢) "عمدة القاري" ١٥/ ٦٠.
(٣) "الفتح" ٩/ ٣٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
(٤) "عمدة القاري" ١٧/ ٢٥٢.
[ ٣٩ / ٦٦٨ ]
"خرجنا" المذكور، و"إمّا" موطئة للشكّ، وما بعدها معطوف عليها مشكوك فيه، وقد وقع في بعض النسخ: "إما قال: بضع" بإسقاط الهاء، وبالرفع مع نصب "وخمسين"، وذلك لَحْن واضح، والأول الصواب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادعاه القرطبيّ من أن الصواب "بضعةً"، وأن "بضعًا" بدون الهاء لحن، ليس كما قال، بل الوجهان صحيحان مستعملان، فقد ذكر النحاة أن لبضع، وبضعة حكم تسع، وتسعة في التذكير والتأنيث، وتسع وتسعة إذا لَمْ يُذْكَر المعدود بعدهما تمييزًا يجوز فيهما التذكير والتأنيث، فكذا هنا، على أنَّ نُسخ مسلم التي بين يديّ كلها "بضعًا" بلا هاء.
والحاصل: أن "بضعًا"، و"بضعة" هنا صحيح الاستعمال، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
(وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي) قال في "الفتح": وفي رواية المستملي: "من قومه"، وقد بيَّن في الرواية الأخرى: أنهم كانوا خمسين من الأشعريين، وهم قومه، فلعل الزائد على ذلك هو وإخوته، فمن قال: اثنين أراد مَنْ ذَكَرهما في حديث الباب، وهما أبو بردة، وأبو رُهم، ومن قال: ثلاثة، أو أكثر فعلى الخلاف في عدد من كان معه من إخوته.
وأخرج البلاذريّ بسند له عن ابن عباس أنهم كانوا أربعين رجلًا.
والجمع بينه وبين ما قبله بالحمل على الأصول، والأتباع، وأما ابن إسحاق فقال: كانوا ستة عشر رجلًا، وقيل: أقلّ. انتهى (^٢).
(قَالَ: فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا) بالرفع على الفاعليّة، (إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ) النجاشيّ بفتح النون، وتشديد الياء، وتخفيفها، وهو اسم مَن مَلَك الحبشة (^٣). (فَوَافَقْنَا)؛ أي: صادفنا بأرض الحبشة (جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِب) -﵁- (وَأَصْحَابَهُ)؛ أي: الصحابة الذين هاجروا مع جعفر -﵃- إلى الحبشة (عِنْدَهُ)؛ أي: عند النَّجاشيّ، (فَقَالَ جَعْفَرٌ) به: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَعَثَنَا هَا هُنا)؛ أي:
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٥٩.
(٢) "الفتح" ٩/ ٣٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
(٣) "عمدة القاري" ١٧/ ٢٥٢.
[ ٣٩ / ٦٦٩ ]
أرسلنا إلى هذا البلد الحبشة، (وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا) ذكر ابن إسحاق: أن النبيّ -ﷺ- بعث عمرو بن أُمية إلى النجاشيّ أن يُجَهِّز إليه جعفر بن أبي طالب، ومن معه، فجهّزهم، وأكرمهم، وقَدِم بهم عمرو بن أمية، وهو بخيبر، وسَمَّى ابن إسحاق مَن قَدِم مع جعفر، فسرد أسماءهم، وهم ستة عشر رجلًا، فمنهم امرأته أسماء بنت عميس، وخالد بن سعيد بن العاص، وامرأته، وأخوه عمرو بن سعيد، ومعيقيب بن أبي فاطمة (^١).
(قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا)؛ أي: أعطانا سهامًا مع الجيش الغازين، (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو (قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا) من غنائم خيبر، قال النوويّ -﵀-: هذا الإعطاء محمول على أنه برضا الغانمين، وقد جاء في "صحيح البخاريّ" ما يؤيده، وفي رواية البيهقيّ التصريح بأن النبيّ -ﷺ- كَلَّم المسلمين، فشرّكوهم في سهمانهم. انتهى (^٢).
(وَمَا قَسَمَ لأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ)؛ أي: لكون الغنيمة لمن شهد الوقعة، (إِلَّا لأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا) استثناء من الاستثناء، (مَعَ جَعْفَرٍ، وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ) ووقع عند البيهقيّ: "أن النبيّ -ﷺ- قبل أن يَقْسِم لهم كَلَّم المسلمين، فأشركوهم". (قَالَ) أبو موسى: (فَكَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ) سمّى منهم عمر -﵁- كما سيأتي، (يَقُولُونَ لَنَا -يَعْنِي: لأَهْلِ السَّفِينَةِ-: نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ)؛ أي: حيث هاجروا إلى المدينة قبل قدُوم جعفر وأصحابه من الحبشة. (قَالَ) أبو موسى: (فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ) زوج جعفر بن أبي طالب -﵄-، وقوله: (وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا) من كلام أبي موسى -﵁-، ووقع في بعض النسخ بلفظ: "وهنّ"، وهو تصحيف، فتنبّه.
(عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر -﵄- (زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-)، حال كونها (زَائِرَةً) لحفصة -﵄-، (وَقَدْ كَانَتْ)؛ أي: أسماء، (هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ)؛ أي: مع زوجها جعفر وأصحابه -﵃-، (فَدَخَلَ عُمَرُ) بن الخطّاب (عَلَى) ابنته (حَفْصَةَ)، وقوله: (وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا) جملة في محل نصب على الحال؛ أي:
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٤.
[ ٣٩ / ٦٧٠ ]
والحال أن أسماء بنت عميس عند حفصة -﵄-، (فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟) لعلها كانت من وراء الحجاب، أو نسيها لبُعد العهد بها. (قَالَتْ) حفصة: هي (أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ) -﵁-: (الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ) بتقدير همزة الاستفهام فيهما، وفي رواية البخاريّ: قال عمر: "آلحبشية هذه، آلبحيرية هذه"، بتصغير الثاني، قال في "الفتح": كذا لأبي ذرّ بالتصغير، ولغيره "آلبحرية" بغير تصغير، وكذا في رواية أبي يعلى، ووقع في الموضعين بهمزة الاستفهام، ونَسَبها إلى الحبشة؛ لسُكناها فيهم، وإلى البحر؛ لركوبها إياه (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: قول عمر -﵁-: "الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ " نَسَبها إلى الحبشة لمقامها فيهم، وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قُصد به المطايبة، والمباسطة، فإنه كان قد عَلِم مَن هي حين رآها. انتهى (^٢).
(فَقَالَتْ أَسْمَاءُ) بنت عُميس -﵂-: (نَعَمْ) أنا الحبشيّة، البحريّة، (فَقَالَ عُمَرُ) -﵁-: (سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ)؛ أي: إلى المدينة، (فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْكُمْ) لِنُصرتنا له في دار هجرته دونكم.
وقال القرطبيّ -﵀-: صدر هذا القول من عمر -﵁- على جهة الفرح بنعمة الله، والتحدُّث بها، لِمَا عَلِم من عظيم أجر السَّابق للهجرة، ورَفْعه درجته على اللاحق، لا على جهة الفخر والترفع، فإنَّ عمر -﵁- منزَّه عن ذلك، ولمّا سمعت أسماء ذلك، غضبت غضبَ منافسة في الأجر وغيره على جهة السَّبق، فقالت: كذبت يا عمر! أي: أخطأت في ظنك، لا أنَّها نَسَبَته إلى الكذب الذي يأثم قائله، وكثيرًا ما يُطلق الكذب بمعنى الخطأ، كما قال عبادة بن الصامت -﵁-: كذب أبو محمد؛ لَمّا زَعَم أن الوتر واجب. انتهى (^٣).
(فَغَضِبَتْ) أسماء من قول عمر هذا، (وَقَالَتْ كَلِمَةً)؛ أي: تكلّمت بكلمة مُفادها: (كَذَبْتَ يَا عُمَرُ)؛ أي: أخطأت، وقد استعملوا كذب بمعنى أخطأ كثيرًا. (كَلَّا)؛ أي: انزجر، وارتدع مما قلت، وقال القرطبيّ: "كلا والله"؛ أي: لا يكون ذلك، فهي نفيٌ لِمَا قال، وزجْر عنه، وهذا أصل كلا، وقد تأتي
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٢٩، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٦٠.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٦٠.
[ ٣٩ / ٦٧١ ]
للاستفتاح، بمعنى "إلا" (^١). (وَاللهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ)؛ أي: فما لكم بخروجكم من وطنكم شيء تَشْكُون منه بخلافنا، كما قالت: (وَكُنَّا) معاشر المهاجرين إلى الحبشة (فِي دَارِ، أَوْ) شكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ) جَمْع بعيد، (الْبُغَضَاءِ) جمع بغيض؛ كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء؛ أي: في أرض الكفّار؛ إذ أهل الحبشة كانوا نصاري، وإنما أسلم ملِكهم النجاشيّ -﵀-، وقال النوويّ -﵀-: قال العلماء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين؛ لأنهم كفار إلا النجاشيّ، وكان يستخفي بإسلامه عن قومه، ويوَرّي لهم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "البعداء البغضاء" كذا للأكثر، جمع بغيض، وبعيد، وفي رواية أبي يعلى بالشك: "البعداء، أو البغضاء"، وللنسفيّ: "الْبُعُد" بضمتين، وللقابسيّ: "الْبُعُد البعداء البغضاء" جَمَع بينهما، فلعله فسَّر الأُولى بالثانية، وعند ابن سعيد من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ: "فقالت: أي لَعَمري، لقد صدقتَ، كنتم مع رسول الله -ﷺ- يطعم جائعكم، ويُعَلِّم جاهلكم، وكنا البعداء، والطرداء" (^٣).
وقولها: (فِي الْحَبَشَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، (وَذَلِكَ)؛ أي: غربتنا إلى تلك الدار (فِي اللهِ)؛ أي: في طلب مرضاته، (وَفي رَسُولهِ)؛ أي: في المحافظة على دينه -ﷺ-؛ لعدم تمكّننا منه في بلدنا مكة، (وَايْمُ اللهِ) مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: يمين الله قَسَمي، ويجوز العكس.
وقال في "العمدة": قوله: "وايم الله" همزته همزة وصل، وقيل: همزة قطع، بفتح الهمزة، وقيل: بكسرها، يقال: أيم الله، وأيمن الله، ومُنُ الله، وقيل: أيمن جَمْع يمين، ولمّا كَثُر في كلامهم حذفوا النون، كما قالوا في لَمْ يكن: لَمْ يك. انتهى (^٤).
وجوب القسم قولها: (لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى أَذْكُرَ مَا
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٦٠.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٥.
(٣) "الفتح" ٩/ ٣٢٩، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
(٤) "عمدة القاري" ١٧/ ٢٥٣.
[ ٣٩ / ٦٧٢ ]
قُلْتَ) بفتح التاء خطابًا لعمر -﵁-، (لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ كنَّا نُؤْذَى) بالبناء للمفعول، وكذا قولها: (وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ)؛ أي: لا أميل (وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ) أبو موسى: (فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَتْ) أسماء: (يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا)؛ أي: قوله: "سبقناكم. . . إلخ"، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ) قال القرطبيّ -﵀-: يعني: في الهجرة، لا مطلقًا، وإلا فمرتبة عمر -﵁-، وخصوصية صحبته للنبيّ -ﷺ- معروفة، بدليل قوله -ﷺ-: "له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أهل السفينة هجرتان"، وسبب ذلك أن عمر وأصحابه -﵃- هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة في طريق واحد، وهاجر جعفر وأصحابه -﵃- إلى أرض الحبشة، وتركوا رسول الله -ﷺ- بمكة، ثم إنهم لما سمعوا بهجرة رسول الله -ﷺ- إلى المدينة ابتدؤوا هجرة أخرى إليه، فتكرر الأجر بحسب تكرار العمل، والمشقة في ذلك. انتهى (^١).
(وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أنتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ) بنصب "أهلَ" على الاختصاص، أَو على حذف حرف النداء، ويجوز الجر على البدل من الضمير. (هِجْرَتَانِ") زاد أبو يعلى: "هاجرتم مرتين: هاجرتم إلى النجاشيّ، وهاجرتم إليّ"، ولابن سعد بإسناد صحيحٍ، عن الشعبيّ: "قال: قالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أنّا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: بل لكم هجرتان: هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك"، ومن وجه آخر عن الشعبيّ نحوه، وقال فيه: "كَذَب من يقول ذلك"، ومن وجه آخر عنه: "قال: يقول: للناس هجرة واحدة".
قال في "الفتح": وظاهره تفضيلهم على غيرهم من المهاجرين، لكن لا يلزم منه تفضيلهم على الإطلاق، بل من الحيثية المذكورة، وهذا القَدْر المرفوع من الحديث ظاهر هذا السياق أنه من رواية أسماء بنت عميس، وقد تقدم في "الهجرة" بهذا الإسناد، من رواية أبي موسى، لا ذِكر للنبيّ -ﷺ- فيه، وكذلك
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٦٠.
[ ٣٩ / ٦٧٣ ]
أخرجه ابن حبان، ومن وجه آخر، عن أبي بردة، عن أبي موسى. انتهى (^١).
(قَالَتْ) أسماء، وهذا يَحْتَمِل أن يكون من رواية أبي موسى عنها، فيكون من رواية صحابيّ عن مثله، ويَحْتَمِل أن يكون من رواية أبي بردة عنها، ويؤيده قوله بعد هذا: "قال أبو بردة: قالت أسماء": (فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى) الأشعريّ (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)؛ أي: جعفرًا ومن معه، (يَأْتُونِي) بحذف إحدى النونين؛ للتخفيف، وفي بعض النُّسخ: "يأتونني" بالنونين، الأُولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية. (أَرْسَالًا) بفتح الهمزة؛ أي: أفواجًا، يتبع بعضهم بعضًا، والواحد رَسَلٌ بفتحتين (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: أرسالًا بفتح الهمزة؛ أي: فوجًا بعد فوج، يقال: أورد إبله أَرسالًا؛ أي: متقطعة، متتابعة، وأوردها عِرَاكًا؛ أي: مجتمعة، والله أعلم. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: "يأتوني أرسالًا"؛ أي: متتابعين جماعةً بعد جماعة، وواحد الأرسال: رَسَلٌ، مثلُ سبب وأسباب، يقال: جاءت الخيل أرسالًا؛ أي: قطعة قطعة. انتهى (^٤).
(يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) المراد قوله -ﷺ-: "ليسوا بأحقّ بي منكم، لهم هجرة واحدة، ولكم هجرتان"، (مَا) نافية، (مِنَ الدُّنْيَا) بيان مقدّم لقولها "شيءٌ"، فهو متعلّق بحال، على قاعدة: نعتُ النكرة إذا قُدّم أُعرب حالًا. (شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ) جملة في محل رفع صفة لـ "شيء"، (وَلَا أَعْظَمُ) بالرفع عطفًا على "أفرحُ"، (فِي أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) "ما" مصدريّة؛ أي: من قوله -ﷺ- المذكور، ويَحتَمل أن تكون موصولة، بتقدبر العائد؛ أي: من القول الذي قاله رسول الله -ﷺ-.
وقال القرطبيّ -﵀-: تعني: ما من الدنيا شيء يحصل به ثواب عند الله تعالى هو في نفوسهم أعظم قدرًا، ولا أكثر أجرًا، مما تضمَّنه هذا القول؛ لأنَّ
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٢٩، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٣٠).
(٢) عمدة القاري" ١٧/ ٢٥٣.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٥ - ٦٦.
(٤) "المفهم" ٦/ ٤٦١، و"المصباح المنير" ١/ ٢٢٦.
[ ٣٩ / ٦٧٤ ]
أصل "أفعل" أن تضاف إلى جنسها، وأعراض الدنيا ليست من جنس ثواب الآخرة، فتعيَّن ذلك التأويل، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
(قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى راويًا عن أسماء: (فَقَالَتْ أَسْمَاءُ) -﵂-: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى) الأشعريّ (وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ)؛ أي: يطلب أن أُعيد (هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي) متعلّق بـ "يستعيد"، وإنما استعادها تعجّبًا من عِظَمه، واستحلاءً لعذوبته وحلاوته، فإن الهجرة درجة رفيعة، وخصلة بديعة، فإنها تهدم ما قبلها من الذنوب، كما في حديث عمرو بن العاص -﵁- قاله النبيّ -ﷺ-: "أما علمت أن الإسلام يَهْدم ما كان قبله، وأن الهجرة تَهْدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يَهدم ما كان قبله؟ "، رواه مسلم، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٦٣٩٠] (٢٥٠٢)، و(البخاريّ) في "فرض الخمس" (٣١٣٦) و"مناقب الأنصار" (٣٨٧٦) و"المغازي" (٤٢٣٠ و٤٢٣٣)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٧٢٥)، و(الترمذيّ) في "السير" (١٥٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٤١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٨١٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٠٨٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٣٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٢٠٦ و٣٠٣)، و(البزّار) في "مسنده" (٨/ ١٦٤)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٢/ ٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٣٣)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٧٢١)، و(ابن عساكر) في "تاريخه" (٣٢/ ٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة جعفر بن أبي طالب، وزوجته أسماء بنت عُميس، وأهل سفينتهم.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٦١.
[ ٣٩ / ٦٧٥ ]
٢ - (ومنها): بيان فضل السبق في الهجرة.
٣ - (ومنها): بيان أن كثرة الثواب على قدر النصب والتعب، فإن ثواب الهجرتين من أصحاب السفينة على هجرة عمر وأصحابه إنما كَثُر بسبب كثرة المشقّة التي لحقتهم بسبب الهجرتين.
٤ - (ومنها): أن فيه قبول أخبار الآحاد، وإن كان خبر امرأة، وفيما ليس طريقًا للعمل، واستفاد بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع التمكن من الوصول إلى اليقين؛ فإنَّ الصحابة -﵃- اكتفوا بخبر أسماء، ولم يراجعوا رسول الله -ﷺ- عن شيء من ذلك، وخبرها يُفيد ظنّ صِدقها، لا العلم بصدقها، فافهم هذا، قاله القرطبيّ (^١).
٥ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من قال: إنه يُسْهم لمن حضر بعد الفتح قبل قسمة الغنيمة، قال ابن التين -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون إنما أعطاهم من جميع الغنيمة؛ لكونهم وصلوا قبل القسمة، وبعد حَوْزها، وهوأحد الأقوال للشافعيّ.
وقال ابن بطال -﵀-: لَمْ يَقسم النبيّ -ﷺ- في غير من شهد الوقعة إلا في خيبر، فهي مستثناة من ذلك، فلا تُجعل أصلًا يقاس عليه، فإنه قَسَمَ لأصحاب السفينة؛ لشدة حاجتهم، وكذلك أعطى الأنصار عِوَضَ ما كانوا أَعْطَوُا المهاجرين عند قدومهم عليهم.
وقال الطحاويّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الأشعريين وغيرهم.
ومما يؤيد أنه لا نصيب لمن جاء بعد الفراغ من القتال، ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، وابن أبي شيبة عن عمر -﵁-: "قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة"، وأخرجه الطبرانيّ، والبيهقيّ مرفوعًا، وموقوفًا، وقال: الصحيح موقوف، وأخرجه ابن عديّ من طريق أخرى عن عليّ، موقوفًا، ورواه الشافعيّ من قول أبي بكر، وفيه انقطاع، كذا في "النيل" (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه -ﷺ- استطاب الغانمين في إشراك أهل
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٦١.
(٢) "تحفة الأحوذيّ" ٥/ ١٤٤.
[ ٣٩ / ٦٧٦ ]
السفينة في الغنيمة، فعلى هذا فهو ليس خاصًّا بأهل السفينة، فللإمام إذا رأى حاجة فيمن لحق بعد الوقعة، أن يستطيب أنفس الغانمين، ويشركهم معهم، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.