وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أَوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٢] (٢٥٠٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ الآية [آل عمران: ١٢٢]، بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ -﷿-: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
والباقون تقدّموا قبل خمسة أبواب، و"سفيان" هو: ابن عيينة، و"عمرو" هو: ابن دينار.
[ ٣٩ / ٦٨٣ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٩٢) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله -﵄- تقدّم القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵄-؛ أنه (قَالَ: فِينَا)؛ أي: في قومه بني سَلِمة، وهم من الخزرج، وفي أقاربهم بني حارثة، وهم من الأوس (^١). (نَزَلَتْ) وقوله: (﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾) فاعل "نَزَلَتْ" محكيّ؛ لقصد لفظه، (﴿أَن تَفْشَلَا﴾) الْفَشَل بالفاء، والمعجمة: الْجُبْن، وقيل: الفشل في الرأي: العَجْز، وفي البَدَن: الإعياء، وفي الحرب: الجُبْن (^٢)، وقوله: (﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾)، جملة حاليّة؛ أي: ناصِرهما.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ الآية؛ يعني بذلك: يوم أُحُدٍ، وذلك أنه لمَّا خرج النبيّ -ﷺ- للقاء المشركين رجع عنه عبد الله بن أُبَيّ بجَمْع كثيرٍ فشلًا عن الحرب ونكولًا، وإسلامًا للنبيّ -ﷺ- وأصحابه للعدوّ، وهمَّت بنو سلمة، وبنو حارثة بالرُّجوع، فحماهم اللهُ تعالى من ذلك، مما يضرُّهم من قِبَل ذلك، وعظيم إثمه، فلَحِقوا بالنبيّ -ﷺ-، وبالمسلمين إلى أن شاهدوا الحرب، وكان من أمر أُحُد ما قد ذُكر. انتهى (^٣).
وقال في "العمدة": ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ بدل من "إذ غدوت"، قال الزمخشريّ: أو عَمِل فيه معنى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، والطائفتان: حيان من الأنصار، بنو سلمة -بفتح السين، وكسر اللام- من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان، وذلك أن رسول الله -ﷺ- خرج يوم أُحد في ألف، وقيل: في تسعماية وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخذل عبد الله بن أُبَيّ بثلث الناس، وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا، وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاريّ، فقال: أنشدكم الله في نبيكم،
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ١٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٠٥١).
(٢) "الفتح" ٩/ ١٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٠٥١).
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٦٦.
[ ٣٩ / ٦٨٤ ]
وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالًا لاتّبعناكم، ثم هاتان الطائفتان هَمّتا أن تفشلا؛ أي: تجبُنا، ويتخلفا عن النبيّ -ﷺ-، ويذهبا مع عبد الله بن أُبَيّ، ولكن الله عَصَمهما، فلم ينصرفوا، ومضوا مع النبيّ -ﷺ-، فذَكّرهم الله تعالى نعمته بعصمته، فقال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، والْهَمّ: تعلّق الخاطر بما له قَدْر، والفشل: الجُبْن، والْخَوَر، ولكن لَمْ يكن همّهما عزمًا، فلذلك قال الله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: ناصرهما، قال الزمخشريّ: الله ناصرهما، ومتولي أمرهما، فما لهما يفشلان، ولا يتوكلان على الله؟. انتهى (^١).
وقوله: (بَنُو سَلِمَةَ) خبر لمحذوف؛ أي: هم بنو سلِمة بفتح السين المهملة، وكسر اللام: قبيلة من الأنصار، (وَبَنُو حَارِثَةَ) قبيلة من الأنصار أيضًا.
وفي رواية للبخاريّ: "بني سَلِمة، وبني الحارث"، قال في "العمدة": قوله: "بني سلمة" بالجر على أنه بدل من قوله: "فينا"، و"بني حارثة" عطف عليه.
وقوله: "وما أحب أنها -أي: أن الآية- لم تنزل"، والحال أن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. وحاصل المعنى: أن ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن ذلك الهمّ غير مآخذ به؛ لأنه لَمْ يكن عن عزم وتصميم. انتهى (^٢).
(وَمَا) نافية، (نُحِبُّ أَنَّهَا)؛ أي: الآية المذكورة، (لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ -﷿-: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) قال في "الفتح"؛ أي: وإن الآية، وإن كان في ظاهرها غَضّ منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم، قال ابن إسحاق: قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: الدافع عنهما ما هَمّوا به من الْفَشَل؛ لأنَّ ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وَهْنٍ منهم. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قول جابر -﵁-: "ما نحب ألا تنزل" إنما قال ذلك؛
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٧/ ١٤٧.
(٢) "عمدة القاري" ١٧/ ١٤٧.
(٣) "الفتح" ٩/ ١٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤٠٥١).
[ ٣٩ / ٦٨٥ ]
لِمَا في آخرها من تولّي الله تعالى لِتِيْنَك الطَّائفتين مِن لُطْفه بهما، وعصمته إياهما، مما حَلّ بعبد الله بن أُبَيّ، من الإثم، والعار، والذَّم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: متولي حِفظهما، وناصرهما. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦٣٩٢] (٢٥٠٥)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٠٥١) و"التفسير" (٤٥٥٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٨٨)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٧٧٢٨ و٧٧٢٩)، و(البيهقيّ) في "الدلائل" (٣/ ٢٢١)، و(البغوي) في "تفسيره" (١/ ٣٤٧)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٣٦٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ١٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الأنصار، ولا سيّما الحيّان، بني سلِمة، وبني حارثة؛ إذ أخبر الله -﷿- أنه وليّهما.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
٣ - (ومنها): بيان حرص الطائفتين المذكورتين على حصول الكرامة عند الله، وإن كان فيه غضاضة منهم، إذ أحبّوا نزول الآية، وإن كان أولها غضًّا منهم، إلَّا أن آخرها سَتَر ذلك، وأخفاه، وأظهر الشرف المؤبّد لهم، فلذلك قالوا: "وما نحبّ أنَّها لَمْ تنزل؛ لقول الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ "، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٣] (٢٥٠٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٦٧.
[ ٣٩ / ٦٨٦ ]
زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ، وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأنصَارِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [٣] مات سنة بضع ومائة (ع) تقدم في "العتق" ٢/ ٣٧٦٧.
٢ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في "سورة المنافقين"، نزل الكوفة، ومات بها سنة ستّ، أو ثمان وستين (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٧/ ١٢٠٨.
والباقون تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فكوفيّ، وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من أفاضل الصحابة -﵃-، فقد أنزل الله -﷿- في تصديقه سورة كاملة، كما أسلفناه آنفًا.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ، وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ") وفي نسخة: "ولأبناء أبناء الأنصار"، ولهذا الحديث سبب، بيّنه البخاريّ في "صحيحه"، فقد أخرج من طريق موسى بن عقبة قال: حدّثني عبد الله بن الفضل؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول: حَزِنت على من أصيب بالحرّة، فكتب إليّ زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار"، وشك ابن الفضل في: أبناء أبناء الأنصار، فسأل أنسًا بعض من كان عنده، فقال: هو الذي يقول رسول الله -ﷺ-: "هذا الذي أوفى الله له بأُذُنه". انتهى (^١).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٤/ ١٨٦٢.
[ ٣٩ / ٦٨٧ ]
قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا الحديث الانتهاءُ بالاستغفار إلى البطن الثالث، فيمكن أن يكون ذلك؛ لأنهم من القرون التي قال فيها النبيّ -ﷺ-: "خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^١)، ويمكن أن تشملَ بركةُ هذا الاستغفار المؤمنين من الأنصار إلى يوم القيامة؛ مبالغة في إكرام الأنصار، لا سيما إذا كانت نية الأولاد فعلَ مثال ما سبق إليه الأجداد، ويُؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى: "ولذراريّ الأنصار". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الاحتمال الثاني هو الأظهر؛ للرواية المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نقل المناويّ عن الذهبيّ أنه قال: أبناء الأنصار ليسوا من الأنصار، كما أن أبناء المهاجرين ليسوا من المهاجرين، ولا أولاد الأنبياء بأنبياء، ويوضحه حديث: "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار"، قال: وبُغض الأنصار من الكبائر. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦٣٩٣ و٦٣٩٤] (٢٥٠٦)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٩٠٦)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٠٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٨٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٩١٤)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٨٠ و٦٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٩ و١٥٦ و١٦٢ و٢١٣ و٢١٦ - ٢١٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٦٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٣٧٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٨٠ و٧٢٨١)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٨٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥١٠٤ و٥١٠٥)،
_________________
(١) متّفقٌ عليه.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٦٩.
(٣) "فيض القدير" للمناويّ ١/ ٦٢.
[ ٣٩ / ٦٨٨ ]
و(أبو القاسم البغويّ) في "الجعديّات" (٣٣١٦)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٦٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمَان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فلْيُنْظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٥] (٢٥٠٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ -وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ-؛ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- اسْتَغْفَرَ لِلأَنْصَارِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "وَلِذَرَارِيِّ الأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الأَنْصَارِ"، لَا أَشُكُّ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) الحنفيّ اليماميّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) اليماميّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.
شرح الحديث:
عن (إسحاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ؛ (أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ
[ ٣٩ / ٦٨٩ ]
رَسُولَ اللهِ -ﷺ- اسْتَغْفَرَ للِأَنْصَارِ، قَالَ) إسحاق: (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ أنسًا (قَالَ: "وَلِذَرَارِيِّ الأَنْصَارِ)؛ أي: واستغفر أيضًا لذراريّ الأنصار، وهو جَمْع ذُرّيّة -مثلّثة الذال-: النسل.
وأخرج الترمذيّ من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، حدّثنا النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم؛ أنه كتب إلى أنس بن مالك يُعَزِّيه، فيمن أصيب من أهله، وبني عمه، يوم الحرّة، فكتب إليه: إني أبشّرك ببشرى من الله، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولذراريّ الأنصار، ولذراريّ ذراريّهم"، قال الترمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى (^١).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقيّ، عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولذراريّ الأنصار، ولذراريّ ذراريّهم، ولمواليهم، ولجيرانهم". انتهى.
وأخرج ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" من طريق عبد الله بن المنيب بن أبي أمامة الأنصاريّ، عن أبيه، قال: سمعت أنسًا -﵁- يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ اغفر لأزواج الأنصار، ولذراريّ الأنصار". انتهى (^٢).
(وَلِمَوَالِي الأَنْصَارِ")؛ أي: واستغفر أيضًا لموالي الأنصار، وهو جَمْع مولى، والمراد: من والاهم بالعتق، أو بالحِلْف، أو بالإسلام، وقوله: (لَا أَشُكُّ فِيهِ)؛ أي: لست أشكّ في ذِكره في الحديث: "ولموالي الأنصار"، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦٣٩٥] (٢٥٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٨٢)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط"
_________________
(١) "جامع الترمذيّ " ٥/ ٧١٣.
(٢) "الآحاد والمثاني" ٣/ ٣٥٩.
[ ٣٩ / ٦٩٠ ]
(٢/ ٣٤٢)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٣٥٧ و٣٥٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٦] (٢٥٠٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ -وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صِبْيَانًا، وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- مُمْثِلًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ"؛ يَعْنى: الأَنْصَارَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ -بموحّدة، ونونين- البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ستّة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٩٣) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ، وفيه أنس -﵁-، وقد تقدّم القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أنسٍ) -﵁-؛ (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صِبْيَانًا) بكسر الصاد، وضمّها: جمع صبيّ، وهو الصغير. (وَنِسَاءً)، وقوله: (مُقْبِلِينَ) نَعْت لـ "صبيانًا"، حُذف نظيره لـ "نساءً"، أو هو نَعْت لهما على تغليب الذكور، وقوله: (مِنْ عُرْسٍ) متعلّق بـ "مقبلين"، وهو بضمّ العين والمهملة، وسكون الراء: الزفاف (^١)، أَو
_________________
(١) "الزِّفاف" ككتاب: إهداء العروس إلى زوجها. اهـ. "المصباح" ١/ ٢٥٤.
[ ٣٩ / ٦٩١ ]
طعامه، قال الفيّوميّ -﵀-: العُرْسُ بالضم: الزِّفَاف، ويُذَكَّر، ويؤنَّث، فيقال: هو العُرْسُ، والجمع: أَعْرَاسٌ، مثلُ قُفْل وأَقْفَال، وهي العُرْسُ، والجمع: عُرْسَاتٌ، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والعُرْسُ أيضًا: طعامُ الزِّفَاف، وهو مذكَّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. انتهى (^١).
(فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- مُمْثِلًا) قال في "العمدة": هو بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وكسر الثاء المثلثة المشدّدة، من باب التفعيل؛ أي: منتصبًا قائمًا، قال ابن التين: كذا وقع رباعيًّا، والذي ذكره أهل اللغة: مَثُلَ الرجلُ بفتح الميم، وضم المثلثة، مُثُولًا: إذا انتصب قائمًا، ثلاثيّ. انتهى.
وتعقّبه العينيّ، فقال: كأن غرضه الإنكار على الذي وقع هنا، وليس بموجَّه؛ لأن "مُمَثِّلًا" معناه هنا: مُكَلِّفًا نفسه ذلك، وطالبًا ذلك، فلذلك عَدَّى فِعله، وأما مَثُل الذي هو ثلاثيّ، فهو لازم غير متعدّ، قال: وفي رواية "النكاح": "مُمْتَنًّا" بفتح التاء المثناة، من فوقُ، وبالنون، من المنّة؛ أي: متفضلًا عليهم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن التين المذكور ما نصّه: وفي رواية تأتي في "النكاح": "مُمَثِّلًا" بالتشديد؛ أي: مكَلِّفًا نفسه ذلك، فلذلك عُدِّي فِعله، قاله عياض، ووقع في "النكاح" بلفظ: "مُمْتِنًا" بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر المثناة، بعدها نون؛ أي: طويلًا، أو هو من الْمِنّة؛ أي: عليهم، فيكون بالتشديد. انتهى (^٣).
وقال في "كتاب النكاح": قوله: "فقام مُمْتَنًّا" بضم الميم، بعدها ميم ساكنة، ومثناة مفتوحة، ونون ثقيلة، بعدها ألف؛ أي: قام قيامًا قويًّا، مأخوذ من الْمُنَّة، بضم الميم، وهي القوّة؛ أي: قام إليهم مسرعًا، مشتدًّا في ذلك، فَرَحًا بهم.
وقال أبو مروان بن سراج، ورجحه القرطبيّ أنه من الامتنان؛ لأن من قام له النبيّ -ﷺ-، وأكرمه بذلك، فقد امْتَنّ عليه بشيء لا أعظم منه، قال: ويؤيده قوله بعد ذلك: "أنتم أحبّ الناس إليّ".
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٢.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٥٨.
(٣) "الفتح" ٨/ ٤٨٨، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٧٨٥).
[ ٣٩ / ٦٩٢ ]
ونقل ابن بطال عن القابسيّ قال: قوله: "ممتنًا"؛ يعني: متفضلًا عليهم بذلك، فكأنه قال: يمتن عليهم بمحبته.
ووقع في رواية أخرى: "مَتِينًا" بوزن عظيم؛ أي: قام قيامًا مستويًا منتصبًا طويلًا.
ووقع في رواية ابن السكن: "فقام يمشي"، قال عياض: وهو تصحيف.
قال الحافظ: ويؤيد التأويل الأول ما تقدم في "فضائل الأنصار" بلفظ: "فقام مُمْثِلًا" بضم أوله، وسكون الميم الثانية، بعدها مثلّثة مكسورة، وقد تفتح، وضُبط أيضًا بفتح الميم الثانية، وتشديد المثلّثة، والمعنى: منتصبًا قائمًا، قال ابن التين: كذا وقع في البخاريّ، والذي في اللغة مَثُل، بفتح أوله، وضمّ المثلثة، وبفتحها قائمًا يَمْثُل، بضم المثلثة مُثُولًا، فهو ماثل: إذا انتصب قائمًا، قال عياض: وجاء هنا مُمَثِّلًا؛ يعني: بالتشديد؛ أي: مكلفًا نفسه ذلك. انتهى.
ووقع في رواية الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان، عن إبراهيم بن الحجاج، عن عبد الوارث: "فقام النبيّ -ﷺ- لهم مَثِيلًا" بوزن عظيم، وهو فَعِيل، من ماثل، وعن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن الحجاج مثله، وزاد: يعني: ماثلًا. انتهى (^١).
(فَقَالَ) -ﷺ-: ("اللَّهُمَّ) قدّم ذِكره إشارة إلى تأكيد الأمر، فكأنه يستشهد الله -﷿- على أنهم من أحبّ الناس إليه.
وقال في "الفتح": وتقديم لفظ "اللَّهُمَّ " يقع للتبرك، أو للاستشهاد بالله في صدقه. انتهى (^٢).
(أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ") كرّره للتأكيد، ولفظ البخاريّ: "اللَّهُمَّ أنتم من أحبّ الناس إليّ، قالها ثلاث مرار"، وقوله: (يَعْنِي: الأَنْصَارَ) العناية من بعض الرواة، من أنس، أو غيره، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٤٩، كتاب "النكاح" رقم (٥١٨٠).
(٢) "الفتح" ١١/ ٥٤٩، كتاب "النكاح" رقم (٥١٨٠).
[ ٣٩ / ٦٩٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦٣٩٦] (٢٥٠٨)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٧٨٥) و"النكاح" (٥١٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٩٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٥)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٣٣٠ و٣٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة) في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الأنصار، حيث كانوا من أحبّ الناس إلى النبيّ -ﷺ-.
٢ - (ومنها): بيان جواز شهود النساء، والصبيان للأعراس؛ لأنها شهادة لهم عليها، ومبالغة في الإعلان بالنكاح.
٣ - (ومنها): بيان جواز القيام للترحيب بالقادم.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التواضع وحُسْن العِشرة، وكونه لا يميّز بين الكبير والصغير، والرجال والنساء، فيحترم كلًّا بما يليق به، ويؤانسهم، ويتودّد إليهم، ففيه مصداق قوله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٧] (٢٥٠٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
[ ٣٩ / ٦٩٤ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قريبًا.
٢ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الحيض" ٦/ ٧١٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن جدّه، فأنس -﵁- جدّ هشام، وفيه أنس -﵁-، وقد سبق القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ) بن أنس الأنصاريّ المدنيّ؛ أنه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁- (يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُعرف اسمها، زاد في رواية البخاريّ: "ومعها صبيّ لها"، (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ) أنس: (فَخَلَا)؛ أي: انفرد (بِهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) قال النوويّ -﵀-: هذه المرأة إما مَحْرم له -ﷺ-؛ كأم سُليم، وأختها، وإما المراد بالخلوة أنها سألته سؤالًا خفيًّا بحضرة ناس، ولم تكن خلوة مطلقة، وهي الخلوة المنهيّ عنها. انتهى (^١).
وفي رواية البخاريّ: "فكلّمها رسول الله -ﷺ-"، قال في "الفتح"؛ أي: أجابها عما سألته، أو ابتدأها بالكلام تأنيسًا (^٢). (وَقَالَ) -ﷺ-: ("وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ) معاشر الأنصار (لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ") قال ابن حبّان في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما نصّه: مُعَوّل هذه الأخبار كلِّها على "من"، فحُذف "من" منها. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٨.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٨٨، كتاب "النكاح" رقم (٣٧٨٦).
(٣) "صحيح ابن حبّان" ١٦/ ٢٦١.
[ ٣٩ / ٦٩٥ ]
وقال في "الفتح": هذا على طريق الإجمال؛ أي: مجموعكم أحب اليّ من مجموع غيركم، فلا يعارض قوله -ﷺ- في الحديث الماضي، في جواب: مَن أحب الناس إليك؟ قال: "أبو بكر. . ." الحديث، وقوله: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: كرّر هذا الكلام للتأكيد ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦٣٩٧ و٦٣٩٨] (٢٥٠٩)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٧٨٥) و"النكاح" (٥١٨٠)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٨) و"فضائل الصحابة" (١/ ٦٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان منقبة عظيمة للأنصار -﵃-.
٢ - (ومنها): أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرًّا لا يقدح في الدِّين عند أَمْن الفتنة، قال الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه": "باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس"، قال في "العمدة": أي: هذا باب في بيان ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة، حاصله: أن الرجل الأمين ليس عليه بأس إذا خلا بامرأة في ناحية من الناس لِمَا تسأله عن بواطن أمرها في دينها، وغير ذلك من أمورها، وليس المراد من قوله: "أن يخلو الرجل" أن يغيب عن أبصار الناس، فلذلك قيّده بقوله: "عند الناس"، وإنما يخلو بها حيث لا يَسمع الذي بالحضرة كلامَها، ولا شكواها إليه.
[فإن قلت]: ليس في حديث الباب أنه خلا بها عند الناس.
[قلت]: قول أنس في الحديث: "فخلا بها" يدل على أنه كان مع الناس، فتنحى بها ناحيةً؛ لأن أنسًا الذي هو راوي الحديث كان هناك، وجاء في بعض طرقه أنه كان معها صبيّ أيضًا، فصحّ أنه كان عند الناس، ولا سيما
[ ٣٩ / ٦٩٦ ]
أنهم سمعوا قوله -ﷺ-: "أنتم أحبّ الناس إليّ" يريد بهم الأنصار، وهم قوم المرأة. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" عند شرح الترجمة المذكورة: أي: لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بل بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان بما يخافَت به؛ كالشيء الذي تستحي المرأة من ذِكره بين الناس، وأَخَذ المصنّف قوله في الترجمة: "عند الناس" من قوله في بعض طرق الحديث: "فخلا بها في بعض الطرق، أو في بعض السِّكَك"، وهي الطرق المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبًا. انتهى (^٢).
٣ - (ومنها): بيان سَعَة حلم النبيّ -ﷺ-، وتواضعه، وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير.
٤ - (ومنها): بيان تعليم الأمّة في كيفية الخلوة بالمرأة، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لخالد بن الحارث، وعبد الله بن إدريس.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن شعبة ساقها النسائيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٠/ ٢١٤.
(٢) "الفتح" ٩/ ٣٣٣.
[ ٣٩ / ٦٩٧ ]
(٨٣٢٩) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: أنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس؛ أن امرأة أتته (^١)، ومعها صبيّ لها، تكلّمه، فقال: "والذي نفسي بيده، إنكم لأحبّ الناس إليّ" ثلاث مرات، كأنه يعني نفسه. انتهى (^٢).
ورواية عبد الله بن إدريس ساقها النسائيّ في "الكبرى" أيضًا، ولكنه قاله: "عن هشام"، بدل شعبة، فقال:
(٨٣٣٠) - أخبرنا محمد بن العلاء، قال: أنا ابن إدريس، قال: أنا هشام عن هشام بن زيد بن أنس، عن جدّه أنس، قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: "والذي نفسي بيده إنكم من أحبّ الناس إليّ، مَنْ أحبهم فبي أحبهم، ومن أبغضهم فبي أبغضهم". انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا رواية النسائيّ، "عن هشام" بدل شعبة، والظاهر أنه هشام الدستوائيّ، ولعل الحديث مروي عنهما جميعًا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٩٩] (٢٥١٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الأَنْصَارَ كَرِشِي، وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ، وَيَقِلُّونَ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الأَنْصَارَ
_________________
(١) الضمير للنبيّ -ﷺ-، لا لأنس، وكذا قوله: "كأنه يعني نفسه".
(٢) "السنن الكبرى" ٥/ ٨٧.
(٣) "السنن الكبرى" ٥/ ٨٨.
[ ٣٩ / ٦٩٨ ]
كَرِشِي) -بفتح الكاف، وكسر الراء-؛ أي: بطانتي، وخاصتي، قال القزّاز: ضرب المثل بالكَرِش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال لفلان: كَرِش منثورة؛ أي: عيال كثيرة. (وَعَيْبَتِي) -بفتح العين المهملة، وسكون المثناة، بعدها موحّدة- ما يَحْرُز فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سرّه، وأمانته، قال ابن دريد: هذا من كلامه -ﷺ- الموجَز الذي لم يُسْبَق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مُستودَع الثياب، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضَرَب المَثَل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنة والظاهرة، والأول أَولى، وكلّ من الأمرين مستودَع لِمَا يخفى فيه، ذَكَره في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ -﵀-: "كريشي، وعيبتي" قال العلماء: معناه: جماعتي، وخاصّتي الذين أَثِقُ بهم، وأعتمدهم في أموري، قال الخطابيّ: ضَرَب مثلًا بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، والعيبة: وعاءٌ معروف، أكبر من الْمِخلاة، يحفظ الإنسان فيها ثيابه، وفاخر متاعه، ويصونها، ضَرَبها مَثَلًا؛ لأنهم أهل سرّه، وخفيّ أحواله. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: "كَرِشي، وعيبتي"؛ أي: جماعتي التي أنضمُّ إليها، وخاصتي التي أُفضي بأسراري إليها، والكَرِش لِمَا يجترّ؛ كالمعدة للإنسان، والْحَوْصلة للطائر، والكرش مؤنثة، وفيها لغتان: كَرِش -بفتح الكاف، وكسر الراء-. وكِرْش -بكسر الكاف وسكون الراء-: مثل كَبِد وكِبْد، وكرشُ الرجل: عيالُه، وصغارُ وَلَده، والكرش: الجماعة، وهي الْمَعْنِيّةُ بالحديث، وأصلُ العيبة: ما تُجعل فيه الثياب الرفيعة، والجمع عِيَب، كَبَذرَةٍ وبِدَر، وتُجمع أيضًا: عِيابًا وعَيبات. انتهى (^٣).
(وَإِنَّ النَّاسَ)؛ أي: غير الأنصار (سَيَكْثُرُونَ، وَيَقِلُّونَ)؛ أي: الأنصار، (فَاقْبَلُوا) بوصل الهمزة، أمْر من قَبِل، من تعِبَ، ومفعوله محذوف دلّ عليه
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٠٠ رقم (٣٨٠١)، و"عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٨.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٦٧ - ٤٦٨.
[ ٣٩ / ٦٩٩ ]
قوله: (مِنْ مُحْسِنِهِمْ)؛ أي: اقبلوا الإحسان ممن أحسن منهم، (وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ"). وفي بعض النسخ: "عن سيّئاتهم"؛ أي: تجاوزوا عن إساءة من أساء منهم؛ لأنهم أهل ذلك، فإن الله -﷾- وَعَد المؤمنين أن يقبل منهم الإحسان، وتجاوزوا عن السيّئات، فقال -﷿-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٦]، فينبغي للمسلمين، ولا سيّما ولاة الأمور أن يعاملوا الأنصار، بل وغيرهم من المسلمين هذه المعاملة، وهذا لا يقتضي أن يعفوا عما يوجب الحدود، بل هو قاصر على ما لم يبلغ الحدود، وحقوق الناس، من المخالفات.
٤ - (ومنها): إقالة عثرات ذوي الهيئات؛ إذا لم يبلغ الحدود، أو يتعلّق بحقوق الناس، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦٣٩٩] (٢٥١٠)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٧٩٩ و٣٨٠١)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٠٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٧ و٩١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٧١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٩٩ و٧/ ٤١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٦ و٢٧٢)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٣٣٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٠٥)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١١٩) و"الصغير" (٢/ ٢٢١) و"الكبير" (١/ ٢٠٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٣٥١ و٤٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الأنصار -﵃- حيث جعلهم النبيّ -ﷺ- من خواصّه، ومواضع سرّه.
٢ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، وذلك حيث أخبر النبيّ -ﷺ- بقلّة الأنصار، وكثرة الناس، فوقع كما أخبر.
[ ٣٩ / ٧٠٠ ]
٣ - (ومنها): بيان جواز خلوة الرجل بالمرأة الأجنبيّة إذا كان الناس يشاهدونهما، كأن يكونا في الطريق، كما يقع في ركوب السيّارات، ونحو ذلك، وإنما يُمنع الخلوة بها إذا انفرد بها بحيث لا يراهما أحد، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.