وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٠] (٢٥١١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، غير واحد، وهو:
١ - (أَبُو أُسَيْدٍ) مالك بن ربيعة بن الْبَدَن الأنصاريّ الساعديّ مشهور بكنيته، وهي بصيغة التصغير، حَكَى البغويّ فيه خلافًا في فتح الهمزة، قال الدُّوريّ عن ابن معين: الضم أصوب، شَهِد بدرًا وأُحُدًا، وما بعدها، وكان معه راية بني ساعدة يوم الفتح، ومات سنة ستين، وهو ابن ثمان، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ثمانين، وهو آخر البدريين موتًا، وقيل: مات سنة أربعين، وقيل: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال أبو عمر: هذا خلاف متباين جدًّا، تقدّمت ترجمته في "كتاب صلاة المسافرين" برقم [١١/ ١٦٥٢] (٧١٣)، ولطائف الإسناد تقدّمت.
[ ٣٩ / ٧٠١ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وفي رواية معلّقة عند البخاريّ: "سمعت أنسًا"، (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بالتصغير، وقيل: بالتكبير، مالك بن ربيعة -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ)؛ أي: خير قبائلهم.
قال القرطبيّ -﵀-: أصلُ الدار: المنزل الذي يُقام فيه، ويُجمع في القلّة: أدوُر، بواو مضمومة، وقد أبدلوا من الضمة همزة؛ استثقالًا للضمَّة على الواو، ويُجمع في الكثرة على ديار، ودُور، والدار مؤنثة، ثم قد يُعبَّر بالدار عن ساكنها، كما جاء في هذا الحديث، فإنه أراد بالديار: القبائل، وخير؛ يعني: أخْيَر؛ أي: أكثر خيرًا، وتفضيل بعض هذه القبائل على بعض إنما هو بحسب سَبْقهم للإسلام، وأفعالهم فيه، وتفضيلُهم خبر من الشارع عمّا لهم عند الله تعالى من المنازل والمراتب، فلا يُقدَّمُ من أخّر، ولا يؤخَّر من قدَّم.
وقد اختلفت الرواياتُ في بني النَّجار، وبني عبد الأشهل، ففي رواية أبي أُسيد: تقديم بني النَّجّار علي بني عبد الأشهل، ومَن بعدهم، وفي رواية أبي هريرة: تقديم بني عبد الأشهل علي بني النجار، ومَن بَعدَهم، وهذا تعارضٌ مُشكِل، غير أن الأَولى رواية أبي أُسَيد لقرابة بني النجار من رسول الله -ﷺ- دون غيرهم، فإنهم أخوالُه، كما قدَّمنا، ولاختصاص نزول رسول الله -ﷺ- بهم، وكونه عندهم، وهذه مزيَّة لا يلحقهم أحدٌ فيها، وغَضَبُ سعدِ بن عبادة لَمّا ذُكرتْ دارُه آخر الديار بادرةٌ أصدرها عنه منافستُه في الخير، وحرصُه على تحصيل الثواب والأجر؛ فلما نُبّه على ما ينبغي له سلَّم السَّبق لأهله، وشكرَ الله تعالى على ما آتاه مِن فضله. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "خير دور الأنصار"؛ أي: خير قبائلهم، وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة، فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات: بنو فلان من غير ذِكر الدار. انتهى (^٢).
(بَنُو النَّجَّارِ) -بفتح النون، وتشديد الجيم- وهذا من باب إطلاق المحلّ وإرادة الحالّ، أو خَيْريتها بسبب خيرية أهلها، والنجّار هو: تيم الله بن ثعلبة بن
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٧٠ - ٤٧٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٩.
[ ٣٩ / ٧٠٢ ]
عمرو بن الخزرج، والخزرج أخو الأوس ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد بن الغوث بن يشجب بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح -﵊- والأزد يقال له: الأَسْد أيضًا بالسين.
وقحطان فعلان من القحط، وهو الشدّة، ويقال: شيء قحيط؛ أي: شديد. وسمّي تيم الله بالنجار؛ لأنه اختتن بقدوم، وقيل: جَرَح رجلًا بالقدوم، فسمّي النجار، وبنو النجار هم رهط سعد بن معاذ، وأبي أيوب، ومنهم أبو قيس صِرْمة بن مالك بن عديّ بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار النجاريّ ترهّب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وهَمَّ بالنصرانية، ثم أمسك عنها، وقال: أعبد رب إبراهيم -﵊- فلما قَدِمَ النبيّ -ﷺ- المدينة أسلم، فحَسُن إسلامه.
وأما الطائفة النجارية، فتُنسب إلى حسين النجار، أخذ عن بشر بن غياث المريسي القائل بخلق القرآن، ذَكَره في "العمدة" (^١).
(ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ) هم من الأوس، وعبد الأشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج الأصغر بن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن أوس بن حارثة، وبقية النسب قد مرّت الآن، وقال ابن دريد: زعموا أن الأشهل صنم، والنسبة إليه أشهليّ، منهم أُسيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن إمرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "ثم بنو عبد الأشهل" هم من الأوس، وهو عبد الأشهل بن جُشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، كذا وقع في هذه الطريق، ولكن وقع في رواية معمر عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٠.
[ ٣٩ / ٧٠٣ ]
رسول الله -ﷺ-: "ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ "، قالوا: بلى، قال: بنو عبد الأشهل، وهم رهط سعد بن معاذ" قالوا، ثم من يا رسول الله؟ قال: "ثم بنو النجار. . ." فذكر الحديث، وفي آخره: قال معمر: وأخبرني ثابت، وقتادة؛ أنهما سمعا أنس بن مالك يذكر هذا الحديث، إلا أنه قال: "بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل"، أخرجه أحمد، وأخرجه مسلم من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ دون ما بعده، من رواية معمر، عن ثابت، وقتادة، وأخرج مسلم أيضًا من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن أبي أُسيد مثل رواية أنس، عن أبي أُسيد.
فقد اختُلِف على أبي سلمة في إسناده، هل شيخه فيه أبو أُسيد، أو أبو هريرة؟ ومتنه هل قَدَّم عبد الأشهل علي بني النجار، أو بالعكس؟
وأما رواية أنس في تقديم بني النجار، فلم يُختلف عليه فيها، ويؤيدها رواية إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن أبي أُسيد، وهي عند مسلم أيضًا، وفيها تقديم بني النجار علي بني عبد الأشهل.
وبنو النجار هم أخوال جد رسول الله -ﷺ-؛ لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لمّا قَدِم المدينة، فلهم مزية على غيرهم، وكان أنس منهم، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم. انتهى (^١).
(ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ)؛ أي: الأكبر؛ أي: ابن عمرو بن مالك بن الأوس المذكور ابن حارثة (^٢)، منهم رافع بن خَدِيج بن رافع بن عديّ بن زيد بن عمرو بن زيد بن جُشم بن الحارث بن الخزرج المذكور (^٣).
(ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ) هم من الخزرج المذكور أيضًا، وساعدة هو: ابن كعب بن الخزرج، قال ابن دريد: ساعدة اسم من أسماء الأسد، منهم سعد بن عُبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الأنصاريّ الخزرجيّ الشاعر.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٩١، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٧٨٩).
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٩١، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٧٨٩).
(٣) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٠.
[ ٣٩ / ٧٠٤ ]
وأبو حزيمة بفتح الحاء المهملة، وكسر الزاي، كذا قاله الدارقطنيّ، وقال أبو عمر: حليمة باللام موضع الزاي، وقال الخطيب: خُزيمة بضم الخاء المعجمة، وفتح الزاي، ويقال: خَزِيمة بكسر الزاي، قاله في "العمدة" (^١).
(وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ") قال في "الفتح": "خير" الأُولى بمعنى أفضل، والثانية اسم؛ أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": قوله: "وفي كل دور الأنصار خير" المذكور هنا لفظ "خير" في الموضعين، الأول قوله: "خير دور الأنصار"، ولفظ خير فيه بمعنى أفعل التفضيل؛ أي: أفضل دور الأنصار؛ أي: قبائلهم، كما ذكرنا، والثاني: قوله: "وفي كل دور الأنصار خير"، ولفظ خير فيه على أصله؛ أي: في كل دور الأنصار؛ أي: في قبائلهم خير، وإن تفاوتت مراتبهم. انتهى (^٣).
(فَقَالَ سَعْدٌ)؛ أي: ابن عبادة -بضم العين المهملة، وتخفيف الباء الموحدة- وهو من بني ساعدة أيضًا، وكان كبيرهم يومئذ، (مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) بفتح الهمزة، من الرؤية، وهي من إطلاقها على المسموع، ويَحْتَمِل أن يكون من الاعتقاد، ويجوز ضمها، بمعنى الظنّ، ووقع في رواية أبي الزناد: "فوجد سعد بن عبادة في نفسه، فقال: خُلِّفنا، فكنّا آخر الأربعة، وأراد كلام رسول الله -ﷺ- في ذلك، فقال له ابن أخيه سهل: أتذهب لتردّ على رسول الله -ﷺ- أمره، ورسول الله -ﷺ- أعلم؟ أوَ ليس حسبك أن تكون رابع أربعة؟ فرجع" (^٤).
(إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا)؛ أي: قد فضّل النبيّ -ﷺ- علينا بعض القبائل، وإنما كان ذلك؛ لأنه من بني ساعدة، ولم يذكر النبيّ -ﷺ- بني ساعدة إلا بكلمة "ثُمّ" بعد ذِكره القبائل الثلاثة (^٥).
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٠.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٩١، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٧٨٩).
(٣) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٠.
(٤) "الفتح" ٨/ ٤٩١، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٧٨٩).
(٥) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦٠.
[ ٣٩ / ٧٠٥ ]
(فَقِيلَ) قال الحافظ: لم أقف على اسم الذي قال له ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون هو ابن أخيه المذكور قبلُ. انتهى. (قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ)؛ أي: على كثير من القبائل غير المذكورين من الأنصار، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُسيد الساعديّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٦٤٠٠ و٦٤٠١ و٦٤٠٢ و٦٤٠٣ و٦٤٠٤ و٦٤٠٥] (٢٥١١)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٧٨٩ و٣٧٩٠ و٣٨٠٧) و"الأدب" (٦٠٥٣)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٠٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٠) و"فضائل الصحابة" (١/ ٧٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٩٦) وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٨٠٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٧١)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٣٨٣ و٤٥٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٢٦١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل قبيلة الأنصار، وإثبات الخيريّة لهم.
٢ - (ومنها): بيان تفاوت فضل القبائل فيما بينهم، قال العلماء: وتفضيلهم على قَدْر سَبْقهم إلى الإسلام، ومآثرهم فيه.
٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ تفضيل القبائل، والأشخاص بغير مجازفة، ولا هَوًى، ولا يكون هذا غيبة، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وقال ابن التين -﵀-: فيه دليلٌ على جواز المفاضلة بين الناس لمن يكون عالِمًا بأحوالهم؛ لينبّه على فضل الفاضل، ومن لا يُلحق بدرجته في الفضل، فيُمتثلَ أمره -ﷺ- بتنزيل الناس منازلهم، وليس ذلك بغيبة، ذكره في "الفتح" (^٢).
وقال الحافظ -﵀- ما حاصله: إن مثل هذا يستثنى من عموم قوله:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٦٩.
(٢) "الفتح" ١٣/ ٦٠٩، كتاب "الأدب" رقم (٦٠٥٣).
[ ٣٩ / ٧٠٦ ]
"ذِكرك أخاك بما يكره"، ويكون محل الزجر إذا لم يترتب عليه حكم شرعيّ، فأما ما يترتب عليه حكم شرعيّ، فلا يدخل في الغيبة، ولو كرهه المحدَّث عنه، ويدخل في ذلك ما يُذكر لقصد النصيحة من بيان غلط من يُخْشَى أن يُقَلَّد، أو يغتر به في أمرٍ ما، فلا يدخل ذكره بما يَكره من ذلك في الغيبة المحرمة. انتهى (^١)، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيِ أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ؛ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَهُ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، غير واحد، وهو:
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة هذه ساقها هو في "مسنده"، فقال:
(١٣٥٥) - حدّثنا (^٢) يونس، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يحدّث عن أبي أُسيد الأنصاريّ، أن النبيّ -ﷺ- قال: "خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، وبنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير"، قال: وقيل: فَضَّل علينا، قال: فقيل: فضَّلكم على كثير. انتهى (^٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ سَعْدٍ).
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٦٠٩، كتاب "الأدب" رقم (٦٠٥٣).
(٢) قائل "حدّثنا" هو: الراوي عن يونس بن حبيب تلميذ أبي داود.
(٣) "مسند الطيالسيّ" ١/ ١٩٣.
[ ٣٩ / ٧٠٧ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عبيد الدّراوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحَدِّث من كُتُب غيره، فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العُمريّ منكر [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكّيّ، تقدّم قريبًا.
٦ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت ١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٧ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حديث يحيى بن سعيد عن أنس -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- مثل حديث قتادة عن أنس، عن أبي أُسيد، والفرق بين روايتيهما أن قتادة جعله من مسند أبي أُسيد -﵁-، وأما يحيى فجعله من مسند أنس -﵁-، ويُجمع بينهما أن أنسًا -﵁- سمعه من أبي أُسيد، ثمّ سمعه من النبيّ -﵁-، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ سَعْدٍ)؛ يعني: أن يحيى بن سعيد لا يذكر في حديثه قول سعد عُبادة: "ما أرى رسول الله -ﷺ- إلا فضّل علينا. . . إلخ".
[تنبيه]: رواية الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:
(٤٩٩٤) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله -ﷺ-: "ألا أخبركم بخير دور
[ ٣٩ / ٧٠٨ ]
الأنصار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "بنو النجار، ثم الذين يلونهم بنو عبد الأشهل، ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن الخزرج، ثم الذين يلونهم بنو ساعدة"، ثم قال بيده، فقبض أصابعه، ثم بسطهنّ كالرامي بيده، ثم قال: "وفي كل دور الأنصار خير". انتهى (^١).
وأما روايتا عبد العزيز الدراورديّ، وعبد الوهّاب الثقفيّ، فلم أجد من ساقهما، فليُنظرا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ خَطِيبًا عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَدَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ"، وَاللهِ لَوْ كنْتُ مُؤثِرًا بِهَا أَحَدًا لآثَرْتُ بِهَا عَشَيرَتِي).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) -بكسر الميم، وسكون الهاء- أبو جعفر الْجَمّال -بالجيم- ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنىّ، أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ، يَهِمُ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ،
ثقةٌ [٦] (ت ١٣٧) (ع) تقدم في "الحج" ٧٨/ ٣٢٩٨.
_________________
(١) "صحيح البخاري" ٥/ ٢٠٣١.
[ ٣٩ / ٧٠٩ ]
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو إسحاق المدنيّ، وقيل: الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمرو بن العاص، وابن عباس، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه لأمه عبد الله بن حسن بن حسن، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وآخرون.
قال العجليّ، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، زاد العجليّ: رجل صالحٌ، وقال مصعب الزبيريّ: استعمله ابن الزبير على خراج الكوفة، وبقي حتى أدرك هشام بن عبد الملك، وذكر هشام بن الكلبيّ أن أمه خولة بنت منظور بن زَبّان تزوجها أبوه، وقُتل يوم الجمل، وهي حامل بإبراهيم هذا، فيكون مولده سنة (٣٦) وتكون روايته عن عمر مرسلة بلا شكّ، ووَهِمَ ابن حبان في "صحيحه" في ذلك وَهَمًا فاحشًا، وقال ابن سعد: كان شريفًا صارمًا، له عارضة، وإقدام، وكان قليل الحديث، وقال النسائيّ: كان أحد النبلاء، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن المدينيّ، وأبو عبيد، وخليفة: مات سنة (١١٠).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
و"أبو أُسيد -﵁-" ذُكر قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني رازيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ) مالك بن ربيعة الساعديّ -﵁-، حال كونه (خَطِيبًا عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ) هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامل عمّه معاوية بن أبي سفيان -﵄- على المدينة، قاله النوويّ -﵀- (^١). (فَقَالَ) أبو أُسيد -﵁-: (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ
_________________
(١) شرح النوويّ" ١٦/ ٦٩ - ٧٠.
[ ٣٩ / ٧١٠ ]
دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) الظاهر أن الواوات في هذه الرواية تكون بمعنى "ثُمّ" بدليل الروايات الأخرى، والله تعالى أعلم. (وَدَارُ بَني الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ") قال أبو أُسيد -﵁-: (وَاللهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا)؛ أي: بهذه الفضيلة (أَحَدًا لآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي)؛ أي: أقاربي، وهم بنو ساعدة، كما يأتي مصرّحًا في الرواية التالية، والله تعالى أعلم.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -﵀-، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ لَسَمِعَ (^١) أَبَا أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ (^٢) أَنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، لَوْ كنْتُ كَاذِبًا لَبَدَأْتُ بِقَوْمِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: خُلِّفْنَا، فَكُنَّا آخِرَ الأَرْبَعِ، أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي، آتِي رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَكَلَّمَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ، فَقَالَ: أَتَذْهَبُ لِتَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَعْلَمُ؟ أَوَ لَيْسَ حَسْبُكَ أَنْ تَكُونَ رَابِعَ أَرْبَعٍ؟ فَرَجَعَ، وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَأَمَرَ بِحِمَارِهِ، فَحُلَّ عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابورّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الحزاميّ المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "فسمع" بالفاء، وهو تصحيف، والله تعالى أعلم.
(٢) وفي نسخة: "أَأُتَّهَمُ؟ ".
[ ٣٩ / ٧١١ ]
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) أو (١٠٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
و"أبو أُسيد" -﵁- ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَ: شَهِدَ) القائل هو أبو الزناد، و"شهد" بمعنى أقسم؛ أي: أقسم أَبُو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله: (لَسَمِعَ) جواب القسم، ووقع في بعض النسخ: "فسمع" بالفاء بدل اللام، وهو تصحيف.
وقوله: (قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ) بضم الهمزة، وتشديد التاء، وهو تقدير همزة الاستفهام، ووقع في بعض النسخ بذكرها: "أَأُتّهم"، والاستفهام للإنكار؛ أي: أنا أتّهم بالكذب على رسول الله -ﷺ-؟
وقوله: (وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ)؛ أي: بلغة تقديم النبيّ -ﷺ- غير قومه على قومه بني ساعدة.
وقوله: (فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ) بكسر الجيم؛ أي: غضب.
وقوله: (وَقَالَ: خُلِّفْنَا)؛ أي: تُركنا خلف الناس، حيث جعلنا آخر الأربع.
وقوله: (أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي)؛ أي: اجعلوا عليه سَرْجًا حتى أركبه لمراجعة النبيّ -ﷺ- في تأخيرنا عن القوم.
وقوله: (وَكَلَّمَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ) لم يُسمَّ أخو سعد.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -﵀-.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "خَيْرُ الأَنْصَارِ، أَو خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ"، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ فِي ذِكْرِ الدُّورِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ -﵁-).
[ ٣٩ / ٧١٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرِ) بن كَنِيز -بفتح الكاف، وكسر النون، وزاي- أبو حفص الفلّاس الصيرفيّ الباهليّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٨.
٢ - (حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليشكريّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦١) (خ م د ت س) تقدم في "الحج" ٨٣/ ٣٣٣٩.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويرسل [٥] (ت ١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
والباقون ذُكروا في الباب، و"أبو داود" هو سليمان بن داود الطيالسيّ المذكور قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: (خَيْرُ الأَنْصَارِ، أَو خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ فِي ذِكْرِ الدُّورِ) كان الأَولى أن يقول: بمثل حديثه؛ يعني: أن يحيى بن أبي كثير ساق الحديث عن أبي سلمة مثل سياق أبي الزناد عنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ -﵁-)؛ أي: لم يذكر يحيى قصة سعد بن عبادة المتقدّمة، وهي قوله: "وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: خُلِّفْنَا، فَكُنَّا آخِرَ الأَرْبَعِ، أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي". . . إلى آخره.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن هذه ساقها النسائيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(٨٣٤٠) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: أنا أبو داود، قال: أنا حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة؛ أن أبا أُسيد الأنصاريّ حدّثه؛ أنه سمع رسول الله -ﷺ-: "خير الأنصار، أو خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث، ثم بنو ساعدة". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "السنن الكبرى" للنسائيّ ٥/ ٩٠.
[ ٣٩ / ٧١٣ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٦] (٢٥١٢) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ عَظِيمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: "أُحَدِّثُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مُغْضَبًا، فَقَالَ: أَنَحْنُ آخِرُ الأَرْبَعِ؟ حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- دَارَهُمْ، فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ: اجْلِسْ، أَلَا تَرْضَى أَنْ سَمَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- دَارَكُمْ فِي الأَرْبَعِ الدُّورِ الَّتي سَمَّى؟، فَمَنْ تَرَكَ، فَلَمْ يُسَمِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّى، فَانْتَهَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ الله -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث الغفاريّ، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
[ ٣٩ / ٧١٤ ]
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريبًا.
٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه مكثر [٣] (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٨ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ، فقيهٌ، ثبتٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من يعقوب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن تابعيَّين، وفيه أبو سلمة، وعبيد الله من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، (وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْنَا)، وفي بعض النُّسخ: "سمعا"، وعليه فيكون من باب الالتفات؛ إذ الظاهر أن يقولا: سمعنا (أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه -ﷺ- جالس (فِي مَجْلِسٍ عَظِيمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: "أُحَدِّثُكُمْ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأُحدّثكم (بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ)؛ أي: حدّثنا به (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ" هذا يخالف حديث أبي أُسيد حيث إنه قدّم دور بني النجار، وقد تقدّم أن حديثه أرجح. (قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) -﵁- حال كونه (مُغْضَبًا، فَقَالَ: أَنَحْنُ)؛ يعني: نفسه، وقومه بني ساعدة (آخِرُ الأَرْبَعِ، حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- دَارَهُمْ، فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: تكليمه في تأخير دار
[ ٣٩ / ٧١٥ ]
قومه عن الدور الثلاث، (فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ) بني ساعدة، ولم يسمّ أحد منهم، ويَحْتَمل أن يكون ابن أخيه سهل المتقدّم ذكره منهم.
(اجْلِسْ، أَلَا تَرْضَى أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة، (سَمَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- دَارَكُمْ فِي الأَرْبَعِ الدُّورِ الَّتِي سَمَّى؟)؛ أي: سمَّاها النبيّ -ﷺ- (فَمَنْ تَرَكَ، فَلَمْ يُسَمِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّى، فَانْتَهَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ يعني: أنه لم يكلّمه، وهذا يعارضه ما في حديث أبي حميد الساعديّ -﵁- عند البخاريّ، ولفظه: "فأدرك سعد النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول الله خُيِّر دور الأنصار، فجُعلنا آخرًا، فقال: أوَ ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار"، ويمكن الجمع بأنه انتهى عن قصد رسول الله لذلك خاصّةً، ثم إنه لمّا لقي رسول الله -ﷺ- في وقت آخر ذَكَر له ذلك، أو الذي رجع عنه وتركه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة، ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: أتردّ على رسول الله أمره؟، أفاده في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٦٤٠٦] (٢٥١٢)، و(النسائيّ) في "فضائل الصحابة" (٢٣٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٦١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٧)، و(الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٤/ ١٧٨)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.