وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٧] (٢٥١٣) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَرْعَرَةَ -وَاللَّفْظُ لِلْجَهْضَمِيِّ- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٩٢.
[ ٣٩ / ٧١٦ ]
قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- شَيْئًا، آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ، زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِمَا: وَكَانَ جَرِيرٌ أَكْبَرَ مِنْ أَنَسٍ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ طُلب للقضاء فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن الْبِرِند -بكسر الموحّدة، والراء، وسكون النون- الساميّ -بالمهملة- أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو البصريّ الناجيّ، ثقةٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب العطارديّ، وداود بن أبي الفرات، وابن عون، وشعبة، وعمر بن أبي زائدة، ومبارك بن فَضالة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وروى مسلم، وأبو داود بواسطة محمد بن المثنى، وبندار، ونصر بن عليّ الجهضمي، ومحمد بن عبد الرحيم البزاز، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وابن سعد وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، قال ابن حبان: وله خمس وسبعون سنةً، قلت: وقال ابن سعد: وله ست وسبعون، وقال الحاكم، وابن قانع: ثقةٌ، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري عشرين حديثًا.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ) بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم البصريّ، تقدّم قبل بابين.
[ ٣٩ / ٧١٧ ]
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن شيوخه الثلاثة من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ) بمهملتين، وقد ذكر الطبرانيّ في "الأوسط" أنه تفرَّد به عن شعبة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ، ممن روى عنه الباقون بواسطة، قاله في "الفتح" (^١).
(حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) العبديّ البصريّ (عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الصحابيّ المشهور، المتوفّى سنة (٥١) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
وفي رواية البخاريّ: "صَحِبت جرير بن عبد الله" (الْبَجَلِيِّ) بفتح الموحّدة، والجيم: نسبة إلى قبيلة بَجِيلة، وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة، قاله في "اللباب" (^٢).
(فِي سَفَرٍ) لم يُعيّن هذا السفر، فيَحتمل أن يكون سفر جهاد، أو حجّ، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
(فَكَانَ) جرير -﵁- (يَخْدُمُنِي) بكسر الدال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، كما تقدّم غير مرّة.
وفي رواية البخاريّ: "فكان يخدمني، وهو أكبر من أنس"، قال في "الفتح": فيه التفات، أو تجريد؛ لأنه قال: "من أنس"، ولم يقل: مني، وفي رواية مسلم، عن محمد بن المثنى، عن ابن عرعرة: "وكان جرير أكبر من
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١٦٦، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٨٨).
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ١٢١.
[ ٣٩ / ٧١٨ ]
أنس"، ولعل هذه الجملة من قول ثابت. انتهى (^١).
قال أنس -﵁-: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لجرير، (لَا تَفْعَلْ) هذه الخدمة لي؛ لأنك أكبر منّي، (فَقَالَ) جرير -﵁-: (إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَنْصَارَ)؛ أي: القبيلة المشهورة، وهي قبيلة أنس، (تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- شَيْئًا)؛ أي: من خدمة رسول الله -ﷺ- كما ينبغي، ومن تعظيمهم إياه غاية ما يكون، وأبهم ذلك مبالغةً في تكثير ذلك. (آلَيْتُ) بالمدّ؛ أي: حلفت (أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ)؛ أي: من الأنصار (إِلَّا خَدَمْتُهُ)؛ أي: إكرامًا لأنصار رسول الله -ﷺ- الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل النصرة له -ﷺ-.
وفي رواية البخاريّ: "لا أجد أحدًا منهم، إلا أكرمته"، وفي رواية للإسماعيليّ من وجه آخر، عن ابن عرعرة: "لا أزال أُحبّ الأنصار".
وقوله: (زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِمَا)؛ يعني: أن شيخيه الثاني، والثالث زاد في روايتهما على رواية نصر بن عليّ، وقوله: (وَكَانَ جَرِيرٌ أَكْبَرَ مِنْ أَنَسٍ) مفعول به لـ "زاد" محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ) هو شيخه الثالث: (أَسَنَّ مِنْ أنسٍ)؛ أي: بدل قول ابن المثنّى: "أكبر من أنس".
وحاصل ما أشار إليه: أن ابن المثنّى، وابن بشّار زادا في روايتهما على رواية نصر قوله: "وكان جرير. . . إلخ"، إلا أنهما أيضًا اختلفا فيما بينهما، فقال ابن المثنّى: "أكبر من أنس"، وقال ابن بشّار: "أسنّ من أنس"، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٦٤٠٧] (٢٥١٣)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٨٨)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٢٠٦)، و(البيهقيّ) في "شُعَب
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١٦٦، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٨٨).
[ ٣٩ / ٧١٩ ]
الإيمان" (٧/ ٤٦٢) وفي "الأربعين الصغرى" (١/ ١٤٤)، و(ابن عساكر) في "تاريخه" (٩/ ٣٧١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الأنصار، وإنما حصل لهم ذلك ببذلهم نفوسهم، وأموالهم في نصرة رسول الله -ﷺ-، وأصحابه المهاجرين.
٢ - (ومنها): فضل جرير -﵁-، وتواضعه، ومحبته للنبيّ -ﷺ-، فإنه ما حصل له محبّة الأنصار، وخدمتهم إلا بمحبّته -ﷺ-، فقد أخرج الطبرانيّ عن معاوية بن أبي سفيان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم".
قال الهيثميّ: رواه الطبرانيّ، ورجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرّة، وهو ثقة.
وعن زيد بن ثابت؛ أنه كان جالسًا في نفر من الأنصار، فخرج عليهم معاوية، فسألهم عن حديثهم، فقالوا: لنا في حديث الأنصار، فقال معاوية: ألا أزيدكم حديثًا سمعته من رسول الله -ﷺ-؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه".
قال الحافظ الهيثميّ: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ في "الكبير"، و"الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصحيح.
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله".
قال الهيثميّ: رواه أبو يعلى، وإسناده جيّد، ورواه البزار، وفيه محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أن فيه خدمةَ أهل الفضل، والعلم، ومحبّتهم، وإكرامهم، والتودّد إليهم، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "مجمع الزوائد" ١٠/ ٣٩.
[ ٣٩ / ٧٢٠ ]