أما طيّء: فهو -بفتح الطاء المهملة، وتشديد التحتانية المكسورة، بعدها همزة- ابن أُدَد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال: كان اسمه جلهمة، فسُمِّي طيئًا؛ لأنه أول من طوى بئرًا، ويقال: أول من طوى المناهل، قاله في "الفتح" بزيادة من "اللباب" (^٢).
وأما دوس: فهو -بفتح الدال المهملة، وسكون الواو، آخره سين
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٢.
(٢) "الفتح" ٩/ ٥٤٢، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٩٤)، و"اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٢٧١.
[ ٤٠ / ٢٥ ]
مهملة-: ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، بطن كبير من الأزد يُنسب إليهم خلق كثير، قاله في "اللباب" (^١).
وأما تميم: فهو -بفتح التاء المثنّاة الفوقانيّة، وميمين مكسورين، بينهما تحتانيّة ساكنة- ابن مُرّ -بضم الميم، وتشديد الراء- ابن أُدّ -بضم الهمزة، وتشديد الدال المهملة- ابن طابخة -بموحدة مكسورة، ثم معجمة- ابن إلياس بن مُضر بن نزار، قاله في "الفتح" (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٨] (٢٥٢٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أتيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ، صَدَقَةُ طَيِّءٍ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢١١) (م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٤/ ١٦٠٩.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه كان يدلّس، ولا سيما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٥ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ،
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٥١٣.
(٢) "الفتح" ٩/ ٥١٣، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٦٥)
[ ٤٠ / ٢٦ ]
فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٦ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ) بن عبد الله بن سَعْد بن الْحَشْرَج -بفتح الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة، آخره جيم- الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح الطاء المهملة، وآخره فاء- صحابيٌّ شهيرٌ، وكان ممن ثبت في الردّة، وحضر فتوح العراق، وحروب عليّ -﵄-، ومات سنة ثمان وستين، وهو ابن مائة وعشرين سنةً، وقيل: وثمانين (ع) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠١٠.
٧ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عبد العزى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وأن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، مشهور الفضائل، جَمّ المناقب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطائيّ -﵁-؛ أنه (قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁-، هذا الحديث أورده مسلم مختصرًا، وقد ساقه ابن أبي شيبة، وأحمد، وغيرهما مطوّلًا، قال ابن أبي شيبة:
(٣٥٨٩٥) - حدّثنا محمد بن الحسن، حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن عامر، عن عديّ بن حاتم، قال: أتيت عمر في ناس من قومي، فجَعَل يَفْرِض لرجال من طيء في ألفين، ويُعرض عني، فقلت: يا أمير المؤمنين أما تعرفني؟ فضحك حتى استلقى لقفاه، ثم قال: والله لأعرفك، قد آمنتَ إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله -ﷺ-، ووجوه أصحابه صدقة طيء، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سَرَاة عشائرهم؛ لِمَا ينوبهم من الحقوق. انتهى (^١).
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٧/ ٢٦١ - ٢٦٢.
[ ٤٠ / ٢٧ ]
وقال الإمام أحمد -﵀- في "مسنده":
(٣١٦) - حدّثنا بكر بن عيسى، ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم، قال: أتيت عمر بن الخطاب -﵁- في أناس من قومي، فجَعَل يَفرض للرجل من طيّء في ألفين، ويعرض عني، قال: فاستقبلته، فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه، فأعرض عني، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه، ثم قال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيَّضت وجه رسول الله -ﷺ-، ووجوه أصحابه صدقة طيّء، جئت بها إلى رسول الله -ﷺ-، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة عشائرهم؛ لِمَا ينوبهم من الحقوق. انتهى (^١).
وقال البزّار -﵀- في "مسنده":
(٣٣٦) - حدّثنا أحمد، قال: نا هدبة بن خالد، قال: نا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم، قال: أتيت عمر بن الخطاب، وهو يعطي الناس، فأتيته عن يمينه، فأعرض عني، ثم أتيت عن يساره، فأعرض عني، فأتيته من بين يديه، فقلت: يا أمير المؤمنين أما تعرفني؟ قال: بلى، حياك الله بأخير المعرفة، أعرفك أسلمت إذ كفروا، وأعطيت إذ منعوا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، وإن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله -ﷺ- لصدقة قومك، إذ جئت بها تحملها إلى رسول الله -ﷺ-، قال: فقلت: أمّا إذ تعرفني فلا أبالي.
قال أبو بكر -البزّار-: معنى قوله: أسلمت إذ كفروا: أن قومه ارتدُّوا، ولم يرتدّ، ووفيت إذ غدروا: وفيت بما كان عليك من الزكاة، وأعطيت إذ منعوا: حيث منع قومه الزكاة، فقال لهم: هي عليّ في مالي. انتهى (^٢).
وأخرج البخاريّ في "صحيحه" مختصرًا، فقال:
(٤١٣٣) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، حدّثنا عبد الملك عن عمرو بن حريث، عن عديّ بن حاتم قال: أتينا عمر في وَفْد، فجعل يدعو
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ١/ ٤٥.
(٢) "مسند البزار" ١/ ٤٦٩.
[ ٤٠ / ٢٨ ]
رجلًا رجلًا، ويسمِّيهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمتَ إذ كفروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عديّ: فلا أبالي إذًا. انتهى (^١).
(فَقَالَ لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ) -ﷺ-؛ أي: سرّتهم، وأفرحتهم، (صَدَقَةُ طَيِّءٍ) بالهمزة على المشهور، وحُكي تركها؛ أي: صدقة قومك، وهم بنو طيّء، (جِئْتَ بِهَا) بتاء الخطاب، وهو لعديّ؛ أي: أتيت بتلك الصدقة (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)، فابيضّت، وجوه أصحابه؛ لكونها جاءتهم في وقت الحاجة، وفيه بيان فضل قبيلة طيّء، حيث إنهم بيّضوا وجهه -ﷺ-، ووجوه أصحابه -﵃- بصدقاتهم، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: كون هذا الحديث من مسند عمر -﵁- هو الصواب، كما هو عند الحافظ أبي الحجّاج المزيّ -﵁- في "تحفته" (^٢)، وأما جَعْل بعض الشرّاح (^٣) له من مسند عديّ -﵁- فغير صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٦٤٢٨] (٢٥٢٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٢٦١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٥)، و(البزّار) في "مسنده" (١/ ٤٦٩)، و(ابن أبي عاصم) في "الأوائل" (١/ ٧٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٠)، و(الخطيب البغداديّ) في "تاريخ بغداد" (١/ ١٩٠)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٤٠/ ٨٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٤/ ١٥٩٦.
(٢) راجع: "تحفة الأشراف" ٨/ ٨٨ في ترجمة عديّ بن حاتم، عن عمر -﵄-.
(٣) هو الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢٤/ ١٨٢.
[ ٤٠ / ٢٩ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢٩] (٢٥٢٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ، وَأَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ، وَأَبَتْ، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ)؛ أي: ابن طَرِيف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم بن فَهْم بن غَنْم بن دَوْس، كان يقال له: ذو النور، آخره راء؛ لأنه لمّا أتى النبيّ -ﷺ-، وأسلم بعثه إلى قومه، فقال: اجعل لي آية، فقال: "اللَّهُمَّ نَوِّر له"، فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: إنه مُثْلَةٌ، فتحول إلى طَرَف سوطه، وكان يضيء في الليلة المظلمة، ذكره هشام بن الكلبيّ في قصة طويلة، وفيها أنه دعا قومه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تُسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده، وهذا يدلّ على تقدّم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قَدِم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قَدمته الثانية، قاله في "الفتح" (^١).
(وَأَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ، وَأَبَتْ) هكذا وقع عند مسلم بلفظ: "قد كفرت، وأبت"، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "هلكت"، قال في "العمدة": ادَّعى الداوديّ أن قوله: "هلكت" ليس بمحفوظ، وإنما قال: "عصت، وأبت". انتهى (^٢).
(فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا)؛ أي: لتهلك بسبب إبائها، (فَقِيلَ)؛ أي: قال الحاضرون للقصّة، ولم يسمّ أحد منهم: (هَلَكَتْ دَوْسٌ)؛ أي: لأنه -ﷺ- سيدعو
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٥٤١، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٩٢).
(٢) "عمدة القاري" ١٨/ ٣٤.
[ ٤٠ / ٣٠ ]
عليها استجابة لطلب الطفيل، (فَقَالَ) -ﷺ-: ("اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ") إلى المدينة مسلمين، قال في "العمدة": هذا دعاء من النبيّ -ﷺ- لهم بالهداية في مقابلة العصيان، والإتيان به في مقابلة الإباء، وفيه حِرْص النبيّ -ﷺ- على من يُسلم على يديه. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "اللَّهُمَّ اهد دوسًا، وائت بهم" وقع مصداق ذلك، فذكر ابن الكلبيّ أن حبيب بن عمرو بن حثمة الدوسيّ كان حاكمًا على دوس، وكذا كان أبوه من قبله، وعُمِّر ثلاثمائة سنة وكان حبيب يقول: إني لأعلم أن للخلق خالقًا، لكني لا أدري من هو؟ فلما سَمِع بالنبيّ -ﷺ- خرج إليه، ومعه خمسة وسبعون رجلًا من قومه، فأسلم، وأسلموا، وذكر ابن إسحاق أن النبيّ -ﷺ- أرسل الطفيل بن عمرو لِيُحَرِّق صنم عمرو بن حثمة الذي كان يقال له: ذو الْكَفَّين -بفتح الكاف، وكسر الفاء- فأحرقه، وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن الطفيل بن عمرو استُشهِد بأجنادين في خلافة أبي بكر -﵄-، وكذا قال أبو الأسود، عن عروة، وجزم ابن سعد بأنه استُشهِد باليمامة، وقيل: باليرموك. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٦٤٢٩] (٢٥٢٤)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٣٩٢) وفي "الأدب المفرد" (١/ ٢١٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٣ و٤٤٨ و٥٠٢) و"فضائل الصحابة" (٢/ ٨٨٤)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ١٨٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٧٩ و٩٨٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٨/ ٣٢٥ و٣٢٦ و٣٢٧)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ٢٣٩)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٢٥/ ١٥)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٨/ ٣٤.
(٢) "الفتح" ٩/ ٥٤١، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٩٢).
[ ٤٠ / ٣١ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل قبيلة دوس، حيث أسلموا بدعاء النبيّ -ﷺ-.
٢ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ -ﷺ-، حيث طُلب منه الدعاء على دوس، فدعا لهم بالهداية، فهداهم الله -﷾-.
٣ - (ومنها): أن البخاريّ -﵀- عقد بابًا للدعاء على المشركين، وبابًا آخر للدعاء للمشركين، وأورد فيه حديث الباب، والفرق بين المقامين، أنه كان تارةً يدعو عليهم، وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتدّ شوكتهم، ويكثر أذاهم، كما تقدم في أحاديث دعائه -ﷺ- على قريش، وعلى رعل، وذكوان، وعصيّة، وغيرهم، والحالة الثانية حيث تؤمَن غائلتهم، ويرجى تألفهم كما في قصة دوس هذه.
قال في "الفتح": وحَكَى ابن بطال أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين، ودليله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]، قال: والأكثر على أن لا نسخ، وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حقّ من يرجى تألفهم، ودخولهم في الإسلام، ويَحْتَمِل في التوفيق بينهما أن الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر، والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٠] (٢٥٢٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ، مِنْ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"، قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا"، قَالَ: وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ").
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨، كتاب "الدعوات" رقم (٦٣٩٧).
[ ٤٠ / ٣٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْحَارِثُ) بن يزيد الْعُكليّ التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وعبد الله بن يحيى الحضرميّ، وعُمارة بن القعقاع، وهو من أقرانه.
وروى عنه عمارة بن القعقاع أيضًا، وعبد الله بن شُبرمة، وابن عجلان، ومغيرة بن مِقْسَم الضبيّ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كان فقيهًا من أصحاب إبراهيم من عِلّيتهم، وكان ثقةً في الحديث، قديم الموت، لم يرو عنه إلا الشيوخ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ ثقةٌ، لا يُسأل عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وقال الحاكم: قلت للدارقطنيّ: فالحارث بن يزيد الْعُكْليّ؟ قال: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال في "الفتح": الحارث هو ابن يزيد، و"الْعُكْليّ" -بضم المهملة، وسكون الكاف-، وليس له في البخاريّ إلا هذا الحديث، وقد أغفله الكلاباذي من رجال البخاريّ، وهو ثقةٌ جليل القدر، من أقران الراوي عنه مغيرة، لكنه تقدم عليه في الوفاة، والإسناد كله كوفيون، غير طرفيه الصحابيّ، وشيخ البخاريّ، زهير بن حرب (^١).
أخرج له البخاريّ مقرونًا، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جريرٌ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و"مغيرة" هو: ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٣٧٤، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
[ ٤٠ / ٣٣ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين غير الصحابيّ، فمدنيّ، وغير شيخه، فبغلانيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) البجليّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-: (لَا) نافية، (أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ)؛ أي: القبيلة الكبيرة المشهورة، ينتسبون إلى تميم بن مُرّ -بضم الميم، بلا هاء- ابن أُدّ -بضم أوله، وتشديد الدال- ابن طابخة -بموحدة مكسورة، ومعجمة- ابن إلياس بن مضر، كما تقدّم أول الباب.
وذكر ابن إسحاق: أن أشراف بني تميم قَدِموا على النبيّ -ﷺ-، منهم: عُطارد بن حاجب الدارميّ، والأقرع بن حابس الدارميّ، والزِّبْرِقان بن بَدْر السعديّ، وعمرو بن الأهتم الْمِنْقَريّ، والْحُباب بن يزيد المجاشعيّ، ونعيم بن يزيد بن قيس بن الحارث، وقيس بن عاصم المنقريّ، قال ابن إسحاق: ومعهم عُيينة بن حصن، وكان الأقرع وعيينة شهدا الفتح، ثم كانا مع بني تميم، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله -ﷺ- من وراء حجرته، فذكر القصة (^١).
(مِنْ ثَلَاثٍ) "من" ابتدائيّة؛ أي: من ابتداء ثلاث خصال، ولفظ البخاريّ: "بعد ثلاث"، وفي رواية له: "ما زلت أحبّ بني تميم منذ ثلاث"؛ أي: من حين سمعت الخصال الثلاث، زاد أحمد من وجه آخر، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: "وما كان قوم من الأحياء أبغض إليّ منهم، فأحببتهم". انتهى، وكأنّ ذلك لِمَا كان يقع بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة، قاله في "الفتح" (^٢).
(سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)، ثم فصّل ما أجمله في هذا بقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "هُمْ)؛ أي: بنو تميم، (أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"؛ أي:
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٥١٣، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٦٥).
(٢) "الفتح" ٦/ ٣٧٤، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
[ ٤٠ / ٣٤ ]
في مقاتلته، ودحض باطله، وفي رواية الشعبيّ عن أبي هريرة التالية: "هم أشدّ الناس قتالًا في الملاحم"، وهي أعمّ من رواية أبي زرعة هذه، ويمكن أن يُحْمَل العامّ في ذلك على الخاصّ، فيكون المراد بالملاحم: أكبرها، وهو قتال الدجال، أو ذَكَر الدجال ليدخل غيره بطريق الأَولى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "هم أشد أمتي على الدجال" تصريح بأن بني تميم لا ينقطع نَسْلهم إلى يوم القيامة، وبأنهم يتمسكون في ذلك الوقت بالحقّ، ويقاتلون عليه، وفي الرواية الأخرى: "هم أشد الناس قتالًا في الملاحم"؛ يعني: الملاحم التي تكون بين يدي الدجال، أو مع الدجال، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
(قَالَ) أبو هريرة: (وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ)؛ أي: صدقات بني تميم إلى النبيّ -ﷺ-، ووقع عند الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق الشعبيّ، عن أبي هريرة في هذا الحديث: "وأُتي النبيّ -ﷺ- بنَعَم من صدقة بني سعد، فلما راعه حُسْنها قال: هذه صدقة قومي". انتهى، وبنو سعد بطن كبير شهير من تميم، يُنسبون إلى سعد بن زيد مناة بن تميم، من أشهرهم في الصحابة: قيس بن عاصم بن سنان بن خالد السعديّ، قال فيه النبيّ -ﷺ-: "هذا سيد أهل الْوَبَر" (^٣).
(فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا") فأضافهم إلى نفسه، ففيه غاية التشريف والتكريم.
وقال في "الفتح": إنما نسبهم -ﷺ- إليه؛ لاجتماع نسبهم بنسبه -ﷺ- في إلياس بن مضر. (قَالَ: وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ) -بفتح السين المهملة، وكسر الموحّدة، وتشديد التحتانية، وتخفيفها، ثم همزة- أي: جارية مَسبيّة، فَعِيلة بمعنى مفعولة.
(مِنْهُمْ)؛ أي: من بني تميم، وللبخاريّ: "فيهم"؛ أي: في بني تميم، والمراد: بطن منهم، وقد وقع عند الإسماعيليّ من طريق أبي معمر، عن جرير:
_________________
(١) " الفتح" ٦/ ٣٧٤، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٧٦.
(٣) "الفتح" ٦/ ٣٧٥، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
[ ٤٠ / ٣٥ ]
"وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل، فقَدِم سبي خولان، فقالت عائشة: يا رسول الله أبتاع منهم؟ قال: لا، فلما قَدِم سبي بني العنبر، قال: ابتاعي، فإنهم ولد إسماعيل"، ووقع عند أبي عوانة من طريق الشعبيّ عن أبي هريرة أيضًا: "وجيء بسبي بني العنبر". انتهى، وبنو العنبر بطن شهير أيضًا من بني تميم، يُنسبون إلى العنبر، وهو بلفظ الطِّيب المعروف، ابن عمرو بن تميم (^١).
[تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: وقع في نسخة "الصحيحين": سَبِيّة بوزن فَعِيلة مفتوح الأول من السبي، أو من السباء، قال: ولم أقف على اسمها، لكن عند الإسماعيليّ من طريق هارون بن معروف، عن جرير: "نَسَمَةٌ" -بفتح النون، والمهملة- أي: نفس، وله من رواية أبي معمر: "وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل"، وفي رواية الشعبي المذكورة عند أبي عوانة: "وكان على عائشة مُحَرَّر"، وبَيَّن الطبراني في "الأوسط" في رواية الشعبي المذكورة المراد بالذي كان عليها، وأنه كان نذرًا، ولفظه: "نذرت عائشة أن تُعتق مُحَرَّرًا من بني إسماعيل"، وله في "الكبير" من حديث دُرَيح، وهو بمهملات مصغرًا ابن ذؤيب بن شُعْثُم -بضم المعجمة، والمثلثة، بينهما عين مهملة- الْعَنْبَريّ: "أن عائشة قالت: يا نبي الله إني نذرت عتيقًا من ولد إسماعيل، فقال لها النبيّ -ﷺ-: "اصبري حتى يجيء فيء بني العنبر غدًا"، فجاء فيء بني العنبر، فقال لها: "خذي منهم أربعة"، فأخذت رُديحًا، وزُبيبًا، وزُخيًا، وسمرة". انتهى (^٢).
فأما "رُديح" فهو المذكور، وأما زُبيب فهو بالزاي، والموحدة، مصغرًا أيضًا، وضَبَطه العسكريّ بنون، ثم موحّدة، وهو ابن ثعلبة بن عمرو، و"زُخيّ" بالزاي، والخاء المعجمة، وتشديد الياء، مصغَّرًا أيضًا، وضبطه ابن عون بالراء أوله، و"سمرة" هو ابن عمرو بن قُرْط -بضم القاف، وسكون الراء-، قال في الحديث المذكور: "فمسح النبيّ -ﷺ- رؤوسهم، وبَرَّك عليهم، ثم قال: يا عائشة هؤلاء من بني إسماعيل قصدًا". انتهى (^٣).
والذي تعيَّن لِعِتْق عائشة -﵂- من هؤلاء الأربعة، إما رُديح، وإما زُخَيّ، ففي
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٣٧٥، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
(٢) "عمدة القاري" ١٣/ ١٠٥.
(٣) "عمدة القاري" ١٣/ ١٠٥.
[ ٤٠ / ٣٦ ]
"سنن أبي داود" من حديث الزُّبيب بن ثعلبة ما يُرشد إلى ذلك، وفي أول الحديث عنده: "بعث رسول الله -ﷺ- جيشًا إلى بني العنبر، فأخذوهم برُكْبة من ناحية الطائف، فاستاقوهم إلى رسول الله -ﷺ-، و"رُكْبة" بضم الراء، وسكون الكاف، بعدها موحّدة: موضع معروف، وهي غير ركوبة الثنية المعروفة التي بين مكة والمدينة، وذكر ابن سعد أن سرية عيينة بن حصن هذه كانت في المحرّم سنة تسع من الهجرة، وأنه سُبي إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًّا، والله أعلم. انتهى (^١).
وقوله: (عِنْدَ عَائِشَةَ) خبر "كانت"، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ") فيه دليل للجمهور في صحة تملّك العربيّ، وإن كان الأفضل عِتْق من يُسترقّ منهم، ولذلك قال عمر: من العار أن يملك الرجل ابن عمه، وبنت عمه، حكاه ابن بطال، عن المهلّب.
وقال ابن المنير: لا بدّ في هذه المسألة من تفصيل، فلو كان العربيّ مثلًا من ولد فاطمة -﵂- وتزوج أمة بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبي من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه، فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حريته حتمًا، والله أعلم (^٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٦٤٣٠ و٦٤٣١ و٦٤٣٢] (٢٥٢٥)، و(البخاريّ) في "العتق" (٢٥٤٣) و"المغازي" (٤٣٦٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٠)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢١٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٠٨)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٤٥)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٢/ ٣٦٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٩٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٣٧٥، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
(٢) "الفتح" ٦/ ٣٧٥، كتاب "العتق" رقم (٢٥٤٣).
[ ٤٠ / ٣٧ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان فضيلة ظاهرة لبني تميم، وكان فيهم في الجاهلية، وصَدْر الإسلام جماعة من الأشراف والرؤساء.
ثم إن هذه الفضيلة لا تعارض ما ورد من فضيلة مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار علي بني تميم؛ لأن محصّل ما سبق أن هذه القبائل الخمسة أفضل من بني تميم، ولا يلزم منه أن لا يكون لبني تميم فضل أصلًا (^٢)، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ عما سيأتي من الأحوال الكائنة في آخر الزمان.
٣ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من نَسَب جميع اليمن إلى بني إسماعيل؛ لتفرقته -ﷺ- بين خولان، وهم من اليمن، وبين بني العنبر، وهم من مضر، والمشهور في خولان أنه ابن عمرو بن مالك بن الحارث، من وَلَدِ كهلان بن سبأ، وقال ابن الكلبيّ: خولان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، قاله في "الفتح"، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَني تَمِيمٍ، بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَقُولُهَا فِيهِمْ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرُمة -بضم الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة ساكنة- الضبيّ -بالضادّ المعجمة، والموحّدة- الكوفيّ، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
_________________
(١) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها حديث قصّة بني تميم المذكور في الباب، لا خصوص سياق مسلم، بل يعمّ ما أوردته في الشرح؛ كالفائدة المذكورة آخر المسألة، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(٢) راجع: "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٩٣.
[ ٤٠ / ٣٨ ]
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة هذه ساقها إسحاق بن راهويه -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٧١) - أخبرنا جرير، عن عُمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: لا أزال أُحبّ بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله -ﷺ- فيهم، قال: "هم أشدّ أمتي على الدجال"، فكانت عند عائشة -﵂- سَبِيّة منهم، فقال رسول الله -ﷺ-: "أعتقها، فإنها من ولد إسماعيل"، وجاءت صدقات بني تميم، فقال: "هذه صدقات قومنا". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَازِنيُّ إِمَامُ مَسْجِدِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ثَلَاثُ خِصَالٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي بَنِي تَمِيمٍ، لَا أَزَالُ أُحِبُّهُمْ بَعْدُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِهَذَا الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قِتَالًا فِي الْمَلَاحِمِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّجَّالَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، وقيل: إن حفصًا جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
٢ - (مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَازِنيُّ إِمَامُ مَسْجدِ دَاوُدَ) (^٢) أبو محمد البصريّ، صدوقٌ له أوهام [٨].
رَوَى عن داود بن أبي هند، وإياس بن دَغْفَل، ويزيد الرَّقَاشيّ.
_________________
(١) "مسند إسحاق بن راهويه" ١/ ٢١٥.
(٢) الظاهر أنه مسجد داود بن أبي هند الذي هو شيخه، وأكثر الرواية عنه، كما في ترجمته، والله تعالى أعلم.
[ ٤٠ / ٣٩ ]
وروى عنه الأصمعيّ، والشاذكونيّ، وعلي ابن المديني، وحامد بن عمر البكراويّ، وقيس بن حفص الدارميّ، وأبو همام، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ضعيفٌ، حدّث عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير، وأسند عنه، قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، يحدّث عن داود أحاديث حسانًا، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن أبي خيثمة: حدّثنا القواريريّ، حدّثنا مسلمة بن علقمة، وكان عالِمًا بحديث داود بن أبي هند، حافظًا له، وكان يُقال: في حفظه شيء، وقال الآجريّ عن أبي داود: تَرَك عبد الرحمن حديثه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل العقيليّ عن أحمد بن محمد: سألت أبا عبد الله عن مسلمة بن علقمة رأيته؟ قال: لا، قلت: كيف هو؟ قال: لا أدري أخبرك، يروون عنه أحاديث مناكير، وأراهم قد تساهلوا في الرواية عنه، قال: وسمعت عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه لم يكن بالراضي عنه، وقال الساجيّ: روى عن داود بن أبي هند مناكير، وكان قدريًّا، سمعت ابن مثنى يقول: ما سمعت عبد الرحمن يحدّث عنه بشيء، أراه لبدعته، وقال أبو القاسم البغويّ: بصريّ صالح الحديث، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وقال: وله عن داود مناكير، وما لا يتابَع عليه من حديثه كثير، وذَكَر له ابن عديّ أحاديث، وقال: وله غير ما ذكرت مما لا يتابَع عليه. انتهى (^١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "فضائل الأنصار"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: لا يوجد في "صحيح مسلم" ممن اسمه مسلمة إلا صاحب الترجمة هذا، ولا يوجد في "صحيح البخاريّ " أصلًا، راجع كتابي "قرة العين" (^٢)، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٧٦.
(٢) "قرّة العين في تلخيص تراجم رجال الصحيحين" (ص ٢١٠ - ٢١١).
[ ٤٠ / ٤٠ ]
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يَهِم بأخرة [٥] (ت ١٤٠) وقيل: قبلها (خ ت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"الشعبيّ" هو: عامر بن شَرَاحيل.
[تنبيه]: رواية الشعبيّ عن أبي هريرة -﵁- هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(١٧٨٥٤) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، ثنا حامد بن عمر البكراويّ، ثنا مسلمة بن علقمة المازنيّ، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة -﵁- قال: ثلاث سمعتهنّ لبني تميم من رسول الله -ﷺ-، لا أُبغض بني تميم بعدهنّ أبدًا، كان على عائشة -﵂- نَذْر محرَّر مِن وَلَد إسماعيل، فسُبِيَ سَبْيٌ من بني العنبر، فلما جيء بذلك السبي، قال لها رسول الله -ﷺ-: "إن سَرّك أن تفي بنذرك، فأعتقي محرّرًا من هؤلاء"، فجَعَلهم من ولد إسماعيل، وجيء بنَعَمٍ من نَعَم الصدقة، فلما رآه، راعه حُسْنه، قال: فقال: "هذا نَعَم قومي"، فجعلهم قومه، قال: وقال: "هم أشدّ الناس قتالًا في الملاحم". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.