وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٣] (٢٥٢٦) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ، إِذَا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَمْرِ، أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ، ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ").
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٩/ ٧٥.
[ ٤٠ / ٤١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ)؛ أي: أصولًا مختلفةً، والمعادن: جمع معدن، وهو الشيء المستقِرّ في الأرض، فتارةً يكون نفيسًا، وتارةً يكون خسيسًا، وكذلك الناس (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-: "تجدون الناس معادن"؛ أي: كالمعادن، وهو مَثَلٌ، وقد جاء في حديث آخر: "الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة"، ووجه التمثيل: أن المعادن مشتملة على جواهر مختلفة، منها النفيس، والخسيس، وكلّ من المعادن يُخرج ما في أصله، وكذلك الناس كل منهم يَظهر عليه ما في أصله؛ فمن كان ذا شرف في الجاهلية، فأسلم لم يَزِدْه الإسلام إلا شرفًا؛ فإنْ تفقّه في دين الله، فقد وصل إلى غاية الشرف؛ إذ قد اجتمعت له أسباب الشرف كلها، فيصدق عليه قوله: "فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
والمعادن: واحدها معدن -بكسر الدال-؛ لأنَّه موضع العدن؛ أي: الإقامة اللازمة، ومنه: جنات عدن، وسمّي المعدن بذلك؛ لأنَّ الناس يقيمون فيه صيفًا وشتاءً، قاله الجوهريّ. انتهى (^٢).
(فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ) وجه التشبيه أن المعدن لمّا كان إذا استُخرج ظهر ما اختفى منه، ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الشرف لا
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٤٧، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٣).
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٧٧.
[ ٤٠ / ٤٢ ]
تتغير في ذاتها، بل مَن كان شريفًا في الجاهلية، فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمرّ شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية (^١). (إِذَا فَقُهُوا) بضمّ القاف، ويجوز كسرها، وفيه إشارة إلى أن الشرف الإسلاميّ لا يتمّ إلا بالتفقه في الدين، وعلى هذا فتنقسم الناس أربعة أقسام، مع ما يقابلها:
الأول: شريف في الجاهلية، أسلم، وتفقه، ويقابله مَشرُوف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه.
الثاني: شريف في الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، لم يُسلم، وتفقه.
الثالث: شريف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، أسلم، ثم تفقه.
الرابع: شريف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم، ولم يتفقه. فأرفعُ الأقسام مَن شَرُف في الجاهلية، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان مشروفًا، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان شريفًا في الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه، ويليه من كان مشروفًا، ثم أسلم، ولم يتفقه، وأما من لم يسلم، فلا اعتبار به، سواء كان شريفًا، أو مشروفًا، وسواء تفقه، أو لم يتفقه، والله أعلم.
والمراد بالخيار والشرف وغير ذلك: مَن كان متصفًا بمحاسن الأخلاق؛ كالكرم، والعفّة، والحِلم، وغيرها، متوقيًا لمساويها؛ كالبخل، والفجور، والظلم، وغيرها (^٢).
(وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ) قال القرطبيّ -﵀-: هكذا الرواية: "من خير الناس"، وهي لبيان جنس الخيرية؛ كأنه قال: تجدون أكره الناس في هذا الأمر من خيارهم، ويصحّ أن يقال على مذهب الكوفيين: إنها زائدة؛ فإنَّهم
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٤٧ - ١٤٨، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٣).
(٢) "الفتح" ٨/ ١٤٨، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٣).
[ ٤٠ / ٤٣ ]
يجيزون زيادة "من" في الموجَب، كما تقدَّم، ويعني بالأمر: الولايات؛ وإنَّما يكون من يكرهها من خير الناس؛ إذا كانت كراهته لها لعلّة تعظيم حقوقها، وصعوبة العدل فيها، ولخوفه من مطالبة الله تعالى بالقيام بذلك كله، ولذلك قال فيها: "نعمت المرضعة، بئست الفاطمة"، وكفى بذلك ما تقدَّم من قوله -ﷺ-: "ما من أمير عشيرة إلا يُؤتَى يوم القيامة مغلولًا، حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور". انتهى (^١).
(فِي هَذَا الأَمْرِ)؛ أي: الولاية، والإمرة. (أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: "أشدّهم له كراهيةً": قال في "الفتح": أي: أن الدخول في عُهدة الإِمْرة مكروهة من جهة تحمّل المشقة فيه، وإنما تشتد الكراهة له ممن يتصف بالعقل والدِّين؛ لِمَا فيه من صعوبة العمل بالعدل، وحَمْل الناس على رفع الظلم، ولمَا يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوقه، وحقوق عباده، ولا يخفى خيرية من خاف مقام ربه.
وأما قوله في الطريق التي بعد هذه: "تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ، أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً"، فإنه قيّد الإطلاق في الرواية الأُولى، وعُرف أن "من" فيه مرادةٌ، وأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الإطلاق.
وأما قوله: "حَتَّى يَقَعَ فِيهِ" فاختُلِف في مفهومه، فقيل: معناه أن من لم يكن حريصًا على الإمرة غير راغب فيها، إذا حصلت له بغير سؤال تزول عنه الكراهة فيها؛ لِمَا يُرَى من إعانة الله له عليها، فيأمَن على دينه ممن كان يُخاف عليه منها قبل أن يقع فيها، ومِن ثَمَّ أحب من أحب استمرار الولاية من السلف الصالح حتى قاتل عليها، وصَرَّح بعض من عُزِل منهم بأنه لم تَسُرّه الولاية، بل ساءه العزل.
وقيل: المراد بقوله: "حتى يقع فيه": أي: فإذا وقع فيه لا يجوز له أن يكرهه.
وقيل: معناه: أن العادة جَرَت بذلك، وأن من حَرَص على الشيء،
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٧٨.
[ ٤٠ / ٤٤ ]
ورَغِب في طلبه قلَّ أن يحصل له، ومن أعرض عن الشيء، وقَلَّت رغبته فيه يحصل له غالبًا، والله أعلم (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "وتجدون من خير الناس في هذا الأمر. . . إلخ" قال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن المراد به الإسلام، كما كان من عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وغيرهم، من مسلمة الفتح، وغيرهم، ممن كان يكره الإسلام كراهية شديدة لَمّا دخل فيه أخلص، وأحبه، وجاهد فيه حقّ جهاده، قال: ويَحْتَمِل أن المراد بالأمر هنا: الولايات والإمارات؛ لأنه إذا أعطيها من غير مسألة أعين عليها. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد كون الإسلام مراد بالأمر هنا، فالصواب أنه أمر الولايات، كما هو ظاهر سياق الحديث، فتأمله بالإمعان، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
(وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ) وفي رواية للبخاريّ: "تجدُ من شرار الناس"، وفي رواية له بلفظ: "تجدون شر الناس"، وأخرجه الترمذيّ بلفظ: "إن من شر الناس"، وأخرجه أبو داود بلفظ: "من شر الناس ذو الوجهين"، وهذه الألفاظ متقاربة، والروايات التي فيها: "شرّ الناس" محمولة على الرواية التي فيها: "من شر الناس"، ووصفه بكونه شرّ الناس، أو من شر الناس مبالغة في ذلك (^٣)، ورواية: "أشر الناس" بزيادة الألف لغة في شرّ، يقال: خير وأخْير، وشرّ وأشر، بمعنى، ولكن الذي بالألف أقلّ استعمالًا.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالناس: مَن ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصّة، فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهرًا، فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذُكر من خداعه الفريقين؛ ليطّلع على أسرارهم، فهو شرّهم كلهم، والأَولى حَمْل الناس على عمومه، فهو أبلغ في الذمّ.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٤٨ - ١٤٩، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٣).
(٢) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٦٣، و"شرح النوويّ" ١٦/ ٧٩.
(٣) "عمدة القاري" ٢٢/ ١٣١.
[ ٤٠ / ٤٥ ]
وقد وقع في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي شهاب، عن الأعمش، بلفظ: "من شر خلق الله ذو الوجهين".
وقوله: (ذَا الْوَجْهَيْنِ) مفعول أول لـ "تجدون"، والثاني قوله: "من أشرار الناس"، وقوله: (الَّذي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاء بِوَجْهٍ") تفسير لـ "ذا الوجهين"، قال القرطبيّ -﵀-: إنما كان ذو الوجهين شرّ الناس؛ لأن حاله حال المنافق؛ إذ هو متملّق بالباطل، وبالكذب، مُدخل للفساد بين الناس.
وقال النوويّ -﵀-: المراد بذي الوجهين: من يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيُظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق، ومحض كذب، وخِداع، وتحيّل على الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة، قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. انتهى (^١).
وقال غيره: الفرق بينهما أن المذموم: من يزيّن لكل طائفة عملها، ويقبّحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود: أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح، ويؤيد هذه التفرقة رواية الإسماعيليّ بلفظ: "الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء" (^٢).
وقال في "العمدة": ذو الوجهين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه، كما بُيّن في الحديث، وهذه هي المداهنة المحرّمة، وسُمّي ذو الوجهين مداهنًا؛ لأنه يُظهر لأهل المنكر أنه عنهم راض، فيلقاهم بوجه سَمْحٍ بالترحيب والبِشر، وكذلك يُظهر لأهل الحقّ ما أظهره لأهل المنكَر، فبخلطه لكلتا الطائفتين، وإظهارِه الرضى بفعلهم استحقّ اسم المداهنة، واستحقّ الوعيد الشديد أيضًا. انتهى (^٣).
وقال ابن عبد البرّ -﵀-: هذا حديث ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره في البيان عن ذمّ من هذه حالته، وفِعله، وخُلُقه -عصمنا الله برحمته- وقد تأول
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ١٥٦.
(٢) "الفتح" ٨/ ١٤٩، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٣).
(٣) "عمدة القاري" ٢٢/ ١٣١.
[ ٤٠ / ٤٦ ]
قوم في هذا الحديث أنه الذي يرائي بعمله، ويُري الناس خشوعًا، واستكانةً، ويريهم أنه يخشى الله حتى يكرموه، وليس الحديث على ذلك، والله أعلم، وقوله: "يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه" يردّ هذا التأويل، وما يَحتاج ذم الرياء إلى استنباط معنى من هذا الحديث وشِبْهه؛ لأن الآثار فيه عن النبيّ -ﷺ-، وعن السلف أكثر من أن تحصى، ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: "لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينًا"، قال: ومن هذا الحديث -والله أعلم- أخَذ القائل قوله:
إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ يَكْشِرُ لِي … حِينَ يَلْقَانِي وَإِنْ غِبْتُ شَتَمْ
انتهى (^١).
قال الحافظ بعد نقل كلام ابن عبد البرّ: قلت: وقد اقتصر في رواية الترمذيّ على صدر الحديث، لكن دلّت بقية الروايات على أن الراوي اختصره، فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش، وقد ثبت هنا من رواية الأعمش بتمامه، ورواية ابن نمير التي أشرت إليها هي التي تردّ التأويل المذكور صريحًا، وقد رواه البخاريّ في "الأدب المفرد" من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينًا"، وأخرج أبو داود من حديث عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار".
وفي الباب عن أنس، أخرجه ابن عبد البر بهذا اللفظ، وهذا يتناول الذي حكاه ابن عبد البرّ عمن ذَكَره، بخلاف حديث الباب، فإنه فسّر بمن يتردد بين طائفتين من الناس، والله أعلم. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "التمهيد لابن عبد البرّ" ١٨/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٢) "الفتح" ٨/ ١٤٩، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٣).
[ ٤٠ / ٤٧ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ٦٤٣٣ و٦٤٣٤] (٢٥٢٦)، وسيأتي عقب حديث (٢٦٠٤)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٣٥٣ و٣٣٧٤) و"المناقب" (٣٤٩٣ و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٥٨٧) و"الأدب" (٦٠٥٨) و"الأحكام" (٧١٧٩)، و(أبو داود) في "الأدب" (٤٨٧٣)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (٢٠٢٥)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٩٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٧ و٣٣٦ و٤٥٥ و٤٩٥)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٢٦ و٢/ ٢٤٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٥٤ و٥٧٥٥ و٥٧٥٦ و٥٧٥٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٤١ و١٤٢)، و(الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٣/ ١٦ و٤/ ٢٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٤٦)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٥٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفاوت الناس في مراتبهم، وأنهم كمعادن الذهب والفضّة، حيث تشتمل على النفيس والخسيس.
٢ - (ومنها): بيان فضل الفقه، وأن الإنسان يشرُف بقدر ما عنده من الفقه في الدين، وهو معنى قوله -ﷺ- في المتّفق عليه: "من يُرِدِ الله به خيرًا يفقّهه في الدين".
٣ - (ومنها): بيان أن الإسلام لا ينقص الشريف عن شرفه، بل يزيد شرفًا على شرفه، ولذا كان من هدي النبيّ -ﷺ- إذا أتاه وفد سألهم: "من سيّدكم؟ " فإذا أخبره ولّاه عليهم.
٤ - (ومنها): مدح كراهية الإمارة، والخلافة، وذمّ الحرص عليها؛ لأن أخطارها كثيرة، ومسؤوليّتها في الدنيا والآخرة صعبة، لذا قال -ﷺ-: "نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة"، رواه البخاريّ.
٥ - (ومنها): ذم ذي الوجهين من الناس الذي يأتي المؤمنين بوجه، ويأتي أعداءهم بوجه آخر يتودّد إلى كليهما؛ ليعلم أسرارهما، فإنه من المفسدين في الأرض، ومن أشرّ الناس عند الله تعالى، ومن المنافقين الذين يخادعون الله، وهو خادعهم، فينبغي للإنسان أن يجتنب هذا الخُلُق الذميم، ويتحلّى بالخلق الحسن الذي هو خلق النبيّ الكريم -عليه أفضل الصلاة، وأزكى التسليم-، قال الله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، والله تعالى أعلم.
[ ٤٠ / ٤٨ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال:
[٦٤٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ"، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، وَالأَعْرَجِ: "تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، حَتَّى يَقَعَ فِيهِ").
رجال هذين الإسنادين: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية أبي زرعة عن أبي هريرة -﵁- ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٣٣٠٤) - حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام؛ إذا فَقُهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهيةً، وتجدون شرّ الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه". انتهى (^١).
ورواية الأعرج عن أبي هريرة -﵁- ساقها البخاريّ -﵀- أيضًا في "صحيحه" بسند المصنّف، بزيادة في "أوله"، فقال:
(٣٣٠٥) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا المغيرة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-؛ أن النبيّ -ﷺ- قال: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام؛ إذا فقُهوا، تجدون من خير الناس أشدّ الناس كراهية لهذا الشأن، حتى يقع فيه". انتهى.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٢٨٨.
[ ٤٠ / ٤٩ ]