وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٥] (٢٥٢٧) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ -قَالَ أَحَدُهُمَا-: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ -وَقَالَ الآخَرُ-: نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد المكيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأن الإسناد الأول مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخه، وسفيان، فمكيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- وقوله: (وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عطف على قوله:
[ ٤٠ / ٥٠ ]
"عن أبي الزناد"، فلابن عيينة في هذا الحديث سندان: أحدهما عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-، والثاني: عن ابن طاوس - (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ نِسَاءٍ) مبتدأ خبره قوله: "نساء قريش"، وفي الرواية الآتية: ""نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ"، وقوله: (رَكِبْنَ الإِبلَ) صفة لـ "نساء"، وهو كناية عن العرب، قال سفيان بن عيينة: (قَالَ أَحَدُهُمَا)؛ أي: أحد الشيخين: أبو الزناد، أو عبد الله بن طاوس، (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ)؛ أي: بزيادة لفظة "صالح"، (وَقَالَ الآخَرُ -: نِسَاءُ قُرَيْشٍ) بحذف لفظة "صالح"، سيأتي من رواية معمر عن ابن طاوس أنه هو الذي زاد لفظة: "صالح".
فقوله: "نساء قريش" هذا المطلق محمول على المقيَّد؛ أعني: "صالح نساء قريش"، فالمحكوم له بالخيرية الصالحات من نساء قريش، لا على العموم، والمراد بالصلاح هنا: صلاح الدِّين، وحُسْن المخالطة مع الزوج، ونحو ذلك، أفاده في "الفتح" (^١).
وقال في "الفتح" أيضًا: قوله: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، وقال الآخر: صالح نساء قريش"، في رواية الكشميهنيّ: "صُلَّح" بضم الصاد المهملة، وتشديد اللام، بعدها جاء مهملة، وهي صيغة جمع.
وحاصله: أن أحد شيخَيْ سفيان اقتصر على "نساء قريش"، وزاد الآخر: "صالح"، قال: ولم أره عن سفيان إلا مبهمًا، لكن ظهر من رواية شعيب، عن أبي الزناد الماضية في أول "النكاح"، ومن رواية معمر، عن ابن طاوس عند مسلم أن الذي زاد لفظة "صالح" هو ابن طاوس، ووقع في أوله عند مسلم من طريق الزهريّ عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة -﵁- بيان سبب الحديث، ولفظه: "أن النبيّ -ﷺ- خطب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله، إني قد كَبِرت، وَلي عيال. . ."، فذكر الحديث.
وقوله: (أَحْنَاهُ) بحاء مهملة، ثم نون، من الْحُنُوّ، وهو العطف،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٤٩، كتاب "النكاح" رقم (٥٠٨٢).
[ ٤٠ / ٥١ ]
والشفقة، قال ابن التين: الحانية عند أهل اللغة: التي تُقيم على ولدها، فلا تتزوج، فإن تزوجت فليست بحانية.
وقال في "العمدة": قوله: "أحناه على طفل"؛ يعني: أشفقه، وأعطفه، وكان القياس أن يقال: أحناهنّ، لكن قالوا: العرب لا تتكلم في مثله إلا مفردًا، وقال ابن الأثير: إنما وَحَّد الضمير ذهابًا إلى المعنى، تقديره: أحنى مَن وُجِد، أو خُلق، أو مَن هناك، ومثله قوله: "أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خُلُقًا"، يريد: أحسنهم خُلقًا، وهو كثير في العربية، ومن أفصح الكلام، وأحنى على وزن أفعل التفضيل، من حَنَى يحنو، أو حَنَى يعني، ومنه الحانية، وهي التي تقيم على ولدها، ولا تتزوج شفقةً وعطفًا، ويقال: حَنَت المرأة على ولدها تحنو: إذا لم تتزوج بعد أبيهم.
وفي "التوضيح": وفي بعض الكتب: أحنّاه بتشديد النون، وقال ابن التين: ولعله مأخوذ من الحنان، وهو الرحمة، ومنه حنين المرأة، وهو نزاعها إلى ولدها، وإن لم يكن لها صوت عند ذلك، وقد يكون حنينها: صوتها، على ما جاء في الحديث من حنين الجذع، والأصل فيه: ترجيع الناقة صوتها على إثر ولدها. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "أحناه" بسكون المهملة، بعدها نون: أكثره شفقةً، والحانية على ولدها هي التي تقوم عليهم في حال يُتْمهم، فلا تتزوج، فإن تزوجت فليست بحانية، قاله الهرويّ، وجاء الضمير مذكّرًا، وكان القياس أحناهنّ، وكأنه ذُكِّر باعتبار اللفظ، والجنس، أو الشخص، أو الإنسان، وجاء نحو ذلك في حديث أنس -﵁-: "كان النبيّ -ﷺ- أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلقًا"، بالإفراد في الثاني، وحديث ابن عباس -﵄- في قول أبي سفيان: "عندي أحسن العرب، وأجمله، أم حبيبة" بالإفراد في الثاني أيضًا، قال أبو حاتم السجستانيّ: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردًا. انتهى (^٢).
وقوله: (عَلَى يَتِيمٍ فِي صِغَرِهِ) وفي الرواية التالية: "على ولده في صغره"،
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦.
(٢) "الفتح" ١١/ ٣٤٩، كتاب "النكاح" رقم (٥٠٨٢).
[ ٤٠ / ٥٢ ]
وفي رواية: "على طفل"، قال في "الفتح": في رواية الكشميهنيّ: "على ولد" بلا ضمير، وهو أوْجَه، والتقييد باليُتْم والصِّغَر يَحْتَمِل أن يكون معتبَرًا مِن ذِكر بعض أفراد العموم؛ لأن صفة الحنوّ على الولد ثابتة لها، لكن ذُكرت الحالتان؛ لكونهما أظهر في ذلك. انتهى (^١).
وقال وليّ الدين العراقيّ -﵀-: قوله: "أحناه": أي: أشفقه، والحانية على ولدها: التي تقوم عليهم بعد تيتّمهم، فإن تزوجت فليست بحانية، قاله الهرويّ، وقوله: "على ولد" قد عرفت أن في الرواية الأخرى: "على يتيم"، فقد يُجعل هذا من الإطلاق والتقييد، ويُحْمَل المطلق على المقيد، وقد يقال: هو مِن ذِكر بعض أفراد العموم فهي حانية على ولدها مطلقًا، لكن الذي تَقْوَى حاجته إلى حنوّها هو اليتيم، أما من أبوه حيّ فمستغنٍ عنها برَفْد أبيه، ولذلك قيّد الولد بالصِّغر؛ لاستغنائه عن حنوّ الأم بعد كِبَره. انتهى (^٢).
وقوله: (وَأَرْعَاهُ) هو أيضًا أفعل تفضيل، مِن رَعَى يَرْعَى رِعايةً، والكلام فيه مثل الكلام في "أحناه" (^٣)؛ والمعنى: أي: أحفظ، وأصون لِمَا له بالأمانة فيه، والصيانة له، وترك التبذير في الإنفاق. (عَلَى زَوْجٍ) من الرعاية، وهي الإبقاء، (فِي ذَاتِ يَدِهِ)؛ أي: في ماله المضاف إليه، ومنه قولهم: فلان قليل ذات اليد: أي: قليل المال.
وقال قاسم بن ثابت في "الدلائل": "ذات يده"، و"ذات بيننا"، ونحو ذلك صفة لمحذوف مؤنث، كأنه يعني الحال التي هي بينهم، والمراد بذات يده: ماله، ومَكسَبه، وأما قولهم: "لقيته ذات يوم" فالمراد لقاءة، أو مرّةً، فلما حُذف الموصوف، وبقيت الصفة صارت كالحال. انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٤٩.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ١١٧.
(٣) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦.
(٤) "الفتح" ١٢٣/ ٢٧٢، كتاب "النفقات" رقم (٥٣٦٥).
[ ٤٠ / ٥٣ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٦٤٣٥ و٦٤٣٦ و٦٤٣٧ و٦٤٣٨ و٦٤٣٩ و٦٤٤٠] (٢٥٢٧)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٤٣٤) و"النكاح" (٥٠٨٢ و٥٣٦٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٥٣)، و(همّام بن منبّه) في "صحيفته" (١٣٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٦٠٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٨٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٩ و٣٩٣ و٤٤٩ و٥٠٢)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (١٥٣٣) و"الآحاد والمثاني" (٥/ ٤٥٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ٢٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٦٧ و٦٢٦٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٣) و"شُعَب الإيمان" (٦/ ٤٠٩ و٧/ ٤٧٧)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٩٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة نساء قريش، وفضل هذه الخصال، وهي الحنوّ على الأولاد، والشفقة عليهم، وحُسْن تربيتهم، ومراعاة حقّ الزوج في ماله، وحِفظه، والأمانة فيه، وحُسْن تدبيره في النفقة (^١).
٢ - (ومنها): الحثّ على نكاح الأشراف خصوصًا القرشيات، ومقتضاه أنه كلما كان نسبها أعلى تأكد الاستحباب، ويؤخذ منه اعتبار الكفاءة في النَّسب، وأن غير القرشيات ليس كفأ لهن.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، وقد قدّمنا في "النكاح أن اعتبار الكفاءة بالنسب رأي ضعيف؛ لأنه - ﷺ - زوّج فاطمة بنت قيس من مولاه أسامة بن زيد - ﵃ -، وزوّج أبو حذيفة مولاه سالمًا بنت أخيه، وغير ذلك كثير، والصواب أن المعتبَر في الكفاءة هو الدِّين، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
٣ - (ومنها): قال الحافظ وليّ العراقيّ -﵀ -: فيه تفضيلُ نساء قريش على غيرهنّ، وقوله: "ركبن الإبل" إشارة إلى العرب؛ لأنهم الذين يُعهد عندهم
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦.
[ ٤٠ / ٥٤ ]
ركوب الإبل، فعبَّر بركوب الإبل عن العرب، وقد عُلم أن العرب خير من غيرهنّ، فيستفاد بذلك تفضيلهن مطلقًا. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أراد من قوله: "ركبن الإبل" إخراج مريم -﵇ - من ذلك؛ لأنها لم تركب بعيرًا قط، فلا يكون فيه تفضيل نساء قريش عليها، ولا شك أن لمريم فضلًا، وأنها أفضل من أكثر نساء قريش، وقد ثبت في "الصحيح" أنه -ﷺ- قال: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد، وأشار وكيع إلى السماء والأرض" وأراد بهذه الإشارة تفسير الضمير في "نسائها"، وأن المراد به جميع نساء الأرض؛ أي: كل من بين السماء والأرض من النساء.
قال النوويّ: والأظهر أن معناه: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه.
وقال وليّ الدين: وقد يعود الضمير في "نسائها" على مريم وخديجة، ويكون المقدّم خبرًا، والمؤخر مبتدأ، والتقدير: مريم خير نسائها: أي: خير نساء زمانها، والتردد بين مريم وخديجة مفرّع على الصحيح أن مريم ليست نبيّة، وقد نقل بعضهم الإجماع عليه (^٢)، أما إذا قلنا بنبوّتها كما قاله بعضهم، فلا شكّ حينئذ في فَضْلها على خديجة، والحقّ أنه لا يحتاج إخراج مريم -﵇ - من هذا التفضيل إلى استنباطه من قوله: "ركبن الإبل"؛ لأن تفضيل الجملة لا يلزم طَرْده في كل الأفراد، وقد عُلم فضل مريم بما تقدم وغيره؛ ولو قَصَد بقوله: "ركبن الإبل" إخراج نساء غير العرب للزم على ذلك أن لا يكون لنساء قريش فضل على نساء بني إسرائيل، ولا الروم، ولا الفرس، ولا غيرهم من النساء، وليس كذلك، بل الحديث دالّ على تفضيلهن على جميع النساء؛ لدلالته على تفضيلهن على بقية العرب مع قيام الدليل على تفضيل العرب على غيرهم، ثم إن هذا الحديث إنما سيق -والله أعلم- في معرض الترغيب في
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ١١٤.
(٢) دعوى الإجماع باطلة، كما يبيّنه كلامه بعده، فتفطّن.
[ ٤٠ / ٥٥ ]
نكاح القرشيات، فلم يقصد التعرض لمريم التي انقضى زمانها بنفي ولا إثبات، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين -﵀ - (^١).
٥ - (ومنها): أنه جاء في رواية "صالح نساء قريش"، وفي غيرها: "نساء قريش"، والمطلق محمول على المقيد، فالمحكوم له بالخيرة إنما هو صالح نساء قريش، لا غيرهنّ، قال أبو العباس القرطبيّ: ويعني بالصلاح هنا صلاح الدين، وصلاح المخالطة للزوج وغيره، كما دل عليه قوله: "أحناه، وأرعاه"، قاله وليّ الدين -﵀ -.
٦ - (ومنها): فيه فضل هاتين الخصلتين:
(إحداهما): الحنوّ على الأولاد، والشفقة عليهم، وحُسْن تربيتهم، والقيام عليهم؛ إذا كانوا أيتامًا، ونحو ذلك.
(والثانية): مراعاة حق الزوج في ماله، وحِفْظه، والأمانة فيه، وحُسْن تدبيره في النفقة وغيرها، وصيانته ونحو ذلك (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٦] (…) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - بِمِثْلِه، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "أَرْعَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ"، وَلَمْ يَقُلْ: يَتِيمٍ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، غير: (عَمْرٍو النَّاقِدِ) وهو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، وقد تقدّم قبل بابين.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَرْعَاهُ) فاعل "قال" ضمير عمرو الناقد.
[تنبيه]: رواية عمرو الناقد عن سفيان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١١٦.
(٢) "طرح التثريب" ٧/ ١١٦.
[ ٤٠ / ٥٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالً: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ"، قَالَ: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو المذكور أول الباب الماضي.
وقوله: (أَحْنَاهُ)؛ أي: أشفقه، من حَنَى يحنو، وَيحني، من الثلاثيّ، أو مِن أحنى يُحني من الرباعي: أشفق عليه، وعَطَف، والحانية: التي تقوم بولدها بعد موت الأب، يقال: حنت المرأة على ولدها: إذا لم تتزوج بعد موت الأب، قال ابن التين: فإن تزوجت فليست بحانية، وقال الحسن في الحانية: التي لها ولد، ولا تتزوج، وفي بعض الكتب: "أَحَنَّى" بتشديد النون، والتنوين، حكاه ابن التين، وقال: لعله مأخوذ من الحنان، بفتح، وتخفيف، وهو الرحمة، وحَنَت المرأة إلى ولدها وإلى زوجها، سواءٌ كان بصوت أم لا، ومن الذي بالصوت: حنين الجذع، وأصله: ترجيع صوت الناقة على إثر ولدها، وكان القياس: أحناهنّ، لكن جرى لسان العرب بالإفراد، قاله في "الفتح" (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "على إثر ذلك": أي: على عقبه: "ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط" يريد به أن مريم لم تدخل في النساء المذكورات بما ذكرن؛ لأنه قَيَّدَه بركوب الإبل، ومريم لم تكن ممن يركب الإبل، وقال صاحب "التوضيح": يؤخذ من قول أبي هريرة هذا، ومِنْ ذِكر البخاريّ له في قصة مريم تفضيلها على خديجة وفاطمة؛ لأنهما من العرب المخصوصين بركوب الإبل. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: (يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨، كتاب "أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٣٤).
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٢٦.
[ ٤٠ / ٥٧ ]
مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ) وفي رواية لأحمد، وأبي يعلى: "وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - أن مريم لم تركب بعيرًا قط"، أراد أبو هريرة بذلك -ﷺ- إخراج مريم من هذا التفضيل؛ لأنها لم تركب بعيرًا قط، فلا يكون فيه تفضيل نساء قريش عليها، ولا يُشَكّ أن لمريم فضلًا، وأنها أفضل من جميع نساء قريش إن ثبت أنها نبيّةٌ، أو مِن أكثرهنّ إن لم تكن نبيّة، وقد تقدم بيان ذلك في فضائل خديجة -﵂- حديث: "خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة"، وأن معناها: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، ويَحْتَمِل أن لا يحتاج في إخراج مريم من هذا التفضيل إلى الاستنباط من قوله: "ركبن الإبل"؛ لأن تفضيل الجملة لا يستلزم ثبوت كل فرد فرد منها، فإن قوله: "ركبن الإبل" إشارة إلى العرب؛ لأنهم الذين يَكثُرُ منهم ركوب الإبل، وقد عُرِف أن العرب خير مِن غيرهم مطلقًا في الجملة، فيستفاد منه تفضيلهن مطلقًا على نساء غيرهنّ مطلقًا، ويمكن أن يقال أيضًا أن الظاهر أن الحديث سيق في معرض الترغيب في نكاح القرشيات، فليس فيه التعرض لمريم، ولا لغيرها ممن انقضى زمنهن. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" في موضع آخر: قوله: "ولم تركب مريم بعيرًا قط" إشارة إلى أن مريم لم تدخل في هذا التفضيل، بل هو خاصّ بمن يركب الإبل، والفضل الوارد في خديجة وفاطمة وعائشة هو بالنسبة إلى جميع النساء، إلا مَن قيل: إنها نبيّة، فإن ثبت في حق امرأة أنها نبيةٌ، فهي خارجة بالشرع؛ لأن درجة النبوّة لا شيء بعدها، وإن لم يثبت فيحتاج من يخرجهن إلى دليل خاص لكل منهنّ، فأشار أبو هريرة إلى أن مريم لم تدخل في هذا العموم؛ لأنه قَيَّد أصل الفضل بمن يركب الإبل، ومريم لم تركب بعيرًا قط.
وقد اعترض بعضهم، فقال: كأن أبا هريرة ظنّ أن البعير لا يكون إلا من الإبل، وليس كما ظنّ، بل يُطلق البعير على الحمار، وقال ابن خالويه: لم تكن إخوة يوسف رُكبانًا إلا على أحمرة، ولم يكن عندهم إبل، وإنما كانت
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ٤٠ / ٥٨ ]
تحملهم في أسفارهم وغيرها الأحمرة، وكذا قال مجاهد هنا: البعير الحمار، وهي لغة حكاها الكواشيّ. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- الكتاب قال:
[٦٤٣٨] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِع: حَدَّثَتَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ أُمَّ هَانِئ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، وَلِيَ عِيَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ"، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ: فِي صِغَرِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ) بكسر الباء الموحّدة، من باب تَعِبَ؛ أي: طعنتُ في السنّ، قال المرتضى: كبُرَ الرَّجُل ككَرُم يَكْبُر كِبَرًا، كَعِنَبٍ، وكُبْرًا بالضَّم، وكَبارةً بالفتح: نَقيضُ صَغُرَ، وكَبِرَ الرجلُ كفَرِحَ يَكْبَرُ كِبَرًا كَعِنَب، ومَكْبِرًا كَمَنْزِلٍ، فهو كَبيرٌ: طَعَنَ في السِّنّ، من الناسِ والدَّوابّ، فعُرِف من هذا أنَّ فِعْلَ الكِبَرِ بمَعْنى العَظَمة ككَرُمَ، وبِمَعنى الطَّعْنِ في السِّنِّ كفَرِح، ولا يجوزُ استِعمالُ أحدِهما في الآخَرِ اتفاقًا، وهذا قد يَغْلَطُ فيه الخاصَّةُ فضلًا عن العامَّة. انتهى باختصار (^٢).
وقولها: (وَلِيَ عِيَالٌ) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة: أهل
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥٨، كتاب "أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٣٤).
(٢) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٣٤٣٧.
[ ٤٠ / ٥٩ ]
البيت، ومن يمونه الإنسان، والواحد: عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجيِّدٍ، قاله الفيّوميّ (^١).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير معمر.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(٧٦٣٧) - حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة؛ أن النبيّ -ﷺ- خَطَب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله، إني قد كَبِرتُ، ولي عِيَال، فقال النبيّ - ﷺ -: "خير نساء ركبن نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده"، قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٣٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الابِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِه، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ").
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عتبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٤٠] (…) - (حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ، حَدَّثنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ- حَدَّثَني سُلَيْمَانُ -وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- حَدَّثَني سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا سَوَاءً).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٨.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٢٦٩.
[ ٤٠ / ٦٠ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [١١] (٢٦١) (خ م س ق) تقدم في "الزكاة" ١٩/ ٢٣٤٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ -بفتح القاف والطاء- أبو الهيثم البجليّ مولاهم، الكوفيّ، صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ، تغيّر حفظه بأخرة، روى له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) ذكوان أبو صالح السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلِبُ الزيت إلى الكوفة [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
و"أبو هريرة -﵁-" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة -﵁- هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.