هو: أويس بن عامر، وقيل: عمرو، ويقال: أويس بن عامر بن جَزْء بن مالك بن عمرو بن مَسعدة بن عمرو بن سعد بن عُصوان بن قَرَن بن رَدْمان بن ناجية بن مُراد المراديّ القَرَنيّ الزاهد المشهور، أدرك النبيّ، ورَوَى عن عمر، وعليّ، ورَوَى عنه بَشير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً، وذكره البخاري، فقال: في إسناده نظر، وقال ابن عبديّ: ليس له رواية، لكن كان مالك يُنكر وجوده، إلا أن شهرته وشهرة أخباره لا تسع أحدًا أن يشك فيه.
وقال عبد الغنيّ بن سعيد: الْقَرَنيّ - بفتح القاف والراء - هو أويس أخبر به النبيّ - ﷺ - قبل وجوده، وشَهِد صِفَّين مع عليّ، وكان من خيار المسلمين، وروى ضمرة، عن أصبغ بن زيد، قال: أسلم أويس على عهد النبيّ - ﷺ -، ولكن منعه من القدوم بِرّه بأمه.
وفي "الدلائل" اللبيهقيّ من طريق الثقفيّ، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن أبي الجدعاء، رَفَعه، قال: "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم"، قال الثقفيّ: قال هشام بن حسان: كان الحسن يقول: هو أويس القرنيّ.
وقال أحمد في "مسنده": حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا شريك، عن يزيد بن
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٣٤٣.
[ ٤٠ / ١٥٩ ]
أبي زياد (^١)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صِفِّين: أفيكم أويس القرنيّ؟ قالوا: نعم، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن من خير التابعين أويسًا القرني"، ورواه جماعة عن شريك، وقال ابن عمار الموصليّ: ذُكر عند المعافى بن عمران أن أُويسًا قُتل في الرجالة مع عليّ بصفين، فقال معافى: ما حدَّث بهذا إلا الأعرج، فقال له عبد ربه الواسطيّ: حدّثني به شريك، عن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: فسكت.
وأخرج أحمد في "الزهد" عن عبد الرحمن مهديّ، عن عبد الله بن أشعث بن سوّار، عن محارب بن دثار، يرفعه: "إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده أو مصلاه من العُرْي يحجزه إيمانه أن يسأل الناس، منهم أويس القرنيّ، وفُرات بن حَيّان".
وأخرجه أيضًا في "الزهد" عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد مرسلًا، وفي "المستدرك" من طريق يحيى بن معين، عن أبي عُبيدة الحدّاد، حدّثنا أبو مكيس، قال: رأيت امرأة في مسجد أويس القرنيّ، قالت: كان يجتمع هو وأصحاب له في مسجده هذا يصلّون، ويقرؤون، حتى غزوا، فاستشهد أويس وجماعة من أصحابه الرجّالة بين يدي عليّ.
ومن طريق الأصبغ بن نُباتة، قال: شَهِدت عليًّا يوم صفين يقول: من يبايعني على الموت؟ فبايعه تسعة وتسعون رجلًا، فقال: أين التمام؟ فجاءه رجل عليه أطمار صوف، محلوق الرأس، فبايعه على القتل، فقيل: هذا أويس القرنيّ، فما زال يحارب حتى قُتل.
وروى عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" من طريق عبد الله بن سلمة، قال: غزونا أذربيجان في زمن عمر، ومعنا أويس، فلما رجعنا مَرِضَ، فمات، قال الحافظ - ﵀ -: وفي الإسناد: الهيثم بن عبديّ، وهو متروك، والمعتمَد الأول.
وقد أخرج الحاكم من طريق ابن المبارك: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن
_________________
(١) شريك، ويزيد بن أبي زياد متكلّم فيهما.
[ ٤٠ / ١٦٠ ]
الجريريّ، عن أبي نضرة العبديّ، عن أسير بن جابر، قال: قال صاحب لي، وأنا بالكوفة: هل لك في رجل تنظر إليه؟ فذكر قصة أويس، وفيها: فتنحى إلى سارية، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: ما لكم ولي تطؤون عقبي، وأنا إنسان ضعيف، تكون لي الحاجة، فلا أقدر عليها معكم؟ لا تفعلوا رحمكم الله، من كانت له إليّ حاجة فليلقني بعشاء، ثم قال: إن هذا المجلس يغشاه ثلاثة نفر: مؤمن فقيه، ومؤمن لا يفقه، ومنافق، وذلك في الدنيا مثل الغيث يصيب الشجرة المُونِعة المثمرة، فتزداد حسنًا، وإيناعًا، وطِيبًا، ويصيب الشجرة غير المثمرة، فيزداد ورقها حسنًا، ويكون لها ثمرة، ويصيب الهشيم من الشجرة، فيحطمه، ثم قرأ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، اللَّهُمَّ ارزقني شهادة توجب لي الحياة والرزق، قال أسير: فلم يلبث إلا يسيرًا ضُرِب على الناس بعثٌ عليّ، فخرج صاحب القطيفة أويس، وخرجنا معه حتى نزلنا بحضرة العدوّ، قال ابن المبارك: فحدّثني حماد بن سلمة، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أسير، قال: فنادى منادي عليّ: يا خيل الله اركبي، وأبشري، فصفّ الناس لهم، فانتضى أويس سيفه حتى كَسَر جفنه، فألقاه ثم جعل يقول: يا أيها الناس تِمُّوا تِمُّوا لِيَتِمّنّ وجوهٌ، ثم لا تنصرفُ حتى ترى الجنة، فجعل يقول ذلك، ويمشي إذ جاءته رَمْية فأصابت فؤاده، فتردَّى مكانه، كأنما مات منذ دهر. صحيح السند. انتهى من "الإصابة" باختصار (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: هوأويس بن عامر، كذا رواه مسلم هنا، وهو المشهور، قال ابن ماكولا: ويقال: أويس بن عمرو، قالوا: وكنيته أبو عمرو، قُتل بصفين، وهو القَرَنيّ من بني قَرَن - بفتح القاف والراء - وهي بطن من مُراد، وهو قرن بن رَدْمان بن ناجبة بن مراد، وقال الكلبيّ: ومراد اسمه جابر بن مالك بن أُدَد بن صحب (^٢) بن يعرب بن زيد بن كهلان بن سباد، هذا الذي ذكرناه من كونه من بطنٍ من مراد، وإليه نُسب وهو الصواب، ولا خلاف
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٢١٩ - ٢٢٢.
(٢) هكذا النسخة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
[ ٤٠ / ١٦١ ]
فيه، وفي "صحاح الجوهريّ": أنه منسوب إلى قَرْن المنازل: الجبل المعروف ميقات الإحرام لأهل نجد، وهذا غلط فاحش، وسبق هناك التنبيه عليه؛ لئلا يُغترّ به. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: اختُلف في نسبه، فقيل: أويس بن عامر بن جَزْء بن مالك، وهو الصحيح. وقيل: أويس بن أنيس، وقيل: أويس بن الخليص المرادي، ثم القَرَني -بفتح الراء- منسوب إلى قرن، قبيلة معروفة. كان - ﵀ - من أولياء الله المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله - ﷺ - أخبر عنه، ووَصَفه بوصفه، ونَعْته، وعلامته لَمَا عرفه أحد، وكان موجودًا في حياة رسول الله - ﷺ -، وآمن به، وصدَّقه، ولم يلقه، ولا كاتَبه، فلم يُعَدّ في الصحابة. وقد أخبر النبيّ - ﷺ - أنه من التابعين، حيث قال: "إنَّه خير التابعين". وقد اختُلف في زمن موته، فرُوي عن عبد الله بن سلمة قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب - ﵁ -، ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مَرِض علينا، فحملناه، فلم يستمسك فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه، وكفَّناه، وصلّينا عليه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلّمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صفين: أفيكم أويس القرني؟ فقلنا: نعم، قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أويس القرني خير التابعين بإحسان"، وعَطَف دابته، فدخل مع أصحاب علي. قال عبد الرحمن: فوُجد في قتلى أصحاب علي - ﵁ -.
وله أخبار كثيرة، وكرامات ظاهرة، ذكرها أبو نعيم، وأبو الفرج ابن الجوزيّ في كتابيهما. وأويس تصغير أوس، وأوس: الذئب، وبه سمّي الرجل، وقيل: إنه سُمّي بأوس الذي هو مصدر أُست الرجل أوسًا: إذا أعطيته، فالأوس: العطيّة. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل ألى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٦٩] (٢٥٤٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٩٤.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
[ ٤٠ / ١٦٢ ]
جَابِرٍ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَن، يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللهَ، فَأَذْهَبَهُ، عَنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَار، أَوِ الدَّرْهَم، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنكُمْ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ، أبو سعيد البصريّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم - سعيد بن إياس الجريريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الكوفيّ، تقدّم قبل باب.
٦ - (أُسَيْرُ بْنُ جَابِرٍ) - بالتصغير - ويقال: يُسير بن عمرو، أو ابن جابر الكوفيّ، مختلف في نسبته، قيل: كِنْديّ، وقيل غير ذلك، وله رؤية، ثقةٌ [٢] مات سنة خمس وثمانين (خ م قدس) تقدم في "الزكاة" ٤٧/ ٢٤٧٠.
٧ - (عُمَرُ) بن الخطاب الخليفة الراشد - ﵁ -، تقدّم قريبًا.