أما الحسن: فهو ابن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشميّ سِبْط رسول الله -ﷺ- وريحانته، أمير المؤمنين، أبو محمد، وُلد في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، قاله ابن سعد، وابن الْبَرْقيّ، وغير واحد، وقيل: في شعبان منها، وقيل: وُلد سنة أربع، وقيل: سنة خمس، والأول أثبت.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ- أحاديث حفظها عنه.
_________________
(١) "السُّنن الكبرى" للنسائيّ ٥/ ٥٧.
(٢) إنما أوردت رواية الترمذيّ؛ لِمَا فيها من الزيادة، فتنبّه.
(٣) "جامع الترمذيّ" ٥/ ٦٦٧.
[ ٣٨ / ٦٧٨ ]
وقال ابن أبي خيثمة: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة عن ابن شَوْذب قال: لمّا قُتل عليّ سار الحسن في أهل العراق، ومعاوية في أهل الشام، فالتقوا، فكَرِه الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد له من بَعده، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار أمير المؤمنين، فيقول: العار خير من النار.
وأخرج ابن سعد من طريق مجالد، عن الشعبي وغيره قال: بايع أهل العراق بعد عليّ الحسن بن عليّ، فسار إلى أهل الشام، وفي مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفًا، يسمّون شرطة الجيش، فنزل قيس بمسكن من الأنبار، ونزل الحسن المدائن، فنادى منادٍ في عسكر الحسن: ألا إن قيس بن سعد قُتل، فوقع الانتهاب في العسكر، حتى انتهبوا فسطاط الحسن، وطعنه رجل من بني أسد بخنجر، فدعا عمرو بن سلمة الأرحبيّ، وأرسله إلى معاوية يَشترط عليه، وبعث معاوية عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر، فأعطيا الحسن ما أراد، فجاء له معاوية من منبج إلى مسكن، فدخلا الكوفة جميعًا، فنزل الحسن القصر، ونزل معاوية النخيلة، وأجرى عليه معاوية في كل سنة ألف ألف درهم، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين.
قال ابن سعد: وأخبرنا عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، قال: وكان معاوية يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فراسله، وأصلح الذي بينهما، وأعطاه عهدًا إن حدَث به حدَث، والحسن حيّ ليجعلنّ هذا الأمر إليه، قال: فقال عبد الله بن جعفر: قال الحسن: إني رأيت رأيًا أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟ قال: رأيت أن أعمد إلى المدينة، فأنزلها، وأُخْلي الأمر لمعاوية، فقد طالت الفتنة، وسُفكت الدماء، وقُطعت السبل، قال: فقلت له: جزاك الله خيرًا عن أمة محمد -ﷺ-، فبَعث إلى حسين، فذَكر له ذلك، فقال: أعيذك بالله، فلم يزل به حتى رضي.
وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا سعيد بن منصور، حدّثنا عون بن موسى، سمعت هلال بن خباب: جَمَع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر، قصر المدائن، فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.
[ ٣٨ / ٦٧٩ ]
قال الواقديّ: مات سنة تسع وأربعين، وقال المدائنيّ: مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقال الهيثم بن عبديّ: سنة أربع وأربعين، وقال ابن منده: مات سنة تسع وأربعين، وقيل: خمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ويقال: إنه مات مسمومًا. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: وُلد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، هذا أصحُّ ما قيل في ذلك، ووُلد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة ثلاث، هذا قول الواقدي. وقال: علقت به فاطمة -﵂ - بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، ومات الحسن مسمومًا في ربيع الأول من سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين. وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودُفن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة، قدَّمه الحسين، وقال: لولا أنَّها سُنَّة لَمَا قدَّمتك، وقد كان وصى أن يُدفن مع رسول الله -ﷺ-، إن أذِنَتْ في ذلك عائشة فأذِنَتْ في ذلك، ومَنَع من ذلك مروان، وبنو أمية.
وروى أبو عمر بإسناده إلى عليّ -﵁ - قال: لمّا وُلد الحسن جاءه رسول الله -ﷺ-، فقال: "أروني ابني، ما سمّيتموه؟ " قلت: حربًا. قال: "بل هو: حسن"، فلما وُلد الحسين، قال: "أروني ابني، ما سمَّيتموه؟ "، قلت: حربًا، قال: "بل هو: حسين"، فلمّا ولد الثالث، قال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قلت: حربًا، قال: "بل هو: محسِّن".
وعقَّ النبيّ -ﷺ- عن كل واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش، وأمر أن يُحلَق كل واحد منهما، وأن يُتَصَدَّق بوزن شعرهما فضة. وقال عليّ -﵁-: "الحسين -﵁ - أشبه الناس برسول الله -ﷺ- ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه الناس بالنبيّ -ﷺ- ما كان أسفل من ذلك". وتواردت الآثار الصّحاح عن النبيّ -ﷺ- أنه قال في الحسن: "إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، ولا أَسْوَد ممن سوَّده رسول الله -ﷺ-، وشهد له بذلك، وكان حليمًا، ورِعًا، فاضلًا، دعاه وَرَعه
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٦٨.
[ ٣٨ / ٦٨٠ ]
وفَضْله إلى أن تَرَك الْمُلك والدنيا رغبة فيما عند الله. ومما يدلّ على صحة ذلك، وعلى صدق النبيّ -ﷺ-، وصحة نبوّته ما قد اشتهر من حال الحسن، وتواتر من قضيَّة خلافته، وإصلاحه بين المسلمين، وذلك أنه لمّا قُتِل عليّ -﵁ - بايعه أكثر من أربعين ألفًا، وكثير ممن تخلَّف عن أبيه، وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز، والعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام، فلما تراءى الجمعان بموضع، يقال له: مَسْكَن، من أرض السواد بناحية الأنبار، كره الحسن القتال؛ لِعِلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلكَ أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلَّم الأمر لمعاوية على شروط شَرَطها عليه، منها: أن يكون الأمر له من بعد معاوية، فالتزم كل ذلك معاوية، واجتمع الناس على بيعته في النصف من جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين. هذا أصح ما قيل في ذلك، ولمّا فعل ذلك الحسن عَتَب عليه أصحابه، ولاموه على ذلك؛ حتى قال له بعض أصحابه: يا عار المؤمنين! فقال: العار خير من النار. وقال له شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر لمّا قَدِمها: السلام عليك يا مُذِلّ المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك يا أبا عامر! فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب المُلك. فقد ظهر ما قاله سيد المرسلين -ﷺ- من أن الحسن سيِّد، وأن الله أصلح به بين فئتين من المسلمين، لكن خُشي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره، ونقل الثقات: أنه لمّا سُمَّ لفظ قِطَعًا من كبده، وحينئذ قال: لقد سُقيتُ السُّمَّ ثلاث مرات لم أُسقَ مثل هذه المرة، فقال له الحسين: يا أخي من سقاك؟ قال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن؛ فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره فما أحب أن يُقتل بي بريء. ولمّا وَرَدَ البريد بموته على معاوية قال: يا عجبًا من الحسن! شرب شربة من عسل بماء رُومة فقضى نحبه. انتهى (^١).
وأما الحسين: فهو ابن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو عبد الله، سبط رسول الله -ﷺ-، وريحانته، قال الزبير وغيره: وُلد
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٧.
[ ٣٨ / ٦٨١ ]
في شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ستّ، وقيل: سنة سبع، وليس بشيء.
وكانت إقامة الحسين بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة، فشهد معه الجَمَل، ثم صفّين، ثم قتال الخوارج، وبقي معه إلى أن قُتل، ثم مع أخيه إلى أن سَلَّم الأمر إلى معاوية، فتحول مع أخيه إلى المدينة، واستمرّ بها إلى أن مات معاوية، فخرج إلى مكة، ثم أتته كُتُب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية، فأرسل إليهم ابن عمة مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب، فأخذ بيعتهم، وأرسل إليهم فتوجه، وكان من قصة قتله ما كان.
وقال عمار بن معاوية الدُّهْنيّ: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: حدّثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته، قال: مات معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته ليلته، فقال: أخِّرني، ورَفَق به، فأخّره، فخرج إلى مكة، فأتاه رُسُل أهل الكوفة: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فاقدُم علينا، وقال: وكان النعمان بن بشير الأنصاريّ على الكوفة، فبعث الحسين بن علي إليهم مسلم بن عَقيل، فقال: سِرْ إلى الكوفة، فانظر ما كتبوا به إليّ، فإن كان حقًّا قَدِمت إليه، فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرّا به في البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، فقَدِم مسلم الكوفة، فنزل على رجل يقال له: عوسجة، فلما علم أهل الكوفة بقدومه دَبُّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفًا، فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير، فقال: إنك ضعيف، أو مستضعف، قد فسد البلد، قال له النعمان: لَأَنْ أكون ضعيفًا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويًّا في معصيته، ما كنت لأهتك سترًا، فكتب الرجل بذلك إلى يزيد، فدعا يزيد مولى له يقال له: سرحون، فاستشاره، فقال له: ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، وكان يزيد ساخطًا على عبيد الله، وكان هَمّ بعزله عن البصرة، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد أضاف إليه الكوفة، وأمَرَه أن يطلب مسلم بن عَقيل، فإن ظَفَر به قتله، فأقبل عبيد الله بن زياد في وجوه أهل البصرة، حتى قَدِم الكوفة متلثمًا، فلا يمرّ على أحد، فيسلّم إلا قال له أهل المجلس: عليك السلام يا ابن رسول الله -ﷺ-، يظنونه الحسين بن علي، قدم عليهم، فلما نزل عبيد الله القصر، دعا مولى له،
[ ٣٨ / ٦٨٢ ]
فدفع إليه ثلاثة آلاف درهم، فقال: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايعه أهل الكوفة، فادخل عليه، وأعلمه أنك من حمص، وادفع إليه المال، وبايِعه، فلم يزل المولى يتلطف حتى دلّوه على شيخ يلي البيعة، فذكر له أمره، فقال: لقد سرّني إذ هداك الله، وساءني أنّ أمْرنا لم يستحكم، ثم أدخله على مسلم بن عَقيل، فبايعه، ودفع له المال، وخرج حتى أتى عبيد الله فأخبره، وتحوّل مسلم حين قدم عبيد الله من تلك الدار إلى دار أخرى، فأقام عند هانئ بن عروة المراديّ، وكان عبيد الله قال لأهل الكوفة: ما بال هانئ بن عروة لم يأتني؟ فخرج إليه محمد بن الأشعث في أناس من وجوه أهل الكوفة، وهو على باب داره، فقالوا له: إن الأمير قد ذَكَرك، واستبطأك، فانطلق إليه، فركب معهم، حتى دخل على عبيد الله بن زياد، وعنده شريح القاضي، فقال عبيد الله لمّا نظر إليه لشريح: أتتك بحائن رجلاه، فلما سلّم عليه، قال له: يا هانئ أين مسلم بن عَقيل؟ فقال له: لا أدري، فأخرج إليه المولى الذي دفع الدراهم إلى مسلم، فلما رآه سُقط في يده، وقال: أيها الأمير والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء، فطرح نفسه عليّ، فقال: ائتني به، فتلكأ، فاستدناه، فأدْنوه منه، فضربه بالقضيب، وأمَر بحبسه، فبلغ الخبر قومه، فاجتمعوا على باب القصر، فسمع عبيد الله الجلبة، فقال لشريح القاضي: اخرج إليهم، فأعْلِمهم أنني ما حبسته إلا لأستخبره عن خبر مسلم، ولا بأس عليه مني، فبلّغهم ذلك، فتفرقوا، ونادى مسلم بن عَقيل لمّا بلغة الخبر بشعاره، فاجتمع عليه أربعون ألفًا من أهل الكوفة، فركب، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجَمَعهم عنده في القصر، فأمَر كل واحد منهم أن يُشرف على عشيرته، فيردّهم، فكلّموهم، فجعلوا يتسللون، فأمسى مسلم، وليس معه إلا عدد قليل منهم، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا، فلما بقي وحده تردد في الطُّرُق بالليل، فأتى باب امرأة، فقال: اسقيني ماء، فسَقَته، فاستمر قائمًا، قالت: يا عبد الله إنك مرتاب، فما شأنك؟ قال: أنا مسلم بن عَقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم ادخل، فدخل، وكان لها ولد من موالي محمد بن الأشعث، فانطلق إلى محمد بن الأشعث، فأخبره، فلم يفجأ مسلمًا إلا والدار قد أحيط بها، فلما رأى ذلك خرج بسيفه يدفعهم عن نفسه، فأعطاه محمد بن الأشعث الأمان،
[ ٣٨ / ٦٨٣ ]
فأمكن من يده، فأُتي به عبيد الله، فأمر به، فأُصعد إلى القصر، ثم قتله، وقتل هانئ بن عروة، وصلبهما، فقال شاعرهم في ذلك أبياتًا منها [من الطويل]:
فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوَتُ فَانْظُرِي … إِلَى هَانِئٍ فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلِ
ولم يبلغ الحسين ذلك حتى كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، فلقيه الحرّ بن يزيد التميميّ، فقال له: ارجع، فإني لم أَدَعْ لك خلفي خيرًا، وأخبره الخبر، فهَمَّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم، فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا، أو نُقتل، فساروا، وكان عبيد الله قد جهّز الجيش لملاقاته، فوافوه بكربلاء، فنزلها ومعه خمسة وأربعون نفسًا من الفرسان، ونحو مائة راجل، فلقيه الحسين، وأميرهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان عبيد الله ولّاه الريّ، وكَتَب له بعهده عليها إذا رجع من حرب الحسين، فلما التقيا قال له الحسين: اختر مني إحدى ثلاث، إما أن ألحق بثغر من الثغور، وإما أن أرجع إلى المدينة، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية، فقَبِل ذلك عمر منه، وكَتَب به إلى عبيد الله، فكَتَب إليه: لا أقبل منه حتى يضع يده في يدي، فامتنع الحسين، فقاتَلوه، فقُتل معه أصحابه، وفيهم سبعة عشر شابًا من أهل بيته، ثم كان آخر ذلك أن قُتل، وأُتي برأسه إلى عبيد الله، فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى يزيد، ومنهم علي بن الحسين، وكان مريضًا، ومنهم عمته زينب، فلما قَدِموا على يزيد أدخلهم على عياله، ثم جهَّزهم إلى المدينة. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: وأما الحسين -﵁ -: فكان فاضلًا، ديِّنًا، كثير الصوم، والصلاة، والحج، قال مصعب الزبيري: حجَّ الحسين خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا، وقد قال النبيّ -ﷺ- فيه وفي الحسن: "إنهما سيِّدا شباب أهل الجنة"، وقال: "هما رَيْحانتاي من الدنيا"، وكان النبيّ -ﷺ- إذا رآهما هشَّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود: أنهما دخلا المسجد، وهو يخطب، فقطع خطبته، ونزل فأخذهما، وصعد بهما، وقال: "رأيت هذين، فلم أصبر"، وكان يقول فيهما: "اللهم إني أُحبهما، فأَحِبَّهما، وأحِبَّ من يحبهما"،
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٦٨ - ٧٣.
[ ٣٨ / ٦٨٤ ]
وقُتل ﵀، ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، بقرب موضع يقال له: الطفُّ بقرب من الكوفة. قال أهلُ التواريخ: لما مات معاوية، وأفضت الخلافة إلى يزيد، وذلك في سنة ستين، وَرَدَت بيعته على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها، أرسل إلى الحسين بن عليّ، وإلى عبد الله بن الزبير ليلًا، فأُتي بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلنا لا يبايع سرًّا، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان، ورمضان، وشوال، وذا القعدة، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلًا لقتل الحسين، وأمَّر عليهم عمر بن سعد، فأدركه بكربلاء، فقُتل الحسين، وقُتل معه مِن وَلَده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلًا، وسُبي نساؤه، وذلك في يوم عاشوراء من السنة المذكورة، وكان من قضاء الله تعالى، وتعجيل عقوبته لعبيد الله بن زياد، أن قُتل يوم عاشوراء سنة سبع وستين، قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير، فبعث به إلى علي بن حسين.
واختُلف في سنّ الحسين يوم قُتل. فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان. وقيل: أربع. وقال جعفر بن محمد: توفي عليّ بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين. وقُتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي علي بن الحسين، وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن علي، وهو ابن ثمان وخمسين. قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، وتوفي فيها، رحمة الله عليهم أجمعين.
وروي عن ابن عباس -﵄ - أنه قال: رأيت النبيّ -ﷺ- فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألقطه منذ اليوم، فوُجد قد قُتل في ذلك اليوم.
وأما الحسن فكان سنَّه يوم مات ستًّا وأربعين سنة، وقيل: سبعًا وأربعين سنة. وروى الحسن عن النبيّ -ﷺ- حديث الدعاء في القنوت.
[ ٣٨ / ٦٨٥ ]
وقوله: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" (^١)، وروى الحسين عن النبيّ -ﷺ-: "من حُسن إسلام المرء تَرْكه ما لا يعنيه" (^٢).
وقوله -ﷺ- في ابن صائد: "اختلفتم وأنا بين أظهركم؟ فأنتم بعدي أشدُّ اختلافًا". انتهى (^٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٣٦] (٢٤٢١) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ، وهو رأس [١٠] (ت ٢٤١) وله سبع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبةٌ، ثقةٌ كثير الحديث [٤] (ت ١٢٦) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في "الصيام" ٢١/ ٢٦٦٢.
٣ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، وأبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٢.
والباقيان ذُكرا قبل باب، وشرح الحديث يأتي بعده، وإنما أخّرته إليه لكونه أتمّ مما هنا.
وقوله: (قَالَ لِحَسَنٍ)؛ أي: عنه، فاللام بمعنى: "عن"؛ أي: قال مخبرًا عن شأن الحسن -﵁-، وقيل: هي للتعليل، وقيل: هي لام التبليغ، أفاده ابن هشام ﵀ في "مغنيه" (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق، والطبرانيّ، وأبو نعيم.
(٢) رواه الترمذيّ، ومالك في "الموطّأ".
(٣) "المفهم" ٦/ ٢٩٧ - ٢٩٩.
(٤) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.
[ ٣٨ / ٦٨٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٣٧] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَار، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: "أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ "؛ يَعْنِي: حَسَنًا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لَأَنْ تُغَسِّلَهُ، وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و"ابْنُ أَبِي عُمَرَ": هو محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ.