وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٤] (٣٠١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قِيلَ لِبَني إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ [١١]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام أبو بكر الصنعانيّ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ [٧]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأنباويّ، أبو عقبة الصنعانيّ [٤]، تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ٦/ ٥٣٤ - ٥٣٦.
(٢) راجع: "قرة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجاج" ١/ ٥٢ - ٥٣.
[ ٤٥ / ٣٦٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ)؛ أنه (قَالَ: هَذَا) مشيرًا إلى مجموع من الأحاديث، (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾) هذا الباب قيل: هو الباب الثامن من بيت المقدس، قاله مجاهد، وقيل: باب القرية التي أُمروا بدخولها، وهي قرية الجبارين، وهي أريحاء في المشهور، وقيل: كان لها سبعة أبواب، وقال أبو عليّ: باب قرية فيها موسى ﵇ (^١).
وقوله: (﴿سُجَّدًا﴾) قال ابن عباس - ﵄ -: منحنين، ركوعًا، وقال غيره: خضوعًا وشكرًا؛ لتيسير الدخول، وقال وهب بن منبه: قيل لهم: ادخلوا الباب، فإذا دخلتموه، فاسجدوا، واشكروا الله ﷿. (﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾) بمعنى حُطّ عنا ذنوبنا، قاله الحسن، وقتادة، وقال ابن جبير: معناه الاستغفار، قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله وقولوا: "حطة": قال الحسن: أي: احطط عنا خطايانا، وهذا يليق بقراءة من قرأ حطةً بالنصب، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، وقرأ الجمهور بالرفع، على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: مسألتنا حطةٌ، وقيل: أُمروا أن يقولوا على هذه الكيفية، فالرفع على الحكاية، وهي في محل نصب بالقول، وإنما مَنع النصب حركة الحكاية، وقيل: رُفعت لتعطى معنى الثبات؛ كقوله: ﴿سَلَامٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقال وليّ الدين: "حطة" مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف، تقديره: مسألتنا حطةٌ؛ أي: أن تحط عنا خطايانا، وقال بعضهم: تقديره: أمرُنا حطةٌ، وقال بعضهم: هو رفع على الحكاية (^٢).
واختُلف في معنى هذه الكلمة، فقيل: هي اسم للهيئة من الحط؛ كالجلسة، وقيل: هي التوبة، كما قال الشاعر [من الخفيف]:
فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي صَيَّرَ اللَّهُ … بِهَا ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفورَا
وقيل: لا يدرى معناها، وإنما تُعُبدوا بها، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٨/ ١٥٩.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٨/ ١٥٩.
[ ٤٥ / ٣٦٥ ]
عباس وغيره قال: قيل لهم: قولوا: مغفرة (^١).
(يَغْفِرْ) بالبناء للمفعول، ﴿لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ وقال وليّ الدين ﵀: في قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ثلاث قراءات في المشهور:
إحداها: قراءة نافع بالياء المثناة من تحتُ، مضمومة، وفتح الفاء؛ يعني: الرواية المذكورة عند مسلم.
الثانية: قراءة ابن عامر بالتاء المثناة من فوقُ مضمومة، وفتح الفاء.
الثالثة: قراءة الباقين بالنون مفتوحة، وكسر الفاء. انتهى (^٢).
(فَبَدَّلُوا)؛ أي: غيّروا، وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] التقدير: فبدّل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، ويَحْتَمِل أن يكون ضَمَّن بَدّل معنى قال. (فَدَخَلُوا البَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ)؛ أي: ينجرون على ألياتهم، فعلَ المقعد الذي يمشي على أليته، يقال: زحف الصبي: إذا مشى كذلك، والأستاه جمع است، وهو الدُّبُر (وَقَالوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)، أي: قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء، والاستخفاف بالأوامر الشرعية، وهو كلام خَلْفٌ، لا معنى له، وفي رواية للبخاريّ: قيل: حنطة، فزادوا في لفظة الحطة نونًا، وغيّروه بذلك عن مدلوله، ثم ضموا إليه هذا الكلام الخالي عن الفائدة؛ تتميمًا للاستهزاء، وزيادة في العتوّ، وفي كتب التفسير أنهم قالوا: حطانا سمقانا يعنون حنطة حمراء، فعاقبهم بالرجز، وهو العذاب المقترن بالهلاك، قال ابن زيد: كان طاعونًا أهلك الله به منهم في ساعة واحدة سبعين ألفًا (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: "وقالوا: حبة في شَعَرَة" كذا للأكثر، وكذا في رواية الحسن بفتحتين، وللكشميهنيّ: "في شَعِيرة" بكسر المهملة، وزيادة تحتانية بعدها.
والحاصل: أنهم خالفوا ما أُمروا به من الفعل، والقول، فإنهم أُمروا
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١٤١ - ١٤٢، "كتاب التفسير" رقم (٤٦٤١).
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٨/ ١٥٩.
(٣) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٨/ ١٥٩.
[ ٤٥ / ٣٦٦ ]
بالسجود عند انتهائهم؛ شكرًا لله تعالى، وبقولهم: حطة، فبدلوا السجود بالزحف، وقالوا: حنطة بدل حطة، أو قالوا: حطة وزادوا فيها: حبة في شعيرة.
وروى الحاكم من طريق السّدّي عن مرة، عن ابن مسعود قال: قالوا هطى سمقا، وهي بالعربية: حنطة حمراء قوية فيها شعيرة سوداء.
ويستنبط منه أن الأقوال المنصوصة إذا تُعُبد بلفظها لا يجوز تغييرها، ولو وافق المعنى، وليست هذه مسألة الرواية بالمعنى، بل هي متفرعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قيدًا في الجواز، أعني: يزاد في الشرط أن لا يقع التعبد بلفظه، ولا بد منه، ومن أطلق فكلامه محمول عليه، قاله في "الفتح" (^١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسالة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٤] (٣٠١٥)، و(البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٤٠٣) و"التفسير" (٤٤٧٩ و٤٦٤١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٥٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٨٦)، و(همام بن منبه) في "صحيفته" (١١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٢ و٣١٨)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٦٢٥١)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (١٠١٩)، و(البغويّ) في "تفسيره" (١/ ٧٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٥] (٣٠١٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثنا يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ اللهَ ﷿ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَشولُ اللهِ - ﷺ -).
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١٤١ - ١٤٢.
[ ٤٥ / ٣٦٧ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ) البغدادي، نزيل أَذَنة [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة [١١]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ [١١]، تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، من صغار [٩]، تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد [٨]، تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ [٤]، تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير رأس [٤]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم الشهير - ﵁ -، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين من يعقوب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهي من رواية الأقران، لأن صالحًا، وابن شهاب من الطبقة الرابعة، بل صالح أكبر سنًّا من ابن شهاب، وأقدم سماعًا، كما قاله في "الفتح" (^١)، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ؛ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ اللهَ ﷿ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ وَفَاتِهِ) وفي رواية البخاريّ: "إن الله تابع على رسوله - ﷺ - قبل وفاته"، قال في "الفتح": كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرّ: "إن الله تابع على رسوله - ﷺ - الوحي قبل وفاته"، أي: أكثر إنزاله قرب وفاته - ﷺ -، والسر
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ١٦٠.
[ ٤٥ / ٣٦٨ ]
في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام، فكثر النزول بسبب ذلك، قال الحافظ ﵀: ووقع لي سبب تحديث أنس - ﵁ - بذلك من رواية الدراورديّ، عن الإماميّ (^١) عن الزهريّ: "سألت أنس بن مالك، هل فتر الوحي عن النبيّ - ﷺ - قبل أن يموت؟، قال: أكثر ما كان، وأجمه". أورده ابن يونس في "تاريخ مصر" في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم. انتهى (^٢).
(حتَّى تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات النبيّ - ﷺ -، وفي رواية البخاريّ: "حتى توفاه أكثر ما كان الوحي"؛ أي: الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة. (وَأَكثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله "حتى توفي"، وهذا الذي وقع أخيرًا على خلاف ما وقع أولًا، فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة، ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السُّوَر الطوال إلا القليل، ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولًا بالسبب المتقدم، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٥] (٣٠١٦)، و(البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٤٩٨٢)، و(النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٣٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّل الكتاب قال:
[٧٤٨٦] (٣٠١٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لِابْنِ - الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْس بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ
_________________
(١) لم أعرف من هو؟!.
(٢) "الفتح" ١١/ ١٦١.
[ ٤٥ / ٣٦٩ ]
حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَيْثُ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغدادي [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ الزمن البصريّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) أبو سعيد البصريّ [٩]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ [٧]، تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الجدليّ الكوفيّ [٦]، تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٥.
٦ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ) البجليّ الكوفيّ [٢]، تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٥.
٧ - (عُمَرَ) بن الخطاب - ﵁ -، تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
شرح الحديث:
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ، رأى النبيّ - ﷺ -، وأدرك الجاهلية، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب - ﵄ - ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (^١). (أَنَّ الْيَهُودَ) هو عَلَم على قوم موسى ﵇، وفي "العباب": اليهود: اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة، كما قالوا: زنجيّ وزنج، وروميّ وروم، وإنما عرِّف على هذا الحدّ، فجُمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عُرِّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يَجُز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، يجري في كلامهم مجرى القبيلة، ولم يجر كالحيّ. انتهى (^٢). (قَالُوا لِعُمَرَ) وفي الرواية الثالثة؛ "جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٢.
(٢) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٢.
[ ٤٥ / ٣٧٠ ]
إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ. . ."، قال في "الفتح": هذا الرجل هو كعب الأحبار، بَيّن ذلك مسدّد في "مسنده"، والطبريّ في "تفسيره"، والطبرانيّ في "الأوسط"، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نسَيّ - بضم النون، وفتح المهملة - عن إسحاق بن خَرَشة، عن قَبيصة بن ذُؤيب، عن كعب، وللبخاريّ في "المغازي" من طريق الثوريّ عن قيس بن مسلم: "أن ناسًا من اليهود"، وله في "التفسير" من هذا الوجه بلفظ: "قالت اليهود"، فيُحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم. انتهى (^١).
(إِنَّكمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا)، أي: لعظّمناه، وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة؛ لِعِظم ما حصل فيه من إكمال الدين، والعيد فعل من العَوْد، وإنما سمّي به؛ لأنه يعود في كل عام. (قَالَ عُمَرُ) - ﵁ -: (إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ)؛ أي: في أيّ مكان أُنزلت، (وَأَيَّ يَوْم أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: وفي أيّ مكان كان - ﷺ - (حَيْثُ أُنْزِلَتْ) ثُمَّ بيّن ذلك، فقال: (أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ) بيان للمكان، (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) بيان لمكانه - ﷺ -، وفي الرواية الآتية: "إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه" وزاد في رواية: "والساعة التى نزلت فيها على النبيّ - ﷺ -".
ومعنى كلام عمر - ﵁ -: أنّا ما أهملناه، ولا خفي علينا زمان نزولها، ولا مكان نزواها، وضبطنا جميع ما يتعلق بها، حتى صفة النبيّ - ﷺ -، وموضعه في زمان النزول، وهو كونه - ﷺ - قائمًا حينئذ، وهو غاية في الضبط.
وقال النوويّ: معناه: أنّا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم، والمكان، أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام، وأما الزمان فهو يوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان، وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا.، وعظّمنا مكانه أيضًا، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبيّ - ﷺ - بعدها ثلاثة أشهر، قاله في "العمدة" (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٩٣، "كتاب الإيمان" رقم (٤٥).
(٢) "عمدة القاري" ١/ ٢٦٤.
[ ٤٥ / ٣٧١ ]
[فإن قيل]: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: "لاتخذناه عيدًا"، وأجاب عمر - ﵁ - بمعرفة الوقت، والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟.
[والجواب] عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة، ويوم العيد، إنما يتحقق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة.
قال الحافظ ﵀: قاله هكذا بعض من تقدم، وعندي أن هذه الرواية اكتُفي في بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة قد نصت على المراد، ولفظه: "نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد"، لفظ الطبريّ، والطبرانيّ: "وهما لنا عيدان"، وكذا عند الترمذيّ من حديث ابن عباس: "أن يهوديًّا سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة، ويوم عرفة".
فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنه ليلة العيد، وهكذا كما جاء في الحديث المتقدّم في "الصيام": "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة"، فسمّي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد. انتهى.
[تنبيه]: في هذا الحديث بيانُ ضَعْف ما أخرجه الطبريّ بسند فيه ابن لهيعة، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت يوم الإثنين، وضَعْف ما أخرجه من طريق العوفيّ عن ابن عباس: أن اليوم المذكور ليس بمعلوم، وعلى ما أخرجه البيهقيّ بسند منقطع: أنها نزلت يوم التروية، ورسول الله - ﷺ - بفناء الكعبة، فأمر الناس أن يروحوا إلى منى، وصلى الظهر بها، قال البيهقيّ: حديث عمر أولى، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى (^١).
وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ)؛ يعني: الثوريّ، (أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) سيأتي في الرواية التالية عن قيس بن مسلم الجزم بأن ذلك كان يوم الجمعة، فلا يضرّ شكّ سفيان، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٨٢.
[ ٤٥ / ٣٧٢ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٦ و٧٤٨٧ و٧٤٨٨] (٣٠١٧)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٤٥) و"المغازي" (٤٤٠٧) و"التفسير" (٤٦٠٦) و"الاعتصام" (٧٢٦٨)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٤٣)، و(النسائيّ) في "الحج" (٥/ ٢٥١) و"الإيمان" (٨/ ١١٤)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٣١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٥)، و(الآجريّ) في "الشريعة" (ص ١٠٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
١ - (منها): بيان فضل يوم عرفة، حيث إنه نزلت فيه هذه الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان وقت، ومكان نزول هذه الآية.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر - ﵁ - من العناية بمكان نزول الآية، وزمانها.
٤ - (ومنها): أن هذه الآية فيها بيان ما منّ الله تعالى به على هذه الأمة، حيث أكمل دينها، وأتمّ نعمه عليها، بحيث لا تحتاج إلى زيادة في أمر الدين، فكلّ ما حدث بعد أن أكمله الله تعالى، مما لا دليل له منه يُعتبر بدعة ضلالة، كما ثبت ذلك من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، متّفق عليه، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ".
٥ - (ومنها): أنه استُدل بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام، لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله - ﷺ - الأفضل، وأن الأعمال تَشْرُف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. . ." الحديث؛ ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء، ولا سيما على قول من قال: إنها بعد العصر.
قال الحافظ ﵀: وأما ما ذكره رزين في "جامعه" مرفوعًا: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها" فهو حديث لا أعرف حاله، لأنه لم يذكر صحابيه، ولا من أخرجه، بل أدرجه في حديث "الموطأ" الذي ذكره مرسلًا عن طلحة بن عبيد الله بن
[ ٤٥ / ٣٧٣ ]
كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطآت، فإن كان له أصل احتَمَل أن يراد بالسبعين التحديد، أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١).
٦ - (ومنها): ما كتبه الحافظ ابن رجب من بحث ممتع، قد أجاد فيه، وأفادا، قال ﵀ ما حاصله:
هذا الحديث قد يؤخذ منه أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا؛ إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لمّا تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدًا لهذه الأمة من وجهين:
أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة.
والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم، وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: إنه يوم الحج الأكبر.
وقد جاء تسميته عيدًا من حديث مرفوع خرّجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر، عن النبيّ - ﷺ - قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب".
وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف، وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم، بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكْلهم من نُسُكهم. هذا قول جمهور العلماء.
وقال عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها. وقول الجمهور أصح. ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نِعَم الله على عباده، لو صامها بعض الناس شكرًا من غير اتخاذها عيدًا، كان حسنًا استدلالًا بصيام النبيّ - ﷺ - عاشوراء لمّا أخبره اليهود بصيام موسى ﵇ له
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٨٤.
[ ٤٥ / ٣٧٤ ]
شكرًا، وبقول النبيّ -ﷺ- لمّا سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: "ذلك يوم وُلدت
فيه، وأُنزل علي فيه".
فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يُتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله -ﷺ- وشرعه الرسول لأمته. والأعياد: هي مواسم الفرح والسرور؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فشرع لهم عيدين في سنة وعيدًا في كل أسبوع، فأما عيدا السنة:
فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار، فشَرَع لهم عيدًا بعد إكمال صيامهم، وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة، وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد شكرًا لذلك.
والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه، فجعل الله عقب ذلك عيدًا، بل هو العيد الأكبر، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه تفثهم، ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة؛ لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، بخلاف الصيام ويكون الشكر عند أهل الأمصار: الصلاة والنحر، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر؛ ولهذا أمر الله نبيّه -ﷺ- أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله؛ عند أمْره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم.
وأما عيد الأسبوع: فهو يوم الجمعة، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها -وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق، وفيه خُلق آدم وأدخل الجنة- عيدًا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة، وشرع لهم الخطبة تذكيرًا بنِعَم الله عليهم وحثًّا لهم على شكرها، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام.
[ ٤٥ / ٣٧٥ ]
وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر. خرّجه الإمام أحمد في "مسنده"، وقال مجاهد وغيره. وروي أنه حج المساكين، وروي عن علي أنه يوم نُسك المسلمين. وقال ابن المسيب: الجمعة أحب إليّ من حج التطوع. وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي؛ فالمبكر في أول ساعة كالمُهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشًا، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي بيضة. ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة. وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة لا يزورون ربهم فيهما، وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عمومًا يشارك الرجال فيها النساء. فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عمومًا.
وأما خواص المؤمنين: فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين. وروي عن بعضهم: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد. ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيًّا. وقد خرّجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا.
ولهذا المعنى -والله أعلم- لمّا ذكر النبيّ -ﷺ- الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجلي أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما.
فتبيَّن بهذا: أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام؛ فالأعياد الثلاثة المجتمَع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج؛ فأما الزكاة: فليس لها زمان معين تكمل فيه، وأما الشهادتان: فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما. وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالي أعلم.
_________________
(١) "فتح الباري لابن رجب" ١/ ٨٨ - ٨٩.
[ ٤٥ / ٣٧٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الكوفيّ [١٠]، تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ [٨]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٤ - (أَبُوهُ) إدريس بن يزيد الأوديّ الكوفيّ [٧]، تقدم في "الإيمان" ٥٩/ ٣٣٥.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ).
[ ٤٥ / ٣٧٧ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميّ الكوفيّ [٩]، تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٢ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ [٧]، تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى قبل حديث، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٩] (٣٠١٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ -قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا- ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ، تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ).
[ ٤٥ / ٣٧٨ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ [١١]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، من كبار [٧]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام المدنيّ الفقيه [٣]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵂-، تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة -﵂-.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-، وإنما سألها هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سببًا للعدل في الظاهر حتى يُؤَمَّنَ به من يَخَاف عدمه، بل قد يكون النكاح سببًا للجور للحاجة إلى الأموال. (عَنْ قَوْلِ اللهِ -﷿-: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣])؛ أي: إن خفتم أن لا تعدِلُوا في مهورهنّ، وفي النفقة عليهنّ، فانكحوا غيرهنّ من النساء.
قال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: "خفتم" من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: "خفتم" بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: "خفتم" ظننتم، قال ابن عطيّة: وهذا الذي اختاره الْحُذّاق، وأنه على بابه من الظنّ، لا من اليقين،
[ ٤٥ / ٣٧٩ ]
التقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة، فليعدل عنها. انتهى. ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛ أي: تعدلوا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، وقَسَط إذا جار، وظلم صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]؛ يعني: الجائرين. ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ قال النسفيّ: يقال للإناث: اليتامى، كما يقال: للذكور، وهو جمع يتيمة، ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم، لا غير. انتهى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀- في "المفهم": اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فقد الأمّ، وأصل اليتيم أن يقال: على من لم يبلُغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحَجْر عليها. وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أُبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة، إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال -ﷺ- فيما خرّجه الدارقطنيّ وغيره في بنت عثمان بن مظعون: "وإنها يتيمة، ولا تُنكح إلا بإذنها"، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح. انتهى (^٢).
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
قال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: إن قيل: كيف جاءت "ما" للآدميين، وإنما أصلها لِمَا لا يعقِلُ، فعنه أجوبة خمسة:
[الأول]: أن "من" و"ما" قد يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] فـ"ما" ههنا لمن يعقل، وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك، مبيّنًا لمبهم "ما"، وقرأ ابن أبي عبلة: "من طاب" على ذِكر من يعقل.
[الثاني]: قال البصريون: "ما" تقع للنعوت كما تقع لِمَا لا يعقل، يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريفٌ وكريمٌ، فالمعنى: فانكحوا الطيّب من النساء؛ أي: الحلال، وما حرّمه الله فليس بطيّب، وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، فأجابه موسى على وفق ما سأل.
_________________
(١) "تفسير النسفيّ" ١/ ٢٠٥.
(٢) "المفهم" ٧/ ٣٢٦.
[ ٤٥ / ٣٨٠ ]
وحكى بعض الناس أن "ما" في هذه الآية ظرفيّة؛ أي: ما دمتم تستحسنون النكاح. قال ابن عطيّة: وفي هذا المنزع ضعفٌ.
[الرابع]: قال الفرّاء: "ما" ههنا مصدرية. وقال النحاس: وهذا بعيدٌ جدًّا، لا يصحّ، فانكحوا الطيّبة.
[الخامس]: أن المراد بـ"ما" هنا العقد؛ أي: فانكحوا نكاحًا طيبًا، وقراءة ابن أبي عَبْلَة تردّ الأقوال الثلاثة.
واتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنين، أو ثلاثًا، أو أربعًا كمن خاف، فدلّ على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعمّ من ذلك. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (^١).
(قَالَتْ) عائشة -﵂-: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أختها هي أسماء بئت أبي بكر الصدّيق -﵃-، والدة عبد الله بن الزبير، وعروة. (هِيَ الْيَتِيمَةُ)؛ أي: التي مات أبوها، (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا)؛ أي: الذي يَلِي مالها. قال الفيّوميّ -﵀-: "حَجر الإنسان" بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، وهو في حَجْره؛ أي: كَنَفه، وحِمَايته، والجمع حُجور. انتهى (^٢).
(تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا) بضمّ الياء، من الإقساط؛ أي: يَعدِل في مهرها، وفي رواية: "ويريد أن ينتقص من صداقها"، (فَيُعْطِيَهَا) عطف على "يُقسِط"، عطف تفسير، وفيه دلالةٌ على النهي عن تزوّج امرأة يخاف في شأنها الجور، منفردةً، أو مجتمعة مع غيرها. (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ)؛ يعني: أنه يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يُعطيها غيره؛ أي: ممن يَرغَب في نكاحها سواه، ويدلّ على هذا قوله: (فَنُهُوا) بضم النون، والهاء، مبنيًّا للمفعول، (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) بفتح الياء بالبناء للمفعول؛ أي: يتزوّجوهنّ (إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ)؛ أي: أعلى عادة مهر مثلهنّ، (وَأُمِرُوا) بضم الهمزة، مبنيًّا
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٥/ ١٢ - ١٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٢٢.
[ ٤٥ / ٣٨١ ]
للمفعول، (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ)؛ أي: يتزوّجوا غيرهنّ من النساء بأيّ مهر توافقوا عليه. قال في "الفتح": وتأويل عائشة هذا جاء عن ابن عبّاس -﵄- مثله، أخرجه الطبريّ. وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾؛ أي: إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى، فتحرّجتم أن لا تَلُوها، فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تُقسطوا في نكاح اليتامى. انتهى (^١).
وقال الخطّابيّ: وتأويل الآية، وبيان معناها: أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى، فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاحّة في صدقاتهنّ، وأن لا تعدلوا، فتبلغوا بهنّ صداق أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أُحلّ لكم خطبتهنّ من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم من الإماء. انتهى (^٢).
(قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-، وهو معطوفٌ على المذكور، وإن كان بغير أداة عطف، (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ)؛ أي: في شأن النساء، (فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾)؛ أي: يسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم، (﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) قال النسفيّ: أي الله يفتيكم، والمتلوّ في الكتاب؛ أي: القرآن في معنى اليتامى، يعني قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمُهُ، (﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾) في محلّ الرفع بالعطف على الضمير في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، أو على لفظ ﴿اللَّهُ﴾، و(﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾) صلة ﴿يُتْلَى﴾؛ أي: يتلى عليكم في معناهنّ، ويجوز أن يكون في ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بدلًا من ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ١١١.
(٢) "معالم السنن" ٣/ ١٥ - ١٦.
[ ٤٥ / ٣٨٢ ]
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾، والإضافة بمعنى "من". (﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾)؛ أي: ما أثبت لهن في الشرع، (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾).
(قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ) قال في "الفتح": فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾؛ لأن رغب يتغيّر معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يُرِدْه؛ لأنه يحتمل أن تحذف "في"، وأن تُحذف "عن". وقد تأوّله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في الغنيّة، والمُعْدَمة، والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنيّة، وهذه الآية نزلت في الْمُعدمة. انتهى (^١).
(حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ)؛ أي: نُهُوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها، ومالها؛ لأجل زُهدهم فيها، إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل. وقال صاحب "التكملة": حاصل كلام عائشة -﵂- أن من وَلِيَ يتيمة من أبناء أعمامها كان يظلمها في الجاهليّة من ناحيتين، فإن كانت ذات مال وجمال رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها، فكان ينكحها بأقل مهر من مهر المِثل، فأمره الله -﷾- أن لا يتزوجها في هذه الحالة، بل يتزوج غيرها ممن أحلّ الله له بما شاء من المهر؛ لئلا يبخس اليتيمة حقّها في المهر، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
وأما إذا كانت قليلة الجمال، ولها مال، فلا يتزوجها الوليّ؛ لعدم رغبته في جمالها، ولا يزوجها غيره خشية أن يذهب الزوج بمالها، فيمسكها عنده
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ١١٢.
[ ٤٥ / ٣٨٣ ]
غير مزوّجة، ولا يخفى ما في ذلك من الظلم لها، فنهاه الله -﷿- عن هذا الظلم، وأمره بأحد أمرين: إما أن يتزوجها بنفسه على مهر مِثلها، وإما أن يُنكحها غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
وقال الآلوسيّ في "روح المعاني" (^١): قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كما ورد في غير خبر كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات، ويأكلن أموالهن، وإلا كانوا يعضلونهن طمعًا في ميراثهنّ، وحَذْف الجارّ هنا لا يُعدّ لَبسًا، بل هو إجمال، فكلّ من الحرفين مراد على سبيل البدل (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٩ و٧٤٩٠ و٧٤٩١ و٧٤٩٢ و٧٤٩٣] (٣٠١٨)، و(البخاريّ) في "الشركة" (٢٤٩٤) و"الوصايا" (٢٧٦٣) و"التفسير" (٤٥٧٣ و٤٦٠٠) و"النكاح" (٥٠٦٤ و٥٠٩٢ و٥٠٩٨ و٥١٣١) و"الحيل" (٦٩٦٥)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٦٨)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٣٣٦٧) وفي "الكبرى" (٥٥١٤ و١١٠٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب العدل في مهور النساء.
٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للوليّ أن يزوّج محجورته من نفسه.
٣ - (ومنها): أن له حقًّا في التزويج؛ لأن الله تعالى خاطب الأولياء بذلك.
_________________
(١) "روح المعاني" ٥/ ١٩٠.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢.
[ ٤٥ / ٣٨٤ ]
٤ - (ومنها): اعتبار مهر الْمِثل في المحجورات، وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك.
٥ - (ومنها): جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ؛ لأنهنّ بعد البلوغ، لا يقال لهنّ: يتيمات، إلا أن يكون أطلق استصحابًا لحالهنّ.
٦ - (ومنها): بيان سبب نزول الآيتين، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): كتب أبو العبّاس القرطبيّ -﵀- على حديث عائشة -﵂- بحثًا مطوّلًا أحببت إيراده؛ لِمَا فيه من الفوائد الغزيرة، قال -﵀-:
قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]: فزعتم، وفرَقتم، وهو ضد الأمن، ثم قد يكون الخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختَلَف العلماء في تفسير هذا الحديث، هل هو بمعنى العلم، أو بمعنى الظنّ، فقال بعضهم: خفتم: علمتم، وقال آخرون: ﴿خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]: ظننتم، وحقيقة الخوف ما ذكرناه أوّلًا. ﴿وَتُقْسِطُوا﴾ [الممتحنة: ٨]: تعدلوا، وقد تقدَّم: أن أقسط بمعنى عدل، وقسط: بمعنى جارَ، وقد تقدم أن اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فَقْد الأم، وأن اليتيم إنما أصله أن يقال على من لم يبلغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرة كانت، أو كبيرة؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم؛ لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنَّها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تنكح اليتيمة الصغيرة؛ إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال النبيّ -ﷺ- فيما خَرَّج الدارقطنيّ، وغيره في بنت عثمان بن مظعون، وأنها يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها (^١)، وهذا مذهب الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة، فإنَّه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ؛ بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحة النكاح -كما قدمناه في كتاب النكاح-.
وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قد تقدَّم أن "ما" أصلها لِمَا لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، فتُطلق على من يعقل، كما جاءت في هذه الآية، فإنَّها فيها للنساء، وهنّ ممن يعقل، ولا يُلتفت لقول من قال: إن
_________________
(١) رواه الدارقطنيّ ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ٤٥ / ٣٨٥ ]
المراد بها هنا العقد؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ مبينًا لمبهم "ما".
وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ قد فَهِمَ من هذا من بَعُدَ فهمه للكتاب والسُّنَّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وقلَّ علمه باللسان، واللغة: أنه يجوز لنا أن ننكح تسعًا، ونجمع بينهنّ في عصمة واحدة من هذه الآية، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبيّ -ﷺ- نكح تسعًا، وجمع بينهن في عصمة، والذي صار إلى هذه الجهالة الرافضةُ، وطائفة من أهل الظاهر، فجعلوا مثنى، وثلاث، ورباع مثل اثنين، وثلاث، وأربع، وبينهما من الفرقان ما بين الجماد والإنسان، فإنَّ أهل اللغة مطبقون على الفرق بينهما، ولا نعلم بينهم خلافًا في ذلك، وبيان الفرق أن العرب إذا قالت: جاءت الخيل مثنى مثنى إنما تعني بذلك: اثنين، اثنين؛ أي: جاءت مزدوجة، قال الجوهريّ: وكذلك جميع معدول العدد.
قال القرطبيّ: وعلى هذا جاء قوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ويُعلم على القطع والبتات أنه لم يرد هنا توزيع هذه الأعداد على الملائكة حتى يكونوا هم: أولي تسعة أجنحة يشتركون فيها، ولا أنه جمع كل واحد من آحاد الملائكة تسعة أجنحة، وتلزم هذه الفضائح من قال بالجمع في آية النكاح؛ إذ لا فرق بين هاتين الآيتين في هذا اللفظ في العدل، والعطف بالواو الجامعة، وإنما المراد: أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافًا، فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم أربعة، وكذلك آية النكاح معناها: أن الله تعالى أباح لكل واحد منهم من الزوجات ما يقدر على العدول فيه، فمن يقدر على العدل في اثنتين أبيح له ذلك، ومن يقدر على العدل في أكثر أبيح له ذلك، فإن خاف أن لا يعدل فواحدة، كما قال تعالى، وغاية الإباحة أربع؛ لأنَّه انتهى إليهن في العدد، ولقول النبيّ -ﷺ- لغيلان بن أمية: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهنّ" (^١)، ولأنه لم يُسمع عن أحد من الصحابة، ولا التابعين: أنه جمع في عصمته بين أكثر من أربع، وما أبيح
_________________
(١) رواه البيهقيّ في "الكبرى" ٧/ ١٨١، وصححه ابن حبّان (٤١٥٧).
[ ٤٥ / ٣٨٦ ]
للنبيّ -ﷺ- من ذلك، فذلك من خصوصياته، بدليل: أن أصحابه قد علموا ذلك، وتحقّقوه، فلو علموا أن ذلك مسوَّغ لهم لاقتدوا به في ذلك، فكانوا يجمعون بين تسع، فإنَّهم كانوا لا يعدلون عن الاقتداء به في جميع أفعاله، وأحواله، وببادرون إلى ذلك مبادرة من علم أن التوفيق والفلاح، والحصول على خير الدنيا والآخرة في الاقتداء به، فلولا أنهم علموا خصوصيته بذلك لَمَا امتنعوا منه، وما يروي الرافضة في ذلك عن عليّ -﵁-، أو غيره من السّلف، فغير معروف عند أهل السُّنّة، ولا مأخوذ عن أحد من علماء الأمة، وكيف لا؟ وقوله لغيلان قد بيّن القدر المباح غاية البيان، وهو من الأحاديث المعروفة المشهورة عند كل أحد، بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند.
وقد ذهب بعض أهل الظاهر (^١) إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة؛ تمسُّكًا بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار لمّا لم يمكنه لذلك إنكار، لكنه لمّا حمل الواو على الجمع جمع بين هذه الأعداد، وقصر كل صيغة على أقله، فجعل: مثنى بمعنى: اثنين واثنين، وثلاث: بمعنى ثلاث وثلاث، ورباع: بمعنى أربع وأربع.
قال: وهذا القائل أعور بأيّ عينيه شاء، فإنَّ كل ما ذكرناه يبطل دعواه.
ونزيد هنا نكتة تضمنها الكلام المتقدِّم، وهي أن قصره كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه، تحكّم بما لا يوافقه أهل اللسان عليه، ولا يرشد معنى الاثنين إليه؛ لأنَّ مقصود الآية إباحة نكاح اثنتين لمن أراد، نكاح ثلاث لمن أراد، ونكاح أربع لمن أراد، وكل واحد من آحاد كل نوع من هذه الثلاثة لا ينحصر، فكل اثنين، وثلاث، وأربع لا ينحصر، فقَصْره على بعض أعداد ما تضمّنه ذلك مخالف لمقصود الآية، فتفهّم ذلك، فإنَّه من لطيف الفهم، وللكلام في هذه الآية متّسعٌ، وفيما ذكرناه تنبيه ومقنع.
_________________
(١) قال الجامع عفا الله عنه: نسبة هذا القول إلى أهل الظاهر فيه نظر، فإن ابن حزم -﵀- قد ذكر في "المحلّى" (٩/ ٤٤١) أن أهل الإسلام مجمعون على تحريم أكثر من أربع نسوة، واحتج بحديث غيلان الثقفيّ المذكور، وقال: لم يقل بإباحة أكئر من أربع إلا الرافضة، فلو كان من أهل الظاهر أحد قال ذلك لَمَا أهمله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٤٥ / ٣٨٧ ]
وبعد أن فهمت أفراد تلك الكلمات، فاعلم أن العلماء اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، وفي معناها، فذهبت عائشة -﵂- إلى ما ذُكر في الباب عنها، وحاصل الروايات المذكورة عنها: أنها نزلت في ولي اليتيمة التي لها مال، فأراد وليّها أن يتزوجها، فأُمر بأن يوفيها صداق أمثالها، أو يكونُ لها مالٌ عنده بمشاركة أو غيرها، وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه، ويَكره أن يزوجها غيره؛ مخافة أخْذ مالها من عنده، فأمَر الله الأولياء بالقسط، وهو العدل، بحيث: إن تزوَّجها بذل لها مهر مثلها، وإن لم تكن له رغبة فيها زوّجها من غيره، وأوصلها إلى مالها على الوجه المشروع.
وتكميل معنى الآية: أن الله تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا بالعدل، فتزوَّجوا غيرهنّ، ممن طاب لكم من النساء، اثنتين اثنتين، إن شئتم، وثلاثًا ثلاثًا لمن شاء، وأربعًا أربعًا لمن شاء، هذا قول عائشة -﵂- في الآية.
وقال ابن عباس -﵄- في معنى الآية: إنه قَصَر الرجال على أربع؛ لأجل أموال اليتامى، فنزلت جوابًا لتحرّجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى.
وفسَّر عكرمة قول ابن عباس هذا بألّا تكثروا من النساء، فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى. وقال السّدّيّ، وقتادة: معنى الآية: إن خفتم الجور في أموال اليتامى، فخافوا مثله في النساء، فإنَّهن كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف.
قال القرطبيّ: وأقرب هذه الأقوال وأصحها قول عائشة -إن شاء الله تعالى-.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه القرطبيّ هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم.
قال: وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، كمن خاف، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف، وأن حكمها أعمّ من ذلك، وفي الآية مباحث تسكت الناقث (^١).
_________________
(١) يقال: نقث حديثه: إذا خلطه كخلط الطعام، ونقث العظم: استخرج مخّه، ونقث عن الشيء: إذا حفر عنه.
[ ٤٥ / ٣٨٨ ]
والمعدولة عن أسماء العدد صفات، وقيل: للعدل والتأنيث؛ لأنَّ أسماء العدد مؤنثة، وقيل: لتكرار العدد في اللفظ، والمعنى؛ لأنه عدل عن لفظ اثنين إلى لفظ مثنى، وإلى معنى: اثنين اثنين، ومبدأ العدل آحاد، ومنتهاه رباع، ولم يسمع فيما فوق ذلك إلا في عُشار في قول الكميت [من المتقارب]:
وَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتَّى رَمَيْـ … ـتَ فَوْقَ الرِّجَالِ خِصَالًا عُشَارَا
وتختلف صيغ المعدول عن العدد، فيقال: مَوْحَد، وآحاد، وأُحَد، ومثنى، وثُنا، وثُناي، ومثلث، وثُلاث وثُلَث، ومَربع، ورُباع، ورُبَع، وقرأ النخعي: (ثُلَث)، و(رُبَع). انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقد ذكرت في "شرح النسائي" هنا مسائل مفيدة، فراجعها (^١) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ، إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير صالح، وكذا فاعل "زاد".
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٤٢٩٨) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير؛ أنه سأل عائشة، عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: يا ابن
_________________
(١) راجع: "المجتبى" ٢٨/ ٢٩ - ٣٦.
[ ٤٥ / ٣٨٩ ]
أختي هذه اليتيمة، تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله -ﷺ- بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنُهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله، في يتامى النساء، إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهَا، وَوَارِثُهَا، وَلَهَا مَالٌ، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيَضُرُّ بِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة الكوفيّ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ [٥]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي
_________________
(١) "صحيح البخاري" ٤/ ١٦٦٨.
[ ٤٥ / ٣٩٠ ]
يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ، تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا، فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، من صغار [٨]، تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَتَشْرَكُهُ) بفتح حرف المضارعة، وثالثه، من باب تعب.
وقوله: (فَيَعْضِلُهَا) مثلث الضاد، كما في "القاموس"؛ أي: يمنعها من الزواج.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآيَةَ قَالَتْ: هِيَ (^١) الْيَتِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ، حَتَّى فِي الْعَذْقِ، فَيَرْغَبُ؛ يَعْنِي: أَنْ يَنْكِحَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُنْكِحَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي مرّ قبل حديث، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٤] (٣٠١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَيُصْلِحُهُ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: "هذه".
[ ٤٥ / ٣٩١ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي تقدّم قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها قالت (فِي قَوْلِهِ)؛ أي: بيان معنى قوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) هذا في "سورة النساء" وأول الآية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦].
قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾؛ أي: اختبروهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسديّ، ومقاتل ابن حيان.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد: يعني: الحُلُم، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ يعني: صلاحًا في دينهم، وحفظًا لأموالهم، قاله سعيد بن جبير، ثم نهى الله تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية؛ إسرافًا ومبادرة قبل بلوغهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾؛ أي: من كان في غنية عن مال اليتيم، ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عنه، ولا يأكل منه شيئًا.
(قَالَتْ) عائشة -﵂-؛ (أُنْزِلَتْ)؛ أي: هذه الآية (فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ) المراد بوالي اليتيم: المتصرف في ماله بالوصية، ونحوها (^١)، كما أشارت إليه بقولها: (الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ)، وقوله: (وَيُصْلِحُهُ) عطف تفسير لـ"يقوم"، فمعنى قيامه عليه: إصلاحه، والسعي في نمائه، (إِذَا كَانَ) ذلك الوالي (مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ)؛ أي: بالمعروف، كما نصّ عليه في الآية، ومعنى المعروف: بقدر قيامه عليه، وقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله، أو قدر حاجته، واختلفوا هل يردّ إذا أيسر؟ على قولين: أحدهما لا؛ لأنه أكل بأجرة عمله، وكان فقيرًا، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٤.
[ ٤٥ / ٣٩٢ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الآية، والله تعالى أعلم.
وفي الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن أبي حاتم، من طريق حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: "جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: إن عندي يتيمًا له مال، وليس عندي شيء، أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف"، وإسناده قويّ، قاله في "الفتح" (^١).
وأخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-، فقال: ليس لي مال ولي يتيم، فقال: "كُلْ من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مبذّر، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال: تفدي مالك"، وهو حديث صحيح.
وروى ابن حبان في "صحيحه" من حديث علي بن مهديّ، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخراز عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال: "ما كنت ضاربًا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالًا"، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسأله الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٩٤ و٧٤٩٥ و٧٤٩٦] (٣٠١٩)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٢١٢) و"الوصايا" (٢٧٦٥) و"التفسير" (٤٥٧٥)، و(عبد الرزّاق) في "مسنده" (٧/ ٣٧١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٣٩٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤ و٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٤ "التفسير" رقم (٤٥٧٥).
[ ٤٥ / ٣٩٣ ]
١ - (منها)، بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): يُسر الشريعة وسماحتها حيث يسّرت على والي اليتيم أن يأكل من ماله قدر عمالته، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): عناية الشريعة بالضعفاء والمساكين حيث شدّدت في مال اليتيم، وحرّمت التصرّف فيه إلا بما يُصلحه، ويكون عونًا له، وقد بيّن الله -﷿- الوعيد الشديد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أكل والي اليتيم من ماله:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك:
فقيل: يجوز للوصيّ أن يأخذ من مال اليتيم قدر عُمالته، وهو قول عائشة -﵂- كما في حديث الباب، وعكرمة، والحسن، وغيرهم.
وقيل: لا يأكل منه إلا عند الحاجة، ثم اختلفوا، فقال عَبِيدة بن عمرو، وسعيد بن جبير، ومجاهد: إذا أكل، ثم أيسر قضى. وقيل: لا يجب القضاء. وقيل: إن كان ذهبًا، أو فضة لم يَجُز أن يأخذ منه شيئًا، إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس -﵄-، وبه قال الشعبيّ، وأبو العالية، وغيرهما، أخرج جميع ذلك ابن جرير في "تفسيره"، وقال: هو بوجوب القضاء مطلقًا، وانتصر له. ومذهب الشافعيّ -﵀-: يأخذ أقل الأمرين، من أجرته، ونفقته، ولا يجب الردّ على الصحيح، وحكى ابن التين عن ربيعة أن المراد بالفقير والغني في هذه الآية اليتيم؛ أي: إن كان غنيًّا فلا يسرف في الإنفاق عليه، وإن كان فقيرًا فليطعمه من ماله بالمعروف، ولا دلالة فيها على الأكل من مال اليتيم أصلًا، قال الحافظ: والمشهور ما تقدم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: قول عائشة -﵂- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنزلت في والي اليتيم، فعلى هذا
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٧١٩، "كتاب الوصايا" رقم (٢٧٦٤).
[ ٤٥ / ٣٩٤ ]
المراد بها: أولياء الأيتام، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: المراد به اليتيم إن كان غنيًّا وُسِّع عليه، وأُعِفّ من ماله، وإن كان فقيرًا أُنفق عليه بقدره، وهذا في غاية البُعْد؛ لأنَّ اليتيم لا يخاطب بالتصرّف في ماله لصغره، ولسفهه، ولأنه إنما يأكل من ماله بالمعروف على الحالين، فيضيع التنويع والتقسيم المذكور في الآية، وعلى قول الجمهور فالوليّ الغنيّ لا يأخذ من مال يتيمه شيئًا، ولا يستحق على قيامه عليه أجرًا دنيويًّا، بل ثوابًا أخرويًّا، وأما الفقير، فاختُلف فيه، هل يأخذ من مال يتيمه شيئًا؟ أم لا؟ فذهب زيد بن أسلم إلى أنه لا يأخذ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا، وحكي ذلك عن ابن عباس بناءً على أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، وقيل: بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
قال القرطبيّ: وهذا لا يصح النسخ فيه لعدم شرطه؛ إذ الجمع ممكن؛ إذ الأخذ الذي أباحه الله تعالى ليس ظلمًا، ولا أكل مال بالباطل، فلم تتناوله الآيتان، وهذا هو القول بالموجَب.
وذهب جمهور المجوّزين إلى إباحة الأخذ، لكنهم اختلفوا في القدر المأخوذ، وفي قضاء المأخوذ، وفي وجه الأخذ، فروي عن عمر -﵁- أنه قال: إن أكلت قضيت، وبه قال عَبيدة السَّلْمانيّ، وأبو العالية، وهو أحد قولي ابن عباس، وعكرمة، وقال من عدا هؤلاء: إن له الأخذ، ولا قضاء عليه، لكنهم اختلفوا في وجه الأخذ، فذهب عطاء إلى أنه يأخذ بقدر الحاجة، وقال الضحاك: يضارب بماله، ويأكل من ربحه، وقال الحسن: يسدّ الْجَوْعة، ويستر العورة، وقال الشعبيّ: يأكل من التمر واللبن، وقد روي هذا عن ابن عباس -﵄-، فقال: يأكل، ويشرب، ويركب الظهر غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب، قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: وعليه مذهب مالك.
قال القرطبيّ: والصحيح من هذه الأقوال -إن شاء الله- أن مال اليتيم إن كان كثيرًا يحتاج إلى كثير قيام عليه، بحيث يشغل الولي عن حاجاته، ومهماته، فُرض له فيه أجرة عمله، وإن كان قليلًا مما لا يشغله عن حاجاته،
[ ٤٥ / ٣٩٥ ]
فلا يأكل منه شيئًا، غير أنه يسمح (^١) له شرب قليل اللبن، وأكل القليل من الطعام والتمر، غير مضرّ به، ولا مستكثر له، بل ما جرت به العادة بالمسامحة فيه.
قال: وما ذكرته من الأجرة، ونيل القليل من التمر واللبن كل واحد منهما معروف، فصلح حمل الآية على ذلك، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبيّ -﵀- هو الصحيح عندي؛ لأن ظاهر الآية يدلّ عليه لمن تأمله بالإمعان.
وخلاصة المسألة أن والي اليتيم إن كان مستغنيًّا عن ماله لا يأخذ شيئًا، وإن كان محتاجًا أخذ من ماله قدر عُمالته، ولا قضاء عليه، وكذا إن كان مال اليتيم يكلفه، ويشغله عن حوائجه يأخذ أجرته، وكذا يُسمح له أكل القليل الذي جرت به العادة، كاللبن، وقليل التمر، ونحو ذلك مما جرت به عادة الناس بالتسامح فيه فيما بينهم؛ لأنه معروف، والآية قالت: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ، أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبله، ولله الحمد والمنّة.
_________________
(١) وقع في النسخة: "يستحبّ له"، فأصلحته مستدلًّا بآخر كلامه، فتفطّن.
(٢) "المفهم" ٧/ ٣٣١ - ٣٣٢.
[ ٤٥ / ٣٩٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية ابن نمير عن هشام هذه ساقها إسحاق بن راهويه -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١١٦٠) - قال يحيى (^١): وقال ابن نمير عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت: أُنزلت في ولي اليتيم، يتناول من ماله بقدر قيامه. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٧] (٣٠٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ).
هذا الإسناد تقدّم قبل حديثين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (فِي) بيان (قَوْلِهِ -﷿-: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾) أي الأحزاب، (﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾) بنو قريظة، (﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾)؛ أي: من شدة الخوف والفزع. (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (كَانَ ذَلِكَ)؛ أي: المذكور من مجيئهم من فوقهم إلى آخره، (يَوْمَ الْخَنْدَقِ)؛ أي:
_________________
(١) هذا مسند، وليس معلّقًا، لأنه في الحديث الذي قبله قال: أخبرنا يحيى بن آدم إلى آخره.
(٢) "مسند إسحاق بن راهويه" ٢/ ٥٨٣.
[ ٤٥ / ٣٩٧ ]
يوم حُفر الخندق لأجل الدفاع عن المسلمين، وقد تقدّم ذكر غزوة الخندق في "كتاب الجهاد" مستوفًى.
فقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ معطوف على ﴿جَاءُوكُمْ﴾.
وقال الإمام ابن كثير في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ أي: الأحزاب، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ تقدم عن حذيفة -﵁- أنهم بنو قريظة، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؛ أي: من شدة الخوف، والفزع، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] قال ابن جرير: ظنّ بعض من كان مع رسول الله -ﷺ- أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ظن المؤمنون كل ظنّ، ونجم النفاق، حتي قال مُعَتِّب بن قُشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يَعِدُنا أن نأكل كنوز كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
وقال الحسن في قوله -﷿-: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا -ﷺ- وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حقّ، وأنه سيظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. انتهى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀-: قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ كان ذلك في غزوة الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة برأي سلمان -﵁-، وتسمى غزوة الأحزاب، لأنَّ الكفار تحزبوا أحزابًا، وتجمّعوا جموعًا حتى اجتمع في عددهم خمسة عشر ألفًا من أهل نجد، وتهامة، ومن حولهم، وحاصروا المسلمين في المدينة شهرًا، ولم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل، والحصى، ونقضت قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله -ﷺ- من العهد، وحينئذ جاء المسلمين عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار؛ يعني: مالت عن سنن القصد فعلَ المرعوب، وقال قتادة: شخصت، وبلغت
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٧٣.
[ ٤٥ / ٣٩٨ ]
القلوب الحناجر، أي: قاربت الخروج من الضيق، والرَّوع، وشدّة البلاء، والْجَهْد، وكان وقتَ بلاء وتمحيص، ولذلك نجم في كثير من الناس النفاق، وظهر منهم الشقاق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾؛ أي: تشكّون في الوعد بالنصر، يُخبر عن المنافقين، أو يكون معناه: أنهم خافوا من أن يُخذلوا في ذلك الوقت، فإنَّ وقت وقوع النصر الموعود غير معيّن، قال: وهذا أحسن من الأول، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]: امتُحنوا بالصبر على الحصار وشدّة الجوع، وزلزلوا بالخوف من أن يخذلهم الله في ذلك الوقت، ويُديل عدوّهم عليهم، كما فعل يوم أحد، وقد تقدَّم الخلاف في غزوة الخندق متى كانت. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "عن عائشة -﵂-: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قالت: كان ذلك يوم الخندق". هكذا وقع مختصرًا، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس -﵄-: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: عيينة بن حِصْن، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أبو سفيان بن حرب، وبَيَّن ابن إسحاق في "المغازي" صفة نزولهم، قال: نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة، وتهامة، ونزل عيينة في غطفان، ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أُحُد بباب نعمان، وخرج رسول الله -ﷺ- والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجُعل النساء والذراري في الآطام، قال: وتوجه حُييّ بن أخطب إلى بني قريظة، فلم يزل بهم حتى غَدروا، وبلغ المسلمين غدرهم، فاشتد بهم البلاء، فأراد النبيّ -ﷺ- أن يعطي عيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وقالا: كنا نحن وَهُمْ على الشرك، لا يطمعون منا في شيء من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف، فاشتدّ بالمسلمين
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٣٨٨ - ٣٨٩.
[ ٤٥ / ٣٩٩ ]
الحصار، حتى تكلم مُعَتِّب بن قُشير، وأوس بن قَيْظِيّ، وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢] الآيات، قال: وكان الذين جاءوهم من فوقهم: بنو قريظة، ومن أسفل منهم: قريش، وغطفان.
قال ابن إسحاق في روايته: ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عبد ودّ العامريّ اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيّقة من الخندق، حتى صاروا بالسبخة، فبارزه عليّ، فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ، فبارزه الزبير، فقتله، ويقال: قتله عليّ، ورجعت بقية الخيول منهزمة.
وروى البيهقيّ في "الدلائل" من طريق زيد بن أسلم أن رجلًا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله -ﷺ-، ولم ندركه، فقال: يا ابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق، في ليلة باردة مطيرة، فقال رسول الله -ﷺ-: "من يذهب، فيعلم لنا عِلم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟ " فوالله ما قام أحد، فقال لنا الثانية: "جعله الله رفيقي"، فلم يقم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال: "اذهب"، فقلت: أخشى أن أؤسر، قال: "إنك لن تؤسر". فذكر أنه انطلق، وأنهم تجادلوا، وبعث الله عليهم الريح، فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته.
ومن طريق عمرو بن سَرِيع بن حذيفة نحوه، وفيه أن علقمة بن غلاثة صار يقول: يا آل عامر إن الريح قاتلتي، وتحملت قريش، وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم.
وروى الحاكم من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة، عن حذيفة، قال: "لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشدّ ظلمةً، ولا ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، فمرّ بي النبيّ -ﷺ-، وأنا جاثٍ على ركبتيّ، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة، فقال: اذهب، فأتني بخبر القوم، قال: فدعا لي، فأذهب الله عني القرّ، والفزع، فدخلت عسكرهم، فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبرًا، فلما رجعت رأيت فوارس في
[ ٤٥ / ٤٠٠ ]
طريقي، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله -﷿- كفاه القوم"، وأصل هذا الحديث عند مسلم باختصار. انتهى (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٩٧] (٣٠٢٠)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٧٦)، و(ابن أبي داود) في "مسند عائشة" (١/ ٧١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله به المسلمين من الخوف، والمشقّة، والجوع، وما زادهم كلّ هذا إلا صبرًا، وثباتًا، ويقينًا، كما قال -﷿-: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢].
٣ - (ومنها): بيان ما انطوى عليه قلوب المنافقين من بغضهم للإسلام وأهله، ومحبتهم ظهور الكفر وأهله، وبثّهم الرعب والخوف في قلوب المسلمين، كما أبان الله تعالى عَوَارَهم، وفَضَحهم، حيث قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٤].
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٨] (٣٠٢١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٤٥ / ٤٠١ ]
إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآيَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنِّي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
هذا الإسناد هو المذكور قبل ثلاثة أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-، أنها قالت في قوله -﷿-: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآيَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ)؛ أي: في شأن المرأة التي (تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا) له (فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا) لعدم رغبته فيها، (فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي)، وقوله: (وَأَمْسِكْنِي) عطف تفسير لِمَا قبله، (وَأَنْتَ فِي حِلٍّ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، (مِنِّي)؛ تعني: أني أذنت لك أن تتزوج عليّ من تشاء، (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) وفي الرواية التالية: "قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ، وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي".
قال في "العمدة": قوله: ﴿نُشُوزًا﴾ النشوز أصله الارتفاع، فإذا أساء عِشرتها، ومنعها نفسه، والنفقة فهو نشوز، وقال ابن فارس: نَشَزَ بعلها: إذا جفاها، وضربها، وقال الزمخشريّ: النشوز أن يتجافى عنها، بأن يمنعها الرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسبّ، أو ضرب، والإعراض أن يُعرض عنها بأن يُقِلّ محادثتها، ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب، من طعن في سنّ، أو دَمَامة، أو شيء في خَلْق، أو خُلُق، أو مَلال، أو نحو ذلك.
وقوله: ﴿أَنْ يَصَّالَحَا﴾ أصله أن يتصالحا، فأُبدلت التاء صادًا، وأُدغمت الصاد في الصاد، فصار يَصّالحا، وقُرئ: ﴿أَنْ يَصَّلِحَا﴾؛ أي: أن يصطلحا، وأصله يصتلحا، فأُبدلت التاء صادًا، وأُدغمت في الأخرى، وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾.
وقوله: ﴿صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة، وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]؛ أي: من الفرقة، أو من النشوز والإعراض، وسوء العشرة، قال الزمخشريّ: هذه الجملة اعتراض، وكذلك
[ ٤٥ / ٤٠٢ ]
قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، ومعنى إحضار الأنفس الشح أن الشحّ جُعل حاضرًا لها، لا يغيب عنها أبدًا، ولا تنفك عنه؛ يعني: أنها مطبوعة عليه، والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها، والرجل لا يكاد نفسه تسمح بأن يَقسم لها، وأن يمسكها إذا رغب عنها، وأحبَّ غيرها. انتهى (^١).
وقال الإمام ابن جرير -﵀- في تفسير الآية المذكورة: يعني بذلك جلَّ ثناؤه: وإن امرأة خافت من بعلها يقول: عَلِمت من زوجها نشوزًا؛ يعني: استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أَثَرَةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنّها وكِبَرها، أو غير ذلك من أمورها، أو إعراضًا؛ يعني: انصرافًا عنها بوجهه، أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا يقول: فلا حرج عليهما؛ يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها، أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحًا، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول: والصلح خير؛ يعني: والصلح بترك بعض الحقّ؛ استدامةً للحرمة، وتماسكًا بعقد النكاح خير من طلب الفُرقة، والطلاق. انتهى (^٢).
وقال ابن كثير -﵀-: يقول تعالى مخبرًا ومشرّعًا من حال الزوجين، تارةً في حال نفور الرجل عن المرأة وتارةً في حال اتّفاقه معها، وتارةً في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يُعرض عنها، فلها أن تُسقط عنه حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: الصلح عند المشاحّة خير من الفراق، ولهذا لما كَبِرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله -ﷺ- على فراقها، فصالحته على
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٣/ ٢٧١.
(٢) "تفسير الطبريّ" ٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
[ ٤٥ / ٤٠٣ ]
أن يمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك، قال أبو داود الطيالسيّ: حدّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خَشِيت سودة أن يطلقها رسول الله -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجْعَلْ يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، ورواه الترمذيّ عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسيّ به، وقال: حسن غريب (^١).
وقال في "الفتح": وعن عليّ: "نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره مفارقته، فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام، أو أربعة"، وروى الحاكم من طريق ابن المسيِّب، عن رافع بن خديج، "أنه كانت تحته امرأة، فتزوج عليها شابةً، فآثر البكر عليها، فنازعته، فطلقها، ثم قال لها: إن شئت راجعتك، وصبرت، فقالت: راجِعني، فراجعها، ثم لم تصبر، فطلقها"، قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه هذه الآية.
وروى الترمذيّ من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجْعَلْ يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية، وقال: حسن غريب، قال الحافظ: وله شاهد في "الصحيحين" من حديث عائشة بدون ذكر نزول الآية. انتهى (^٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٩٨ و٧٤٩٩] (٣٠٢١)، و(البخاريّ) في "المظالم" (٢٤٥٠) و"الصلح" (٢٦٩٤) و"التفسير" (٤٦٠١) و"النكاح" (٥٢٠٦)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٣٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٢٩)،
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٦٢ - ٥٦٣.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٧٥.
[ ٤٥ / ٤٠٤ ]
و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٠١)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٣٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): رأفة الله -﷾- بعباده حيث أباح لهم الصلح مع المرأة فيما إذا كان الزوج لا رغبة له فيها، ويريد مفارقتها، فأمره أن يقبل الصلح منها بترك حقّها، وعدم مطالبتها به، وتَرْكه في نكاح غيرها ممن يرغب فيها، وتكون هي في عصمته فقط، وهذا فضل من الله -﷿- على الرجال، وعلى النساء أيضًا، فإنها لو طلقها هذا الزوج تضيع، ويتشتت أمرها، فكونها في عصمته عصمة لها، وصون عن الابتذال، والامتهان، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ، وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي).
هذا الإسناد هو المذكور قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: (فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا)؛ أي: في المحبّة، والمعاشرة، والملازمة.
وقوله: (أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي)؛ أي: وتتركني من غير طلاق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٠] (٣٠٢٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَبُّوهُمْ).
[ ٤٥ / ٤٠٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ الإمام [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ) -﵂- (يَا ابْنَ أُخْتِي) هي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق -﵂-، (أُمِرُوا)؛ أي: الذين جاؤوا بعد أصحاب النبيّ -ﷺ-، (أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]، (فَسَبُّوهُمْ)؛ أي: لعنوهم، وعابوهم مخالفين لأمر الله تعالى.
قال القرطبيّ -﵀-: قول عائشة -﵂-: "أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد -ﷺ-، فسبّوهم" أشارت عائشة -﵂- إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فسبّوهم، تريد عائشة بهذا: أن التابعين حقّهم الواجب عليهم أن يحبّوا أصحاب رسول الله -ﷺ-، وأن يعظّموهم، ويستغفروا لهم، وكذلك كل من يجيء بعد التابعين إلى يوم القيامة، ويحرم عليهم أن يسبّوهم، أو يسبّوا أحدًا منهم، كما قد صرح بذلك بعض بني أمية، وإياهم عَنَتْ بقولها، ولقد أحسن مالك -﵀- في فهم هذه الآية، فقال: من سبّ أصحاب رسول الله -ﷺ- فلا حقّ له في الفيء، واستدلّ بالآية، ووجهه أنه رأى هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، وأن هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، فظهر له أن المهاجرين والأنصار استحقّوا الفيء بأنهم مهاجرون، وأنصار، من غير قيد زائد على ذلك، وأن من جاء بعدهم قُيّدوا بقيد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فإن لم يوجد هذا القيد لم يجز الإعطاء؛ لعدم تمام
[ ٤٥ / ٤٠٦ ]
الموجِب، وقد فَهِم عمر -﵁- أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعمّ كل من يأتي إلى يوم القيامة، وأنها معطوفة على ما قبلها، فوقف الأرض المغنومة المفتتحة في زمانه على من يأتي بعد إلى يوم القيامة، وخصص بهذه الآية الأرض من جملة الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقد تقدَّم الكلام على هذا في "الجهاد". انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباريّ في "المصاحف"، وابن مردويه عن عائشة -﵂- قالت: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ -ﷺ-، فسبّوهم، ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أنه سمع رجلًا، وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا، ليس من هؤلاء من يسبّ هؤلاء.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر، أنه بلغه أن رجلًا نال من عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا، والله ما يكون منهم من يتناولهم، وكان في قَلْبه الغلّ عليهم (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٥٠٠ و٧٥٠١] (٣٠٢٢)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٤٦٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٢) راجع: "الدر المنثور" ٨/ ١١٣.
[ ٤٥ / ٤٠٧ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الاستغفار للصحابة -﵃-؛ لظاهر الآية المذكورة.
٢ - (ومنها): بيان تحريم سبّ الصحابة -﵃-؛ لمفهوم الآية المذكورة.
٣ - (ومنها): أن الواجب على المسلم أن يستغفر للسلف الصالح، ولا سيما أصحاب رسول الله -ﷺ-، وأن لا يتعرّض لهم بسوء؛ فإنه ينافي ما حثّت عليها الآية الكريمة.
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: الظاهر أن عائشة -﵂- قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في عليّ ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا، وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه، فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وبهذا احتج مالك في أنه لا حقّ في الفيء لمن سبّ الصحابة -﵃-؛ لأن الله تعالى إنما جعله لمن جاء بعدهم، ممن يستغفر لهم، والله تعالى أعلم (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
هذا الإسناد تقدّم في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام هذه ساقها الحاكم -﵀- في "المستدرك" مقرونًا بوكيع، فقال:
(٣٧١٩) - حدّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ موسى بن إسحاق القاضي، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، ووكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] "قالت: أصحاب رسول الله -ﷺ-، أُمروا بالاستغفار لهم، فسبّوهم".
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ١٨/ ١٥٨ - ١٥٩.
[ ٤٥ / ٤٠٨ ]
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ولم يخرجاه" هذا من غفلة الحاكم -﵀- فقد أخرجه مسلم هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٢] (٣٠٢٣) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فَيِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، من كبار [٩]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير [٧]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النخعيّ الكوفيّ [٦]، تقدم في "الجنة وصفة نعيمها" ١٥/ ٧١٧٣.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ [٣]، تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر -﵄-، تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين غير المغيرة، وسعيد، فكوفيّان، وفيه ابن عبّاس -﵄- بحر الأمة، وحبرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
_________________
(١) "المستدرك على الصحيحين" ٢/ ٥٠١.
[ ٤٥ / ٤٠٩ ]
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ)؛ أنه (قَالَ: اخْتَلَفَ) بالبناء للفاعل، وفاعله قوله: (أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ)؛ أي: في المراد بها، (﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فَرَحَلْتُ)؛ أي: ذهبت، وسافرت (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- لأسأله عن معنى الآية.
قال النوويّ -﵀-: قوله: "فرحلت إلى ابن عباس" هو بالراء، والحاء المهملة، هذا هو الصحيح المشهور في الروايات، وفي نسخة ابن ماهان: "فدخلت" بالدال، والخاء المعجمة، ويمكن تصحيحه بأن يكون معناه: دخلت بعد رحلتي إليه. انتهى (^١).
(فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا) وفي رواية النسائيّ: "أن ابن عبّاس سئل عمن قَتَل مؤمنًا متعمّدًا، ثم تاب، وآمن، وعمِل صالحًا، ثم اهتدى؟، فقال ابن عبّاس: وأنّى له التوبة؟ ". (فَقَالَ) ابن عبّاس جوابًا عن سؤال سعيد: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ) بالبناء للمفعول، (آخِرَ مَا أُنْزِلَ) بنصب "آخر" على الظرفيّة، (ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ)؛ أي: لم ينزل بعدها شيء من النصّ الذي ينسخها، وفي رواية النسائيّ: "قال: والله لقد أنزلها الله، ثم ما نسخها".
يعني: أنه بعدما أُنزلت لم يُنزل الله تعالى ما ينسخ ما تضمّنته، فهي مُحْكَمة، غير منسوخة، فهي تدلّ على أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا، هذا تقرير رأي ابن عبّاس -﵄- في هذه المسألة، وقد خالفه فيها جمهور السلف والخلف، فقالوا: إن له توبة، وإنه تحت المشيئة، وهو الحقّ، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في "كتاب الإيمان" برقم [٥٧/ ٣٢٩] (١٢٢)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الإيمان" بالرقم المذكور، وتقدّم تخرجه هناك.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٨/ ١٥٩.
[ ٤٥ / ٤١٠ ]
(المسألة الثانية): اختلفت الروايات عن ابن عبّاس -﵄- في مسألة توبة قاتل المؤمن.
قال في "الفتح" بعد ذكر اختلاف الروايات عنه، ما نصّه: وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس -﵄- كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خُصّ منها مباشرة المؤمن القاتل متعمدًا، وكثير من السلف يُطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أَولى من حَمْل كلامه على التناقض، وأَولى من دعوى أنه قال بالنسخ، ثم رجع عنه، وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا: لا توبة له مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرح مما تقدم، فروى أحمد، والطبريّ من طريق يحيى الجابر، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق عمار الدُّهنيّ كلاهما عن سالم بن أبي الجعد، "قال: كنت عند ابن عباس بعدما كُفّ بصره، فأتاه رجل، فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ قال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، وساق الآية إلى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾، قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى قُبض رسول الله -ﷺ-، وما نزل وحي بعد رسول الله -ﷺ-، قال: "أفرأيت إن تاب، وآمن، وعَمِل عملًا صالحًا، ثم اهتدى؟ قال: وأَنَّى له التوبة والهدى؟ " لفظ يحيى الجابر، والآخر نحوه، وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه أحمد، والنسائيّ من طريق أبي إدريس الخولانيّ، عن معاوية: "سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، والرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا".
وقد حَمَل جمهور السلف، وجميع أهل السُّنَّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: إن شاء الله أن يجازيه؛ تمسكًا بقوله تعالى في "سورة النساء" أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].
ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيليّ الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أتى تمام المائة، فقال له: لا توبة فقتله، فأكمل به مائة، ثم جاء آخر، فقال:
[ ٤٥ / ٤١١ ]
"ومن يحول بينك وبين التوبة. . ." الحديث، وهو مشهور، وإذا ثبت ذلك لمن قبلُ من غير هذه الأمة، فمثله لهم أَولى؛ لِمَا خَفّف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. انتهى ما في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن لقاتل المؤمن توبةً هو الأرجح عندي؛ لوضوح أدلّته، وقد مضى تمام البحث في هذا في "كتاب الإيمان" بالرقم المتقدّم، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ: إِنَّهَا لَمِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار البصريّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر البصريّ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٥ - (النَّضْرُ) بن شُميل أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، من كبار [٩]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: روايتا محمد بن جعفر، والنضر بن شُميل كلاهما عن شعبة لم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٥٦ - ٤٥٧.
[ ٤٥ / ٤١٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ [٦]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها زاي، منصور الخزاعيّ مولاهم صحابيّ صغير، وكان في عهد عمر -﵁- رجلًا، وكان على خُراسان لعليّ -﵁-، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٦.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي: شَيْبَانَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُهَانًا﴾، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا يُغْنِي عَنَّا الإِسْلَامُ، وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ، وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ، وَعَقَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ، فَلَا تَوْبَةَ لَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان، أبو موسى الحمّال البغدادي [١٠]، تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
[ ٤٥ / ٤١٣ ]
٢ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِيُّ) مولاهم البغداديّ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ شَيْبَانَ) بن عبد الرحمن النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة [٧]، تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ)؛ أي: أشركنا به، وجعلنا له مَثَلًا (^١).
وقوله: (وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ)؛ أي: زنينا.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣]. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ هَاشِمٍ: فَتَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ) العبديّ، أبو عبد الرحمن الطوسيّ، سكن نيسابور، من صغار [١٠]، تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، من صغار [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) الإمام الناقد البصريّ [٩]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ٣/ ١٩١.
[ ٤٥ / ٤١٤ ]
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ [٦]، تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي المكيّ مولى بني مخزوم القارئ [٥]، تقدم في "الأضاحي" ٨/ ٥١١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ: لَا)؛ أي: لا توبة له، قال في "العمدة": حاصل الكلام أن ابن عباس -﵄- قال: إن قاتل النفس عمدًا بغير حقّ لا توبة له، واحتَجّ في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. ادَّعَى أن هذه الآية مدنية نَسخت هذه الآية المكية، وهي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية، هذا هو المشهور عن ابن عباس.
ورُوي عنه أن له توبةً، وجواز المغفرة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]، وهذه الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السُّنَّة، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، قال النوويّ: وما رُوي عن بعض السلف مما يخالف هذا فمحمول على التغليظ والتحذير من القتل، وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس تصريح بأنه يخلَّد، وإنما فيها أنه جزاؤه، ولا يلزم منه أن يجازى. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٧] (٣٠٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ -وَقَالَ هَارُونُ: تَدْرِي- آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؟ نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، قَالَ: صَدَقْتَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: تَعْلَمُ أَيُّ سُورَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ: آخِرَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ [٩]، تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
[ ٤٥ / ٤١٥ ]
٢ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ [٧]، تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٣ - (عَبْدُ المَجِيدِ بْنُ سُهَيْلِ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ [٦]، تقدم في "البيوع" ٣٩/ ٤٠٧٤.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ [٣]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
[تنبيه]: قوله: (عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ: "عبد المجيد" بالميم، ثم الجيم، إلا نسخة ابن ماهان، ففيها: "عبد الحميد" بحاء، ثم ميم، قال أبو عليّ الغسانيّ: الصواب الأول، قال القاضي: قد اختلفوا في اسمه، فذكره مالك في "الموطأ" من رواية يحيى بن يحيى الأندلسيّ، وغيره، فسمّاه عبد الحميد بالحاء، ثم بالميم، وكذا قاله سفيان بن عيينة، وسمّاه البخاريّ: عبد المجيد، بالميم، ثم بالجيم، وكذا رواه ابن القاسم، والقعنبيّ، وجماعة في "الموطأ" عن مالك، وقال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهين، قال: والأكثر بالميم، ثم بالجيم، قال القاضي: فإذا ثبت الخلاف فيه لم يُحكم على أحد الوجهين بالخطأ. انتهى (^١).
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ)؛ أنه (قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (تَعْلَمُ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أتعلم؟ (وَقَالَ هَارُونُ) بن عبد الله الحمال شيخه الثاني في روايته: (تَدْرِي) بدل قول ابن ابي شيبة، وعبد بن حميد: "تعلم"، والمعنى واحد. (آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؟ نَزَلَتْ جَمِيعًا)؛ أي: نزلت كلّها مرّة واحدة، قال عبيد الله: (قُلْتُ: نَعَمْ) ثم فسّرها بقوله: (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾) إلى آخر السورة. (قَالَ) ابن عبّاس -﵄-: (صَدَقْتَ)؛ أي: إنها آخر سورة نزلت جميعًا.
قال القرطبيّ -﵀-: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: عونه على إظهار نبيّه -ﷺ- على قريش،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٨/ ١٦٠ - ١٦٢.
[ ٤٥ / ٤١٦ ]
وغيرهم، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]: فتح مكة، كما فسّره النبيّ -ﷺ- في حديت عائشة -﵂-، ولا يُلتفت لِمَا قيل في ذلك مما يخالفه. و"الأفواج": الزُّمَرُ، يعني: زمرةً بعد زمرة، وهذا كان بعد فتح مكة، فإنَّ أهل مكة كانوا عظماء العرب، وقادتهم، ومكة بيت الله تعالى، فتوقفت العرب في إسلامها على أهل مكة، ينظرون ما يفعلون، فلما فتح الله تعالى مكة على نبيّه -ﷺ-، وأسلم أهلها، أصفقت العرب على الدخول في الإسلام، وهَجَرت الأوثان، وعطّلت الأزلام، وحصل التّمام، وكمل الإنعام، فوجب الشكر لهذا المنعم الكريم، واستغفار هذا المولى الرحيم، لا سيما، وقد أفصح خطابًا: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]؛ أي: قل يا محمد: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، وأتوب إليه، فكان -ﷺ- يكثر من قول ذلك شكرًا لله تعالى، وامتثالًا لِمَا أمر به هنالك، وقد تقدَّم أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس -﵃-، فَهِما من هذه السورة أن الله تعالى نَعَى لنبينا محمد -ﷺ- نفسه، وكذلك فهمه أبو بكر -﵁-، وقال ابن عمر -﵄-: نزلت هذه السورة بمنى في حجَّة الوداع، ثم نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدها النبيّ -ﷺ- ثمانين يومًا، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، فعاش بعدها إحدى وعشرين يومًا. وقال مقاتل: سبعة أيام.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ على النادمين، وإن كثروا، ومَحّاءً ذنوبَ الخطائين إذا استغفروا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ في "الفتح": ولأبي يعلى من حديث ابن عمر: "نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق، في حجة الوداع، فعرف رسول الله -ﷺ- أنه الوداع".
قال: وسئلت عن قول الكشاف: إن "سورة النصر" نزلت في حجة الوداع أيام التشريق، فكيف صُدِّرت بـ"إذا" الدالة على الاستقبال؟.
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
[ ٤٥ / ٤١٧ ]
فأجبت بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته، فالشرط لم يكتمل بالفتح؛ لأن مجيء الناس أفواجًا لم يكن كَمُل، فبقية الشرط مستقبل.
وقد أورد الطيبيّ السؤال، وأجاب بجوابين:
أحدهما: أن "إذا" قد تَرِد بمعنى "إذ"، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية [الجمعة: ١١].
ثانيهما: أن كلام الله قديم، قال الحافظ: وفي كلِّ من الجوابين نَظَر لا يخفى. انتهى (^١).
[تنبيه]: فإن قلت: ما وجه التوفيق بين حديث عبد الله بن عباس هذا، وبين ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب قال: "آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخر سورة نزلت براءة"؟.
[قلت]: أجاب البيهقيّ -﵀- عن هذا بأنه يُجمع بين هذه الاختلافات بأن كل واحد أجاب بما عنده.
وقال القاضي أبو بكر -﵀- في "الانتصار": هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبيّ -ﷺ-، وكلٌّ قاله بضرب من الاجتهاد، وغلبة الظنّ (^٢).
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: تَعْلَمُ أَيُّ سُورَةٍ) بدل قول الشيخين الآخرين: "تعلم آخر"، أو "تدري آخر سورة"، وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ)؛ أي: ابن أبي شيبة (آخِرَ)؛ أي: أسقط لفظة "آخر"، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٥٠٧ و٧٥٠٨] (٣٠٢٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٥٢٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٧٣٦.
(٢) راجع: "تحفة الأحوذي" ٨/ ٣٤٦.
[ ٤٥ / ٤١٨ ]
أَبُو عُمَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: آخِرَ سُورَةٍ، وَقَالَ: عَبْدُ الْمَجِيدِ، وَلَمْ يَقُلِ: ابْنِ سُهَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب، و"أبو معاوية" هو: محمد بن خازم الضرير.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن أبي عُميس هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
[٧٥٠٩] (٣٠٢٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، رَجُلًا فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ [٨] تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ [٤]، تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ [٣]، تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) وفي رواية ابن أبي عمر، عن سفيان: "حدّثنا عمرو بن دينار"، كذا أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" من طريقه، (عَنْ عَطَاء) بن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ) لم يُسمّوا، (مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا) قيل: هو مِرداس بن نَهيك، وقيل: عامر بن الأضبط الأشجعيّ، وسيأتي
[ ٤٥ / ٤١٩ ]
تمام البحث فيه. (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بالتصغير، وفي رواية سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، والترمذيّ، وحسنه، والحاكم، وصححه: "مَرّ رجل من بني سُليم، بنفر من الصحابة، وهو يسوق غنمًا له، فسلّم عليهم"، (فَقَالَ) الرجل: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ)؛ أي: أخذوا الرجل المسلّم عليهم، (فَقَتَلُوهُ) زاد في رواية سماك: "وقالوا: ما سَلَّم علينا إلا ليتعوذ منا"، (وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ) التي كانت لذلك الرجل (فَنَزَلَتْ)؛ يعني: الآية، وهي قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) وفي رواية سماك: "وأتوا بغنمه النبيّ -ﷺ-، فنزلت"، وروى البزار من طريق حَبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال: "بعث رسول الله -ﷺ- سريةً، فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم، قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبيّ -ﷺ-: كيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ وأنزل الله هذه الآية".
قال الحافظ -﵀-: هذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها، ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبيّ من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبيّ أن اسم المقتول: مِرداس بن نَهيك، من أهل فَدَك، وأن اسم القاتل: أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السرية: غالب بن فَضَالة الليثيّ، وأن قوم مِرداس لمّا انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلمّا لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلمّا رجعوا نزلت الآية، وكذا أخرج الطبريّ من طريق السُّدّي نحوه، وفي آخر رواية قتادة: "لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون".
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "أُنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ في مرداس"، وهذا شاهد حسن.
وورد في سبب نزولها عن غير ابن عباس شيء آخر، فروى ابن إسحاق في "المغازي"، وأخرجه أحمد من طريقه، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، قال: "بعثنا رسول الله -ﷺ- في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة، ومُحَلِّم بن
[ ٤٥ / ٤٢٠ ]
جَثَّامة، فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ، فسلّم علينا، فحمل عليه مُحَلِّم، فقتله، فلما قَدِمنا على النبيّ -ﷺ-، وأخبرناه الخبر، نزل القرآن، فذكر هذه الآية".
وأخرجها ابن إسحاق من طريق ابن عمر أتمّ سياقًا من هذا، وزاد أنه كان بين عامر ومحلم عداوة في الجاهلية، وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معًا (^١).
قال عطاء: (وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) وهي قراءة الأكثرين.
قال في "الفتح": قوله في آخر الحديث: "قال: قرأ ابن عباس: السلام" هو مقول عطاء، وهو موصول بالإسناد المذكور، قال: والسَّلَم، والسلام، والسِّلْم واحد، يعني: أن الأول بفتحتين، والثالث بكسر، ثم سكون، فالأول قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة، والثاني قراءة الباقين، والثالث قراءة رُويت عن عاصم بن أبي النَّجُود، ورُوي عن عاصم الْجَحْدريّ بفتح، ثم سكون، فأما الثاني فمن التحية، وأما ما عداه فمن الانقياد. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قال: هذه قراءة ابن عباس، وجماعة من القراء، ﴿السَّلَام﴾ بألف، يعنون به التحية، وقرأه جماعة آخرون: ﴿السَّلَمَ﴾ بغير ألف، يعنون بذلك: الصلح، والقراءتان في السبع، وقرأ ابن وثّاب: "السِّلْم" -بكسر السين، وسكون اللام-، وهي لغة في السَّلْم، الذي هو الصلح.
وقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: تريدون المال، وما يَعْرِض من الأعراض الدنيوية.
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: إن اتقيتم الله، وكففتم عما ينهاكم عنه سلّمكم، وغنّمكم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: قبل الهجرة حين كنتم تُخفون الشهادة، وقيل: من قبل أن تعرفوا الشهادة.
وقوله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: بالإسلام، وبإعزازكم بمحمد -ﷺ-.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٢ - ٦٣، "كتاب التفسير" رقم (٤٥٩١).
(٢) "الفتح" ١٠/ ٦٢ - ٦٣، "كتاب التفسير" رقم (٤٥٩١).
[ ٤٥ / ٤٢١ ]
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] من البيان، و"تثبّتوا": من التثبّت، والقراءتان في السبع، وتفيدان وجوب التوقف، والتبيّن عند إرادة الأفعال، إلى أن يتّضح الحقّ، ويرتفع الإشكال. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٥٠٩]، (٣٠٢٥)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٩١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٣٠)، و(أبو داود) في "الحروف والقراءات" (٣٩٧٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٢٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٥٥٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٩ و٢٧٢ و٣٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ذمّ الحرص على الدنيا؛ لأن هؤلاء لم يقتلوا هذا الرجل إلا ليأخذوا غنيمته، ولذلك قال الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
٢ - (ومنها): أن في الآية الكريمة دليلًا على أن من أظهر شيئًا من علامات الإسلام لم يحلّ دمه حتى يختبر أمره؛ لأن السلام تحية المسلمين، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة.
٣ - (ومنها): أنه على قراءة "السَّلَمَ" على اختلاف ضبطه، فالمراد به: الانقياد، وهو علامة الإسلام، لأن معنى الإسلام في اللغة: الانقياد.
قال الحافظ -﵀-: ولا يلزم من هذا الحكمُ بإسلام من اقتصر على ذلك، وإجراء أحكام المسلمين عليه، بل لا بدّ من التلفظ بالشهادتين على تفاصيل في ذلك بين أهل الكتاب وغيرهم، والله تعالى أعلم (^٢).
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٦٣.
[ ٤٥ / ٤٢٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٠] (٣٠٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا، فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ [٣]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٢ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) -﵁- (يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ) هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار، لكن في حديث جابر -﵁- أن سائر العرب كانوا كذلك، إلا قريشًا، ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة، كما قال البراء، وكذلك أخرجه الطبريّ من مرسل الربيع بن أنس نحوه. (إِذَا حَجُّوا) وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عند البخاريّ بلفظ: "إذا أحرموا في الجاهلية". (فَرَجَعُوا) إلى بلدانهم (لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا)؛ أي: نقبوا البيت من قِبَل ظهره، فدخلوا فيه. (قَالَ) البراء: (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو قُطْبة -بضم القاف، وإسكان الطاء المهملة، بعدها موحّدة- ابن عامر بن حَدِيدة -بمهملات، وزن كبيرة- الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ، كما أخرجه ابن خزيمة، والحاكم في "صحيحيهما" من طريق عمار بن رُزيق (^١)
_________________
(١) بتقديم الراء مصغّرًا.
[ ٤٥ / ٤٢٣ ]
عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: "كانت قريش تُدْعَى الْحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب، لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله -ﷺ- في بستان، فخرج من بابه، فخرج معه قُطبة بن عامر الأنصاريّ، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة رجل فاجر، فإنه خرج معك من الباب، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، قال: إني أحمسيّ، قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية"، وهذا الإسناد وإن كان على شرط مسلم، لكن اختُلف في وصله على الأعمش، عن أبي سفيان، فرواه عبد بن حميد عنه، فلم يذكر جابرًا، أخرجه بَقِيّ، وأبو الشيخ في "تفسيرهما" من طريقه، وكذا سماه الكلبيّ في "تفسيره" عن أبي صالح، عن ابن عباس، وكذا ذكر مقاتل بن سليمان في "تفسيره".
وجزم البغويّ وغيره من المفسرين بأن هذا الرجل يقال له: رفاعة بن تابوت، واعتمدوا في ذلك على ما أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير من طريق داود بن أبي هند، عن قيس بن جبير النَّهْشليّ، قال: "كانوا إذا أحرموا لم يأتوا بيتًا من قِبَل بابه، ولكن من قِبَل ظهره، وكانت الحُمُس تفعله، فدخل رسول الله -ﷺ- حائطًا، فاتّبعه رجل يقال له: رفاعة بن تابوت، ولم يكن من الحمس. . ." فذكر القصة.
قال الحافظ: وهذا مرسل، والذي قبله أقوى إسنادًا، فيجوز أن يُحْمَل على التعدد في القصة، إلا أن في هذا المرسل نظرًا من وجه آخر؛ لأن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هَبَّت الريح العظيمة لموته، كما وقع مبهمًا في "صحيح مسلم"، ومفسَّرًا في غيره من حديث جابر، فإن لم يُحْمَل على أنهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما، وإلا فكونه قطبة بن عامر أَولى.
ويؤيده أن في مرسل الزهريّ عند الطبري: "فدخل رجل من الأنصار، من بني سَلِمة" وقطبة من بني سَلِمة، بخلاف رفاعة.
ويدلّ على التعدد اختلاف القول في الإنكار على الداخل، فإن في حديث جابر: "فقالوا: إن قطبة رجل فاجر"، وفي مرسل قيس بن جبير: "فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة"، لكن ليس بممتنع أن يتعدد القائلون في القصة الواحدة.
[ ٤٥ / ٤٢٤ ]
وقد وقع في حديث ابن عباس عند ابن جريج أن القصة وقعت أوّل ما قَدِمَ النبيّ -ﷺ- المدينة، وفي إسناده ضعف.
وفي مرسل الزهريّ أن ذلك وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدّيّ عند الطبري أيضًا أن ذلك وقع في حجة الوداع، وكأنه أخذه من قوله: "كانوا إذا حجوا"، لكن وقع في رواية الطبريّ: "كانوا إذا أحرموا"، فهذا يتناول الحج والعمرة، والأقرب ما قال الزهريّ.
وبيَّن الزهريّ السبب في صنيعهم ذلك، فقال: "كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة، لم يَحُلْ بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلّ، فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب، من أجل أن السقف يحول بينه وبين السماء".
[تنبيه]: اتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلا ما أخرجه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن، قال: "كان الرجل من الجاهلية يَهُمّ بالشيء يصنعه، فيحبس عن ذلك، فلا يأتي بيتًا من قبل بابه، حتى يأتي الذي كان همّ به"، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام.
وخالفهم محمد بن كعب القُرظيّ، فقال: "كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزل من باب البيت" فنزلت، أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف.
وأغرب الزجاج في "معانيه"، فجزم بأن سبب نزولها ما رُوي عن الحسن، لكن ما في الصحيح أصحّ، والله أعلم.
[تنبيه آخر]: اتفقت الروايات على أن الحمس كانوا لا يفعلون ذلك، بخلاف غيرهم، وعَكَس ذلك مجاهد، فقال: "كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثَقَب كُوّةً في ظهر بيته، فدخل منها، فجاء رسول الله -ﷺ- ذات يوم، ومعه رجل من المشركين، فدخل من الباب، وذهب المشرك ليدخل من الكوّة، فقال له رسول الله -ﷺ-: ما شأنك؟ فقال: إني أحمسيّ، فقال: وأنا أحمسيّ"، فنزلت، أخرجه الطبريّ، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١).
(فَدَخَلَ) ذلك الرجل (مِنْ بَابِهِ)؛ أي: من باب بيته، (فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: كلّموه، وعابوه على ما فعل، وتقدّم أنهم قالوا: "نافق رفاعة"، وفي
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٤٣ - ٤٥، "كتاب العمرة" رقم (١٨٠٣).
[ ٤٥ / ٤٢٥ ]
رواية: "إن قُطبة رجل فاجر"، (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ردًّا عليهم في إنكارهم، وجعلته من أعمال الجاهليّة، لا من أعمال البرّ. (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾).
وقال القرطبيّ -﵀-: إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضي إحرامهم، ويَصِلوا إلي منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها، قاله الزهريّ، يعتقدون أن ذلك من البِرّ والقُرَب، فنفى الله ذلك بقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، ثم بيّن ما يكون فيه البرّ بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: برّ من اتقى الله، وعَمِل بما أمره الله به من طاعته. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٥١٠] (٣٠٢٦)، و(البخاريّ) في "العمرة" (١٨٠٣) و"التفسير" (٤٥١٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٧١٧)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٣٠٧٥ و٣٠٧٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٤٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٢٧٤)، و(الواحديّ) في "أسباب النزول" (ص ٣٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٦١)، و(الخطيب) في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): ما كان عليه الجاهليّة من المشقّة والتعب في إقامة دينهم الباطل.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: يستفاد من الآية أن الطاعات والقُرَب إنما يُتوصّل إليها بالتوقيف الشرعيّ، والتعريف، لا بالعقل والتخريف،
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ٤٥ / ٤٢٦ ]
فالبيوت على هذا محمولة على حقائقها، وقد قال بعض العلماء: إن المراد بها إتيان الأمور من وجوهها، وهو بعيد، وأبعدُ من قول من قال: إن المراد بها إتيان النساء في فروجهنّ، لا في أدبارهنّ، والصحيح الأول، وأما القولان الآخران فيؤخذان من موضع آخر، لا من الآية. انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.