وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٥] (٣٠٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يُعْبَدُونَ، فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عَلَى عِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ [٨]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ [٥]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرة الكوفيّ [٢]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٠.
٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود -﵁-، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
والباقون ذُكروا قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁- (فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وقوله (﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾) صفته، وضمير الصلة محذوف؛ أي: يدعونهم، والمعنى: أن أولئك المدعوّين، وقوله: (﴿يَبْتَغُونَ﴾) خبرٌ، أو حال، والخبر قوله: "الذين يدعون"؛ أي: يدعون الناس إلى عبادته، وقرأ ابن مسعود: "تدعون" بالتاء علي الخطاب، والباقون بالياء على الخبر، ولا خلاف في "يبتغون" أنه بالياء، وقوله: (﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾) متعلّق بـ "يبتغون"؛ أي: يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة، قال القرطبيّ المفسّر: أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم،
[ ٤٥ / ٤٣٩ ]
والهاء والميم في "ربهم" تعود على العابدين، أو على المعبودين، أو عليهم جميعًا، وأما "يدعون" فعلى العابدين، و"يبتغون" على المعبودين.
وقوله: (﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾) مبتدأ وخبره، ويجوز أن يكون "أيهم أقرب" بدلًا من الضمير في "يبتغون"، والمعنى: يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله.
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]؛ أي: مخوفًا لا أمان لأحد منه، فينبغي أن يحذر منه ويخاف.
وقال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف، تقديره: أولئك الذين يدعونهم آلهة، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وقرأ ابن مسعود: "تدعون" بالمثناة الفوقانية، على أن الخطاب للكفار، وهو واضح.
وقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: معناه: يبتغون مَن هو أقرب منهم إلى ربهم، وقال أبو البقاء: ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أَقْرَبُ﴾، وهو استفهام في موضع نصب بـ ﴿يَدْعُونَ﴾ ويجوز أن يكون بمعنى الذين، وهو بدل من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾، كذا قال، وكأنه ذهب إلى أن فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾، و﴿يَبْتَغُونَ﴾ واحد، والله أعلم (^٢).
(قَالَ) عبد الله بن مسعود: (كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا)؛ أي: دخلوا في دين الإسلام، (وَكَانُوا يُعْبَدُونَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يعبدهم بعض الناس، (فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ) بالبناء للفاعل، (عَلَى عِبَادَتِهِمْ)، أي: عبادة هؤلاء الجنّ، وفي الرواية التالية: "واستمسك الإنس بعبادتهم"، (وَ) الحال أنه (قَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ) وفي رواية للبخاريّ: "فأسلم الجنّ، وتمسَّك هؤلاء بدينهم"؛ أي: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك؛ لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
وروى الطبريّ من وجه آخر عن ابن مسعود، فزاد فيه: "والإنس الذين
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٢٩٨.
[ ٤٥ / ٤٤٠ ]
كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم"، قال الحافظ: وهذا هو المعتمَد في تفسير هذه الآية.
وأما ما أخرجه الطبريّ من وجه آخر عن ابن مسعود قال: "كان قبائل العرب يعبدون صنفًا من الملائكة، يقال لهم: الجنّ، ويقولون: هم بنات الله، فنزلت هذه الآية"، فإن ثبت فهو محمول على أنها نزلت في الفريقين، وإلا فالسياق يدلّ على أنهم قبل الإسلام كانوا راضين بعبادتهم، وليست هذه من صفات الملائكة.
وفي رواية سعيد بن منصور عن ابن مسعود في حديث الباب: "فعَيَّرهم الله بذلك".
وكذا ما أخرجه من طريق أخرى ضعيفة، عن ابن عباس: أن المراد من كان يعبد الملائكة، والمسيح، وعزيرًا (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٧٥١٥ و٧٥١٦ و٧٥١٧ و٧٥١٨] (٣٠٣٠)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٧١٤ و٤٧١٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٨٠)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٣٩٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٢٢٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ، وَاسْتَمْسَكَ الإِنْسُ بِعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾).
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٢٩٧، "كتاب التفسير" رقم (٤٧١٤).
[ ٤٥ / ٤٤١ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ [٩]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ [٧]، تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ، أبو محمد الفرائضىّ، نزيل البصرة [١٠]، تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠.
والباقون ذُكروا قريبًا، و"سليمان" هو: الأعمش.
[تنبيه]: رواية شعبة عن سليمان الأعمش هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:
(٤٤٣٨) - حدّثنا بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله -﵁- في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: "كان ناس من الجنّ يعبدون، فأسلموا". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٤/ ١٧٤٨.
[ ٤٥ / ٤٤٢ ]
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ، كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ، وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ [١١]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) البصريّ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ [٨]، تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (حُسَيْنُ) بن ذكوان المعلّم المكتب البصريّ [٦]، تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ [٤]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ) البصريّ [٤]، تقدم في "الصيام" ٣٨/ ٢٧٤٦.
[تنبيه]: قوله: "الزّمّانيّ" بكسر الزاي، وتشديد الميم، آخره نون: نسبة إلى زِمّان بن مالك بن صعب بن عليّ بني بكر بن وائل، بطن من ربيعة، قاله في "اللباب" (^١).
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ) بن مسعود ابن أخي عبد الله بن مسعود، تقدّم قريبًا. و"عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ" ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه، ولله الحمد.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.