مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة:
[المسألة الأولى]: في معنى التفسير، واشتقاقه:
"التفسير" مبالغة في الفَسْر، بفتح، فسكون، وهو الإيضاح، والفعل من بابي ضرب، ونصر، قال الفيّوميّ ﵀: فَسَرْتُ الشيءَ فَسْرًا، من باب ضرب: بيّنته، وأوضحته، والتثقيل مبالغة. انتهى (^١).
وقال المجد ﵀: الْفَسْرُ: الإبانة، وكشف المغطّى؛ كالتفسير، والفعل كضرب، ونصر. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": التفسير تفعيل من المفسر، وهو البيان، تقول: فَسَرتُ الشيءَ بالتخفيف أَفْسرُهُ فَسْرًا، وفَسَّرته بالتشديد أُفَسِّره تفسيرًا: إذا بيّنته، وأصل المفسر: نظر الطبيب إلى الماء؛ ليعرف العلّة، وقيل: هو من فسرتُ الفرسَ: إذا ركضتها محصورة؛ لينطلق حصرها، وقيل: هو مقلوب من سَفَر؛ كجذب وجبذ، تقول سفر: إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، واختلفوا في التفسير والتأويل، قال أبو عبيدة، وطائفة: هما بمعنى، وقيل: التفسير: هو بيان المراد باللفظ، والتأويل: هو بيان المراد بالمعنى (^٣).
وقال أبو عبيد الهرويّ: التأويل: ردّ أحد المحتمِلَين إلى ما يطابق الظاهر، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، وحَكَى صاحب "النهاية" أن التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصليّ إلى ما لا يَحتاج إلى دليل، لولاه ما تُرك ظاهر اللفظ، وقيل: التأويل: إبداء احتمال لفظ معتضد بدليل
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٩٩٥.
(٣) "الفتح" ٩/ ٦٢٧ "التفسير".
[ ٤٥ / ٣٦١ ]
خارج عنه، ومثّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الإسراء: ٩٩] قال: من قال: لا شك فيه فهو التفسير، ومن قال: لأنه حقّ في نفسه لا يقبل الشك، فهو التأويل. انتهى ما في "الفتح" (^١).
[المسألة الثانية]: كتب صاحب "التكملة" هنا بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده هنا؛ لنفاسته، قال ﵀: قد اختصر مسلم ﵀ في كتاب التفسير، فلم يورد فيه إلا ثمانية عشر حديثًا، وذلك لأن الأحاديث المرفوعة الخاصّة بتفسير القرآن الكريم يقلّ فيها توافر الشروط التي التزم بها مسلم لإخراج الأحاديث في هذا الكِتاب، وأما الأحاديث التي يُستنبط منها مسألة من مسائل التفسير، أو لها علاقة بآية من آيات القرآن، وإن لم تكن في صميم موضوع التفسير، فإن المصنّف أخرجها في الأبواب الأخرى من هذا الكتاب، وليس من عادته التكرار، ولهذا قلّت أحاديث هذا الكتاب.
وقد اشتهَر فيما بين المتأخّرين ممن كتبوا في مصطلح الحديث أن اسم "الجامع" إنما يُطلق على الكتاب الذي يجمع أحاديث تتعلّق بثمانية مواضيع، وهي: العقائد، والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والسيرة، والفتن، والمناقب، وذكروا أن "صحيح البخاريّ" جامع لتضمّنه هذه الأبواب كلها، وأما "صحيح مسلم" فقالوا: إنه ليس جامعًا، لقلّة التفسر فيه.
قال: وقد بحثت عن تعريف اصطلاح "الجامع" في كتب المتقدّمين، فلم أجد عندهم هذا الاصطلاح بهذا التعريف، ولكنهم أطلقوا هذا اللفظ على "صحيح البخاريّ"، و"جامع سفيان الثوريّ"، و"جامع عبد الرزّاق"، و"موطأ الإمام مالك"، وغيره، وقد عرّف الشيخ محمود محمد خطّاب السبكيّ ﵀ لفظ الجامع بطريق آخر، فقال في مقدّمة "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود": والجامع ما كان مرتّبًا على أبواب الفقه؛ كالكتب الستّة، أو على ترتيب الحروف في أوائل الترجمة؛ ككتاب الإيمان، والبرّ، والتوبة، والثواب، وهكذا فعل صاحب "جامع الأصول"، أو باعتبار رعاية الحروف في أوائل الحديث، كما فعل السيوطيّ في "الجامع الصغير"، وقد جمع في "الجامع الكبير" بين الجامع والمسند.
_________________
(١) "الفتح" ١٧/ ٦٠٧، "كتاب التوحيد" رقم (٧٥٥٣).
[ ٤٥ / ٣٦٢ ]
قال: وأول من عرّف الجامع بما يجمع العلوم الثمانية - فيما أعلم - هو الشيخ عبد العزيز الدهلويّ ﵀ في رسالته المسمّاة بـ "العجالة النافعة"، وهو الذي صرّح فيها بأن "صحيح مسلم" ليس جامعًا، لأنه لا يوجد فيه أحاديث التفسير والقراءات.
وقد مرّ في مقدّمة هذا الكتاب أن مجد الدين الشيرازيّ صاحب "القاموس" قد أطلق لفظ الجامع على "صحيح مسلم"، وكذلك ذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" "صحيح مسلم" بلفظ "الجامع الصحيح"، وكذلك فعل العلامة علي القاري في "مرقاة المفاتيح" حيث قال في ترجمة مسلم ﵀: وله المصنّفات الجليلة غير جامعه الصحيح.
قال: وإطلاق هذا اللفظ على "صحيح مسلم" هو الراجح على كلا التعريفين للجامع، أما على تعريف الخطاب السبكيّ فظاهر؛ لأن كتاب مسلم مرتّب على أبواب الفقه، وأما على تعريف الشيخ الدهلويّ فكذلك، وذلك لوجهين:
الأول: أن الإمام مسلمًا - ﵁ - لم يترك أحاديث التفسير رأسًا، بل عقد لها هذا الباب، أما قلّة أحاديثه فيه فلِمَا ذكرنا من أن الأحاديث المرفوعة التي هي في صميم موضوع التفسير، والتي تستجمع الشروط التي التزمها مسلم قليلة، وقد أخرج ﵀ أحاديث كثيرة في الأبواب الأخرى لها علاقة بالتفسير، وإنما طال كتاب التفسير في "صحيح البخاريّ"؛ لأنه يورد الأحاديث بأدنى مناسبة، ولا يرى بالتكرار بأسًا، ولأنه أدخل فيه كثيرًا من تفسير غريب القرآن.
قال: وقد التمست من بعض أصحابي أن يتتبع الأحاديث التي أخرجها البخاريّ في "كتاب التفسير" كم أخرج منها مسلم في غير "كتاب التفسير"، فتبيّن من هذا التتبّع أن اثنين وستين حديثًا أخرجها البخاريّ في "التفسير"، وأخرجها مسلم في الأبواب الأخرى غير "كتاب التفسير"، وإذا أضفنا إليها هذه الثمانية عشر التي أخرجها مسلم في "كتاب التفسير" بلغ عددها إلى ثمانين حديثًا، وهناك أحاديث أخرى في "صحيح مسلم" يمكن أن تُدرج في "كتاب التفسير" لمناسبة من المناسبات، لم يُخرجها البخاريّ في "التفسير"، فيزداد العدد، فأحاديث التفسير في "صحيح مسلم" ليست قليلة بما يخرجه من كونه جامعًا.
[ ٤٥ / ٣٦٣ ]
والوجه الثاني: أن أحاديث التفسير في "جامع سفيان الثوريّ"، و"جامع سفيان بن عيينة" قليلة أيضًا، كما ذكره الكتانيّ في "الرسالة المستطرفة" ناقلًا عن "قوت القلوب"، ومع ذلك فإنهما يُطلق عليهما لفظ الجامع بالاتفاق. انتهى كلام صاحب "التكملة" (^١)، وهو بحث مفيد.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت في مقدّمة "شرح المقدّمة" تحقيق هذه المسألة، وترجيح القول بإطلاق لفظ "الجامع" على "صحيح مسلم"، فراجعه (^٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.