وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٢٠] (٣٠٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٧٦، "كتاب التفسير" رقم (٤٨٨٢).
(٢) "الفتح" ١٠/ ٦٧٦.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٩٠، "كتاب التفسير" رقم (٤٠٢٩).
[ ٤٥ / ٤٤٥ ]
رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، وَدِدْتُ أيُّهَا النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان [١٠]، تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل [٨]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (أَبُو حَيَّانَ) التيميّ يحيى بن سعيد بن حيّان الكوفيّ [٦]، تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الكوفيّ [٣]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله -﵄-، تقدم في "الإيمان " ١/ ١٠٢.
٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁-، تقدم في "المقدمة" ٩/ ٣.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) وفي رواية ابن عُليّة عن أبي حيان: "حدّثنا الشعبيّ"، أخرجه النسائيّ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄-: أنه (قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) وفي الرواية التالية: "قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ"، (فَحَمِدَ) بكسر الميم، من باب فَهِمَ، (اللهَ، وَأَثْنَي عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ) من الظروف المبنيّة علي الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها. (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه، وفيه حَذْف الفاء من جواب "أما"، قال ابن مالك -﵀-: فيه جواز حَذْف الفاء في جواب "أما بعدُ"، فتعقّبه الحافظ بأنه من تصرّف الرواية، فقد جاء في رواية بلفظ: "خطب عمر على المنبر، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر"، وليس فيه: "أما بعدُ"، وفي رواية بلفظ: "أما بعد فإن الخمر"، فظهر بهذا أن حذف الفاء
[ ٤٥ / ٤٤٦ ]
وإثباتها من تصرّف الرواة. انتهى (^١).
ومسألة الفاء بعد "أما" قد بيّنها ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
"أَمَّا" كَـ "مَهْمَا يَكُ مِنْ شَىْءٍ" وَفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
(وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ، وَهْيَ)؛ أي: والحال أنها (مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ) قال في "الفتح": الجملة حالية؛ أي: نزل تحريم الخمر في حال كونها تُصنع من خمسة، ويجوز أن تكون استئنافية، أو معطوفة على ما قبلها، والمراد أن الخمر تُصنع من هذه الأشياء، لا أن ذلك يختص بوقت نزولها، والأول أظهر (^٢).
وقوله: (مِنَ الْحِنْطَةِ) إلى آخره بدل من "خمسة"، أو من "أشياء"، و"الحنطة" بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، وهي والقَمْح، والبرّ، والطعام واحد (^٣). (وَالشَّعِيرِ) بفتح، فكسر، ويقال: بكسرتين أيضًا، وهو الحَبّ المعروف، قال الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. أفاده في "المصباح" (^٤).
[فائدة]: قال السيد محمد مرتضى الزبيديّ اللغوي في "شرح القاموس": قال عمر، بن خلف بن مكّيّ: كلُّ فَعِيل وسطه حرف حلق مكسور يجوز كسر ما قبله، أو كسر فائه؛ إتباعًا للعين، في لغة تميم، كشعير، ورحيم، ورغيف، وما أشبه ذلك، بل زعم الليث أن قومًا من العرب يقولون ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق، ككبير، وجليل، وكريم. انتهى كلام المرتضى (^٥)، فاحفظه فإنه مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(وَالتَّمْرِ) من ثمر النخل، كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد إرطابه، حتى يَجِفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويترك في الشمس حتى ييبس، قال أبو حاتم: وربما جُدّت النخلة، وهي باسرة، بعدما أَخَلّت (^٦) ليخفف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك حتى تكون
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٥٩٨.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٦١٣ - ٦١٤.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٥٤.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٣١٥.
(٥) "تاج العروس من جواهر القاموس" ٣/ ٣٠٤ في مادّة الراء.
(٦) أي: صار بَلَحها خَلالًا.
[ ٤٥ / ٤٤٧ ]
تمرًا، الواحدة تمْرَةٌ، والجمع تُمُورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ، والتَّمْرُ يذكّر في لغة، ويؤنث في لغة، فيقال: هو التَّمْرُ، وهي التَّمْرُ. انتهى (^١).
(وَالزَّبِيبِ) اسم جمع، يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، الواحدة زبيبة. (وَالْعَسَلِ) بفتحتين، يذكر، ويؤنّث، وهو الأكثر، ومن التأنيث قول الشاعر:
بِهَا عَسَلٌ طَابَتْ يَدَا مَنْ يَشُورُهَا
ويُصغّر على عُسيلة على لغة التأنيث؛ ذهابًا إلى أنها قطعة من الجنس، وطائفة منه، كما في حديث: "حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عسيلتك" (^٢).
قال في "الفتح": هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب، في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكمَ الرفع؛ لأنه خبر صحابيّ شَهِد التنزيل، أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر -﵁- على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى آخرها، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتَّخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي، فإنه يدل على أن الصحابة فَهِموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب، أم من غيرها.
وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبيّ -ﷺ- صريحًا، فأخرج أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر"، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه: "أن النعمان خطب الناس بالكوفة"، ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبيّ، عن النعمان، بلفظ: "إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا"، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السنن، والتي قبلها فيها الزبيب، دون العسل.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٧٦ - ٧٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٩.
[ ٤٥ / ٤٤٨ ]
ولأحمد من حديث أنس، بسند صحيح عنه قال: "الخمر من العنب، والتمر، والعسل". ولأحمد من حديث أنس، بسند صحيح عنه قال: "الخمر والتمر، والعسل والحنطة، والشعير، والذرة" أخرجه أبو يعلي من هذا الوجه بلفظ: "حُرِّمت الخمر يوم حرميت، وهي "، فذكرها، وزاد الذرة.
وأخرج الخلعي في "فوائده" من طريق خلاد بن السائب، عن أبيه، رفعه، مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق حديث ابن عمر: "نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةَ أشربة، مافيها شراب العنب" (^١).
(وَالْخَمْرُ مَا خَامَر الْعَقْلَ)؛ أي: غطَّاه، أو خالطه، فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه، و"العقل": هو آلة التمييز، فلذلك حُرّم ما غطاه، أو غَيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قال الكرمانيّ: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل، من عصير العنب خاصة، كذا قال، وفيه نظر؛ لأن عمر - ﵁ - ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعيّ، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع، هو ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة اختلافا في ذلك، ولو سلّم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب، يسمى خمرًا، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت عند مسلم، وأصحاب السنن، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة"، قال البيهقي: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه ثبت أن الخمر تُتَّخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعًا لا تختص بالمتخذ من العنب. أفاده في "الفتح" (^٢)، وهو بحث نفيس.
قال عمر - ﵁ -: (وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) وفي الرواية التالية: "وثلاث"، فيكون
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٦١٤.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٦١٥.
[ ٤٥ / ٤٤٩ ]
صفة موصوف؛ أي: أمور، أو أحكام ثلاث (وَدِدْتُ أَيُّهَا النَّاسُ)؛ أي: تمنيت، وإنما تمنى ذلك؛ لأنه أبعدُ من محذور الاجتهاد، وهو الخطأ فيه، فثبت على تقدير وقوعه، ولو كان مأجورًا عليه، فإنه يفوته بذلك الأجر الثاني، والعمل بالنص إصابة محضة. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا) وفي الرواية التالية: "وددت أن رسول الله -ﷺ- كان عَهِد إلينا فيهنّ عهدًا ننتهي إليه"، وفي رواية للبخاريّ: "لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدًا"، قال الحافظ -﵀-: وهذا يدلّ على أنه لم يكن عنده عن النبيّ -ﷺ- نصّ فيها، ويُشعر بأنه كان عنده عن النبيّ -ﷺ- فيما أخبر به عن الخمر ما لم يَحتج معه إلى شيء غيره، حتى خطب بذلك جازمًا به. انتهى.
وقوله: (الْجَدُّ) وما عُطف عليه بدل من "ثلاثة"، أو من "أشياء"، (وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ منْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أما الجد فالمراد قَدْر ما يَرِث؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فقد جاء عن عمر -﵁- أنه قضى فيه بقضايا مختلفة.
وأما الكلالة بفتح الكاف، وتخفيف اللام فقد اختُلف في تفسيره، والجمهور على أنه من لا ولد له، ولا والد، قال السهيليّ: الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس؛ لأن الكلالة وراثة تكللت العصبة؛ أي: أحاطت بالميت، وإن عَنَيت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة، وتُطلق الكلالة على الورثة مجازًا (^١).
وأما أبواب الربا فلعله يشير إلى ربا الفضل؛ لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدلّ على أنه كان عنده نصّ في بعضٍ من أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنى معرفة البقية (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٧٥٢٠ و٧٥٢١ و٧٥٢٢] (٣٠٣٢)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٦١٩) و"الأشربة" (٥٥٨١ و٥٥٨٨ و٥٥٩٠)
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٥٥.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٦٢٠.
[ ٤٥ / ٤٥٠ ]
و"الاعتصام" (٧٣٣٧)، و(أبو داود) في "الأشربة" (٣٦٦٩)، و(الترمذيّ) في "الأشربة" (١٨٧٢)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٥٥٨٠ و٥٥٨١ و٥٥٨٢) و"الكبرى" (٥٠٨٨ و٥٠٨٩ و٥٠٩٠)، و(أحمد) في "الأشربة" (١٨٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٠٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ١٠٦)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢١٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٣٥٣ و٥٣٥٨ و٥٣٥٩ و٥٣٨٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٠١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأنواع التي كانت تتّخذ منها الخمر وقت نزول آية تحريم الخمر، وهي هذه الخمسة.
٢ - (ومنها): ذِكر الأحكام على المنبر؛ لتشتهر بين السامعين.
٣ - (ومنها): ذكر "أما بعد" فيها، كما ثبت في رواية الإسماعيليّ.
٤ - (ومنها): التنبيه بالنداء.
٥ - (ومنها): التنبيه على شرف العقل وفضله.
٦ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ -﵀-: إنما عَدّ عمر -﵁- الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل، بل كان أعزّ، فعدَّ عمر ما عُرف فيها، وجعل ما في معناها مما يُتَّخذ من الأرز وغيره خمرًا، إن كان مما يخامر العقل، وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس، وأخْذه من طريق الاشتقاق، كذا قال، ورَدّ بذلك ابن العربي، في جواب من زعم أن قوله -ﷺ-: "كل مسكر خمر": معناه: مثل الخمر؛ لأن حذف مثل ذلك مسموع شائع، قال: بل الأصل عدم التقدير، ولا يصار إلى التقدير إلا إلى الحاجة.
[فإن قيل]: احتجنا إليه لأن النبيّ -ﷺ- لم يُبعث لبيان الأسماء.
[قلت]: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها، ولا سيما ليقطع تعلق القصد بها، قال: وأيضًا لو لم يكن الفضيخ خمرًا، ونادى المنادي: "حُرِّمت الخمر" لم يبادروا إلى إراقتها، ولم يفهموا أنها داخلة في مسمى الخمر، وهم الفُصْحُ اللُّسْنُ.
[ ٤٥ / ٤٥١ ]
[فإن قيل]: هذا إثبات اسم بقياس.
[قلنا]: إنما هو إثبات اللغة عن أهلها، فإن الصحابة -﵃- عرب فصحاء، فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة، ومن اللغة ما فهموه من الشرع. وذكر ابن حزم أن بعض الكوفيين، احتج بما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن عمر، بسند جيّد قال: "أما الخمر فحرام، لا سبيل إليها، وأما ما عداها من الأشربة، فكل مسكر حرام"، قال: وجوابه أنه ثبت عن ابن عمر أنه قال: "كل مسكر خمر"، فلا يلزم من تسمية المتَّخذ من العنب خمرًا، انحصار اسم الخمر فيه، وكذا احتجوا بحديث ابن عمر أيضًا: "حُرّمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء"، مراده: المتَّخذ من العنب، ولم يُرِد أن غيرها لا يسمى خمرًا، بدليل حديثه الآخر: "نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة خمسة أشربة، كلها تدعى الخمر، ما فيها خمر العنب". ذكره في "الفتح" (^١).
(المسألة الرابعة): قال في "الفتح": جعل الطحاويّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة، في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه، أن الخمر من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: "لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء"، وحديث أنس: "إن الخمر حرمت، وشرابهم الفضيخ"، وفي لفظ له: "وإنا نَعُدّها يومئذٍ خمرًا"، وفي لفظ له: "إن الخمر يوم حرمت: البسر والتمر". قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفّروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر، غير المتَّخذ من عصير العنب. انتهى.
ولا يلزم من كونهم لم يكفِّروا مستحل نبيذ التمر، أن يمنعوا تسميته خمرًا، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حُكم المسكر من نبيذ التمر، حُكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ١٧٤.
[ ٤٥ / ٤٥٢ ]
بحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يُتخذ الخمر من العنب والتمر، ويُحمَل حديث عمر ومن وافقه، على إرادة استيعاب ذِكر ما عُهد حينئذ أنه يتَّخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يُطلق على ما لا يتخذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يُتَّخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلّة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتَّخذ مما عداها كالعدم، وقد قال الراغب في "مفردات القرآن": سمّي الخمر لكونه خامرًا للعقل؛ أي: ساترًا له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتَّخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجع أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا حقيقة، وكذا قال أبو نصر ابن القشيري في "تفسيره": سميت الخمر خمرًا؛ لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدينوري، وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي، قال: سميت الخمر؛ لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغيّر رائحتها، وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل.
نَعَم جزم ابنُ سِيدَهْ في "المحكم" بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمى خمرًا مجازًا. وقال صاحب "الفائق" في حديث: "إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالَم": هي نبيذ الحبشة، متخذة من الذرة، سميت الغبيراء لِمَا فيها من الغبرة، وقوله: "خمر العالَم"؛ أي: هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها.
قال الحافظ: وليس تأويله هذا بأَولى من تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم، وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصر من ماء العنب، إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله -ﷺ-: "كل مسكر خمر"، وقوله: "الخمر من هاتين الشجرتين"، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر، قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب
[ ٤٥ / ٤٥٣ ]
ظني، قال: وإنما سمي الخمر خمرًا؛ لتخمره، لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصًّا فيه، كما في النجم، فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاص بالثريا. انتهى.
[والجواب] عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة، بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرًا، وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا، عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا، لَمَا أطلقوه. وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قال: فدل على أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما يُنتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، وقال أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتُّخذ من العنب، ومن الحجة لهم: أن القرآن لَمّا نزل بتحريم الخمر، فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان، أن كل شيء يسمى خمرًا، يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرًا من الشرع، كان حقيقة شرعية، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية.
[وعن الثانية]: ما تقدم من أن اختلاف مشترِكَين في الحكم في الغلظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلًا، فإنه يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ مَحْرمًا له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضًا فالأحكام الفرعية، لا يُشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حرامًا، بل يُحكم بتحريمه، إذا ثبت بطريق ظني تحريمه، وكذا تسميته خمرًا، والله أعلم.
[وعن الثالثة]: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو،
وكيف يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة:
"الخمر ما خامر العقل"؟ كأن مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة، فيُحمَل
قول عمر على المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر
[ ٤٥ / ٤٥٤ ]
خمرًا، فقال أبو بكر ابن الأنباري: سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء؛ أي: خالطه. وقيل: لأنها تخمر العقل؛ أي: تستره، ومنه الحديث: "خَمِّروا آنيتكم"، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُخمَّر حتى تُدرِك، كما يقال: خَمّرت العجين، فتَخمَّر؛ أي: تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي؛ أي: تركته حتى ظهر وتحرر. وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تَغلِي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخمر من العنب، أو من غيرها؟ قال: "ما خمّرت من ذلك، فهو الخمر"، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان.
قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُركت حتى أَدركت، وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه.
وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره، على صحتها وكثرتها، تُبطل مذهب الكوفيين القائلين: بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب الخمر، تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يُسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يُشكِل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد، لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم؛ لِمَا كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلمّا لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكًا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر -﵁- بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرًا، لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثم ذكرها، قال:
[ ٤٥ / ٤٥٥ ]
وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف، فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها، فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر من قبل أن يدخل حد الإسكار؛ جمعًا بين الأحاديث.
قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبيّ -ﷺ-، كما في حديث سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أسيد الساعديّ دعا النبيّ -ﷺ- لعُرسه، فأنقعت امرأته له تمرات من الليل في تور، فسقته منه، ولا فرق في الحل بينه وبين عصير العنب، أول ما يعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا، وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين، في دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يُتخذ من العنب، مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعي: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يُتخذ من العنب، مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزني، وابن أبى هريرة، وأكثر الأصحاب: أن الجميع يسمى خمرًا حقيقة، قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والروياني، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر، إلا في كلام الرافعي، ولم يتعقبه النووي في "الروضة"، لكن كلامه في "شرح مسلم" يوافقه، وفي "تهذيب الأسماء" يخالفه، وقد نقل ابن المنذر، عن الشافعي، ما يوافق ما نقلوا عن المزني، فقال: قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب عمر، وعلي، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث.
ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة، يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ابن عبد البر، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي، دون اللغوي، والله أعلم.
[ ٤٥ / ٤٥٦ ]
قال الحافظ: وقد قدمت في "باب نزول تحريم الخمر، وهو من البُسر" إلزام من قال بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، أنه يلزمهم أن يجوّزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة لَمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يُطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازًا، وإذا لم يجوّزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء العنان، والتسليم أن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة، فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية، فالكل خمر حقيقة؛ لحديث: "كلُّ مسكر خمر"، فكلُّ ما اشتد كان خمرًا، وكل خمر يَحْرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. وبالله تعالى التوفيق. انتهى من "الفتح" (^١)، وهو بحث نفيس جدًّا، فاغتنمه تَسعَد، والله تعالي أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: أمَّا بَعْدُ أيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثٌ، أيُّهَا النَّاسُ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٦١٥ - ٦١٩، "كتاب الأشربة" رقم (٥٥٨٨).
[ ٤٥ / ٤٥٧ ]
حَيَّانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ فِي حَدِيثِهِ: الْعِنَبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: الزَّبِيبِ، كمَا قَالَ ابْنُ مُسْهِرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: أما رواية ابن عليّة عن أبي حيّان، فقد ساقها أبو داود -﵀- في "سننه"، فقال:
(٣٦٦٩) - حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو حيّان، حدّثني الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر، قال: "نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل، وثلاثٌ ودِدتُ أن رسول الله -ﷺ- لم يفارقنا، حتى يَعْهَد إلينا فيهنّ عهدًا ننتهي إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس عن أبي حيّان، فقد ساقها البيهقيّ -﵀- في "الكبرى"، مقرونًا بعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك، فقال:
(١٢١٩١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عيسى بن يونس، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبي حيّان، وهو يحيى بن سعيد التيميّ، عن الشعبيّ، عن ابن عمر قال: سمعت عمر على منبر رسول الله -ﷺ- يقول: "أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من الخمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل، وثلاثٌ أيها الناس ودِدتُ أن رسول الله -ﷺ- لم يفارقنا حتى يَعْهَد إلينا فيهنّ عهدًا يُنتَهَى إليه: الكلالة، والجدّ، وأبواب من أبواب الربا". انتهى (^١).
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٦/ ٢٤٥.
[ ٤٥ / ٤٥٨ ]